تحميل قوات الدفاع الشعبي  -  دليل دراسة الكتاب المُقدَّس - الربع الرابع 2017 - الخلاص بالإيمان وحده: سِفْر رُومِيَة

 

مقدمة ٢


١. الرسول بولس في رومية — ٣٠ أيلول (سبتمبر)- ٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٦


٢. الصراع — ٧-١٣ تشرين الأول (أكتوبر) ١٤


٣. الحالة الإنسانية — ١٤- ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٢


٤. التبرير بالإيمان — ٢١- ٢٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٣٠


٥. إيمان إبراهيم — ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر)- ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٣٨


٦. آدم والمسيح — ٤- ١٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٤٦


٧. الغلبة على الخطية — ١١- ١٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٥٤


٨. مَن هو إنسان رومية ٧؟ — ١٨ - ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٦٢


٩. لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ — ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر)- ١ كانون الأول (ديسمبر) ٧٠


١٠. أبناء الموعد — ٢- ٨ كانون الأول (ديسمبر) ٧٨


١١. المختارون — ٩- ١٥كانون الأول (ديسمبر) ٩٤


١٢. الغلبة على الشر بالخير — ١٦- ٢٢ كانون الأول (ديسمبر) ١٠٢


١٣. الحياة المسيحيّة — ٢٣- ٢٩ كانون الأول (ديسمبر) ١١٠


Editorial Office: 12501 Old Columbia Pike, Silver Spring, MD 20904


Come visit us at our Website: http://www.absg.adventist.org


Principal Contributor

ABSG Staff


Editor

Clifford R. Goldstein


Associate Editor

Soraya Homayouni


Publication Manager

Lea Alexander Greve


Middle East and North Africa Union


Publishing Coordinator

Michael Eckert


Translation to Arabic

Samy Beshy


Arabic Layout and Design

Marisa Ferreira


Editorial Assistant

Sharon Thomas-Crews


Pacific Press® Coordinator

Wendy Marcum


Art Director and Illustrator

Lars Justinen


Design

Justinen Creative Group



© ٢٠١٧ المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. جميع الحقوق محفوظة. لا يمكن تعديل أو تغيير أو تبديل أو تحويل أو ترجمة أو إعادة إصدار أو نشر أي جزء من دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار دون الحصول على إِذْن خطي مسبق من المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. ومصرحٌ لمكاتب الأقسام الكنسية التابعة للمجمع العام للأدفنتست السبتيين ® العمل على الترتيب لترجمة دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار بموجب مبادئ توجيهية محددة. وتبقى ترجمة ونشر هذا الدليل حقاً محفوظاً للمجمع العام. إن اصطلاح "الأدفنتست السبتيون" وشعار الشعلة هما علامتان تجاريتان للمجمع العالم للأدفنتست السبتيين ® ولا يجوز استخدامها دون الحصول على إذن مسبق من المجمع العام.


إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو من إعداد مكتب دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للكبار التابع للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. والناشر والمشرف العام على إعداد هذا الدليل هو لجنة مدرسة السبت، وهي إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الإدارية للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو انعكاس لمساهمات اللجنة العالمية للتقييم، ويحظى بموافقة لجنة مدرسة السبت للنشر، وبالتالي فهو لا يعكس بالضرورة وجهة النظر المنفردة للمؤلف (أو المؤلفين).


Sabbath School Personal Ministries



هنا نقف – تعليق لوثر على سِفْر رومية


في مثل هذا الشهر منذ خمسمائة عام، علّق أستاذ اللاهوت البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، ٩٥ احتجاجاً كان القصد منها، في بادئ الأمر، تفنيد مرسوم بابوي استُخدم ليبتز قطيع مارتن لوثر عن طريق بيع صكوك الغفران. وكانت هذه الاحتجاجات لمعارضة المرسوم البابوي، والتي أجّجت شرارة الإصلاح البروتستانتي- ومن يومها لم يعد العالم كما كان.


بالطبع فقد تغيّر الكثير منذ ذلك اليوم من عام ١٥١٧. إنّما شيء واحد لم يتغيّر وهو كلمة الله والحقّ الذي تتضّمنه، تلك التي أَعطت مارتن لوثر الأساس اللاهوتي الذي تحدّى به روما وقدَّمَ للملايين مفهوماً كتابيّاً عظيماً ألا وهو (الخلاص بالإيمان وحده).


ودراستنا في هذا الربع تركّز على هذا المبدأ من خلال دراسة رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية. كتب مارتن لوثر في تعليقه على الرسالة إلى رومية يقول: «إنّ هذه الرسالة هي مجمل رسالة الإنجيل المقدّس وهي جديرة ليس فقط بضرورة الاطّلاع عليها واستيعابها كلمة بكلمة في القلب فحسب، ولكن بالانشغال بها والحياة بموجبها كلّ يوم كخبزٍ روحي للنفس» [مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، ترجمة ثيودور مولر (جراند راﭙيدز- ميتشجان: طباعة كريجل ١٩٧٦)، صفحة ٨].


نعم، إنّه في رسالة رومية وجد مارتن لوثر الحقيقة العظيمة «الخلاص بالإيمان وحده». هنا أفصح الرجل عن هذه الحقيقة الثمينة ليس فقط في رومية أو في العهد الجديد بل في الكتاب المقدس كلّه: حقيقة خطّة الخلاص، التي أُعطيت لنا في يسوع المسيح قبل ملء الزمان (٢تيموثاوس ١: ٩). والحقيقة هي أنّ الخلاص يكمن فقط في برّ المسيح. إنّ هذا البرّ يُحسب لنا بالإيمان، إنّه برّ يُمنح لنا بغضّ النظر عن حفظ الناموس، أو كما وضّح الرسول بولس بجلاءٍ في رومية. «إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أعمال النَّامُوسِ» رومية ٣: ٢٨.


وكان لوثر، بسبب هذا المبدأ، يرفض السلطان العالمي والإرث الروماني وقد أعلنه جهاراً في مجلس «ورمز» سنة ١٥٢١م. وصرَّح بالقول: «أنا لا أستطيع أن أتراجع ولا أريد أن أتراجع. لأنه أمر غير مأمون العاقبة أن يتكلم المسيحي ضد ضميره. هنا أنا أقف ولا يمكنني أن أفعل غير هذا» [ج. ه. ميرل دابونية د. د. تاريخ الإصلاح، ترجمة هـ. هوايت (نيويورك مؤسسة تراك الأمريكية ١٨٤٨)، صفحة ٢٤٩.]


واليوم لا يستطيع الأمناء من البروتستانت أن يفعلوا شيئاً إلاّ أن يقفوا راسخين على كلمة الله ضدّ التقاليد والطقوس البالية غير الكتابيّة.


وبدون شك، فقد تقدّمت المسيحية تقدّماً عظيماً منذ عهد لوثر متحررّةً من خرافات دامت قروناً، وتعاليم باطلة أودت بالمفاهيم الكتابية بل وقامرت برسالة الإنجيل وتاجرت بها.


لكن للأسف، فقد تعطّلت النهضة عبر السنين، وقد استُبدل التقدّم في أماكن عدّة بحالة ركود ومراسيم بالية، وفي أماكن غيرها رجع الكثيرون إلى روما. واليوم في عصر يحاول احتواء الكنائس في تجمّعات عالمية، وقد تشوّهت الكثير من الحقائق الكتابية التي كانت قد ألهبت النهضة الإصلاحية، وقد تغطّت بمظاهر لغوية لكي تخفي الخلافات الجوهريّة. وهي لم تحظَ بتقدمٍ اليوم أكثر من أيام لوثر نفسه. إنّ نبوءات دانيال ٧: ٢٣- ٢٥؛ ٨: ٩- ١٢؛ رؤيا ١٣ و ١٤، وكذلك الأخبار الرائعة عن الخلاص بالإيمان التي في رسالة رومية، جميعها يبيّن السبب الذي يحدو بالمؤمنين المخلِصين للكتاب المقدّس أن يلتصقوا بالمبادئ التي دافع عنها أسلافنا البروتستانت بحياتهم.


