تحميل قوات الدفاع الشعبي  -  دليل دراسة الكتاب المُقدَّس - الربع الأول 2018 - الوكالة المسيحية: مقاصِد القلب

مقدمة ٢


١. تأثير المادِّيَّة — ٣٠ كانون الأول (ديسمبر) – ٥ كانون الثاني (يناير) ٦


٢. أنا أرى، أنا أريد، أنا آخذ — ٦–١٢ كانون الثاني (يناير) ١٣


٣. الله أو المال — ١٣–١٩ كانون الثاني (يناير) ٢١


٤. النَّجاة مِن طرق العالم — ٢٠-٢٦ كانون الثاني (يناير) ٢٨


٥. وكلاء فيما بعد جنَّة عدن — ٢٧ كانون الثاني (يناير) – ٢ شباط (فبراير) ٣٥


٦. سِمات الوكيل — ٣-٩ شباط (فبراير) ٤٣


٧. الأمانة مع الله — ١٠-١٦ شباط (فبراير) ٥٠


٨. تأثير دفع العشور لله — ١٧-٢٣ شباط (فبراير) ٥٧


٩. تقدمات الشكر — ٢٤ شباط (فبراير) – ٢ آذار (مارس) ٦٥


١٠. دور الوكالة المسيحية — ٣-٩ آذار (مارس) ٧٢


١١. الدَّين: قرار يومي — ١٠-١٦ آذار (مارس) ٧٩


١٢. عادات الوكيل — ١٧-٢٣ آذار (مارس) ٨٧


١٣. نتائج الوكالة المسيحية — ٢٤-٣٠ آذار (مارس) ٩٥


Editorial Office: 12501 Old Columbia Pike, Silver Spring, MD 20904


Come visit us at our Website: http://www.absg.adventist.org


Principal Contributor

John H. H. Mathews


Editor

Clifford R. Goldstein


Associate Editor

Soraya Homayouni


Publication Manager

Lea Alexander Greve


Middle East and North Africa Union


Publishing Coordinator

Michael Eckert


Translation to Arabic

Samaan Ghali


Arabic Layout and Design

Marisa Ferreira


Editorial Assistant

Sharon Thomas-Crews


Pacific Press® Coordinator

Wendy Marcum


Art Director and Illustrator

Lars Justinen


Design

Justinen Creative Group


© ٢٠١٨ المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. جميع الحقوق محفوظة. لا يمكن تعديل أو تغيير أو تبديل أو تحويل أو ترجمة أو إعادة إصدار أو نشر أي جزء من دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار دون الحصول على إِذْن خطي مسبق من المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. ومصرحٌ لمكاتب الأقسام الكنسية التابعة للمجمع العام للأدفنتست السبتيين ® العمل على الترتيب لترجمة دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار بموجب مبادئ توجيهية محددة. وتبقى ترجمة ونشر هذا الدليل حقاً محفوظاً للمجمع العام. إن اصطلاح "الأدفنتست السبتيون" وشعار الشعلة هما علامتان تجاريتان للمجمع العالم للأدفنتست السبتيين ® ولا يجوز استخدامها دون الحصول على إذن مسبق من المجمع العام.


إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو من إعداد مكتب دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للكبار التابع للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. والناشر والمشرف العام على إعداد هذا الدليل هو لجنة مدرسة السبت، وهي إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الإدارية للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو انعكاس لمساهمات اللجنة العالمية للتقييم، ويحظى بموافقة لجنة مدرسة السبت للنشر، وبالتالي فهو لا يعكس بالضرورة وجهة النظر المنفردة للمؤلف (أو المؤلفين).



Sabbath School Personal Ministries



حياة الوكيل المسيحي


كمسيحيين، نحن بحاجة لأن نُدرك حالتنا الخاطئة قبل أن نرى حاجتنا إلى التغيير. هذا التغيير يأتي فقط وبالتَّمام مِن خلال عمل المسيح فينا. وأحد مظاهر عمله فينا هو مجال الوكالة المسيحية. ومع أنَّ الوكالة تشمل جوانب كثيرة من حياة المسيحي، فإننا سوف نُعَرِّفها الآن، وبصفة عامَّة، على أنَّها إدارة الممتلكات الملموسة وغير الملموسة لِمَجد الله.


كما يُعلِّمنا الكتاب المُقَدَّس، الوكالة المسيحية تُصبح، ضمن أشياء أخرى، أداة قويَّة لِمُقاومة خطر المادِّيَّة (محبَّة التَّملُّك)، أو الحياة الدنيوية عمومًا — إحدى أخطر المكائد الروحية التي ينصبها لنا عدو النفوس. كثير من الناس يفشلون في إدراك أنَّ الثَّراء والممتلكات هي أشياء رخيصة ووقتيَّة، تمنحنا نكهة ومذاقًا اصطناعيًا سُرعان ما نفقدهما في نهاية الأمر. للأسف، نفوس كثيرة سوف تضيع لفشلهم في التَّخلُّص مِن محبَّتهم للعالم. إنَّ طُرُق العالم «شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتَعَظُّم المَعِيشة» (١يوحنا ٢: ١٦) يُمكن التَّحكُّم بها كلها، ويمكن حتى تجنُّبها، مِن خِلال مبادئ الوكالة المسيحية إذ نعيشها في حياتنا.


ولهذا السبب وضمن هذا الرَّبع، سوف نتفحَّص الوكالة المسيحية وما يمكن أن نتعلَّمه منها حول طريقة عيشنا كما يريدنا الله أن نعيش، والتي تشمل الحرية من محبة العالم بكل مظاهرها. إنَّ الوكالة المسيحية هي التعبير العملي اليومي لِمَعنى إتِّباع يسوع؛ إنها تعبير عن محبَّتنا لله. إنها وسيلة للعيش حسب الحق الذي أعطانا الله إيَّاه في المسيح. نحن وكلاء لأنَّ الله أحبَّنا أولًا.


إذا عشنا عيشة الوكيل المسيحي، فذلك سيشمل سلوكنا، تجدُّدنا، التزامنا تكريسنا، ضبطنا لأنفسنا، وأشياء أخرى كثيرة. علينا أن نكون خُدَّام الله الأمناء والجديرين بالثقة، نحيا حياة عدم الأنانية عن طريق تواصلنا واتِّصالنا الدائم مع يسوع في كل ما نعمله وما نقوله. نكتشف في مدرسة المسيح أنَّ حصيلة الوكالة هي قناعة الحياة البارَّة. علينا أن نتعلَّم إدارة مُمتلكات الله لأجل مجده، وتمويل أو دعم رسالته لإنهاء عمله.


إنَّ وكلاء الله ينظرون «الآن في مرآة، في لغز» (١كورنثوس ١٣: ١٢)، لكنَّ يسوع يرى بوضوح. هو يعْهد إلينا أن نعمل عمله. وبالرغم مِن ضباب مغريات العالم، فما زلنا مسؤولين عن الإدارة السليمة والحكيمة لمواهبنا وأموالنا وصحتنا وبيئتنا. هذه الدروس موجَّهة لِتَعليمنا ما هي مسؤولياتنا كوكلاء، وكيف نستطيع بنعمة الله أن نُتمِّم تلك المسؤوليات، ليس كوسيلة لنربح الخلاص، بل كثمار لما لدينا فعلًا.


حياتنا كوكلاء مسيحيين تعكس صفات الله أمام العالم. هناك جمال وسعادة وتقوى في حياة أولئك الذين يتَّخذون موقفًا للعيش حسب مبادئ الكتاب المُقَدَّس، خاصة العيش ضد ميول ونزعات وتيارات الثقافات المادية المُعاصِرة. كل إنسان مُعرَّض للعيش عيشةً فاسدة وخاطئة؛ التجارب تحيطنا من كل جانب، في العَلَن أو بأساليب خادعة. ولكن كمسيحيين، وخاصة كوكلاء مسيحيين، قد اُظهر لنا ليس فقط كيف نفلت ونهرب مِن التجارب، بل أيضًا وُعِدْنا بالقُوَّة للخلاص منها.


في ختام الأمر كله، سوف نسمع أحد التَّصريحين: «إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ» (متى ٧: ٢٣)، أو «نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ» (متى ٢٥: ٢٣).


رجاؤنا وصلاتنا أنَّ ما سنتعلَّمه عن الوكالة المسيحية في هذا الرُّبع سوف يُساعدنا أن نبقى على الطريق الذي يجعل مِن هذه الكلمات: «ادخُل إلى فَرَح سيِّدك» الكلمات التي سوف نسمعها بالتأكيد.


جون هـ. هـ. ماثيوز، هو دكتور لاهوت مِن جامعة آندروز، وهو قس مرسوم خَدَم في ولايات: فلوريدا، ألاباما، آياوا، ميزوري، تينيسي، ونبراسكا. اليوم هو مدير خدمات الوكالة المسيحية في قسم أمريكا الشمالية.


دليلك في الطريق إلى وطنك السماوي


تواصل مع ﷲ بفعالية أكثر!


إن مبادرة "آمنوا بأنبيائه" هي برنامج مدته خمس سنوات يأخذك في رحلة عبر الكتاب المُقَدّس وقراءات مختارة من مؤلفات إلن ج. هوايت. قم بالحصول على قراءات يومية من الكتاب المُقَدّس، وقراءات تفاعلية مع غيرك من القراء، وكذلك بعض المقاطع من مؤلفات روح النبوة.


متحدون في الصلاة: هي مبادرة نلتزم فيها بالصلاة معاً مع الآخرين باستخدام طرق تقليدية أو مبتكرة. احصل على طلبات أسبوعية وشهادات أو أفكار متعلقة بالصلاة من أعضاء كنيستك حول العالم.


قم بالاشتراك في هاتين المبادرتين من خلال التسجيل على الموقع التالي:


http://www.RevivalandReformation.org


وشارك أفكارك والشهادات الخاصة بك.


حلقة عالمية للصلاة


برنامج عالمي لدراسة الكلمة المقدسة


صلاة يومية مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح حول العالم


دراسة يومية لكلمة ﷲ ومؤلفات روح النبوة


قم بتحميل


نسختك الإلكترونية المجانية


من دليل دراسة الكتاب المُقَدّس عبر الموقع التالي:


www.menapa.com


 

اشترك في


رسالتنا الإخبارية


المجانية


تزوّد بآخر المعلومات المتعلقة بكل


إصداراتنا الجديدة!


+961 1 690290 | www.menapa.com


شارع الفردوس، السبتية، جديدة المتن، بيروت، لبنان ١٢٠٢٢٠٤٠


جمعية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للنشر


الدرس الأول


٣٠ كانون الأول (ديسمبر) – ٥ كانون الثاني (يناير)


تأثير المادِّيَّة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١يوحنا ٢: ١٦، ١٧؛ لوقا ١٤: ٢٦-٣٣؛ ١٢: ١٥-٢١؛ تثنية ٨: ١٠-١٤؛ ١تيموثاوس ٦: ١٠؛ يوحنا ١٥: ٥؛ غلاطية ٢: ٢٠.


آية الحفظ: «ولا تُشاكِلوا هذا الدَّهر. بل تغيَّروا عن شكلِكُم بِتَجْدِيد أذهانِكم، لِتَخْتَبِروا ما هِيَ إرادةُ الله الصالِحَة المَرْضِيَّة الكامِلة» (رومية ١٢: ٢).


تقول كلمة الله لشعبه أن لا «تُشاكِلوا هذا الدَّهر» (رومية ١٢: ٢)؛ ولكن إغراء المادَّيات والرَّغبة الجامحة في جمع الثروة وما يمكن في اعتقادِنا أن تجلبه الثروة لنا، تأثير قوي. قليلون جدًا من الناس هم الذين لا يسعون وراء المادِّيّات. وهذا يشمل المسيحيين أيضًا.


ليس مِن الخطأ أن يكون الإنسان غنيًّا، بل وأن يعمل بجدٍّ ليوفِّر وسائل الرَّاحة له ولِمَن يُحِب. ولكن عندما يُصبح المال والسَّعي وراءه هو كل شيء في حياتنا، عندها نكون قد وقعنا في فخ الشيطان، ونُصبِح حقًّا مُتشاكلين مع هذا الدَّهر.


يَعتَبِرُ العالم أنَّ الحياة الهانِئة، الحياة الأفضل، توجد فقط بالمال. ولكن المال هو أحد الأقنِعة التي يتخفَّى وراءها الشَّيطان لينال مِن ولائنا. إنَّ المادِّيَّات هي إحدى أسلحة الشيطان المُختارة ضد المسيحيين. فعلى أي حال، مَن منَّا لا يرغب في المال وما يُمكِن أن يجلبه لنا المال هنا في زماننا ومكاننا؟ إنَّ أعظم ما يُمكن أن يُنجزه المال هو إحساس بالرِّضا والمُتعة اللحظية، ولكنه في النِّهاية لا يستطيع أن يُلبِّي لنا عُمقَ ما نحتاج إليه.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ٦ كانون الثاني (يناير).




إله هذا العالم


أصبَحَ المال هو إله هذا العالَم، والمادِّيّات هي دِيانته. إنَّ المادِّيَّة هي نظام مُعقَّد وماكر يمنح أمْنًا وقتيًا، ولكن ليس سِلمًا مُطلَقًا.


المادِّيَّة كما نُعرِّفها هنا، هي عندما تُصبِح الثروة والأملاك أكثر أهمية وأكثر قيمة مِن الحقائق الروحية. قد تكون للممتلكات قيمة، ولكن قيمتها لا يجب أن تمتلكنا: «مَن يُحِبُّ الفِضَّة لا يشبَع مِن الفِضَّة، ومَن يُحِبُّ الثروة لا يشبَع مِن دخل» (الجامعة ٥: ١٠). هذه هي المُشكِلة في رَغبة امتلاك الأشياء التي في العالَم: وبِغَض النظر عمَّا حصلنا عليه، فإنه غير كافٍ؛ فنندفع بجهد أكبر وأكبر للحصول على أكثر وأكثر مِن ذلك الذي لا يُمكن أن يكون كافيًا لإرضائنا. وهذا هو الفخُّ بعينه.


اقرأ ١يوحنا ٢: ١٦، ١٧. ماذا تقول هذه الآيات حول ما يهم حقًّا؟


اقرأ لوقا ١٤: ٢٦-٣٣. ماذا يقول لنا يسوع هنا أيضًا عن ما هو الشيء فائق الأهمية بالنسبة للمسيحي؟


قد يكون القول على الشكل التالي: بالنسبة لأولئك الذين يستحوذ المال وحُبُّهم له على كل همِّهم في الحياة، فعليهم أن يحسبوا حساب التَّكلفة. «لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو رَبِحَ العالم كُلَّه وخَسِرَ نفسَهُ» (مرقس ٨: ٣٦).


«عندما جاء المسيح إلى الأرض، كان يبدو أنَّ البشرية تُسرِع في الانحِدار إلى الحضيض. فحتى اُسس المُجتَمَع قُوِّضَت. والحياة صارَت زائِفَة وكاذِبة. واليهود إذ كانوا مُجرَّدين مِن قوَّة كلمة الله، قدَّموا للعالَم التقاليد والآراء المُخدِّرة للعقول والمُميتة للنفوس. وعبادة الله ‹بالروح والحق› اُزيحَت، واحتلَّ مكانها تمجيد الناس في روتين لا ينتهي مِن الطقوس التي مِن صُنع الناس. وفي جميع أنحاء العالم، أضاعت نُظُم الدِّين سيطرتها على العقل والنَّفس. فإذ إشمأزَّ الناس مِن الخُرافات والأكاذيب وحاولوا إغراق عقولِهم، اتَّجهوا إلى الإلحاد والمذهَب المادِّي. وإذ استبعدوا الأبديَّة مِن حِسابهم، عاشوا الزَّمَن الحاضر» (روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ٨٧).






مَلء المخازِن


اقرأ لوقا ١٢: ١٥-٢١. ما هي الرِّسالة لنا هُنا؟ كيف يمكن للمبدأ الوارِد هنا أن ينطبق على شخص ليس بالضرورة ثريًّا؟


سواء كُنَّا أغنياء أَم فُقراء، فإنَّ رغبتنا في امتلاك الأشياء يُمكن أن تُحَوِّل أفكارنا بعيدًا عن المهم والحقيقي وتركزَّها بدلاً من ذلك على ما هو وقتي وعابِر، وكلها بالتأكيد أمور لا تستحق فُقدان الحياة الأبدية.


مِن المُستَبْعَد اليوم أن نركع أمام تمثال حقيقي مصنوع مِن الذَّهب أو الفضَّة ونعبده. ومع ذلك، فقد نكون ما زلنا في خطر عبادة الذَّهب والفضَّة، ولكن بأشكال مختلفة.


ينطبِقُ هذا المَثَل بشكل كبير على أنحاء كثيرة مِن العالم، حيث تنحصر الحياة فيها بشكل كامل تقريبًا على جَمْع الممتلكات. حوَّل التُّجَّار الإعلان عن منتجاتهم إلى شكلٍّ مِن أشكال الفن على نطاق عالمي. وبنوا استراتيجية تسويق بضائعهم على جعلنا نعتقد أننا لن نُسْعَد أو نرضَى حتى نمتلك ما يبيعونه. أنتَجَتْ إحدى الشركات الناجحة جدًا مُنتجًا، وجعلتنا نعتقد أننا بحاجة إليه، وبعدها باعته لنا. وفي الحقيقة: نجحت تلك الخطَّة! حتى المسيحيين، الذين رجاؤهم ليس مِن هذا العالم، لم يَسْلَموا مِن تلك الخديعة.


اقرأ تثنية ٨: ١٠-١٤. بأيَّة طرق يمكن لأي عضو مِن أعضاء الكنيسة أن يكون مُعرَّضًا للتهديد الذي يُحذَّر منه هُنا؟






إغراء المادِّيَّة


إنَّ عالم الدِّعاية والإعلان عالم قوي. تنْفِق الشركات البلايين في رسم الصور على منتجاتها لجذبِنا. وفي غالب الأحيان يستخدم أصحابها صور الأشخاص ذوي الجمال والجاذبية للترويج لبضائعهم. فننظر نحن إلى تلك الإعلانات، ليس فقط مع هذا المُنتج، ولكننا نتمنى أن نكون على شكل الأشخاص الظاهرين في الإعلان.


لا يمكن للمادِّيَّة أن تكون بهذا القدر مِن التأثير والجاذبيَّة ما لم يُحاك قدر مِن الدَّهاء في نسيج الإعلانات لإثارة الغرائز. إنه أقوى أسلوب للدعاية، لكنه يفعل فِعل السحر لدى المسيحيين الذين يُجاهدون لِدَرْءِ خَطَر المادِّيَّة، وذلك يشمل معظمنا.


اقرأ متى ٦: ٢٢-٢٤. ما الذي تُمثِّله العين بالنسبة لأفكار وأفعال المسيحيين؟ كيف يجب علينا كمسيحيين أن نتفاعَل مع إغراء الصور الخادِعة التي تحاول إثارتنا لشراء أشياء لسنا بحاجة إليها؟


يُمكن للإعلانات التي تربط الشهوانية بمنتجات التُّجَّار أن تصبح أداة فَعَّالة. فَهُم يبيعون منتجاتهم عن طريق إثارة عقل وفكر المستهلك. إنها تجربة خيالية بحتة ولكنها تحقق الغرض. ومن الممكن للإعلانات أيضا أن تجعل المشاهد يشعر بالتصوّف حيث تنقله في لحظة وقتية وعابرة إلى عالم آخر من الوجود. تصبح وكأنها ديانة مزيّفة خالية من المعرفة والحق، إلا إنها مغرية وجذابة فلا يستطيع العديد من المشاهدين مقاومتها. نريدها، ونستحقها، فلما لا نحصل عليها؟ الله وحده يعلم مقدار المبالغ الطائلة التي يتم إنفاقها على منتجات تقنعنا الإعلانات أننا بأمس الحاجة إليها.






محبَّة الذَّات


«فإنِّ أقول بالنِّعمة المُعطاة لي، لكل مَن هو بينكم: أن لا يَرتَئي فوق ما ينبغي أن يَرتَئي، بل يَرتَئي إلى التَّعقُّل، كما قَسَمَ الله لِكُلِّ واحدٍ مِقدارًا مِن الإيمان» (رومية ١٢: ٣).


قال الله: «قد ارتفع قلبُك لِبَهجَتِكَ. أفسَدْتَ حِكْمَتَك لأجل بهائِك» (حزقيال ٢٨: ١٧). خَدَعَ لوسيفر نفسه، باعتقاده أنه أعظم مِمَّا كان عليه. عندما قال في قلبه: «أصيرُ مثل العليِّ» (إشعياء ١٤: ١٤)، أظْهَرَ طموحًا أنانيًا؛ مُدَّعيًا حقوقًا ليست له. إنَّ خِداع النَّفس والطموح الأناني، سِمتان اتَّصف بهما قلب لوسيفر الساقط.


هذه الآيات الخاصَّة بسقوط لوسيفر يجب أن تُخبرنا، بِطُرُقٍ شتَّى، أنَّ أصل الخطية هو الأنانية، التي يُفسِّرها أحد القواميس بأنها «الافتتان بالذَّات؛ حُبّ الذّات؛ الغرور». أيَّة صفات، في أي بشري ساقط، أكثر مِن هذه تدلُّ على خداع النَّفس؟


مع ذلك، فإنَّ هذه الصِّفات هي أكثر شيوعًا ممَّا نعتقد. فنبوخذنصر اعتَقَدَ بِكُلِّ غَطْرَسة أنه أعظم مما كان عليه (دانيال ٤: ٣٠). الفريسيون أيضًا كان عندهم ذلك الغرور والوهم (انظر لوقا ١٨: ١١، ١٢). الثروة والغنى يمكنهما أن يقودا إلى تلك الخديعة عينها إن لم نكن حذرين.


اقرأ ١تيموثاوس ٦: ١٠. أي خطر يُحذِّر منه بولس هنا؟


يُوصِي بولس تيموثاوس أن يحترس مِن نوعيات سيِّئة كثيرة مِن الناس (٢تيموثاوس ٣: ١-٥)، تشمل مَنْ هم «مُحبِّين للمال». هذا الحُب للمال يُمكِن أن يقود الإنسان للثقة العمياء بالنَّفس والشعور بالتَّعالي والغرور، ذلك لأنَّ المادِّيَّة تصبغ الأشخاص ذوي الثروات الطائلة بصبغة الإحساس الزائد بأهمِّيتهم. فمِن السهل على الشخص، الذي يملك المال الكثير، أن ينظر إلى نفسه نظرة أعلى مما يجب. على أي حال، كل شخص يرغب في أن يكون ثريًا، ولكن القليلين جدًا يبلغون الثراء. ولذلك، مِن السهل أن يشعر الأغنياء بثقة زائدة في أنفسهم، ويصبحون مُتفاخرين ومُتباهين بما يملكونه.






عَبَث المادِّيَّة النِّهائي


الكثير من الناس يُحبُّون الله. تندمج ذواتهم مع ذاته بحيث أنَّ الممتلكات المادِّيَّة لا يمكنها أن تفصلهم عنه.


اقرأ تثنية ٧: ٦؛ ١بطرس ٢: ٩؛ يوحنا ١٥: ٥؛ وغلاطية ٢: ٢٠. ماذا يعني أن نكون مُلكًا لله؟ وأين نجد هويَّتنا الحقيقية؟


يقول الله: «أنا الكرمة وأنتم الأغصان... بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا (يوحنا ١٥: ٥). إنَّ الارتباط مُباشِر ومُؤمَّن. «كل طاعة حقيقية تنبع من القلب. لقد كان المسيح يعمل بقلبه. وإذا نحن رضينا، فهو سيدمج نفسه في أفكارنا وأهدافنا، وبذلك تصير قلوبنا وأفكارنا في حالة وفاق وانسجام مع إرادته حتى إذ نُطيعه لا نكون سوى مُنفِّذين لبواعثنا» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٤).


مِن ناحية أخرى، تمنحنا المادِّيَّة هويَّة مترادفة مع ممتلكاتنا. بِعِبارة أخرى، نحن نُعرِّف أنفسنا على أساس ما نمتلكه وما يمكننا شراءه مِن مِتاع هذا العالم. يُحذِّرنا يعقوب مِن هذا: «ذَهَبُكُم وفِضَّتُكُم قد صَدِئَا، وصَدَأُهُما يكونُ شهادةً عليكم، ويأكُلُ لُحُومَكُم كنار. قد كَنَزْتُم في الأيام الأخيرة» (يعقوب ٥: ٣). كلمة «كَنَزْتُم» معناها جَمَعْتُم وخَزَنْتُم كنوز كثيرة؛ والأهم مِن ذلك أنَّ الكثيرين يجدون أنفسهم وهويَّتهم في هذه الكنوز — كثيرة كانت أَمْ قليلة (لوقا ١٢: ١٩-٢١).


المادِّيَّة هي نوع مِن الارتباك في الهويَّة. معنى ذلك أنه بالنسبة لكثيرين منا هو اندماج الهويَّة بما نمتلكه، فتُصبِح أملاكنا هي إلهنا (متى ٦: ١٩-٢١). وكما قال أحدهم: «أنا لا شيء بدون الأشياء التي أمتلكها». ما أتعسنا حين نُحدِّد هويتنا فقط مِن خلال ما نمتلكه مِن مِتاع هذا العالم. وكم تكون الحياة سطحية وعقيمة وعابرة خاصة بالنسبة لشخص يدَّعي أنه مسيحي. هل نوحِّد هويتنا مع الله أم مع أملاكِنا؟ في نهاية الأمر، سيكون إمَّا الواحد أو الآخر.






لمزيد مِن الدرس: «العدوُّ اليوم يشتري النفوس رخيصة. وكما تقول الأسفار «تبيعون أنفسكم بِلا شيء». يبيع الإنسان نفسه لأجل إطراء العالم، وآخر من أجل المال، وشخص آخر لإشباع غرائز زائفة، وآخر مِن أجل المتعة الدنيويَّة. مثل هذه الصفقات تحدث يوميًا، والشيطان يُزايد لشراء الذين اشتراهم يسوع بدمه، ويشتريهم رخيصًا — على الرَّغم مِن الثمن العظيم الذي دُفِعَ لقاء فدائهم» (روح النبوة، إرشادات للكنيسة، الجزء الخامس، صفحة ١٣٣).


إنَّ شراء النفوس بواسطة المادِّيَّة هو هدف الشيطان، والفِخاخ الظاهرية تَفْتِن كل القلوب. مع أنَّ المادِّيَّة لا تستطيع النُّطق إلا أنَّها تتحدَّث جميع اللغات. فهي تعرف كيف توفِّر الملذات، وكيف تُشبِع غرائز الأغنياء والفقراء لتجعلهم يقولون: «لنا كل ما نحتاجه ههنا؛ فَلِمَ نهتم لأيِّ أمر آخر؟» وهكذا، فإنَّ المادِّيَّة تُفسِد العقل، وتجعل الناس يثقون فيما يمتلكونه بدلًا مِن الثقة في الله. ومع ذلك، فإنَّ التِّرياق هو: «لا بالقُدرة ولا بالقوَّة، بل بروحي قال ربُّ الجنود» (زكريا ٤: ٦). لا تستطيع المادِّيَّة مُقاومة قيادة الرُّوحِ الْقُدُس عندما نُسلِّم أنفسنا لله ونُقرِّر بنعمته ألا ندع المادِّيَّة تُسيطر على حياتنا.




الدرس الثاني


٦–١٢ كانون الثاني (يناير)


أنا أرى، أنا أريد، أنا آخذ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢كورنثوس ٨: ١-٧؛ متى ١٣: ٣-٧، ٢٢؛ تكوين ٣: ١-٦؛ إشعياء ٥٦: ١١؛ متى ٢٦: ١٤-١٦؛ ٢بطرس ١: ٥-٩.


آية الحفظ: «والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة. وَهَمُّ هذا العالَم وغُرُورُ الغِنى يَخْنُقَانِ الكلِمَة فيَصِيرُ بِلا ثَمَر» (متى ١٣: ٢٢).


محبَّة المال والمُمتلكات الأرضيَّة يمكن أن تُداهمنا مِن نواحٍ مُختلفة. هكذا تَصِفُ إلن هوايت حِيَل الشيطان لإغوائنا بِخِدَع المادِّيَّات: «اذهبوا واجعلوا مالِكي الأراضي والأموال سكارى بأمور هذه الحياة. أظهِروا لهم العالَم بأبهى صُوَره وبطريقة أكثر جاذبية حتى يكنزوا لهم كنوزًا هُنا، ويجعلوا قلوبهم على الأرضيِّات. يجب أن نبذل قُصارى جهدنا لِمَنع أولئك الذين يخدمون في حقل الرَّب أن يحصلوا على وسائل يستخدمونها ضِدَّنا. احتَفِظوا بالأموال في حوزتنا، فكُلَّما ازدادت الوسائل التي يحصلون عليها، ازداد ضررهم على مملكتنا إذ سيأخذون مِن رعايانا. اجعلوهم يهتمون بالمال أكثر مِن اهتمامهم ببناء ملكوت المسيح ونشر الحق الذي نُبغِضه، ولا حاجة لنا أن نخشى نفوذهم؛ لأننا نُدرِك أنَّ كل شخص أناني وطامع سوف يسقط تحت سيطرتنا، وسوف ينتهي به الأمر أخيرًا لأن ينفصل عن شعب الله» (روح النبوة، إرشادات حول الوكالة المسيحية، صفحة ١٥٤-١٥٥).