ونحن الأدڨنتست السبتيون نستند على مبدأ «اَلْكِتَاب المُقَدَّس واَلْكِتَاب المُقَدَّس وحده»؛ ولهذا فإننا نرفض بشدة كل المحاولات الهادفة إلى إرجاع المسيحيين للانضواء تحت لواء روما، وإلى الممارسات الدينية لعصر ما قبل الإصلاح. فإن الكتاب المقدس يقودنا للسير في الاتّجاه المضاد (رؤيا ١٨: ٤). وفي ذلك الاتجاه، نسير معلنين «البِشَارَة الأَبَدِيَّة» (رؤيا ١٤: ٦) للعالم أجمع. إنها نفس البِشَارَة الأَبَدِيَّة التي ألهمت مارتن لوثر منذ خمسمائة عام مضت.


دليلك في الطريق إلى وطنك السماوي


تواصل مع ﷲ بفعالية أكثر!


إن مبادرة "آمنوا بأنبيائه" هي برنامج مدته خمس سنوات يأخذك في رحلة عبر الكتاب المُقَدّس وقراءات مختارة من مؤلفات إلن ج. هوايت. قم بالحصول على قراءات يومية من الكتاب المُقَدّس، وقراءات تفاعلية مع غيرك من القراء، وكذلك بعض المقاطع من مؤلفات روح النبوة.


متحدون في الصلاة: هي مبادرة نلتزم فيها بالصلاة معاً مع الآخرين باستخدام طرق تقليدية أو مبتكرة. احصل على طلبات أسبوعية وشهادات أو أفكار متعلقة بالصلاة من أعضاء كنيستك حول العالم.


قم بالاشتراك في هاتين المبادرتين من خلال التسجيل على الموقع التالي:


http://www.RevivalandReformation.org


وشارك أفكارك والشهادات الخاصة بك.


حلقة عالمية للصلاة


برنامج عالمي لدراسة الكلمة المقدسة


صلاة يومية مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح حول العالم


دراسة يومية لكلمة ﷲ ومؤلفات روح النبوة


قم بتحميل


نسختك الإلكترونية المجانية


من دليل دراسة الكتاب المُقَدّس عبر الموقع التالي:


www.menapa.com


 

اشترك في


رسالتنا الإخبارية


المجانية


تزوّد بآخر المعلومات المتعلقة بكل


إصداراتنا الجديدة!


+961 1 690290 | www.menapa.com


شارع الفردوس، السبتية، جديدة المتن، بيروت، لبنان ١٢٠٢٢٠٤٠


جمعية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للنشر


الدرس الأول


٣٠ أيلول (سبتمبر)- ٦ تشرين الأول (أكتوبر)


الرسول بولس في رومية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ١٥: ٢٠- ٢٧؛ أعمال ٢٨: ١٧- ٣١؛ فيلبي ١: ١٢؛ رومية ١: ٧؛ أفسس ١؛ رومية ١٥: ١٤.


آية الحفظ: «أَوَّلاً، أَشْكُرُ إِلهِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ» (رومية ١: ٨).


من المهم لدارس الرسالة إلى رومية أن يستوعب الخلفيّة التاريخيّة لهذه الرسالة. فالمحتوى ضروري جدّاً لفهم التعليم المقدّم. كان بولس يكتب لفئة خاصّة من المسيحييّن في وقت معيّن وأيضاً لقصدٍ معيّن، مدركاً أن كتاباته هذه ستفيدنا اليوم في فهم دراستنا.


لذا فلنرجع بأدراجنا زمناً إلى القرن الأول في روما حيث أصبحت الجماهير آنئذٍ هي مجمل أعضاء الكنيسة المسيحيّة الأولى، ولنصغي إلى بولس وإلى الكلام الذي أعطاه له الروح القدس كي يقدّمه إلى المؤمنين في رومية.


ومهما يكن من محدوديّة المواضيع المطروحة فإنّ المبادئ المتضمّنة عن كيفيّة خلاص الإنسان هي مألوفة للجميع. نعم، إنّ بولس كان يتحّدث لمجموعة معينة من الناس؛ وكان لديه أيضاً موضوع آخر معيّن عند كتابة هذه الرسالة. وكما نعلم بعد ذلك بقرون عدّة، في عصر يختلف تماماً، بأن الكلمات التي كتبها كانت هامّة بالنسبة لمارتن لوثر كما كانت هامّة لبولس الرسول عندما كتبها أولاً، وهي هامّة بالنسبة لنا اليوم.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٧ تشرين الأول (أكتوبر).




رسالة بولس الرسول


تشير رومية ١٦: ١، ٢ إلى أنّ الرسول بولس لربّما كتب رسالته في المدينة اليونانيّة كَنْخَرِيَا القريبة من مدينة كورنثوس. وذِكْر بولس لاسم فيبي، وهي مواطنة يهودية مقيمة في مدينة كورنثوس الواسعة، يرجّح أن يكون المكان الذي كتب بولس منه رسالته إلى أهل رومية هو كَنْخَرِيَا.


إنّ أحد أسباب الرغبة في معرفة المدن التي كُتِبَت منها رسائل العهد الجديد هو التأكّد من تاريخ كتابة الرسالة. ولأنّ الرسول بولس قد ارتحل كثيراً، فمعرفة موقعه في زمن معيّن يمكن أن يعطينا مفتاحاً لمعرفة تواريخ كتابة رسائله.


أسسّ بولس كنيسةً في مدينة كورنثوس في رحلته التبشيريّة الثانية ما بين ٤٩- ٥٢م. (انظر أعمال ١٨: ١- ١٨). ولقد زار اليونان في رحلته الثالثة ٥٣- ٥٨م، وزار اليونان ثانية (أعمال ٢٠: ٢، ٣) وتسلّم تقدُمة للأخوة في أورشليم قرب نهاية كرازته. (رومية ١٥: ٢٥، ٢٦). لذلك، فرسالته إلى رومية لربّما تكون قد كُتبت في الأشهر الأولى من سنة ٥٨م.


ما هي الكنائس الهامة الأخرى التي زارها بولس الرسول في رحلته التبشيريّة الثالثة؟ أعمال ١٨: ٢٣.


عند زيارة بولس الرسول لكنائس غلاطية، اكتشف أنّ معلمين مزيّفين قد نجحوا في إقناع الأعضاء، أثناء غيابه، بالرضوخ لعمليّة الختان وحفظ تعاليم ناموس موسى. ولجزعه من تجاسر معارضيه واحتمال وصولهم قَبله إلى رومية، كتب رسالته هذه إلى أهل رومية لإيقاف تلك المهزلة ومنع حدوثها في رومية ذاتها. ويُعتقد كذلك أنّ الرسالة إلى أهل غلاطية كانت قد كُتبت أيضا من مدينة كورنثوس أثناء تواجد بولس هناك في رحلته التبشيريّة الثالثة، وقد يكون ذلك بعد وصوله إليها بفترة وجيزة.


«وفي رسالته إلى أهل رومية بسط بولس حقائق الإنجيل العظيمة. وقد حدد موقفه بالنسبة إلى المشاكل التي كانت مثيرة لكنائس اليهود وكنائس الأمم، وأراهم أن الآمال والمواعيد التي كانت قبلاً وقفاً على اليهود وحدهم قُدمت الآن إلى الأمم أيضاً» روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٣١٩).


وكما سبق وذكرنا، فإن من الضروري عند دراسة أيّاً من أسفار الكتاب المقدّس أن نعرف لماذا كُتب هذا السِّفر، أي أن نعرف القضية التي كان يتعامل معها. وبالتالي، فإنه من المهم لفهمنا لرسالة بولس إلى أهل رومية أن نعرف ما هي المسائل التي كانت تُثير وتُرْبِك كنائس اليهود وكنائس الأمم. إنّ درس الأسبوع القادم سيتناول هذه المسائل.