لِسوء الحظ، يبدو أنَّ هذه الخدعة تأخذ مسارها جيِّدًا. فدعونا إذًا نتَّخِذ الحذر مِن هذه المخاطر ونرى ما تقوله لنا كلمة الله حتى نتجنَّب ذلك الفخ الروحي.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ١٣ كانون الثاني (يناير).




إنجيل الثَّراء


قدَّم أحد مشاهير الواعظين الذين يظهرون عبر شاشة التلفزيون رسالة بسيطة يقول فيها: «يريد الله أن يُباركَك، والدليل على بَرَكَتِهِ لكَ هو وُفرة ما لديك مِن ممتلكات أرضية.» بعبارة أخرى، إذا كُنتَ أمينًا، سيجعلك الله ثريًّا.


هذا الرأي أو ما يُشابهه من آراء، يُطلَق عليه تعبير ‹إنجيل الثَّراء›: اتبع الله وسوف يجعلك ثريًا بالممتلكات الأرضية. هذا الرأي لا يعدو كونه مجرد تبرير لاهوتي زائف للمادِّيّة، لأنَّ حقيقة ما يقوله هذا الرأي هو: هل ترغب في أن تكون مادِّيًّا وتشعر بالرِّضا حِيال ذلك؟ حسنًا، لدينا ‹إنجيل› نُقدِّمه لك.


فوق ذلك، فإنَّ ربط الإنجيل بالثَّراء المضمون هو توجُّه استعراضي خاطئ. يخلق هذا الاعتقاد تناقُضًا مع الكتاب المُقَدَّس ويعكس نظرية لاهوتية مركزها النَّفس، وهي ليست سوى نصف الحقيقة مكسوَّة بلغة الإنجيل. في جوهر هذه الأكذوبة يكمن جوهر كل الخطايا، وهو النَّفس والرَّغبة في إمتاع النَّفس فوق كل ما عداها.


إنَّ لاهوت ’إنجيل الثَّراء’ يُعلِّم أنه إذ نُعطي لله، سنربح بالمُقابل ثراءًا مادِّيًّا مَضمونًا. ولكن هذا يجعل مِن الله آلة بيع (تضع فيها العملة لكي تحصل على شيء في المقابل — vending machine)، ويُحوِّل علاقتنا به إلى صَفْقَةٍ تِجارية ليس إلا، ‹أنا أفعل هذا، وأنتَ تَعِدُني في المُقابل بأن تَفْعَل ذاك›. نحن نُعطي، ليس لأنَّ هذا هو ما ينبغي أن نفعله، لكن لأجل ما سنحصل عليه في المُقابِل.


هذا هو ‹إنجيل الثَّراء’.


اقرأ ٢كورنثوس ٨: ١-٧. ماذا يحدث هُنا؟ ما هي المبادئ التي نراها في هذه الآيات والتي تتناقض مع فِكرة ‹إنجيل الثَّراء›؟ وماذا يعني بولس عندما يتحدَّث عن «نِعمَة العطاء» (٢كورنثوس ٨: ٧)؟


مع أنَّ أولئك الناس كانوا في «ضِيقة شديدة» (٢كورنثوس ٨: ٢)، إلا أنَّهم كانوا أسخياء جدًّا، حتى أنَّهم أعطوا أكثر مِمَّا كان بمَقدورِهم أن يُعطوا. مثل هذه الآيات وغيرها الكثير تُساعدنا في دحض لاهوت ’إنجيل الثَّراء’ الذي يُعلِّم أنه إن كُنتَ تعيش عيشة صالِحة مع الله، فسوف تحصل على الكثير مِن الممتلكات المادِّيَّة لتتباهى بها.






غشاوة على العين الروحيَّة


لَسنا بحاجة إلى الكتاب المُقَدَّس لِيُعْلِمنا إحدى الحقائق الواضحة: هموم هذا العالم وثرواته هي أمور وقتيَّة. لا شيء يدوم على هذه الأرض؛ وقطعًا لن يدوم طويلاً أيضًا. وكما قال بطرس: «ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى. لأنَّ التي تُرى وقتيَّة، وأما التي لا تُرى فأبديَّة» (٢كورنثوس ٤: ١٨). عندما يُركِّز المسيحيون اهتمامهم على أمور هذا العالم بدلاً مِن تركيزهم على طريق السَّماء، يحدث لهم قُصْر نَظَر. وأشياء قليلة يمكنها أن تعميهم عن ذلك الطريق أكثر مِن غرور الغِنى. قالت هِيليِن كِليِر، التي كانت عمياء: «إنَّ الشخص الأكثر إثارة للشفقة في هذا العالم هو الشخص الذي يملك البصر ولكنه لا يملك البصيرة». إنَّ الكتاب المُقَدَّس مليء بالأمثلة لأشخاص كانوا مُبصرين ولكنهم كانوا بالحقيقة فاقدي البصر روحيًّا.


«البعض يُحِبُّون هذا العالم لدرجة قَضَت على محبَّتِهم للحق. وإذ تتعاظم ثرواتهم الأرضية، يتضاءل اهتمامهم بكنوزهم السماوية. وكلما ازدادت ممتلكاتهم في هذا العالم، ازداد احتضانهم لها؛ وكأنهم يخافون مِن أن تُؤخَذ ثرواتهم منهم. وبقدر ما تكثر ممتلكاتهم، يتضاءل ما يُقدِّمونه للآخرين، ومع ازدياد ما يمتلكون، يزداد شعورهم بالفقر. يا لخداع المال! إنَّهم لن يروا ولن يشعروا باحتياجات عمل الله» (روح النبوة، المواهب الروحية، المُجلَّد الثاني، صفحة ٢٦٧).


إنَّ غِشى البصر الروحي يضع الخلاص الأبدي في خطر. ليسَ كافيًا أن نضع يسوع في الاعتبار، بل علينا أن نجعله مركز أنظارنا.


اقرأ متى ١٣: ٣-٧ و٢٢. ما هو الخطر الذي يُحذِّرنا منه يسوع هُنا؟ لماذا يُمكن أن يكون هذا فخًّا سهلاً لأيٍّ كان، غنيًا كان أم فقيرًا، لأن يقع فيه؟


أوَّلاً: يُحذِّرنا المسيح مِن «هَمِّ هذا العالم» (متى ١٣: ٢٢). يَعلَم يسوع أنَّ جميعنا لدينا هموم، مِن ضمنها هَمّ الأمور الماليَّة. هَمُّ الفقراء أنه ليس لديهم ما يكفيهم، وهمُّ الأغنياء هو: هل مِن مزيد! علينا فقط أن نتأكَّد أن لا نجعل هذه الهموم «تخنق الكلمة» (متى ١٣: ٢٢) في حياتنا.


ثانيًا: يُحذّرنا المسيح مِن «غرور الغِنى» (متى ١٣: ٢٢). ومع أنَّ الغِنى في حدِّ ذاته ليسَ شرًّا، إلا أنَّه يملك القدرة لِخِداعِنا بطريقة قد تقودنا إلى الهلاك الأبدي.






خطوات الشهوة (اشتهاء ما للغير)


الشَّهوة، مثل كل الخطايا، تبدأ في القلب. تبدأ في داخلنا، ثم تطفو نحو الخارج. هذا ما حَدَثَ في عدن.


اقرأ تكوين ٣: ١-٦. ما الذي فَعَله الشيطان لإغواء حوَّاء لِفِعل الخطيَّة؟ كيف استعمل نفس تلك المباديء، عبر العصور، لِخِداعِنا نحن أيضًا؟


«فَرَأت المرأة أنَّ الشَّجرة جيِّدة للأكل، وأنَّها بهجة للعيون، وأنَّ الشجرة شهيَّة للنظر. فأخذت مِن ثمرها وأكلت، وأعطت رجُلَها أيضًا معها، فأكل» (تكوين ٣: ٦).


لو أنَّ الشخص لم يعرف أفضل، لاعتقد بأنَّ صِناعة الإعلانات قد أخذت مثالها النموذجي في كيفية إعلانها عن المُنتجات الصِّناعية مِن قصَّة جنَّة عدن. فقد قَدَّم الشيطان ثَمَرَة معرفة الخير والشر بطريقة خلقت في حوَّاء رغبة جعلتها تُريد أن تحصل على ما هو أكثر ممَّا لديها بالفعل، وجعلتها تظنُّ أنَّها بحاجة إلى شيء لم تكن في الحقيقة بحاجة إليه. كم هو بارِع! إنَّ سقوط حوَّاء هو وصف للخطوات الثلاث التي يخطوها كل واحد منَّا عندما نسقط في خطيَّة الشهوة (اشتهاء ما ليس لنا): أنا أرى، أنا أريد، أنا آخذ.


قد تكون الشهوة بطبيعتها خطيِّة هادئة. فهي مثل اللهفة الجنسية، مُستترة وراء وِشاح أجسادِنا. ولكن في النِّهاية، عندما تطرح ثمارها، يُمكِن أن تكون مُدمِّرة. يمكنها أن تُفسِد العلاقات، وقد تترك آثار جروح تمتد طويلاً في حياة مَن تُحِب، وبعدها نَحمِل وِزرَ الشعور بالذَّنب.


إذا طغت الشهوة (اشتهاء ما ليس لنا)، فسوف تطغى على جميع الْمَبَادِئ. رأى الملك آخاب كَرْمَ نابوت، فأراده، وأصبح مُكْتَئِبًا ومَغْمُومًا إلى أن تآمَرَت مَلِكَته على قتل نابوت مِن أجل الحصول على كَرمِه (١ملوك ٢١). عَخَان لم يستطع المُقاومة عندما رأى الرِّداء والمال، فاشتهاها وأخَذَها (يشوع ٧: ٢٠-٢٢). الاشتهاء في النهاية هو مُجرَّد وجه آخر للأنانية.


«إذا كانت الأنانية هي الشكل السائد للخطية، فاشتهاء ما لا نملكه يمكن اعتباره الشكل السائد للأنانية. هذا ما ألمَح إليه الرسول بولس بشكل لافت للنظر عندما وَصَفَ «الأزمنة الصعبة» (٢تيموثاوس ٣: ١) للارتداد النِّهائي. فهو يُمثِّل الأنانية بأصل لكل الشرور التي ستسود في ذلك الوقت، والشَّهوة هي ثمرتها الأولى. «لأنَّ الناس يكونون مُحبِّين لأنفسهم، مُحبِّين للمال» (٢تيموثاوس ٣: ٢). (جون هاريس، Mammon، صفحة ٥٢).






الطَّمَع – لِتَكُن الأشياء على طريقتك


اقرأ إشعياء ٥٦: ١١. ما هي الخطيَّة التي تُحذِّرنا منها هذه الآية؟


نحن كبشر ساقِطين، يُمكِن أن يكون الطَّمَع بالنسبة لنا أمرًا طبيعيًا وسهلاً بسهولة التَّنفُّس. ومع ذلك، مِن الصَّعب أن نتخيل شيئًا في الصفات البشرية أقل انعكاسا لصفات المسيح من الطمع. «فإنَّكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنَّه مِن أجلِكُم افتَقَرَ، وهو غَنِيٌّ، لكي تَسْتَغنُوا أنتُم بِفَقْرِهِ» (٢كورنثوس ٨: ٩).


الرَّبُّ وحده يَعْلَم مدى الخراب الذي جَلَبَه الطَّمَع عبر التاريخ. فقد أدَّى الطَّمع إلى إشعال الحروب، وتسبَّب الطمع في إقدام الناس على ارتكاب الجرائم التي جلبَت الخراب على أنفسهم وعلى عائلاتهم. يُمكن أن يكون الطَّمع مثل الجراثيم والفيروسات التي تستولي على حاضِنها لِتَلْتَهِم كل فضيلة، إلى حدِّ أن لا يبقي لديه سوى المزيد والمزيد مِن الطَّمَع. الطَّمَع مرض يُريد كل شيء: الشَّهوة والقوَّة والممتلكات. مرة أخرى: أنا أرى، أنا أريد، أنا آخذ.


اقرأ متى ٢٦: ١٤-١٦. ماذا يمكن أن نتعلَّمه عن قوَّة الطَّمَع من هذه القصَّة الحزينة؟


لاحِظ كلمات يهوذا: «ماذا تُريدون أن تُعطوني، وأنا أسلِّمه إليكم؟» (متى ٢٦: ١٥). الطَّمَع يطغى على كل ما عداه. كان يهوذا متمتِّعًا بامتياز تمتَّع به قليلون جدًّا من الناس عبر التاريخ: لقد عاش مع المسيح المتجسِّد (أي الذي أخذ صورة البشر)، وشاهد مُعجزاته، واستمع إليه يُبشِّر كلمة الحياة. ومع ذلك، أنظر إلى ما قاده الطَّمَع لأن يفعل.


«وكم كان المُخلِّص رقيقًا في مُعاملته لذاك المُزمِع أن يُسلِّمه! إن يسوع في تعاليمه تكلَّم كثيرًا عن مبادئ الإحسان التي كانت فئوسًا ضَرَبَت الطَّمَع في أصوله، وصوَّر لِعَقْل يهوذا شناعة الجشع، ومرارًا كثيرة كان ذلك التلميذ يقتنع بأنَّ كلام المسيح صوَّر أخلاقه أدقَّ تصوير وكشف عن خطيته. ولكنه أبى الاعتراف بِشَرِّه أو الإقلاع عنه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٧٠-٢٧١).






ضبط النَّفس


اقرأ الآيات أدناه. ما الذي تقوله لنا هذه الآيات حول ما يمكنه بل ويجب أن يساعدنا لأن نفهم كيف يستطيع الناس — أغنياء كانوا أم فُقراء، أن يصونوا أنفسهم مِن أخطار الطَّمع والجَّشع والشهوة ومحبَّة المال والأمور المادِّيَّة التي يتعرض لها المسيحي المؤمن؟


أعمال الرسل ٢٤: ٢٤-٢٦


غلاطية ٥: ٢٢-٢٥


٢بطرس ١: ٥-٩


تلك الآيات غنيَّة ومليئة بنصائح إلهيَّة كثيرة، فيما يتعلَّق بطريقة عيشنا كمسيحيين. ولكن لاحِظ خيطًا يجمعها جميعًا: ضبط النَّفس. يُمكِن لهذه الصفة أن تكون صعبة، خاصة حينما يتعلَّق الأمر بالطَّمَع الشهوة والرَّغبة في امتلاك الأشياء. يمكننا أن نحمي أنفسنا من الأخطار التي تحدَّثنا عنها مِن خلال ضبط النفس، لأفكارِنا أولًا ثُمَّ لأفعالنا.