رغبة بولس في زيارة مدينة رومية


لا بديل للاتصال الشخصي، حيث أنه الطريقة المثلى للتواصل في معظم الحالات. يمكننا الاتصال هاتفياً أو إرسال رسالة بريد إلكتروني أو رسالة نصية، بل وحتى التواصل عن طريق «سكايب»، ولكن الالتقاء المباشر أو وجهاً لوجه هو أفضل وسيلة للتواصل مع الآخرين. وهذا هو السبب الذي حدا ببولس أن يقول في رسالته إلى رومية بأنّه إنّما قصد أن يراهم شخصيّاً، أرادهم أن يعلموا بقدومه وسبب ذلك.


اقرأ رومية ١٥: ٢٠- ٢٧. ما الأسباب التي أعطاها الرسول بولس لعدم تمكّنه من زيارة رومية قبلاً؟ وما الذي دفعه للحضور إليها الآن؟ وما مدى أهميّة المرسلية في تفكيره؟ وما الذي يمكن أن نتعّلمه من كلماته عن المرسلية والشهادة بالكلمة؟ ما هي النقطة الهامّة واللازمة التي شدّد عليها بولس في رومية ١٥: ٢٧ عن اليهود والأمم؟


إنّ هذا المُرسل العظيم إلى الأمم قد شعر دائماً بأنه لِزاماً عليه أن يحمل الإنجيل إلى أماكن جديدة، تاركاً المجال للمرسلين الآخرين كي يعملوا في الأماكن التي قد تأسّس فيها الإنجيل بالفعل. وفي الأيام التي كانت فيها المسيحيّة حديثة والعمَّال قليلين، كان تبشير بولس في الأماكن التي تم تبشيرها مسبقاً سيكون إهداراً لجهود بولس الكرازية. وقد قال بولس، «لكِنْ كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ الْمَسِيحُ، لِئَلاَّ أَبْنِيَ عَلَى أَسَاسٍ لآخَرَ.  بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: الَّذِينَ لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ سَيُبْصِرُونَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا سَيَفْهَمُونَ» (رومية ١٥: ٢٠، ٢١).


لم يكن قصد بولس الرسول أن يستقر في مدينة رومية. كان هدفه أن يكرز في إسبانيا وكان يأمل في أن يحظى بدعم المسيحيين في رومية لهذه المخاطرة.


ما المبدأ الهام الذي نأخذه بخصوص مرسلية الكرازة من حقيقة أن بولس قد لجأ إلى كنيسة مؤسّسة لتساعده في الوصول إلى منطقة جديدة كي يقوم بتبشيرها؟






بولس في رُومِيَة


«وَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سَلَّمَ قَائِدُ الْمِئَةِ الأَسْرَى إِلَى رَئِيسِ الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّا بُولُسُ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ» (أعمال ٢٨: ١٦). ما الذي يخبرنا به هذا النصّ عن كيفيّة وصول بولس أخيراً إلى رومية؟ ما الدرس الذي نتعلّمه هنا عن المفاجآت غير المتوقّعة والتي تعتري طريقنا في كثير من الأحيان؟


نعم، لقد وصل بولس أخيراً إلى رومية، وإن وصل إليها كأسير. فكم من المرّات لا تأتي خططنا كما نتوقّع ونرجو، حتّى تلك التي وضعناها بأحسن النوايا.


وصل بولس إلى أورشليم في نهاية مُهمته التبشيريّة الثالثة، ومعه التقدمة إلى الفقراء التي جمعها من الجماهير في أوروبا وآسيا الصغرى. ولكنّ أحداثاً غير محببّة وغير متوقّعة كانت بانتظاره. فقد قُبض عليه ووُضع في سلاسل، وبعد أن حُجز سجيناً لمدّة عامين في قيصريّة، قدّم شكايةً إلى القيصر. وبعد حوالي ثلاثة أعوام من الأسر، وصل إلى رومية، وربّما ليس بالطريقة التي كان يعتزم أن يزورها بها حين كتب إلى كنيسة رومية قبل ذلك بسنوات مُعْرِباً عن رغبته في زيارة الكنيسة هناك.


ماذا تخبرنا أعمال ٢٨: ١٧- ٣١ عن المدّة التي قضاها بولس في رومية؟ والأهم، ما الدرس الذي نتعلّمه من ذلك؟


«إن ما كان مزمعاً أن يسترعي انتباه البلاط إلى المسيحية لم يكن هو عظات بولس بل وثقه وقيوده. فكأسير أمكنه أن يحطم قيود نفوس كثيرة قيدتها عبودية الخطية. ولم يكن هذا كل شيء. فلقد أعلن قائلاً: ‹وَأَكْثَرُ الإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلاَ خَوْفٍ.› (فيلبي ١: ١٤)» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٤٠٢).






«القديسون في رومية»


هنا تحيّة بولس الرسول إلى كنيسة رومية: «إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (رومية ١: ٧). أيّ مبادئ للحقّ واللاهوت والإيمان نستخلصها من هذه الآيات؟


أَحِبَّاءُ اللهِ. بما أنه صحيح أنّ الله يحبّ العالم، إلا أنّه بمعنى خاص يحبّ أولئك الذين اختاروه، أولئك الذين استجابوا لمحبّته.


إننا نرى ذلك في المحيط البشري. فنحن نحبّ بصفة خاصّة أولئك الذين يحبّوننا؛ فإننا نتبادل معهم الشعور العاطفي. إنَّ المحبة تتطلب استجابة. وعندما لا تأتي الاستجابة قريباً، لا يتم التعبير عن المحبة تعبيراً كاملاً.


التعبير «مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ» يعني مصنّفين في مرتبة قدّيسين. إنّ كلمة «قديسين» هي ترجمة للكلمة اليونانية hagioi والتي تعني «الأشخاصُ القديسون». والمقدَّس هو المكرّس. فالقديس هو المرء الذي قد أُفرِز مِن قِبل الله. ولربّما أمام هذا الشخص شوطٌ طويلٌ في التكريس، ولكن لكون هذا الشخص قد اختار المسيح ربّاً فهذا يضعه في مرتبة قديّس بحسب التعبير الكتابي.


قال الرسول بولس بأنهم «مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ». هل يعني هذا أن بعض الناس غير مدعوين؟ كيف تساعدنا هذه الآيات على فهم ما يعنيه بولس؟ أفسس ١: ٤؛ عبرانيين ٢: ٩؛ ٢بطرس ٣: ٩.


إنّ أعظم خبر سَارٍّ في الإنجيل هو أنّ موت المسيح كان شاملاً لجميع الناس، إنّه كان لأجل جميع البشر. والجميع مدعوّون للخلاص بواسطته، «مدعوُين قدّيسين» مِن قَبل تأسيس العالم. كان قصد الله الأساسي أن يجد الناسُ جميعاً الخلاص في يسوع. إن نار الجحيم الأخيرة كان المقصود لها أن تكون فقط لإبليس وملائكته. (متى ٢٥: ٤١). أما عدم استفادة البعض من عطيّة الله للخلاص فلا يقلّل من مدى عظمة وقيمة هذه العطية، مثلما لا يقلل إضرابَ شخصٍ ما عن تناول الطعام في ساحة السوق من لذة الأطعمة الموجودة في ذلك السوق.






المؤمنون في رومية


«أَوَّلاً، أَشْكُرُ إِلهِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ» (رومية ١: ٨).


لا يُعرف كيف تأسّس جمهور المؤمنين في رومية. إن التقليد القائل بأنّ الكنيسة قد تأسّست على يّد بطرس أو بولس ليس له سند تاريخي. فإنه لرّبما يكون قد أسّسها الأعضاء العلمانيّون، المتجدّدون في يوم الخمسين في أورشليم (أعمال ٢) الذين قاموا بعد ذلك بزيارة رومية أو النزوح إليها. أو لربّما تكون الكنيسة في رومية قد تأسست بواسطة متجددين من فترة لاحقة انتقلوا إلى هناك فشهدوا بإيمانهم في عاصمة العالم آنذاك.