يمكننا ممارسة ضبط النَّفس فقط عندما نُسَلِّم ذواتنا لِقوَّة الله. لا يُمكن لأيٍّ منَّا بقُدرتنا الذاتيَّة أن نتغلَّب على تلك الصِّفات الشريرة؛ خاصة إذا كانت تلك الصفات قد تأصَّلت وتعزَّزت في النَّفس. نحن بحاجة حقيقية إلى عمل الرُّوحِ الْقُدُس بقوَّة فوق الطبيعة في حياتنا، إذا أردنا أن ننال الغلبة على تلك الخدع القوية. «لم تُصِبْكُم تجربة إلا بشرية. ولكنَّ الله أمين، الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيَجعَل مع التَّجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتَمِلوا» (١كورنثوس ١٠: ١٣).






لمزيد من الدرس: إنَّ الهدف الأسمى للجنس البشري هو السَّعادة ورضا النفس. ولكن الرِّضا النفسي مِن خلال المادِّيَّة، لن يُحقِّق هذا الهدف. يعلَم البشر في عُمْقِ أعماقهم أنَّ ذلك صحيح، ومع ذلك فهم يستمرون في استحواذهم على الممتلكات: أنا أرى، أنا أريد، أنا آخذ. ما أبسطها! السبتيون المجيئيون، كما الآخرون أيضًا، يواجهون تجربة قبولهم لأهمية المادِّيَّات. ولكن، التَّمادي في اكتساب الحاجات الأرضية لا تُنْتِجُ السَّعادة، والرِّضا أو القناعة. بدلاً مِن ذلك، فهي غالبًا ما تكون سببًا في ظهور مشاكل؛ كما ظهر في قصة الشاب الغني حينما تحوَّل عن المسيح حزينًا، وقانطًا، ومكتئبًا لأنه لم يسمع من المسيح أو لأنه لم يأخذ منه ما أراده. «إنَّ المادِّيَّة ترتَبِطُ ارتباطًا وثيقًا بالتدهور الحاصل في الإنسان. فهو يسقط مِن حالة الرِّضا والسعادة الزائفة إلى حالة الإحباط والقلق، ثم إلى مشاكل جسدية مثل الصداع، ثم إلى تَّقلُّبات في الشخصية، والأنانية، وصفات غير اجتماعية» (تيم كاسر، The High Price of Materialism، صفحة ٢٢).


إنَّ المسيحيين المادِّيين، بمعنى آخر، يَنْهَلون مِن بئر الغِنى مُتفاخرين بثرواتهم، إلا أنَّهُم في الحقيقة في حالة جفاف روحي. ولكننا لن نعطش أبدًا إذا شربنا مِن الماء الذي يمنحه المسيح (يوحنا ٤: ١٤).




الدرس الثالث


١٣–١٩ كانون الثاني (يناير)


الله أو المال






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: مزمور ٣٣: ٦-٩؛ متى ١٩: ١٦-٢٢؛ ١بطرس ١: ١٨؛ عبرانيين ٢: ١٤، ١٥؛ خروج ٩: ١٤؛ مزمور ٥٠: ١٠.


آية الحفظ: «لذلك رفَّعَهُ الله أيضًا، وأعطاهُ اسمًا فوقَ كلِّ اسم، لكي تَجْثُو باسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ مِمَّن في السماءِ، وَمَن على الأرض، وَمَن تحتَ الأرض، ويَعتَرِفَ كُلُّ لِسانٍ أنَّ يسوع المسيح هو رَبٌّ لِمَجْدِ الله الآب» (فيلبي ٢: ٩-١١).


الله يعني ما يقوله في عرض رؤيته في شأن الاستحواذ المُفرط تجاه المال والأشياء المادِّيَّة. إنَّ كلمات المسيح للرجل الغني الجشع، الذي رغم بركات الله له، أخذَ يُكثر في خزائنه أكثر فأكثر، يجب أن تضع خوف الله فينا جميعًا: «يا غبي! هذه الليلة تُطلَبُ نَفْسُكَ مِنك. فهذه التي أعْدَدْتَها لِمَنْ تكون؟ هكذا الذي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وليسَ هُوَ غَنِيًّا لله» (لوقا ١٢: ٢٠، ٢١).


إنَّ عِبادة الله وعِبادة المال يتعارض واحدهما مع الآخر. إما الواحد أو الآخر، الله أو المال. مِن الوهم أن نُفكِّر بأننا نستطيع أن نجمع بين الطرفين، لأن عيش حياة مزدوجة سوف يؤذينا عاجلًا أم آجلًا. قد نخدع الآخرين، وقد نخدع حتى أنفسنا، لكن لا يمكننا أن نخدع الله، الذي سوف نُقدِّم له يومًا ما حسابًا عن أفعالنا.


علينا أن نختار، وكلَّما طال تردُّدنا، وتصنَّعنا الأعذار وماطلنا، كلَّما قَوِيَت قبضة المال ومحبة المال على نفوسِنا. إنَّ الإيمان يتطلَّبُ قرارًا.


الأمر الذي يمكن أن يُهوِّن علينا اتِّخاذ القرار هو التركيز على الله: مَن هُوَ، ماذا فعل من أجلِنا، والدَّيْن الذي علينا له.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ٢٠ كانون الثاني (يناير).




المسيح، الخالِق


اقرأ تكوين ١: ١؛ مزمور ٣٣: ٦-٩؛ إشعياء ٤٥: ١١، ١٢؛ إرميا ٥١: ١٥؛ يوحنا ١: ٣. بماذا تُخبرنا هذه الآيات عن محاسِن العالم المادِّي؟


«إنَّ المسيح هو الذي نَشَر السموات ووضع أساسات الأرض، وإنَّ يده هي التي علَّقت العوالم في الفضاء وأبدعَت زنابِق الحقل، وهو ‹المُثبِّت الجبال بقوَّته› ‹الذي له البحر وهو صنعه› (مزمور ٦٥: ٦؛ ٩٥: ٥). هو الذي ملأ الأرض بكل ألوان الجمال، والهواء بالأغاني والتسابيح. وعلى كل ما في الأرض والهواء والسماء، كَتَبَ محبة الآب» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ١٨).


الأشياء المادِّيَّة في حدِّ ذاتِها ليست شرًّا. ليس كما تُنادي به بعض الديانات بأنَّ العالم المادِّي والمادَّة ذاتها شيء سيئ أو شرير وأن الأشياء الروحية هي الصالحة. فالكتاب المُقَدَّس يُقيِّم العالم المادِّي.


على أيِّ حال، المسيح نفسه هو الذي خلق العالَم. فإذًا، كيف يُمكن أن يكون العالم شرًّا؟ يُمكِن، مع الأسف، أن يَنحرف نحو الشر ويُستخدَم للشر، كما هو الحال مع جميع عطايا الله. ولكن هذا لا يجعل مِن عطية الله الأصلية شرًّا. يُحذِّر الكتاب المُقَدَّس مِن إساءة استعمال وتشويه الأشياء التي خلقها الله في هذا العالم، وليس ضد تلك الأشياء ذاتها.


وعلى عكس ذلك، فقد خلق الله هذا العالم المادِّي، وأراد أن يستمتع شعبه بثماره وخيراته: «وتفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرَّب إلهك لك ولبيتك، أنتَ واللاوي والغريب الذي في وسطك» (تثنية ٢٦: ١١؛ انظر أيضًا تثنية ١٤: ٢٦).


يسوع هو الخالق (يوحنا ١: ١-٣)، والعالم ليس سوى عينة ممّا صنعه. إنَّ قدرته الخلاقة تمنحه منظورًا متميِّزًا للحياة نفسها ولأولئك الذين يعيشون فيها. هو يعلَم قيمة الأشياء المادِّيَّة، ويعلَم أنه منحنا إيَّاها لأجل خيرنا، وأيضًا لأجل سعادتنا ومُتعتنا. هو يعرف أيضًا ما يحدث عندما يُحَرِّف البشر عطايا الله إلى المدى الذي يصنعون فيه مِن هذه العطايا غايةً في حدِّ ذاتها، بينما كان قصد الله أن تكون لتمجيده هو.






ابن الله / ابن الإنسان


نحن كمسيحيين، نؤمِن أنَّ يسوع كان إلهًا كامِلًا وإنساناً كاملًا. هذه الوحدة بين الإلهي والبشري تجعل نظرته فريدة لما هو ضروري على الأرض وما هو ضروري للحياة الأبدية. إنّ عدم فهمنا كيف كان ممكنًا ليسوع أن يكون له الطبيعة الإلهية/البشرية لا يُبطِل هذا الحق، تمامًا كما أنَّ عدم فهم شخص لعلوم الفضاء لا يمكن أن يمنع طائرة من الطيران.


«هُنا يوجد سِرَّان بسِعر سرٍّ واحد — تعدد الأقانيم ضمن وحدة الله، والوحدة بين الألوهية والبشرية في شخص يسوع... لا يوجد شيء أعظم مِن حقيقة التَّجسُّد»

(J. I. Packer ،Knowing God، صفحة ٥٣).


أحد أسباب مجيء يسوع إلى هذا العالم هو لأن يُظهِر لنا مدى محبَّة الله وعنايته بكل واحد منا. أبعد ما يكون مِن إله فاتر ومُتباعد كما يعتقد البعض، أظهر يسوع الصفات الحقيقية لأبينا السماوي.


لكنَّ الشيطان حاول أن يفصل الإنسان عن الله. حاوَل أن يُشوِّه صورة الله، واصِفًا إيَّاه بأنه لا يهتم بنا. إنَّ الشيطان يبذل كل ما في وِسعِه وبأيَّة وسيلة ممكنة لِيُبعِدنا عن معرفة واختبار حقيقة نعمة الله وصلاحه. والمحبة الطاغية للأشياء المادِّيَّة هي إحدى خدع الشيطان للوصول إلى هذا الهدف.


اقرأ متى ١٩: ١٦-٢٢. ماذا تقول لنا هذه القصَّة عن الطريقة التي يمكن أن يستخدمها الشيطان ليُبعِدنا عن الله مِن خلال محبتنا للمال؟


لكَ أن تتَخيَّل يسوع نفسه، الله في الجَّسد، يتحدَّث مع هذا الشاب الذي كان مِن الواضح أنه يعلم بأنَّ يسوع كان شخصًا مميزًا. ومع ذلك ماذا حَدَثْ؟ لقد سَمَحَ ذلك الشاب لثرائه العظيم، ومحبَّتِه للأشياء المادِّيَّة، أن تفصله عن شخص الله ذاته. إنَّ محبة العالم والأشياء المادِّيَّة أعْمَتْهُ. ومع كونه شعر بالحزن، إلا أنَّ حُزْنَه لم يكن كافيًا ليجعله يُقْدِم على فِعل ما هُو صواب. لم يكن حزينًا لأنه كان يفقد ثروته (لم يكن كذلك)، لكنه كان حزينًا لأنه كان يَفْقِد نفسه مِن أجل تلك الأشياء.






المسيح، المُخلِّص


الدَّيْنُ ليس مِن مبادئ السَّماء. لكنَّ آدم وحوَّاء أَخْطَأَا، وكَسْرُ القانون يعني الموت. وهكذا، أصبَح الجنس البشري مديونًا للعدالة الإلهية. لقد أفلسنا، وعجِزنا روحيًا عن سِداد دَيْنٍ لا يمكننا الوفاء به.


إنَّ محبة الله لنا وَضَعَت خطة الخلاص. فقد «صار يسوع ضامِنًا لنا» (عبرانيين ٧: ٢٢). إنَّ هوية المسيح بِصِفَتِه المُخلِّص، كَشَفت أهم صفقة أجريَت في التاريخ. إنَّ تضحية المسيح بحياته هي وحدها التي تستطيع أن تَفي الدَّيْن للعدالة الإلهية. دَفَع يسوع دَيْن الخطية الواقع علينا حينما تعانق العدل والرَّحمة معًا عند الصليب. لم يَرَ الكون قط ولم يشهد عرضًا بهذه العظمة والغِنى كالذي ظهر في إيفاء الدَّيْن لخلاص الجنس البشري (أفسس ٥: ٢).


«إذ سَكَب الله كل ما في خزانة السَّماء إلى هذا العالم، وإذ منحنا كل السَّماء في المسيح، فإنه قد اشترى إرادة كل إنسان وعواطفه وعقله ونفسه» (روح النبوة، المعلم الأعظم، صفحة ٣٢٠).


اقرأ كل آية من الآيات أدناه، وضع قائمة بالأشياء التي خلَّصنا المسيح منها. كولوسي ١: ١٣؛ ١تسالونيكي ١: ١٠؛ ١بطرس ١: ١٨؛ عبرانيين ٢: ١٤، ١٥؛ غلاطية ٣: ١٣؛ رؤيا يوحنا ١: ٥.


الكلمة اليونانية «تيتليستاي» التي تعني «قد أُكْمِل» في يوحنا ١٩: ٣٠، اُطِلِق عليها أنها أهم كلمة نُطِق بها على الإطلاق. وهي آخر الألفاظ التي نَطَقَ بها يسوع على الصليب. إنَّها إعلانه الأخير، وتعني أنَّ مرسليته قد اُنجِزت، وأنَّ دَيننا ‹قد تمَّ الوفاء به بالكامل›. لم يتفوَّه بها كَمَن لا رجاء له، ولكن كَمَن نَجَحَ في فِداء عالَمٍ هالِك. إنَّ النَّظر إلى صليب الخلاص يكشف حدثًا وَقَع في الماضي له تأثير في الحاضر ورجاء للمستقبل. قدَّم يسوع حياته ليُبيد الخطية والموت وأعمال الشيطان إلى الأبد. ذلك يعني أننا نلنا الخلاص رغم أننا لا نستحقّه (أفسس ١: ٧). إن إلقاء نظرة على عجائب الخلاص يعني إننا نخطو على أرض مقدَّسة.


إنَّ المسيح بصفته المُخلِّص هو أسمى صورة لله. إنَّ جلَّ ما يريده هو خلاصنا. هذا يُظهِر تقديره للجنس البشري، خاصة فيما يتعلَّق بعلاقتنا به. ومع وفاء الدَّيْن، يُحوِّل المسيح انتباهه إلى استجابتنا لتضحيته.






إلهٌ غَيور


أعْلَنَ الله في مُجابَهته لفرعون، «لأنِّي هذه المرَّة اُرسِل جميع ضرباتي إلى قلبِكَ وعلى عَبيدِكَ وشَعبِكَ، لكي تعرف أنْ ليسَ مِثلي في كل الأرض» (خروج ٩: ١٤).


ماذا كان قصد الله بقوله «ليسَ مثلي في كل الأرض»؟


«مِن المُستحيل على العقل البشري المحدود أن يُدرِك بصورة كاملة صفات وأعمال الله اللامحدود. فسيبقى الله مُتَسَربِلًا بالسِّرّيَّة حتى إلى مَن هُم أشدُّ الناس فِطنة وأكثرهم قُوَّة وعِلمًا» (روح النبوة، إرشادات للكنيسة، المُجلَّد الخامس، صفحة ٦٩٨، ٦٩٩).


الله ليس له مثيل (١ملوك ٨: ٦٠). هو يُفكِّر ويَذكُر ويعمل بطرق لا نَعِيها نحن. ومهما كانت مُحاولاتنا لأن نجعله في صورتنا، فسيبقى الله هو الله. فهو الذي جعل كل ندفة ثلج، وعقل، ووجه، وكل شخصية مُتفرِّدة في نوعِها؛ هُوَ «اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ» (ملوك الأول ٨: ٦٠). على كلٍّ، هو الخالق، وكخالِق هُوَ بالتأكيد مُتميِّز عن خلائقه.


ماذا تقول لنا الآيات التالية عن مدى تميُّز الله عن خليقته؟ ١صموئيل ٢: ٢؛ مزمور ٨٦: ٨؛ إشعياء ٥٥: ٨، ٩؛ إرميا ١٠: ١٠؛ تيطس ١: ٢.


إذ ننظر إلى الله بكل ما هو عليه، كل ما يمتلكه، وإلى كل ما يفعله، يكون مِن العَجَب أن يكون له مُنافسون. ولكن مع ذلك يوجد له مُنافسون، بمعنى أنه يتنافَس لِكَسب محبة الناس وعواطفهم. قد يكون ذلك هو سبب قول الله أنه إله «غيور» (خروج ٣٤: ١٤). لقد خَلَقَ الله البشر ليكونوا أحرارًا، بمعنى أنَّ لنا الاختِيار لأن نعبده أو نعبد أيَّ شيءٍ آخر. لقد كانت هذه، في أحيانٍ كثيرة، هي مُعضِلة البشر الأساسية: اختيار عبادة آلهة أخرى، بِغَضِّ النظر عن هيئة ذلك المعبود، في مُقابل عبادة الإله الواحد الذي وحده يستحق العبادة، الإله الذي خلق ويمتلك كل الكون. لهذا إذًا هو بحق إله غيور.






الملكيَّة الحقيقيَّة


نحنُ مُلكٌ لله بالخليقة والفِداء. لسنا وحدنا مُلك لله، بل أنَّ كل مقتنياتنا هي ملك له أيضًا. نحن، بذواتنا، لا نمتلك أيَّ شيء سوى اختياراتنا.


بالمقابل، هناك عقيدة دنيويَّة راسخة بفكرة أننا نملك مُقتنياتنا. لكنَّ هذه خِدْعَة. إذا ظنَّ المسيحيون أنَّهم المالكون النهائيون لمقتنياتهم، فإنَّهم بذلك يظنَّون شيئًا هو بخلاف ما تُعلِّمنا إيَّاه كلمة الله.


الله هو الذي يملك كل شيء وليس نحن (أيوب ٣٨: ٤-١١). نحن مُجرَّد غُرباء ونُزلاء (لاويين ٢٥: ٢٣)، كما كان الإسرائيليون في أرض الموعد. نحن نعتمد على الله حتى في تنفُّسنا (أعمال الرُّسل ١٧: ٢٥). ما نعتقد أننا نملكه، هو مُلك لله. نحنُ لسنا سوى وُكلائه، وعلى ذلك، علينا أن ندير جميع المقتنيات الملموسة (المادِّيَّة) وحتى غير الملموسة لمجد الله.


اكتب قائمة بما يمتلكه الله من ضمن الآيات التالية: تثنية ١٠: ١٤؛ مزمور ٥٠: ١٠؛ مزمور ١٠٤: ١٦؛ حزقيال ١٨: ٤؛ حجي ٢: ٨؛ ١كورنثوس ٦: ١٩، ٢٠. ماذا تُخبرنا كل هذه الآيات حول ما يجب أن تكون عليه نظرتنا للأشياء المادِّيَّة الموجودة في حوزتنا؟


«كل الأشياء هي مُلك لله. قد يتغاضى البشر عمَّا يطالب به الله. وبينما يُسبغ بركاته عليهم بسخاء، قد يستخدمون عطاياه في إشباع مسرَّاتهم الأنانيَّة؛ ولكنهم سوف يُدْعَون لِيُعطوا حِسابًا عن وكالتهم» (روح النبوة، إرشادات للكنيسة، المُجلَّد التاسع، صفحة ٢٤٦).


إنَّ ملكيَّة الله ووكالتنا تفرض علاقة ‹وكالة›، يُمكِن لله مِن خِلالها أن يستخدمنا بطرق تعدَّنا للسماء، وتكون ذات نفعٍ وبركة للآخرين. ولكن الوكلاء غير الأمناء يُمكنهم أن يحدِّوا مِن وصول المالِك لممتلكاته. وكما رأينا في درس الأمس، الله لا يفرض علينا إرادته. هو خَلَقَنا، وأعطانا ممتلكات في هذا العالم لإدارتها له إلى حين عودته. وكيفيَّة تصرُّفنا بها هو أمر يعكس نوع العلاقة التي لنا معه.






لمزيد من الدرس : الوكالة، كما نفهمها، بدأت بوضع الله آدم وحوَّاء في بستان جميل، كان عليهما أن يعملا فيه ويحفظانه (تكوين ٢: ١٥). في تلك البيئة المثالية، كان عليهما أن يعملا لكي يجعلا ذلك البستان مكانًا يُمكن العيش فيه. لم تكن تلك مُهمةً صعبة. عهد الله إليهما بالدور الذي سيقومان به، وأرشدهما إلى كيفية القيام بمسؤوليتهما. إنَّ الاعتناء بجنَّة عدن كان من شأنه أن يعطي معنى ويجلب سعادة للعائلة الجديدة.


إنَّ الفعل العِبري لكلمة ‹السُّلطان› (تكوين ١: ٢٦، ٢٨) يأتي بمعنى ‹يُخْضِع للسيطرة ويَحكُم›. ولم يكن ذلك — حسب سياق الكلام — بقصد القسوة في التَّسلُّط، ولكنه تحكُّم نافع للعناية بخليقة الله. ولم تتوقَّف تلك المسؤولية. لقد كان على آدم وحوَّاء في تلك البيئة أن يتعلَّما أنَّ الله هو المالِك، وأنَّهما كانا الإداريين، أو الوكيلَين. كان قصد الله منذ البداية أن يكون لآدم وحوَّاء وظيفة المسؤولية والثِّقة وليس الملكية. كان عليهما أن يُبَرْهِنا لله على أمانتهما في أداء مهمتهما.


«أعطى الله جنَّة عدن لآدم وحوَّاء ليعتنيا بها. كان عليهما أن ’يعملاها ويحفظاها’. كانا سَعِيدَين في عملهما. وقد عمل عقلاهما وقلباهما وإرادتاهما بانسجام تام. لم يشعُرا بأيِّ إرهاق ولا تعب في أعمالهما. كانت أوقاتهما مليئة بالأعمال المفيدة والتواصل واحدهما مع الآخر، وكانا مسرورين بوظيفتهما. الله والمسيح كانا يزورانهما ويتحدَّثان معهما. كانت لهما حرِّيَّة كاملة... كان الله هو مالك بيتهما — جنَّة عدن. وكانا يحفظانها تحت رعايته» (روح النبوة، Manuscript Releases، المُجلَّد العاشر، صفحة ٣٢٧).




الدرس الرابع


٢٠-٢٦ كانون الثاني (يناير)


النَّجاة مِن طُرُق العالم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: مزمور ١١٩: ١١؛ أفسس ٦: ١٨؛ رومية ٨: ٥، ٦؛ عبرانيين ١١: ١-٦؛ ١ملوك ٣: ١٤؛ حزقيال ٣٦: ٢٦، ٢٧.


آية الحفظ: «لا ينفع الغِنى في يوم السَّخَط. أما البِرُّ فَيُنَجِّي من الموت... مَن يتَّكِل على غِنَاه يسقط. أمَّا الصِّدّيقون فَيَزْهون كالوَرَق» (أمثال ١١: ٤، ٢٨).


رغم فشل الشيطان مع المسيح، إلا أنَّه نجح مع كل شخص آخر، وسوف يستمر في نجاحه ما لم نحاربه بسلاح وقوَّة الله، الذي وحده يهبنا الحرية من إغراءات هذا العالم.


وهكذا، علينا أن نركِّز اهتمامنا على مُعيلنا السماوي. أدرَك داود القيمة الحقيقية في هذه الحياة عندما كتب، «الأشبال احتاجَت وجاعَتْ، وأمَّا طالِبُو الرَّبِّ فلا يُعوِزُهُم شيءٌ مِن الخير» (مزمور ٣٤: ١٠). وأدرك سليمان أنَّ الحكمة والفهم أكثر قيمة مِن الفضَّة والذّهب (أمثال ٣: ١٣، ١٤). السعادة الحقيقية والعيش الصحيح يأتيان حين نُحَوِّل أنظارنا مِن مُمْتلكاتِنا التي نمتلكها وننظر إلى المسيح الحي الذي يمتَلِكُنا.


إنَّ رجاءَنا الوحيد للنجاة مِن إغواءات العالم هو علاقة حيويَّة وناجحة مع يسوع. سندرس في هذا الأسبوع عوامل تلك العلاقة ومدى أهميتها لنجاحنا الروحي لندرك القُوَّة الكامنة وراء قِناع العالم، ونرى أهمية المسيح كأساس حقيقي للحياة.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ٢٧ كانون الثاني (يناير).




علاقة مع المسيح


إنَّ محبة الممتلكات الأرضية، حتى لِمَن لا يملك الكثير، يُمْكِن أن تكون قيوداً تربط النفس بالعالم بدلاً مِن ربطها بالمسيح. حتى وإن كُنَّا لا نملك الكثير مِن مِتَاع العالم، فإنَّ الرَّغبة الجامِحة للحصول على الحاجات المادِّيَّة قد تُصبح لَعنة شنعاء يُمْكِن أن تقود النفس بعيدًا عن الخلاص، ما لم نُخضعها لقيادة الرب. إنَّ الشيطان يعلَم ذلك، ولهذا، فهو يستخدم هذه الممتلكات المادية ليوقِع في شِرَاكِه قَدْرَ ما يستطيع مِن الناس. ما هي حمايتنا الوحيدة؟


«اهتموا بما فوق، لا بما على الأرض» (كولوسي ٣: ٢). كيف نستطيع أن نفعل ما يقوله لنا بولس؟ (انظر أيضًا مزمور ١١٩: ١١؛ أفسس ٦: ١٨).


أيَّة آيات أخرى نجدها تتحدَّث عمَّا يجب أن نُبقي أذهاننا مركَّزة عليه؟ (انظر مثلاً فيلبي ٤: ٨).


العلاج الشافي الوحيد للأمور الدنيويَّة، على أية صورة كانت، هو التكريس المُستَمِر للمسيح (مزمور ٣٤: ١) عبر تقلُّبات الحياة. موسى حَسَبَ «عار المسيح غِنَىً أعظَمَ مِن خَزَائِنَ مِصْر» (عبرانيين ١١: ٢٦). يجب أن يكون المسيح هو أوَّل أولوياتنا قَبْلَ أيّ علاقة أخرى. يرغب المسيح أن يكون تكرسينا له مبنيًّا على اقتناع، وليس على أفضلية؛ أي أنَّه يجب أن يكون تكريسنا للمسيح موجَّهًا لِشَخْصِه وما فعله لأجلنا، وليس مِن أجل أية منفعة آنيَّة قد تأتي نتيجة تكريسنا وإيماننا به.


يجب أن تكون حياتنا مُسْتَتِرة في ظل يسوع، وأن تكون مقاصده هي ذاتها مقاصدنا. إنَّ التكريس الحقيقي هو أن نضع يدنا على المِحراث دون أن «ننظر إلى الوراء» (لوقا ٩: ٦٢). إذ نُكرِّس حياتنا على هذا النَّحو، سوف يرتقي بنا يسوع إلى أقصى طاقاتنا. عندما نُسلَّم له ذواتنا، سَيَكْسِر المسيح القيد الذي يربط نفوسنا مع العالم. علينا أن نركِّز حياتنا على المسيح وليس على المادِّيَّات؛ فهذا وحده هو الذي سيملأ الفراغ في حياتنا.






في الكلمة


أكثر من ستة بلايين نسخة من الكتاب المُقَدَّس انتشرت في العالم. ولكن كم منها يُنظر إليها على أنها كلمة الله الحي؟ كم منها تُقرأ بقلب مُخلِص منفتح لقبول الحق؟


إنَّ دِراسة الكتاب المُقَدَّس بطريقة صحيحة تُوَجِّه بَوْصَلَتنا الروحية وتُمكّننا مِن اجتياز عالم مِن الكذب والفوضى. الكتاب المُقَدَّس هو وثيقة حيَّة مِن مصدر إلهي (عبرانيين ٤: ١٢)، ولهذا فهو يرشدنا إلى الحق الذي لا نستطيع أن نحصل عليه مِن أيِّ مصدر آخر. الكتاب المُقَدَّس هو خريطة طريق المسيح للحياة اليومية، وهو يهدينا من خلال توسيع ذكائنا وفطنتنا وتنقية أخلاقنا.


اقرأ يوحنا ٥: ٣٩؛ يوحنا ١٤: ٦؛ يوحنا ٢٠: ٣١. يُعطينا الكتاب المُقَدَّس، وبخاصة الأناجيل الأربعة، المعلومات الأكثر مِصداقية عن يسوع. ماذا تقول هذه الآيات، المأخوذة من إنجيل يوحنا، عن يسوع، ولماذا يُعدُّ المسيح هامًّا جدًّا بالنسبة لنا وبالنسبة لكل ما نؤمن به؟


نحنُ ندرس الكتاب المُقَدَّس لأنه المصدر المُطلّق للحق. يسوع هو الحق، وفي الكتاب المُقَدَّس نجد يسوع ونستطيع أن نتعرَّف عليه مِن خلال ما كُشِفَ لنا عنه في الكلمة المقدّسة. هُنا، في كلمة الله، في العهدين القديم والجديد، نتعلَّم عن يسوع، مَن هُوَ، وما أنْجَزَه مِن أجلنا. ومِن ثمَّ نَقَعْ في حُبِّه، ونُكرِّس حياتنا وأنفسنا له ليحفظنا حفظًا أبديًّا. وباتِّباعنا يسوع، وإطاعتنا لكلامه، كما ظهرت في كلمته، يُمكِننا أن نُصبح أحرارًا مِن قيود الخطية والعالم. «فإن حرَّركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا» (يوحنا ٨: ٣٦).


اقرأ رومية ٨: ٥، ٦. مِن ماذا تُحذِّرنا هذه الآيات؟ وكيف يمكن أن تساعدنا دراسة كلمة الله في جهادنا للسيطرة على عقولنا؟


إنَّ محبَّة العالم، وبخاصة محبَّة الممتلكات الدنيوية، يمكنها أن تجذبنا بسهولة بعيدًا عن الله إنْ لم نكن حَذِرين. لذلك علينا أن نحفظ أنفسنا في كلمة الله التي تُرشدنا إلى الحقائق الأبدية والروحية المُهمَّة والحاسِمة للحياة المسيحية.