إنّه من المدهش أنّه في غضون بضع عشرات من السنين بعد يوم الخمسين أنّ جمهوراً قد تَكَوَّنَ دون زيارات أو حملات تبشيريّة تُذكر. «ورغم المعارضة المضادّة فقد نشأت كنيسة فتيّة غيّورة متحّمسة، ولقد سيّج الربّ حولها» (تعليقات روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدﭬنتست، مجلد ٦، صفحة ١٠٦٧).


اقرأ رومية ١٥: ١٤. كيف يصف بولس الكنيسة في رومية؟


ها هي ثلاث صفّات يشير إليها بولس الرسول في اختبار المسيحييّن بكنيسة رومية:


١. «مَشْحُونُونَ صَلاَحاً.» هل يقول الناس هذا عن اختبارنا نحن؟ وإذا عاشرونا، فهل يجذبهم صلاحنا ويسترعي انتباههم؟


٢. «مَمْلُوؤُونَ كُلَّ عِلْمٍ.» يشدّد الكتاب المقدّس على أهميّة التنوّر والمعرفة والفهم. يهيب الله بالمسيحيين أن يدرسوا الكتاب المقدّس ليصبحوا مثقفين عارفين تعاليمه. أيضاً، عبارة « ‘أُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا’ تعني ‘أعطيكم عقلاً جديداً.’ فالتغيير في القلب يأتي عن اقتناع تام بالواجب المسيحي بفهم الحقّ» (روح النبوة، حياتي اليوم، صفحة ٢٤).


٣. «قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.» لا أحد يستطيع أن يتقدّم روحيّاَ إذا انعزل عن الإخوة المؤمنين. نحتاج إلى القدرة على تشجيع الآخرين. وفي الوقت ذاته، نحتاج إلى أن نلقى تشجيعاً من الآخرين أيضاً.






لمزيد من الدرس: «إنّ خلاص الجنس البشري لم يأت نتيجة إعادة نظر أو تعديل اضطراري لزم عمله بسبب انعطاف وتغيّر الأحداث بعد ظهور الخطيّة. بالأحرى، جاء خلاص الجنس البشري حسب خطّة إلهيّة لفداء الإنسان كانت قد وُضِعت قبل خلق هذا العالم. (١كورنثوس ٢: ٧؛ أفسس ١: ٣، ١٤؛ ٢تسالونيكي ٢: ١٣، ١٤) وقد تجذّرت هذه الخطّة في محبّة الله الأزليّة للإنسان (ارميا ٣١: ٣)


«هذه الخطّة تشمل الأبديّة في الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. إنّها تتضمّن حقائق وبركات كالاختيار والتعيين المُسْبَق [أفسس ١: ١١] لأن نكون خاصّة الله المقدسة، ولأن نكون مُشَابِهين صُورَة المسيح، وتتضمن كذلك الفداء والغفران، واتّحاد كلّ شيء بالمسيح، وختم الروح القدس، وتسلّم الميراث الأبدي، والتمجيد في الملكوت (أفسس ١: ٣-١٤). والأمر المركزي في هذه الخطّة هو آلام وموت يسوع، الذي لم يكن حدثاً تاريخياً بمحض الصدفة أو مجرّد نتيجة قرار بشري محض ولكنّه كان متجذراً في قصد الله لفدائنا (أعمال ٤: ٢٧، ٢٨). وكان يسوع حقيقةً هو «الْخَرُوفِ الَّذِي ذُبِحَ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (رؤيا ١٣: ٨)» [دليل لاهوت الأدڨنتست السبتيين (هاغرستون: ماريلاند: ريفيو آند هيرالد للنشر، ٢٠٠٠)، صفحة ٢٧٥، ٢٧٦].




الدرس الثاني


٧- ١٣ تشرين الأول (أكتوبر)


الصّراعُ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: عبرانيين ٨: ٦؛ متى ١٩: ١٧؛ رؤيا ١٢: ١٧؛ لاويين ٢٣؛ أعمال ١٥: ١- ٢٩؛ غلاطية ١: ١- ١٢.


آية الحفظ: «لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا» (يوحنا ١: ١٧).


كانت الكنيسة الأولى تتكوّن في معظمها مِن يهود لم يخطر ببالهم، ولو للحظةٍ، أنّهم بقبولهم للمسيّا اليهودي، يسوع، إنّما كانوا بطريقة ما يتحولون عن مواعيد العهد الإلهي التي قطعها الله لبني إسرائيل قديماً. وقد كانوا على صواب، «فعندما رفض اليهودُ الاعترافَ بأنَّ يسوعَ هو المسيح فَصَمُوا علاقةَ العهد مع الله، مُنْهِيِنَ وضعهم الخاص كشعبه المختار (دانيال ٩: ٢٤ - ٢٧). ومع أن عهد الله ووعوده ظلّت هي ذاتها إلا أنه اختار شعباً [روحياً] جديداً ... حلَّ مكان الأمة اليهودية (غلاطية ٣: ٢٧ - ٢٩؛ ٦: ١٥، ١٦)» [كتاب إيمان الأدڨنتست السبتيين، صفحة ٣٢٠]. وكانت المسألة بالنسبة لليهود الذين آمنوا بالمسيح تتعلق بما إذا كان لِزاماً على اليهود أن يصيروا مسيحيين لكي يقبلوا المسيح. كما كانت المسألة الأخرى بالنسبة للكثيرين منهم تتعلق بما إذا كان لِزاماً على الأمميين أن يصيروا يهوداً قبل أن يتمكنوا من قبول المسيح.


وفي وقت لاحق، جاءتهم الإجابة القاطعة من مجمع أورشليم. فقد اتّخذ مجمع أورشليم قراراً بألاّ يثقّلوا على الأممييّن بمجموعة مراسيم وقوانين. وهذا معناه أنّ الأممييّن لم يكونوا بحاجة إلى أن يصيروا يهوداً أولاً حتى يقبلوا يسوع ويؤمنوا به.


وبالرغم من هذا القرار، فقد أصرّ بعض المعلّمين المتزمّتين على أنّ المتجددين من الأمم كان عليهم أن يحفظوا هذه القوانين والفروض والنواميس، بما في ذلك الختان، (الأمر الذي لم يجعل المسيحيّة أمراً جذّاباً خاصة بالنسبة للرجل البالغ). هذا يعني أنَّ اليهود اعتقدوا أنه لكي يصبح هؤلاء الأمميين مشاركين في وعود العهد، فإن عليهم الالتزام بالكثير من القوانين والتعليمات التي كانت تُعتبر شرطاً ضرورياً للقبول في الحظيرة اليهودية.


ماذا كانت القضايا محور الخلاف وكيف تمَّ التعامل معها؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٤ تشرين الأول (أكتوبر).




عهدٌ أفضل


اقرأ عبرانيين ٨: ٦. ما هي الرسالة هنا؟ وكيف لنا أن نفهم ما هي هذه «المَوَاعِيد الأَفْضَل»؟


لربّما كان أعظم فرق بين ديانة العهد القديم وديانة العهد الجديد هو حقيقة أنّ حقبة العهد الجديد قد تأسسّت بقدوم المسيّا، يسوع الذي من الناصرة. لقد أُرسل يسوع مِن قِبل الله ليكون المخلّص. لا يمكن أن يتجاهله الناس وينالون الخلاص. فقط من خلال الكفارة التي قدّمها يمكن أن تُغفر خطاياهم. فقط من خلال الانتساب والاستناد إلى حياته الكاملة يمكنهم أن يقفوا أمام الله بلا إدانة. بكلام آخر، إنّ الخلاص كان من خلال برّ المسيح وليس بأمرٍ آخر.