إنَّ محبة الأشياء الأرضية لن ترتقي بعقل الإنسان إلى الفضائل المسيحية؛ بدلاً مِن ذلك، فهي تضع الطَّمَع والأنانية والشهوة محل مبادئ الإنجيل. المحبَّة، كما جاءت في الكتاب المُقَدَّس، تبني العلاقات إذ تُعلِّمُنا أهميَّة أن نُعطي أنفسنا للآخرين. وفي المقابل، كل ما يهم في المحبة الدنيوية هو ما يمكننا الحصول عليه لأنفسنا، وهذا هو عكس كل ما يُمَثِّله يسوع.




حياة الصلاة


«وهذهِ هي الحياة الأبدية: أنْ يَعْرِفوك أنتَ، الإله الحقيقي وَحْدَك، ويسوع المسيح الذي أرْسَلْتَه» (يوحنا ١٧: ٣). لا عَجَبَ في قول المسيحيين أنَّ إيمانهم هو عبارة عن علاقة مع الله. فإذا كانت معرفة الله هي «حياة أبدية»، فإننا نستطيع أن نجد تلك الحياة مِن خلال علاقة معه. ومِن الطبيعي أن يكون التواصل هو مركز هذه العلاقة. رأينا في دراسة الأمس أنَّ الله يتواصل معنا من خلال كلمته الإلهية. ونحن بدورنا نتواصل معه من خلال الصلاة.


وكما رأينا أنه إذا كان لنا أن نُركِّز أذهاننا وقلوبنا على الأشياء السماويَّة في مقابل تركيزنا على الأشياء التي في هذا العالم، فستكون الصلاة أمراً أساسياً، ذلك لأنَّ الصلاة بطبيعتها تسمو بنا إلى عالمٍ أسمى مِن هذا العالم.


مع ذلك، علينا أن نكون واعين لأنَّ صلواتنا، في بعض الأحيان، يُمكن أن تكون مُجرَّد تعبير عن طبيعة ذواتنا الأنانية. ولهذا نحن بحاجة لأن نُصلِّي في خضوع لإرادة الله.


منذ بضع سنوات، أنشدت سيدة هذه الكلمات: «يا رب، ألا يمكن أن تشتري لي سيارة مرسيدس بنز؟» كانت تلك هي طريقتها في مهاجمة المادِّيَّة لدى أولئك الذين يدَّعون إيمانهم بالله. وحين نصلي، علينا نحن أيضًا أن نتأكَّد من أننا نسعى لإتمام إرادة الله وليس إرادتنا فقط، عِلمًا بأنَّ الصلاة في حدِّ ذاتها هي عمل مِن أعمال الخضوع لله والموت عن العالم


اقرأ عبرانيين ١١: ١-٦. ما هو المُكوِّن الأساسي الذي يجب مَزْجُه في جميع صلواتنا؟ وما معنى أن نأتي إلى الله بإيمان وأن نُصلِّي بإيمان؟


ما لم يكن هناك إيمان يقترن بصلواتنا، فسيكون ذلك مجرد افتراض للإيمان، إيمان زائف من صنيع الشيطان. «الصلاة والإيمان مُتحالِفان تحالُفًا وثيقًا، ويجب دراستهما معًا. في صلاة الإيمان، يوجد عِلم إلهي؛ إنه عِلمٌ يجب على كلِّ مَن يرغب في نجاح عمله في الحياة أن يتفهَّمه. يقول المسيح: ‹لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تُصَلُّون، فآمِنوا أنْ تَنالوه فيكونَ لكم› » (مرقس ١١: ٢٤). لقد جَعَلَ المسيحُ الأمر واضحًا بأنَّ طلباتنا يجب أن تكون حسب إرادة الله. يجب أن نطلب الأشياء التي وَعَدَ بها، وأيًّا كان ما نحصل عليه، يجب أن نستعمله في عمل إرادة الله. ومتى تم الوفاء بالشروط، فالوعد واضح لا لبس فيه» (روح النبوة، الصلاة، صفحة ٥٧).






حياة الحِكمَة


إحدى القِصص الجميلة في الكتاب المُقَدَّس وردت في قصة طلب سليمان مِن الله أن يمنحه فوق كل شيء «قلبًا فهيمًا لأحكم على شعبِكَ وأميِّز بين الخير والشر، لأنَّه مَن يَقْدِر أن يَحْكُم على شَعْبِكَ العظيم هذا؟» (١ملوك ٣: ٩).


ما هي الكلمات الهامَّة التي قالها الله لسليمان والتي كان مِن الممكن أن تُنقِذه مِن الفساد الذي جلبته عليه أملاكه لو أنَّه أصغى إليها؟ ما أهميَّة ما قاله الله هُنا بالنسبة لنا جميعًا؟ ١ملوك ٣: ١٤؛ انظر أيضًا ١يوحنا ٥: ٣؛ ١بطرس ٤: ١٧.


كان سليمان يتمتع بحِكمة عظيمة، لكنَّ الحِكمة في حدِّ ذاتها إن لم يُعْمَل بها وتُعاش، لا تغدو أكثر مِن مجرد معلومات جيِّدة. بمفهوم الكتاب المُقَدَّس، الحِكمة إن لم يُعْمَل بها لا تكون حِكمة حقيقية. كثيرون سيهلكون مع أنَّهم يملكون الكثير مِن المعلومات الجيِّدة والصحيحة عن الله ومطاليبه. ولكن عدم الطاعة الكاملة لله قادت سليمان ليضلَّ عن الطريق الذي دعاه الله إليه، ولم يَعُدْ إلى صوابه إلاَّ بعدما تقدَّم به العمر. وفي اتِّضاع كتب يقول: «الحِكمة خيرٌ مِن اللآلئ، وكل الجواهر لا تُساويها» (أمثال ٨: ١١).


الحكمة هي تطبيق للمَعْرِفَة والفهم. المَعْرِفَة تُمثِّل الحقائق؛ والفَهْم يُمثِّل التمييز، أما الحِكمة، فتأتي في عملية تطبيق فَهْمِنا ومَعْرِفَتنا في حياتنا. الوكيل الحكيم لا يحتاج إلى المعرفة والفهم فحسب، ولكنه يحتاج إلى الاختبار الذي يأتي مِن العيش حسب تلك المعرفة وذلك الفهم.


يُظهِرُ لنا مثال سليمان مدى سهولة الانجراف في المادِّيَّات الفارغة — حتى مع أكثر الناس حِكمة وفهمًا — ما لم يعش الإنسان حسب المعرفة التي أعطانا الله إيَّاها.






الرُّوحِ الْقُدُس


الصِّراع العظيم حقيقي؛ فريقان يتصارعان للنيل مِن نفوسنا. أحدهما يجذبنا نحو المسيح (يوحنا ٦: ٤٤) والآخر يجذبنا إلى العالم (١يوحنا ٢: ١٦). قُوَّة الرُّوحِ الْقُدُس في حياتنا تستطيع وسوف تقودنا إلى الاتجاه الصحيح، وما علينا إلا أن نخضع له.


«وأمَّا متى جاءَ ذاك، روح الحق، فَهُوَ يُرشِدُكُم إلى جميعِ الحق» (يوحنا ١٦: ١٣؛ انظر أيضًا يوحنا ١٤: ١٦). يمنحنا الرُّوحِ الْقُدُس القوَّة لنعيش حسب المبدأ وحسب الإيمان، ليس حسب النزوات أو العواطف التي تسود العالم. إنَّ الاستعداد الناجح للعيش في السماء يأتي عن طريق العيش بأمانة في هذا العالم تحت قيادة الرُّوحِ الْقُدُس.


يقول بولس الرسول ناصِحًا: «لا يكون إيمانُكُم بِحِكْمَةِ الناس، بل بقوَّة الله» (١كورنثوس ٢: ٥). إنَّ إغراءات العالم التي تجذبنا بعيدًا عن الرب غالبًا ما تأتي مِن خلال الممتلكات المادِّيَّة. بالمقابل فإنَّ الرُّوحِ الْقُدُس، إن لم نقاومه، سوف يجذبنا نحو يسوع.


إنَّ النَّجاح في المعركة مع العالم وإغواءاته سوف تتحقق فقط مِن خارج أنفسنا. اقرأ حزقيال ٣٦: ٢٦، ٢٧؛ يوحنا ١٤: ٢٦؛ أفسس ٣: ١٦، ١٧. ما هي الأشياء التي سيفعلها الله لِيُؤكِّد انتصارنا الروحي عندما نسمح للرُّوحِ الْقُدُس أن يمتلك حياتنا؟


«إنَّ الشيطان يَسْتَمِد قوَّته وسُلطانه على العقل عن طريق النظريات والتقاليد الكاذبة. وإذ يُوَجَّه الشيطان الناس إلى النظريات الكاذبة، يُشوِّه الحق. أما الرُّوحِ الْقُدُس، فيُخاطِب الذِّهن بواسطة الكُتُب المقدَّسة، ويطبع الحق ويكتبه في القلب. وهكذا هو يفضح الضلال ويطرده من النفس. فالمسيح يُخْضِع لنفسهِ شعبه المختار بواسطة روح الحق العامِل بكلمة الله» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٧، ٦٣٨).


الرُّوحِ الْقُدُس هو المُخبِر بالحق وهو العطيَّة العُظمى التي استطاع المسيح أن يُقدِّمها لتُمثِّل الألوهية على الأرض بعد صعوده. يُجاهد الرُّوحِ الْقُدُس ليمنحنا قوة للانتصار على إغواءات العالم القوية ومَفاتِنِه.






لمزيد من الدرس: يُمارس الوكيل عمله على أساس مبدأين توأم، هما: الواجب والمحبة. «تذكر أنَّ الواجب لديه أخت توأم له، المحبة؛ باتِّحادهما يُمكن تحقيق، تقريبًا، كل شيء. وبفرقتهما لا يستطيع أي منهما إنجاز الكثير» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، المجلد الرابع، صفحة ٦٢). الواجب هو المحبة العاملة. نحتاج فقط إلى التأمُّل في تضحية المسيح لِتستَنْهِض المحبة الواجب فينا.


بالمُقابِل، توجد مبادئ العالم: الكراهية وتوأمها العِصيان. العِصيان قد يكون هو الكراهية العامِلة. عصى لوسيفر الله (حزقيال ٢٨: ١٦، ١٧)، ولن يتوقَّف عن العصيان إلى أن يَهلك. لقد بدَّل سُلْطَة المحبَّة إلى محبَّة السُّلْطة. القادة الروحيون لشعب إسرائيل أبغضوا السُّلطان الذي كان للمسيح (متى ٢٢: ٢٩). وحتى حين هربوا مِن الهيكل أو انسحبوا تجنّباً لنظرته الفاحِصة، لم يُغيِّروا طُرُقَهم.




الدرس الخامس


٢٧ كانون الثاني (يناير) – ٢ شباط (فبراير)


وكلاء فيما بعد جنَّة عدن






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: إشعياء ٢٢: ١٤-١٨؛ ١كورنثوس ٤: ١، ٢؛ كولوسي ٢: ٢، ٣؛ أفسس ٦: ١٣-١٧؛ ٢كورنثوس ٥: ١٠.


آية الحفظ: «بل كما اسْتُحْسِنَّا مِن الله أن نُؤْتَمَن على الإنجيل، هكذا نتكلَّم، لا كأننا نُرْضِي الناس بَل الله الذي يَخْتَبِرُ قُلُوبَنَا» (١تسالونيكي ٢: ٤).


كان أوَّل عمل أوكِلَ إلى آدم وحوَّاء يتضمَّن الوكالة. أعطاهما الله الجنَّة وكل الخليقة ليعتنيا ويَسْتَمْتِعا بها، بالإضافة إلى التَّسَلَّط عليها (تكوين ٢: ١٥)، حتى وإن كانا لا يمتلكان أي شيء فيها. بدلًا من ذلك، كانا وكيلين على ما استأمنهما الله عليه.


سوف نتفحَّص عن قُرب، في درس هذا الأسبوع، تعريف الوكيل، ولكن بعد السقوط؛ أي بعد طرد أبَوَينا الأوَّلين مِن جنة عدن. أي أننا نحن أيضًا وكلاء — ولكن في محيط أو بيئة تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك التي كان آدم وحوَّاء يتمتَّعان بها في البدء.


ما هي الوكالة؟ هناك أشخاص مُعيَّنين في الكتاب المُقَدَّس يُظهِرون بطريقة عيشهم مَن هو الوكيل. هناك نصوص أخرى توضح معنى الوكالة بِجلاءٍ أكثر. عندما نُصْبِح وكلاءً لله، يتغيَّر تركيزنا على العالم وقيمته المادِّيَّة إلى التركيز على الخالق ورسالته. لقد عَهِد الله إلينا بمسؤوليات مِن مصدر إلهي كما فَعَلَ مع آدم وحواء. لكن الوكالة تغيَّرت منذ السقوط في عدن لأنه وتَلازُمًا مع مسؤولياتنا للاهتمام بالعالم المادِّي، فقد عُهِدَ إلينا أيضًا أن نكون وكلاء صالحين للحقائق الروحية.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ٣ شباط (فبراير).




وكلاء في العهد القديم


كلمة «وكيل» ذاتها فُسِّرت مرَّات قليلة فقط في العهد القديم. في أغلب الحالات جاءت ضمن تعبير يُشير إلى الشخص ’القائم على البيت’، بمعنى أن يكون الشخص مسؤولًا عن رعاية البيت؛ أي أنَّه «وكيل» (تكوين ٤٣: ١٩؛ تكوين ٤٤: ١، ٤؛ ١ملوك ١٦: ٩). على الوكلاء مسؤولية إدارة شؤون البيت وممتلكات سيِّدهم، وهُم يُنفِّذون كل ما يُطلَب منهم. إنَّ تفسير أو تعريف الوكيل في العهد القديم يُمكن استخلاصه بتحديد صِفات الوكيل. لا يمكن فصل الوكلاء عن وكالاتهم لأنها تكشف عن هويَّتهم.


العهد القديم يوضِح بعض صِفات الوكيل. أولًا: إنَّ منصب الوكيل كان مسؤولية عظيمة (تكوين ٣٩: ٤). كان اختيار الوُكلاء يتمُّ بناءًا على قُدُراتِهم، وكانوا موضِع احترام وثقة مِن مالِكيهم نتيجة لآدائِهم لِمُهِمَّاتهم. ثانيًا: كان الوكلاء يُدركون أنَّ ما عُهِدَ به إليهم هو مُلكٌ لِمالِكيهم (تكوين ٢٤: ٣٤-٣٨). هذا هو الفرق الأهم والأسمى بين الوكيل والمالِك. فالوُكلاء يفهمون ويُدركون موقعهم ومركزهم. ثالثًا: عندما يسْتغِلُّ الوكلاء ما عُهِدَ إليهم به لاستخدامهم الخاص، تتحطَّم علاقة الثِّقة بينهم وبين المالِك، ويتم طردهم مِن وظيفتهم (تكوين ٣: ٢٣؛ هوشع ٦: ٧).


اقرأ إشعياء ٢٢: ١٤-١٨. أثناء حُكم حزقِيَّا، تمَّ تعيين «شَبْنَا» وكيلًا وأمين صندوق أيضًا — منصِبان في غايَّة الأهمية والسُّلطة. ماذا حَدَث له نتيجة سوء استخدامه لمنصبه؟


«الوكيل يُوحِّد نفسه مع سيِّده. يتقبَّل مسؤوليات الوكيل، وعليه أن يتصرَّف كبديل عن سَيِّده، ويقوم بالأعمال التي كان سيقوم بها سيِّده في حال حضوره. واهتمامات سيِّده تُصبح هي اهتماماته. إن منصب الوكيل له كرامته لأنَّ سيِّدَه يثق به. فإذا تصرَّف بقصد أناني بأي طريقة مِن الطرق لِيُحوِّل الفوائد العائِدة على تجارة سيِّده لِمَنْفَعَتِه الخاصَّة، فيكون قد جَحَد بالثِّقة المُوْدَعَة فيه» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، المجلَّد التاسع، صفحة ٢٤٦).






وكلاء من العهد الجديد


كلمتان أساسيَّتان باللغة اليونانيَّة تَصِفان «الوكيل»، هما Epitropos التي تظهر ثلاث مرَّات، وOikonomos التي تظهر عشر مرَّات. تصف كلًا مِن الكلمتين وظائف تُجَسِّد مسؤوليات إداريَّة يَعْهَد بها صاحب المُلك إلى الوكيل.


في كُلٍّ مِن العهدين الجديد والقديم يُحَدَّدُ الوكلاء بما يقومون به مِن أعمال. العهد الجديد يُحدِّد صفة الوكيل مِن ناحية المُساءَلة أو المُحاسَبَة (لوقا ١٢: ٤٨) والمطلوب منه (١كورنثوس ٤: ٢). لكنَّ العهد القديم، يُركِّز بشكل أكثر على مِلْكيَّة الله بدلًا مِن التركيز المُباشر على وصفِنَا كوكلاء له. وهكذا، ففي حين أنَّ مفهوم الوكيل يَتَشابِه في كُلٍّ مِن العهدين، إلا أنَّ العهد الجديد يتوسَّع في مفهوم الوكالة إلى أبعد مِن مُجرَّد إدارة شؤون البيت.


في مَثَل الوكيل الخائِن (لوقا ١٦: ١-١٥)، يستفيض يسوع في تعريفه للوكيل. والدرس المُستَخْلَص منه هُوَ أبْعَدْ مِن مُجرَّد وكيل يتهرَّب مِن كارثة ماليَّة، فهو ينطبق أيضًا على أولئك الذين يسعون للهرب مِن كارثة روحية مِن خلال إعلان حكيم للإيمان. إنَّ الوكيل الحكيم عليه أن يستَعِدَّ للمستقبل — إلى المجيء الثاني للمسيح، إلى أبعد من الزَّمن الحاضر والوقت الراهن (متى ٢٥: ٢١).


اقرأ ١كورنثوس ٤: ١، ٢؛ تيطس ١: ٧؛ ١بطرس ٤: ١٠. ماذا تقول لنا هذه الآيات عن الوكلاء والوكالة؟


«هل أفتح قلبي للروح القُدُس، حتى تُسْتَنْهَضَ كل أعضائي وقِواي التي عهد بها الله إليَّ؟ أنا مِلكِيَّة خاصَّة للمسيح، وأعمل في خِدمَتِه. أنا وكيل نِعْمَتِه» (روح النبوة، مبادئ التعليم المسيحي، صفحة ٣٠١).


في لوقا ١٢: ٣٥-٤٨، يستخدم يسوع تعبير «الوكيل» مجازًا. فيُخبرنا عن الوكيل الحكيم المُستَعِد لعودة ابن الإنسان، ويصف الوكيل الخائِن بأنَّه تخلَّى عن عنايته بشؤون أملاك سيِّده لأنَّ سيِّده أبطأ قدومه. لقد تَحوَّل ذلك الوكيل الخائن إلى مُستَبِد، وأصبح يُسيء إلى كل مَن هم حوله. لَم يَعُدْ مِثالًا للعمل الصالح ولا مسؤولًا عن نِعمة الله.


عندما نَقْبَل المسيح، نصير وكلاءً مدعُوّين لأن نرعى الموارد التي يُوفِّرها الله. لكن الأكثر أهمية من ذلك، هو أننا مدعوون لرعاية وإدارة الحقائق الروحية للحياة المسيحية استعدادًا للسماء.






وكلاء عن سَرائر الله


اقرأ كولوسي ٢: ٢، ٣؛ ١تيموثاوس ٣: ١٦. ما هو الشيء الذي تُعرِّفه أو تصفه هذه الآيات على أنه «سرّ»؟ وإذا ما كان ذلك سرٍّا، فما هي حدود ما نستطيع معرفته عن ذلك — حسب هذه الآيات؟


قال صورف النُّعماني لأيوب: «إلى عُمق الله، أَم إلى نِهاية القدير تنتهي؟» (أيوب ١١: ٧). إنَّ تعبير «عُمق الله» مُتَرجَم باللغة الإنجليزية إلى «أسرار». والتعليق التالي يتعلَّق بمعنى أسرار أو «سِر». السِّر يُعطي معنى: المُحيِّر، الغامِض، المجهول، لا تفسير له، لا يمكن إدراكه، لا يُسْبَر غَوره. سُجِّلَت أسرار الله في الأسفار المُقدَّسة، رغم أنَّ فهمنا الكامِل لها ما يزال فوق إدراكنا. لذلك هي أسرار. الأمر يُشبه كل واحدٍ مِنَّا، بِقِصَر نظره، إذ نُحاول النَّظَر إلى السَّماء آمِلين أن نرى أدقَّ التفاصيل. بالطبع لا يُمكِننا الرؤية إلى ذلك البُعد ما لم يكشف الله لنا ذلك.


ماذا تقول الآية الواردة في تثنية ٢٩: ٢٩ حول ما كشفه الله لنا؟


نحن وكلاء على أشياء لا نفهمها بشكل كامل. معرفتنا محدودة ومُقتَصِرة على ما كشفته الرؤيا وما كشفه الكتاب المُقَدَّس لنا. إنَّ أعظم وكالة لنا هي أن نحيا «كخُدَّام للمسيح ووكلاء سرائر الله» (١كورنثوس ٤: ١).


يريدنا الله، كوكلاء له، أن نَصُون ونُعلِّم ونرعى ونُحافِظ على الحق الإلهي الذي أظهره لنا. وتحقيق ذلك هو مُنتهى هدف الوكالة، ويعني ذلك أن يكون لنا «سِرّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ» (١تيموثاوس ٣: ٩).


إنَّ أعظم سِرّ هو أننا جميعًا نستطيع أن نختبر المسيح، «رجاء المجد». إنَّ خطَّة الخلاص هي فوق الطبيعة ومِن المستحيل علينا أن نفهمها كامِلًا. أنَّ الذي «كل شيء به كان» (يوحنا ١: ١-٣) ينزل إلى هذه الأرض و»يظهر في الجسد» (روح النبوة، مخطوطات منشورة، الجزء السادس، صفحة ١١٢) ليُقدِّم نفسه ذبيحة عن خطايا البشرية، أمر يتضمَّن أسرارًا لن يتم إدراكها بشكل كامل مِن قِبَل أي مخلوق. حتى الملائكة يدرسون ليفهموا سرّ سبب مجيء يسوع إلى الأرض (١بطرس ١: ١٢). ومع ذلك، فإنَّ ما يعرفونه فِعلًا يجعلنا جميعًا نُسبِّح الله لمجده وكَرَمِه وصلاحِه (انظر رؤيا يوحنا ٥: ١٣).






وكلاء عن الحق الرُّوحي


حين نُفكِّر في الوكالة، نُفكِّر في الأشياء الملموسة، وذلك صحيح. ولكن الوكالة، كما رأينا إلى الآن، تذهب إلى أبعد مِن ذلك. فكما أنَّ الممتلكات الملموسة تأتي مِن الله، فهكذا أيضًا تأتي العطايا غير الملموسة منه أيضًا. هذه العطايا غير الملموسة هي ممتلكات روحيَّة يُعطيها الله لنا (١بطرس ٤: ١٠) حتى نستطيع، بالمسيح، أن نُنمِّي فينا أخلاقًا مسيحية ونصير شعبًا لله. وعلى ذلك، علينا أن نرتجي ونرعى العطايا غير الملموسة — ربما بعناية أكثر مِن الأشياء الملموسة — لأنَّ قيمتها تفوق قيمة الملموسات.


اقرأ أفسس ٦: ١٣-١٧. ما هي الأشياء التي أعطانا الله إيَّاها لنكون وكلاء عليها؟ لماذا تُعْتَبَر الإدارة أو العناية الصحيحة لهذه الأشياء أمرًا أساسيًا وحاسِمًا بالنسبة لنا؟


«أمّا هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع» (رومية ٦: ٢٣). لا يستطيع العالم وكل ما فيه أن يمنحنا الفِداء الذي لنا في المسيح. الفِداء، هِبَة منحها الله لنا، وهو أعظم قيمة من كُل ما يُمكن أن نَمْتَلِكه. واحتفاظُنا بحقيقة هذا الفداء أمامنا دائمًا يُساعدنا في أن نُبقي نُصْب أعيننا وكالتنا على الممتلكات الأخرى التي منحنا الله إيَّاها كذلك.


«ولا يُمكِن أن يُقرأ تعليم الطبيعة قِراءة صحيحة إلا في النور الذي ينبعث مِن جلجثة. فعن طريق قصَّة بيت لحم والصليب، ينبغي تعليمهم كيف أنه من الصواب غلبة الشر، وكيف أنَّ كل بركة تأتي إلينا هي هبة مِن هبات الفداء» (روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ١١٨).


الفداء صار لنا لأنَّ المسيح دَفَع الثمن النِّهائي. يُقِرُّ بولس بوضوح أنَّ «الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حَسَبَ غِنَى نعمته» (أفسس ١: ٧). كلمة «لنا» تعني أنَّ لنا «فداء». إنَّه لنا، ولكنه لنا فقط لأنَّ الله قد أعطاه لنا. فكم هو ضروري وحاسم إذًا أن نلبس «سلاح الله الكامِل» (أفسس ٦: ١١) حتى لا يستطيع أن يأتي الشرير وينزعه منَّا. لأنَّ الطريقة الوحيدة التي تُمكِّنه مِن فِعْلِ ذلك هو أن نسمح له، وذلك ممكن أن يحدث فقط من خلال عَدَم طاعتنا لِمَا كُشِفَ لنا في «كلمة الله» (أفسس ٦: ١٧). إنَّ أقصى حِماية لنا هي إطاعة النور الذي أعطانا الله إيَّاه بالإيمان.






مسؤوليتنا كوكلاء


الوكلاء الحُكماء يتميَّزون باستعدادهم لقبول وتنفيذ المبادئ الأخلاقية للمسؤولية الشخصية. إنَّ قبول المسؤولية الشخصية هو القرار الذي نتَّخذه والعمل الذي نتبنَّاه. وهو القرار الذي يُدرك العلاقة بين السبب والنتيجة. الاستعداد لقبول المسؤولية الشخصية هو شرط أساسي لا يُمكن تجاهله عندما نُحَدِّد شخصية الوكيل، إذ يجب على الوكلاء أن يكون لهم هدف واحد وهو المصلحة العُليا لصاحب المُلك. وبالتالي، يكون هذا الاستعداد هو القرار الذي يُحدِّد العلاقة المطلوبة بين الوكيل والله.


«يرغب الله في أن يُدخِل الجميع في علاقة مُباشرة معه. في كافة معاملاته مع الجنس البشري يدرك الله مبدأ المسؤولية الشخصية لكل فرد. ويحفزِّنا لأن يكون لدينا الشعور الدائم بالاتكال عليه والحاجة الشخصية لإرشاده. أعطى الله هباته للناس كأفراد. بذلك يكون كل شخص وكيلًا على ما هو مؤتَمَن عليه؛ على كل شخص أن يتصرَّف فيما أؤتمن عليه حسب إرشاد المُنعِم؛ وعلى كل فرد أن يُقدِّم حِسابًا عن وكالته لله» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، الجزء السابع، صفحة ١٧٦).


عندما نُصبِح وكلاء، لن نُحَوِّل أو ننقل مسؤوليتنا إلى أي شخص آخر أو إلى مؤسسة أخرى، فمسؤوليتنا الشخصية هي لله وستنعكس على كل تعاملاتنا مع مَن حولنا (تكوين ٣٩: ٩؛ انظر أيضًا دانيال ٣: ١٦). سوف نقبل بسرور المُهمَّة التي بين أيدينا ونرعاها بكل قدراتنا. إنَّ النجاح في عينيّ الله سوف يعتمد على إيماننا وطهارة قلوبنا أكثر مِن الذّكاء والمواهب.


اقرأ ٢كورنثوس ٥: ١٠. كيف نفهم هذه الكلمات في سياق معنى أن نكون وكلاء حُكماء؟


على مدى قرون، هناك جدال بين اللاهوتيين والفلاسفة حول السؤال الصعب الخاص بحُرِّيَّة الإرادة. ولكنَّ الكتاب المُقَدَّس واضح: فنحن كبشر، نمتلك حرِّيَّة الإرادة وحرِّيَّة الاختيار. وإلا، فإنَّ الفِكر القائِل بأننا نُدان حسب أعمالنا، يُصبِح بلا معنى. إذًا، وبنعمة الله، لدينا نحن مسؤولية شخصية لأن نختار اتِّخاذ القرارات الصحيحة في كل ما نعمل، وذلك يشمل أن نكون وكلاءً أمناء في كل ما يخص الله.




لمزيد من الدرس: الكلمة المُترجَمة ‹وكيل› لا تظهر ككلمة واحدة في بعض آيات العهد القديم، بل تظهر على شكل عبارة أو تعبير مثل: «الَّذِي عَلَى بَيْتِ» (تكوين ٤٣: ١٩). ويُمكن إبدال هذه العبارة بكلمة ‹وكيل› لتُصبح الآية كالتالي: «فتقدَّموا إلى ’الوكيل’ الَّذِي عَلَى بَيْتِ يُوسُفَ، وَكَلَّمُوهُ فِي بَابِ الْبَيْتِ». وإذا اعْتَبَر شخص أنَّ العائلة التي تُقيم في البيت هي جزء مِن البيت نفسه، فهل مِن شيء أغلى قيمة للإنسان مِن بيته؟ وعلى ذلك، يكون الوكيل قد أُؤتُمِن على شيء ذات قيمة عظيمة، ومع ذلك فهو ليس ملكًا له، مما يجعل مسؤولية الوكيل في نواحٍ كثيرة أكبر حتى مِن مسؤوليته مما لو كان مسؤولاً عن أملاكه الخاصَّة.