إنّ قدّيسي العهد القديم تطلّعوا إلى بركات عصر المسيّا والوعد بالخلاص. وقف الناس في العهد الجديد أمام سؤال محيّر، هل يقبلون يسوع الناصري الذي أرسله الله كالمسيّا مخلّصهم؟ لو أنّهم آمنوا به، أي أنّهم قبلوه كما هو وسلّموا أنفسهم له، فلسوف يَخْلَصون بواسطة البرّ الذي يُقَدَّمُ لهم مجّاناً.


وعلى أي حالٍ، فإنّ المطاليب الروحيّة تبقى كما هي في العهد الجديد دون تغيير، لأنّها مؤسسّة على صفات الله ويسوع المسيح. والطاعة للناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر، هو جزءٌ هام ٌ في عهد الله بأسفار العهد الجديد كما كان في القديم تماماً.


اقرأ متى ١٩: ١٧؛ رؤيا ١٢: ١٧؛ ١٤: ١٢؛ يعقوب ٢: ١٠، ١١. ماذا تخبرنا هذه الفقرات الكتابية عن الناموس الأدبي في العهد الجديد؟


في نفس الوقت، فإنَّ مجمل التعليمات والنواميس الطقسيّة – التي كانت بالضرورة يهوديّة وكانت مرتبطةً تماماً بعهد الله قديماً، وكانت جميعها تشير إلى يسوع وموته وخدمته كرئيس كهنة – قد انتهى عملها، وأُسّس نظامٌ جديدٌ، نظام مبنيّ على «مواعيد أفضل.»


لقد كان من أعظم مهام بولس في رسالة رومية هو مساعدة كلا اليهود والأممييّن أن يفهموا ما يعنيه التحوّل من اليهودية إلى المسيحيّة. وقد كان الأمر يحتاج لوقت ليس بقصير حتى يحدث ذلك التحوّل. إنّ كثيراً من اليهود الذين قبلوا يسوع لم يكونوا جاهزين لتلك التغييرات التي كانت ستأتي.






القوانين والمراسيم اليهوديّة


بقدر ما يسمح الوقت، تصفّح سفر اللاويين، انظر على سبيل المثال الأصحاحات ١٢، ١٦، ٢٣. ما هي الأفكار التي تراودك وأنت تقرأ هذه القوانين والتعليمات والطقوس؟ لماذا يتعذّر السلوك بموجب الكثير من هذه الأمور في أزمنة العهد الجديد؟


إنّه من المناسب لنا ترتيب قوانين العهد القديم في مصنّفات متنوعة:


الناموس الأدبي (٢) الناموس الطقسي (٣) النواميس المدنية (٤) اللوائح والقوانين (٥) النواميس الصحيّة. هذا التصنيف هو اصطناعي بعض الشيء. وفي الحقيقة، إنّ بعض هذه النواميس والقوانين متداخلة ومتشابكة. والأقدمون لم ينظروا إليها على أنها منفصلة عن بعضها.


أمَّا الناموس الأدبي فملخّص في الوصايا العشر (خروج ٢٠: ١- ١٧). هذا الناموس يُلَخِّص المطاليب الأدبيّة للبشر. هذه الوصايا العشر موضحة أكثر في عدّة لوائح وأحكام في الخمسة الأسفار الأولى بالكتاب المقدّس. هذه التفاصيل تبيّن كيفيّة حفظ ناموس الله في حالات متنوّعة. ولا تُستثنى من ذلك النواميس المدنية لأنّها مبنية على الناموس الأدبي. وهي تعرّف علاقة المواطن بالسلطات المدنيّة وبالمواطنين أمثاله، وهي تحتوي على العقوبات للتعديات والتجاوزات.


والناموس الطقسي يُنظّم خدمات الهيكل شارحاً التقدمات المختلفة والمسؤوليات الشخصيّة للمواطن. وهو يعيّن أيّام الأعياد ويشرح طريقة الاحتفال بها.


والقوانين الصحيّة تتشابك مع القوانين الأخرى. فالقوانين المتعلّقة بعدم الاهتمام بالنظافة تقوم بتعريف التقصير في النظافة الطقسية في الهيكل وتذهب إلى أبعد من ذلك لتشمل النظافة الشخصيّة. والقوانين الصحيّة والقوانين المتعلّقة باللحوم الطاهرة والنجسة هي مبنيّة على اعتبارات جسدية.


من المحتمل أنّ اليهودي قد فكّر في هذه النواميس على أنّها حزمة واحدة مصدرها الله، لكن لا بدّ أنّه كان يُميِّز بينها ذهنياً. فالوصايا العشر قد نطق بها الله مباشرةً للشعب، الأمر الذي يميِّزها ويجعلها ذات أهمية خاصة. والنواميس الأخرى قد أُعطيت بواسطة موسى. والطقوس الدينية كان يتم مراعاتها أثناء مزاولة خدمات الهيكل.


والنواميس والقوانين المدنيّة، على الأقل جزء كبير منها، لم يكن من الممكن فرضها بعد فقدان اليهود استقلالهم، ووقوعهم تحت سلطان أمّة أخرى. إنّ كثيراً من الطقوس لم يعد في الإمكان حفظها بعد تدمير الهيكل. أيضاً، وبعد قدوم المسيّا، فقد التقى الرمز بالمرموز إليه ولَمْ تَبْقَ هناك حاجةٌ إلى ممارسة تلك الطقوس.




حسب عادة موسى


اقرأ أعمال ١٥: ١. ما القضية التي سبّبت الخلاف والشقاق؟ لماذا يعتقد بعض الناس أنّ هذا الإجراء لم يكن يقتصر على الأمة اليهوديّة فقط؟ انظر سفر التكوين ١٧: ١٠.


في حين اندمج الرسل والكهنة والأعضاء العلمانيون بأنطاكية في محاولة مُخلِصة لربح أنفس عديدةٍ للمسيح، نجح بعض المؤمنين اليهود «مِنْ مَذْهَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ» في إلقاء سؤال سرعان ما أدّى إلى صراع واسع النطاق في الكنيسة وتسببّ في ذعر المؤمنين من الأمم. وبثقة كبيرة، أصرَّ هؤلاء المعلّمون على حتميّة الختان وحفظ كلّ بنود الناموس الطقسي للحصول على الخلاص. لقد افتخر اليهود دائماً بخدمات الهيكل المعيّنة لهم من الله. وكثير من أولئك الذين تجدّدوا وآمنوا بالمسيح كانوا لا يزالون يعتقدون: بما أنّ الله كان قد عيّن للأمّة اليهوديّة طريقة العبادة منذ القدم، فليس من المعقول أن يغيّر هذه المراسيم والطقوس الآن، واصرّوا بأنّ الطقوس والممارسات اليهوديّة ينبغي أن تندمج بفرائض الديانة المسيحيّة. كانوا بطيئين في استيعاب أنّ كلّ التقدمات والذبائح كانت فقط لتشير إلى موت ابن الله، وحيث التقى الرمز بالمرموز إليه فإن الطقوس والمراسيم الموسويّة لم تعد مُلزِمَة وبطل مفعولها.


اقرأ أعمال ١٥: ٢- ١٢ كيف تم تسوية هذا النزاع؟


«ففيما كان [بولس] ينظر إلى الله في انتظار إرشاد مباشر، كان أبداً مستعداً لأن يعترف بالسلطة المعطاة لهيئة المؤمنين المتحدين معاً في شركة الكنيسة. لقد أحس بالحاجة إلى المشورة وعندما طرأت شؤون هامة سَرَّهُ أن يبسطها أمام الكنيسة ويتحد مع إخوته في طلب الحكمة من الله لاتخاذ القرارات الصائبة حيالها» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ١٦٧).


من المثير للاهتمام أن نعرف بأنّ الرسول بولس الذي كثيراً ما تحدّث عن دعوته النبويّة وكيف كلّفه يسوع بالمهمّة الكرازيّة، أصبح الآن على استعداد لأن يعمل مع جسد المسيح الذي هو الكنيسة. بمعنى أنّه مهما كانت الدعوة التي تسلّمها من الله، فقد تيقّن بأنّه جزءٌ من الكلّ، الكنيسة، ويجب عليه أن يعمل معها بقدر الإمكان.