تواصلت هذه الفِكرة في العهد الجديد أيضًا. «العهد الجديد يأخذ أفكار العهد القديم ويربطها بأفكار ومفاهيم وكلمات القرن الأول، وبذلك يُعمِّق ويُوَسِّع تعاليم الكتاب المُقَدَّس حول الوكالة المسيحية. إن الكلمات اليونانية الأكثر رواجا والمتعلقة بـ «الوكالة» مستمدة من كلمتين هما ‹oikos› و‹oikia› وكلاهما تعنيان ‹البيت›. وكلمة «oikonomos» تعني: الفرد الذي يهتم بشؤون البيت ويحافظ عليه — أو مدير شؤون البيت. وكلمة ‹oikonomia› هي الاسم المجرد وتعني ‹إدارة البيت›، ولهذا المصطلح معنى أوسع بكثير» — [كتيب لاهوت الأدفنتست السبتيين (هاجرستاون، ريفيو أند هيرالد للطباعة والنشر، سنة ٢٠٠٠)، صفحة ٦٥٣].




الدرس السادس


٣-٩ شباط (فبراير)


سِمات الوكيل






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: عبرانيين ١١: ٨-١٢؛ رومية ٤: ١٣، ١٨-٢١؛ متى ٦: ٢٤؛ عبرانيين ٩: ١٤؛ ١يوحنا ٥: ٢، ٣؛ لوقا ١٦: ١٠-١٢.


آية الحفظ: «هكذا فليَحْسَبْنا الإنسان كَخُدَّام المسيح ووكلاء سرائر الله. ثمَّ يُسأل في الوُكَلاء لكي يُوجَدَ الإنسان أمينًا» (١كورنثوس ٤: ١، ٢).


الوُكلاء يُعرَفون بحسب العلامَة التِّجارية التَّابعين لها، أو العلامة التي تُميِّزهم عن غيرهم، تمامًا كما يُعْرَف التُّجَّار عن طريق الشعار الذي يضعونه على تجارتهم. في الحقيقة، كثير من الناس اشتهروا بتحويل أسمائهم إلى علامة تجارية أو سِمَة تجارية.


العلامة المُمَيِّزة للوكيل المسيحي، أو سمته، هي انعكاس لمحبة المسيح مِن خِلال العلاقة بينه وبين المسيح. فعندما نعيش ونُمارِس صِفات المسيح، سوف تُظْهِر حياتنا سِمَتنا أو ما يُمَيِّزنا عن غيرنا. فتكون علامتنا (صفاتنا) هي علامته (صفاته)؛ وحياتنا وهوِّيتنا مُلتصقة به (١كورنثوس ٦: ١٧).


في هذا الأسبوع، سوف نبحث في صِّفات أخلاقيَّة مُحدَّدة لوكلاء الله، تجتمع مع بعضها لِتُكوِّن السِّمة أو العلامة المُمّيِّزة لهم. تُلْهِمُنا هذه الصفات لأن نَتَطَلَّع إلى المجيء الثاني للمسيح ولنقوم بالعمل الذي ائتمننا الله عليه كوُكلاء أمناء على حقِّه. كل صفة مِن هذه الصفات تُمثِّل عُمق العلاقة التي يمكن أن تكون لنا مع ذاك الذي جاء ليطلب ويُخلِّص ما قَدْ هَلَك. وكُلَّما تعمَّقنا في درس هذه الصِّفات، ستزداد تَرَسُّخًا في حياتنا. وسوف تُصْبِحُ محبَّة الله، بِكُلِّ قُوَّتها وديناميكيتها، هي العلامة المميزة لنا، وسيكون لها تأثير على كل نواحي حياتنا، اليوم وإلى الأبد.


* نرجو التَّعمُّق في موضوع هذا الدرس، استعدادًا لِمُناقَشته يوم السبت القادم الموافق ١٠ شباط (فبراير).




الأمانة


«ثُمَّ يُسأل في الوكلاء لكي يوجد الإنسان أمينًا» (١كورنثوس ٤: ٢). أن تُجاهد وتربح «جِهاد الإيمان الحَسَن» (١تيموثاوس ٦: ١٢)، هو أمر أساسي وحاسِم للوكيل الأمين. «الأمين» هي صِفَة الله، وهي ما يجب أن نكونه نحن مِن خلال عمله فينا. أن يكونَ الإنسانُ أمينًا معناه الثَّبات على الحق لِمَا نعرف أنَّه حقٌّ وصواب، خاصة في وَهَج المعارك الروحية.


الصِّراعات الروحيَّة بين الصَّواب والخطأ، بين الخير والشر، آتية لا محالة. إنَّها جزء من جِهاد الإيمان. والقرار الذي يُميِّز الوكلاء في كل موقف هو القرار بأن يكونوا أمَناء. فإذا كُنتَ مُحِبًّا للثَراء، تأكَّد أن تبقى أمينًا لله وما يقوله بخصوص مخاطر محبَّة المال. إذا كُنتَ تتوق للشُهرة، تأكَّد مِن بقائِك أمينًا لِما تقوله كلمة الله عن التَّواضع. إذا كُنتَ في صراعٍ مع الأفكار الشهوانية، تأكَّد أن تبقى أمينًا لوعود الطهارة والقداسة. إذا كُنتَ تُريد القوَّة، فتأكَّد مِن بقائك أمينًا لِما يقوله الله عن أن تكون خادِمًا للجميع. إنَّ اختيارك أو قرارك للبقاء أمينًا أو عدم الأمانة غالبًا ما يُتَّخذ في جزء مِن الثانية، حتى لو كانت العواقب أبديَّة.


اقرأ عبرانيين ١١: ٨-١٢، ١٧-١٩؛ رومية ٤: ١٣، ١٨-٢١. ماذا تُعلِّمنا هذه الآيات حول أن نكون أمناء؟


«الأمانة» باللغة العبرية تعني الثِّقة. وأصل الكلمة (جذرها) بالعبرية (والعربية أيضًا) هو «أمين» والتي تعني بالحقيقة أن يكون الشخص «صلبًا» أو «راسخًا» أو «ثابتًا». الأمانة تعني أننا قد اُختُبرنا وجُرِّبنا وبقينا راسخين وثابتين في تسليمنا لخطّة الله.


استعدادًا لمثوله أمام الإمبراطور، قرأ المُصلِح مارتن لوثر «كلمة الله، أعادَ قراءة كتاباته، وسعى لإعداد ردِّه بشكل مُناسب... اقتَرَبَ مِن الإنجيل المقدَّس... وبِعَاطِفة وَضَعَ يَدَه اليُسرى على الكتاب المُقَدَّس، ورَفَع يده اليُمنى نحو السَّماء، وأقسَم أن يظلَّ أمينًا للإنجيل، ويُعلِن إيمانه بكل صراحة، حتى لو خَتَم شهادته هذه بدمه»

(J. H. Merle d'Aubigne، تاريخ الإصلاح — الجزء ٢، الكتاب ٧، صفحة ٢٦٠).






الإخلاص


«لا يقدر أحد أن يخدم سيِّدين، لأنه إما أن يُبغِض الواحد ويُحِب الآخر، أو يُلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (متى ٦: ٢٤). ماذا تُعلِّمنا هذه الآية عن الأهمية القصوى للإخلاص لله؟


إذ نَعلَم أنَّ اسم الله معناه «غيّور» (خروج ٣٤: ١٤) ينبغي أن يُعطينا دعوة واضحة وصارخة للإخلاص. الإخلاص لإله «غيور» هو إخلاص في المحبة. وفي جهاد الإيمان، يُساعدنا الإخلاص في تحديد مَن نكون نحن، ويُشجِّعنا على الاستمرار في المعركة.


إنَّ إخلاصنا هو مهم لله (١ملوك ٨: ٦١). ليس الإخلاص اتفاقية تحاول تَوقُّع كل الاحتمالات والحوادث غير المتوقعة؛ كما إنه ليس قائمة مِن القواعد والقوانين، بل إنه التعبير المرئي لمعتقداتنا الشخصية وإيماننا وتكريسنا لله.


اقرأ ١أخبار ٢٨: ٩. ماذا تُعلِّمنا هذه الآية بخصوص أهميَّة الإخلاص؟


حيث يكون الإخلاص، يكون هناك إمكانية الخيانة. الإخلاص مثل المحبة، يجب تقديمه بحُرِّيَّة، وإلا فلن يكونَ إخلاصًا حقيقيًا. في أوقات الحرب، تُجبر أحيانًا قوَّات الخطوط الأمامية على البقاء في أماكنها والاستمرار في القتال؛ وإلا يأمر قادتهم أن يُقتَلوا بالرصاص. قد يقوم هؤلاء الرجال بواجبهم، ولكن ليس بالضرورة عن إخلاص. ولكن هذا ليس هو الإخلاص الذي يطلبه الله منَّا.


انظر إلى أيُّوب. لم يتوقَّع الأحداث الكارثيَّة التي كانت ستُدمِّر عائلته، وممتلكاته، وصحته. كان من الممكن أن يتخلَّى عن ثقته ومحبته وتكريسه لله، لكنَّ إخلاصه لإلهه كان قرارًا أخلاقيًا غير متزعزع. وفي صِدقٍ وعدم خوف سبَّح الله علنًا هاتفًا بهذه الكلمات الشهيرة: «هوذا يقتُلُني. لا أنتَظِرُ شيئًا» (أيوب ١٣: ١٥). إنَّ ولاءه لله في مواجهة المصائب هو جوهر إخلاصه، وتوضيح صريح لصفات الوكلاء المخلِصين في أفضل صورة.






الضمير الصَّالِح


هناك الكثير مِن الأشياء التي يمكننا امتلاكها: الصِّحَّة، الحب، الأصدقاء، عائلة عظيمة — هذه كلها بركات. ولكن القلب الصادق أو الضمير الصالح هو أحد أهم الأشياء.


اقرأ عبرانيين ١٠: ١٩-٢٢؛ ١تيموثاوس ٤: ١، ٢. ما هو معنى أن يكون شخص ’موسوم الضمير’ أو أن يكون ضميره شرير؟


إنَّ ضميرنا يعمل كمُراقِب داخلي لحياتنا الخارجية. والضمير بحاجة لأن يكون مُتَّصِلًا بمقياس الكمال والسّمو: شريعة الله. كَتَبَ الله شريعته في قلب آدم، لكنَّ الخطية قامت بمحو تلك الشريعة بشكل يكاد يكون كامِلًا — ليس مِن قلب آدم فقط بل مِن نسله أيضًا، ولم يبقَ منها سوى شظايا مُتناثِرة. «(الأمم) يُظهِرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهِدًا أيضًا ضميرُهُم» (رومية ٢: ١٥). لقد نَجَحَ يسوع حيث فشل آدم لأنَّ شريعة الله كانت في وسط أحشائه (مزمور ٤٠: ٨).


ماذا يقول الرسول بولس عن الحل الوحيد للضمير السيِّء؟ (انظر عبرانيين ٩: ١٤).


«يجب الدخول إلى نسيج خزانة الضمير. يجب إغلاق نوافذ النَّفس باتِّجاه العالَم وفَتْحِها على مِصراعَيها باتِّجاه السَّماء، حتى تتمكَّن أشِعَّة شمس البِرِّ السَّاطِعة أن تدخل إلى النَّفس... ويجب حفظ العقل صافيًا وطاهِرًا لكي يستطيع أن يُميِّز بين الخير والشر» (روح النبوة، العقل والصّفات والشخصية، المجلد الأول، صفحة ٣٢٧، ٣٢٨). عندما تكون شريعة الله مكتوبة على قلب المؤمن (عبرانيين ٨: ١٠)، ويسعى المؤمِن بالإيمان لاتِّباع شريعة الله، تكون النتيجة ضميرًا صالِحًا.






الطَّاعة


جثا هابيل طائِعًا أمام مذبحه حامِلًا حَمَلَ التَّقدمة كما أمَرَ الله. مِن ناحية أخرى، جثا قايين بغضب أمام مذبحه حامِلًا ثِمار الحقل. أتى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بتقدمة، ولكنَّ واحدًا فقط مِن الأخَوَين كان مُطيعًا لأمر الله. قُبِلَ الحَمَل المذبوح، ولكنَّ نتاج الحقل رُفِض. فَهِمَ كلًا مِن الأخوين المعنى والتعليمات الخاصَّة بتقدمة الذّبائِح، ولكن هابيل فقط أطاعَ ما أمَرَ به الرَّب (تكوين ٤: ١-٥).


«كان موت هابيل نتيجةً لِرَفْضِ قايين قبول خطَّة الله في مدرسة الطاعة للخلاص بدم يسوع المسيح، التي يُرمَز إليها بذبائح التَّقدِمة التي تُشير إلى المسيح. رَفَضَ قايين سفك الدَّم، الذي كان يرمز إلى دم المسيح الذي سيُسفَك مِن أجل العالم» (روح النبوة، موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المُقَدَّس، المجلد السادس، صفحة ١١٠٩).


الطاعة تبدأ في العقل، وتشمل العملية الدقيقة للقبول الذِّهني لمسؤولية تنفيذ الأوامر مِن سُلْطَة أسمى. الطاعة تنبع مِن علاقة مع شخصية ذات سُلْطَة والاستعداد لإطاعة تلك الشخصية. في حال علاقتنا بالله، طاعتنا له طوعية، وهي عمل محبة يُشَكِّل سلوكنا للالتزامات الأخلاقية. إن إطاعة الله يجب أن تكون بحسب ما يحدده هو لنا. وحالة قايين هي خير مثال على شخص يفعل ما يريده هو بدلا من أن يفعل ما يطلبه الله.


اقرأ ١يوحنا ٥: ٢، ٣؛ رومية ١: ٥؛ رومية ١٠: ١٦، ١٧. ماذا تعلَّمنا هذه الآيات حول ما تعنيه الطاعة بالنسبة للمسيحي الذي خَلُصَ بالإيمان بدون أعمال الناموس؟


نحن لا نُطيع لكي نخلُص؛ نحن نُطيع لأنه قد تمَّ خلاصُنا فعلًا. الطاعة هي تعبير عملي عن إيمان روحي. قال النبي صموئيل للملك شاول: «هل مَسَرَّة الرب بالمحرقات والذَّبائِح كما باستِماع صوت الرَّب؟ هوَّذا الاستماع أفضل مِن الذَّبيحة، والإصغاء أفضل مِن شحم الكِباش» (١صموئيل ١٥: ٢٢).