المؤمنون الأمميّون


اقرأ أعمال ١٥: ٥- ٢٩. ما القرار الذي اتّخذه مجمع أورشليم، وماذا كانت أسباب اتخاذ ذلك القرار؟


كان القرار مضاداً لادعاءات المتهوّدين المتعصبين. هؤلاء القوم أصروا على أنّ المتجددّين من الأمم لا بّد أن يُختتنوا ويَحفظوا جميع متطلبات الناموس الطقسي، «وقد أصروا على أن الشرائع والطقوس اليهودية ينبغي أن تندمج في فرائض الديانة المسيحية» (روح النبوة، أعمال الرسل صفحة ١٥٧).


من المثير للاهتمام، في أعمال ١٥: ١٠، ملاحظة الطريقة التي بها صوّر الرسول بطرس هذه النواميس القديمة باعتبارها «نِيرٍ» لم يستطيعوا حمله. فهل الله الذي أنشأ هذه النواميس والقوانين، يعمل منها نِيراً على رقاب شعبه؟ لا يمكن تخيّل ذلك. فبدلاً من ذلك، وعلى مر السنين، قام بعض القادة، من خلال طقوسهم الشفوية، بتحويل كثير من هذه النواميس التي كان من المفترض لها أن تكون بَرَكَة، إلى أحمال ثقيلة. لقد سعى مجمع أورشليم إلى إراحة الأممييّن من هذه الأحمال.


لاحظ أيضاً انّه لم يُذْكَرْ بأنّ الأمميين لا يحتاجون إلى أن يطيعوا الوصايا العشر، فهل تتخيّل أنّ المجلس الذي أخبرهم بألا يأكلوا الدم يعود فيخبرهم أنه من المقبول أن يتجاهلوا الوصايا العشر الخاصّة بالزنى والقتل وما شابه؟ بالطبع لا.


ما هي القوانين التي وُضِعت للمؤمنين من الأمم (أعمال ١٥: ٢٠، ٢٩) ولماذا هذه القوانين بالذات؟


وعلى الرغم من أنه ما كان ينبغي أن يفرض المؤمنون من اليهود قوانينهم وطقوسهم على الأممييّن، إلا أنّ مجمع أورشليم أراد أن يتأكّد من أن الأممييّن لم يفعلوا شيئاً يمكن اعتباره مسيئاً لليهود الذين اتّحدوا معهم في المسيح. فالرسل والشيوخ اتفقوا عندئذ أن يُعْلِموا الأممييّن، من خلال رسالة، بأَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ. يقول البعض بأنّ تقديس السبت لم يُذْكَر على وجه الخصوص في الرسالة، فلا بدّ أنّه لم يكن مُلزِماً للأممييّن (وبالطبع فالوصايا بخصوص شهادة الزور والقتل لم تُذكر كذلك، لذا فهذا الجدال هو غير معقول).






بولس والغلاطيون


بغضّ النظر عن وضوح القرار الذي اتّخذه مجمع أورشليم، فقد كان لا يزال هناك أولئك الذين قصدوا بأن يذهبوا في طرّيقهم وكانوا يواصلون التشديد على وجوب أن يحفظ الأمميون الطقوس اليهودية والنواميس التقليديّة. وقد رأى بولس أنّ ذلك الوضع خطير جدّاً لأنّ الأمر لم يكن بخصوص توافه بسيطة في مفهوم الإيمان، بل أصبح رفضاً لإنجيل المسيح ذاته.


اقرأ غلاطية ١: ١- ١٢. ما مدى خطورة المسألة التي واجهها بولس في غلاطية؟ ماذا يخبرنا ذلك عن أهميّة هذه المسألة؟


كما ذكرنا سابقاً، فقد كان الوضع في غلاطية هو الذي حدا، لدرجة كبيرة، إلى الإسراع في حمل الرسالة إلى رومية. في رسالته إلى رومية، يشدّد الرسول بولس على موضوع الرسالة إلى أهل غلاطية. فلقد جادل البعضُ من المؤمنين اليهود بأنّ الناموس الذي أعطاه لهم الله عن طريق موسى هو هامّ للغاية ويجب حفظه بواسطة الأممييّن المتجدّدين. وكان بولس يحاول أن يوضّح مكانة الناموس ومهمّته. فلم يكن يرغب في أنّ هؤلاء اليهود يَكون لهم موطئ قدم في رومية كما فعلوا في غلاطية.


إنّه لأمرٌ في غاية البساطة أن تسأل ما إذا كان بولس يتحدّث عن الناموس الطقسي أو الناموس الأدبي في غلاطية ورومية. فالقضية كانت تتعلق بما إذا كان ينبغي أن يُطْلَبَ من المهتدين من الأمم الخضوع لعملية الختان وحفظ ناموس موسى. وقد كان مجمع أورشليم قد حسم هذه المسألة بالفعل، لكن بعضاً من اليهود المتزمتين، ممّن أصبحوا مسيحيين، رفضوا إتِّباع قرار مجمع أورشليم.


ويرى البعض في رسالتي بولس إلى أهل غلاطية وأهل رومية إشارة إلى أنّ الناموس الأدبي، الوصايا العشر، أو في الحقيقة الوصيّة الرابعة فقط، لم تعد مُلزِمة للمسيحييّن. ومع ذلك، فإنهم لم يستوعبوا مضمون الرسالتين إلى غلاطية ورومية، كما أنهم لم يضعوا في الاعتبار السياق التاريخي للرسالتين والقضايا التي كان بولس يحاول معالجتها من خلال هاتين الرسالتين. وكما سنرى، فإنّ بولس شددّ على أنّ الخلاص كان بالإيمان فقط وليس بحفظ الناموس، ولا حتّى الناموس الأدبي. ومع هذا، فذلك ليس نفس الشيء كالقول بأنّ الناموس الأدبي لا يجب طاعته. فوجوب حفظ وإطاعة الوصايا لم يكن أبداً محلّ جدال. إنّ أولئك الذين يقحمون الناموس الأدبي في الجدال إنما يتحدّثون عن أمر آخر لم يتحدّث عنه بولس الرسول بتاتاً في رسالتيه إلى غلاطية ورومية.






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة الفصل الذي بعنوان «اليهود والأمم»، صفحة ١٥٦- ١٦٧؛ والفصل الذي بعنوان «ارتداد في غلاطية»، صفحة ٣٢٧- ٣٣٢، وذلك في كتاب أعمال الرسل؛ وفي كتاب الآباء والأنبياء، اقرأ الفصل الذي بعنوان «إعطاء الشريعة»، صفحة ٢٦١- ٢٧٣، والفصل الذي بعنوان «الشريعة والعهدان»، صفحة ٣١٨- ٣٢٧؛ وفي كتاب مشتهى الأجيال، اقرأ الفصل الذي بعنوان «الشعب المرفوض»، صفحة ٢٥- ٢٨.


لا شك أنّ كنيستنا تواجه أوقات صراع ونزاع. وهذا ليس جديداً علينا. فقد كان إبليس دوماً في حرب مع الكنيسة، حتّى في أيام المسيحيّة الأولى، ظهر الغضب والصراع بين صفوف المؤمنين. وكان هناك صراع، لو لم يُحَل لتمكّن من تدمير الكنيسة في مهدها.


«فعن طريق تأثير المعلمين الكذبة الذين ظهروا بين مؤمني أورشليم، بدأت الانقسامات والهرطقات والشهوانية ترسخ أقدامها بسرعة بين مؤمني غلاطية. هؤلاء المعلمون الكذبة مزجوا التقاليد اليهودية بحقائق الإنجيل. فإذ تجاهلوا حكم المجمع العام الذي انعقد في أورشليم، ألحوا على المهتدين من الأمم بأن يحفظوا الناموس الطقسي وقد صار الموقف حرجاً ومتأزماً» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٣٢٧).




الدرس الثالث


١٤- ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر)


الحالة الإنسانية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ١: ١٦، ١٧، ٢٢- ٣٢؛ ٢: ١- ١٠، ١٧- ٢٤؛ ٣: ١، ٢، ١٠- ١٨، ٢٣.


آية الحفظ: «إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ» (رومية ٣: ٢٣).


في بداية الرسالة إلى رومية يسعى الرسول بولس إلى تثبيت الحق المركزي للإنجيل- حالة الإنسان التعيسة. هذه الحقيقة تُظهر أنه منذ السقوط في الخطيّة وصاعداً، قد تلوثنا جميعنا بالخطيّة. إنّها متأصّلة في الجينات مثل لون عيوننا.


لقد كتب المصلح مارتن لوثر الآتي معلّقاً على رسالة رومية: «التعبير القائل ‘الجميع تحت الخطية’ يجب أن نأخذه بحسّ روحي؛ كأن نقول، ليس كما يظهر الناس في أعين أنفسهم ولا في أعين الآخرين ولكن كما يَظهرون أمام الله. هم بجملتهم تحت الخطيّة، أولئك الذين يظهرون متعدين في عيون الناس، وكذلك أولئك الذين يظهرون أبراراً في أعين أنفسهم وأمام الآخرين. إنّ أولئك الذين يقومون بأعمال صالحة ظاهرّياً، إنّما يفعلون ذلك خوفاً من العقاب أو حبّاً في الربح والمجد، أو طلباً لغرض معيّن، وليس بذهنٍ راضٍ وراغبٍ في عمل الصلاح. بهذه الكيفيّة فإنّ الإنسان يمرّن نفسه باستمرار في أعمال صالحة مرئيّة، ولكن داخليّاً فهو غارق في رغبات خاطئة وملذّاتٍ شهوانيةٍ شرّيرة، هي مضادة للأعمال الصالحةِ السويّة» (مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، صفحة ٦٩).


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢١ تشرين الأول (أكتوبر).




قوّة الله


«لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ.  لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا» (رومية ١: ١٦- ١٧). ماذا تقول الفقرة الكتابية في رومية ١: ١٦، ١٧؟ كيف اختبرت المواعيد والرجاء المتضمّن فيها؟


يوجد العديد من الكلمات الهامّة الرئيسيّة في هذه الفقرة:


١. الإنجيل. هذه هي الترجمة اليونانية لكلمة تعني حرفياً «رسالة سارّة» أو «أخبار سارّة». ولو أخذت الكلمة بمفردها فقد تشير إلى أيّة رسالة مُفرِحة، ولكن لأنّها مرتبطة بكلمة «الْمَسِيحِ» فهي تعني «الأخبار السارّة عن المسيّا» (كلمة "المسيح" هي الترجمة للكلمة اليونانية التي تعني المسيّا). الأخبار السارة هي أنّ المسيّا قد جاء ويمكن للناس أن يحصلوا على الخلاص عن طريق الإيمان به. إنّنا نجد الخلاص في يسوع وفي برّه الكامل- وليس في أنفسنا أو حتّى في ناموس الله.


٢. البِرّ. هذه الكلمة تشير إلى صفة «التوافق والرضى» مع الله. ولقد ظهر معنى خاص لهذه الكلمة في رسالة رومية والتي سوف نتناولها في دراستنا لمحتويات الرسالة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الآية في رومية ١: ١٧ تربط هذه الكلمة بِاسْمِ الجلالة. إنّ هذا البرّ يأتي من الله، والله هو موجِده وواهبه. وكما سنرى، فإنّ هذا هو البرّ الوحيد الفريد الذي له الصلاحية أن يمنحنا الوعد بالحياة الأبديّة.


٣. الإيمان. في اللغة اليونانيّة، الكلمتان المترجمتان «يؤمن» و «إيمان» في هذه الفقرة هما الفعل والاسم من مصدرٍ واحد. إنَّ معنى الإيمان وارتباطه بالخلاص سيظهر جليّاً إذ نتابع دراسة رسالة رومية.






الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا


اقرأ رومية ٣: ٢٣. لماذا من السهل علينا أن نؤمن بهذا الكلام اليوم كمسيحييّن؟ وفي نفس الوقت، ما الذي قد يجعل بعض الناس يشككون في صدق هذه الآية؟


من المدهش حقّاً، أنّ بعض الناس يتَحدّون فكرة الخطيّة البشريّة، مجادلين بأنّ الناس صالحون بالفطرة. والمشكلة، على أي حال، تنبع من عدم فهم الصلاح الحقيقي. فيمكن أن يقارن الناس أنفسهم بآخرين فيشعرون بارتياح ورضى عن حالتهم. أليس من السهل أن نجد أناساً أسوأ منّا فنقارن أنفسنا بهم. ولكّن ذلك ليس ضماناً للرضى عن أنفسنا. إنّما عندما نقابل حالتنا مع الله ومع القداسة والبرّ الإلهي فلا يخرج أحدنا من هذه المقارنة إلاّ بشعور الخزي والنقص الذريع.


وتتحدّث الآية في رومية ٣: ٢٣ أيضاً عن مجد الله، ولقد فُسّرت هذه العبارة بطرق متنوعة، ولربّما أبسط تفسير لمحتوى هذه العبارة هو ما ورد في ١كورنثوس ١١: ٧. «فَإِنَّ الرَّجُلَ ... صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ.» وفي اليونانية تُستخدم كلمة «صُورَة» بدل كلمة «مجد». لقد شوّهت الخطيّة صورة الله في البشر. والبشر الخطاة بعيدون كلّ البعد عن أن يعكسوا صورة الله أو مجده.


اقرأ رومية ٣: ١٠- ١٨. هل تغيّر شيء اليوم؟ أيّ من تلك الصور هي الأفضل في وصفك؟ ما الذي كنت ستكون عليه لو لم يكن المسيح في حياتك؟


ومهما كانت حالتنا سيئة، فحالتنا ليس ميؤوس منها. فالخطوة الأولى هي الاعتراف بالخطيّة المهيمنة على حياتنا وعجزنا عن فعل أي شيء حيالها بقوّتنا الذاتيّة: إنّه عمل الروح القدس لإظهار هذه القناعة. فإذا لم يقاوم الخاطئ الروح القدس فهو سوف يقوده لأن يمزّق القناع، قناع المقاومة المظهري والتبرير الذاتي ويلقي بنفسه في أحضان المسيح متوسّلاً وطالباً رحمته صارخاً «اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ» (لوقا ١٨: ١٣).






هل مِن تقدّم؟


عند نهاية القرن العشرين، عاش الناس بفكرة أنّ الإنسانيّة آخذة في التقدّم المطّرد، وأنّ المبادئ الأخلاقيّة متزايدة وأنّ العلم والتكنولوجيا سيساعدان على تأسيس المدينة الفاضلة. وكان يُعتقد بأنّ البشر كانوا يسلكون الطريق صوب الكمال. من خلال التعليم القويم والتدريب الأدبي الروحي، كان يُتَوهّم أنّ البشر سوف يتقّدمون هم ومجتمعهم. كان كلّ ذلك يُفترض حدوثه بالجملة بمجرّد دخولنا في القرن الرائع الجديد، القرن الحادي والعشرين.


وللأسف، لم تتغيّر الأمور تماماً بهذه الكيفيّة، أليس كذلك؟ فإن القرن الحادي والعشرين كان من أشدّ القرون عنفاً وبربريّة في التاريخ. ومن المفارقات أن التقدم العلمي هو الذي مَكّن البشر من قتل الآخرين على نطاق أوسع مما كان يحلم به أعتى المجرمين عديمي الأخلاق في الماضي! فماذا كانت المشكلة؟


اقرأ رومية ١: ٢٢- ٣٢. بأي طرق نرى الأمور التي كُتِبَت في القرن الأول الميلادي تأخذ مجراها الآن في القرن الحادي والعشرين؟


قد نحتاج إيماناً لنصدّق أموراً كثيرةً في المسيحيّة: من بينها، قيامة الأموات، المجيء الثاني، السماء الجديدة والأرض الجديدة. ولكن مَن ذا الذي يحتاج إيماناً ليصدّق الحالة المترديّة للبشرية؟ فاليوم كل واحد منّا يعيش في نتائج الحالة المتدهورة.






الأمر الذي يشترك فيه اليهود والأمميّون


تناول الرسول بولس في الأصحاح الأول من رسالته إلى رومية، بصورة خاصّة، خطايا الأمم الوثنيين، الذين ذهبوا بعيداً عن الله منذ زمن سحيق، وهكذا سقطوا في أحطّ الممارسات الرديّة.


لكنّ بولس لم يغفل أو يتغاضى عن ممارسات شعبه وبني جنسه أيضاً، فبالرغم من الامتيازات التي أُعطيت لهم (رومية ٣: ١، ٢)، كانوا هم أيضاً خطاة، مدانين حسب ناموس الله الأدبي وبحاجة إلى نعمة المسيح المخلّصة. وبهذا المعنى، يتساوى اليهود والأمميون من حيث أنهم جميعاً خطاة قد تعدّوا وصايا الله ويحتاجون لنعمة الله لكي يخلصوا.


اقرأ رومية ٢: ١- ٣، ١٧- ٢٤. ما الذي يحذّر منه بولس الرسول هنا؟ ما الرسالة التي ينبغي علينا جميعاً، يهوداً كنا أم أممييّن، أن نتّعظ بها من هذا الإنذار؟


«بعد أن بيّن الرسول بولس أنّ كل الوثنيين هم خطاة، فهو الآن، بصورة خاصة وبقوّة كبيرة مؤثرة، يُظهر بأنّ اليهود أيضاً يعيشون في الخطيّة، لأنّهم يطيعون الناموس ظاهريّاً فقط، أي بناءً على الحرف وليس بحسب الروح» (مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، صفحة ٦١).


في كثير من الأحيان، يكون من السهل أن نرى ونشير إلى خطايا الآخرين. كم مرّةً، مع ذلك، نكون أنفسنا مجرمين نرتكب نفس الآثام أو أفظع منها؟ المشكلة هي أننّا غالباً ما نتعامى عن أخطائنا وننظر بالرضى عن أنفسنا بسبب مقارنة حالتنا بحالات مَن هم أسوأ منّا.


لكن بولس لا يرضى عن هذا، وهو يحذّر بني جنسه ألاّ يتسرّعوا في الحكم على الأممييّن، لأنّهم، أي اليهود، حتى لو كانوا خاصّة الله المختارة – فهم خطاة. وقد كانوا في بعض الحالات أكثر جرماً من الوثنيين الذين كان اليهود يكيلون لهم الإدانة والاتّهامات، لأنّ اليهود قد حصلوا على نور أكثر من الأممين.


والنقطة التي يؤكد عليها بولس هنا هي أنّه لا يوجد فيما بيننا إنسان بار. لا أحد فينا يصل إلى المستوى الإلهي المطلوب. لا أحد صالحٌ بِالفِطْرَة أو تقي بالوراثة. فسواء يهودي أم أممي، ذكر أم أنثى، غنيّ أم فقير، يخاف الله أو يرفضه، فجميعنا مدانون، ولولا نعمة الله كما هي معلنة في إنجيله، لكنّا جميعنا تحت دينونة وبلا رجاء.






الإنجيل والتوبة


«أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟» (رومية ٢: ٤) ما هي الرسالة المتضمّنة لنا هنا بخصوص مسألة التوبة؟


يجب أن نلاحظ بأنّ لُطْفَ الله يقودنا، ولا يجبرنا كخطاةً للتوبة. فالله لا يمارس الإكراه. فهو صَبُور طويل الأناة ويسعى لجذب جميع الناس بمحبته. فالتوبة بالإرغام تقضي على الغرض منها، أليس كذلك؟ إنّ فرض الله التوبة بالقوّة، ألا يَخْلَص كل إنسان إذن؟ لأنّه لماذا يجبر البعض على التوبة دون غيرهم؟ ينبغي أن تكون التوبة عملاً ناتجاً عن الإرادة الحرّة واستجابة لعمل الروح القدس في حياتنا. نعم، التوبة هي هبة من الله، ولكن يجب علينا أن نكون مستعديّن ومنفتحين لقبولها. إنّها اختيار حرّ، نستطيع بمحض إرادتنا أن نتخذه لأنفسنا.


ما الذي يحدث لأولئك الذين يرفضون التوبة، ويستمروّن في العصيان؟ (رومية ٢: ٥- ١٠).


يشدّد الرسول بولس على الأعمال الصالحة في رومية ٢: ٥- ١٠، ويكرر التشديد على ذلك في كلّ رسالة رومية. إن عبارة التبرير بالإيمان وبدون أعمال الناموس، لا ينبغي تفسيرها بأنّ الأعمال الصالحة لا مكان لها في الحياة المسيحيّة. فمثلاً في رومية ٢: ٧ يأتي الخلاص للذين يطلبونه بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ. ومع أنّ المجهود البشري لا يجلب الخلاص، فهو جزء من اختبار العمل الخلاصي. من الصعوبة بمكان أن يتخيّل المرء إنساناً بعد قراءة الكتاب المقدس، يخرج مقتنعاً بعدم أهميّة الأعمال الصالحة. التوبة الخالصة الصادقة من صميم القلب سيتبعها تصميم على الانتصار والتخلّص من الأمور التي نحن بحاجة إلى أن نتوب عنها، ومن ثمّ الانخراط في العمل الصالح.






لمزيد من الدرس: «وهكذا تبيّن الاصطلاحات الكتابيّة أنّ الخطيّة ليست مصيبةً نزلت على الإنسان مباغتةً وإنّما هي نتيجة لنشاط وعمل إرادي واختيار شخصي محض. والأبعد من ذلك، فالخطيّة ليست غياب الصلاح، إنما هي تقصير البشر في بلوغ توقعات الله لهم. إنها مسار شرّير قد اختاره الإنسان بإرادته الحرّة. إنّها ليست ضعفاً لا يُحاسب عليه الإنسان، لأنّ الإنسان في حالة ارتكاب الخطية يقرّر عمداً أن يخطئ بعصيانه أوامر الله وتعدّيه ناموس الله وفشله في الاتّعاظ بكلمة الرب. فالخطية تحاول تخطّي الحدود التي وضعها الله. بالاختصار ... الخطيّة هي تمرّد على الله» [دليل لاهوت الأدڨنتست السبتيين (هاغرستون: ماريلاند: ريفيو آند هيرالد للنشر، ٢٠٠٠)، صفحة ٢٣٩].


«لقد وُضعت أمام ناظريّ حالة العالم. فاللأخلاقية منتشرة في العالم في كلّ مكان. الفسق هو خطيّة العالم الكبرى الآن في هذا العصر، ولم يكشّر الفساد عن أنيابه من قبل بهذه الكيفيّة. كما أنّ الناس واقعون تحت سلطان عقار منوّم، ومحبو التقوى والصلاح قد يئسوا من تمادي الفساد والشرّ. والفساد لا يستشري فقط بين عديمي الإيمان والمستهزئين. لو كانت الحال هكذا لهان الأمر، فكثير من الرجال والنساء الذين يدينون بدين المسيح هم مجرمون. فحتّى الذين يدّعون بأنّهم ينتظرون ظهوره على السحاب، ليسوا أكثر استعداداً لذلك الرجاء من الشيطان نفسه. إنّهم لا يسمحون للروح القدس أن يغسلهم من أدران الخطيّة بالتوبة الحقيقية. إنّهم قد خدموا شهواتهم طويلاً حتى صار طبيعيّاً أن تكون تصوّراتهم وأفكارهم دنسة وتخيلاتهم فاسدة» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، الجزء الثاني، صفحة ٣٤٦).




الدرس الرابع


٢١- ٢٧ تشرين الأول (أكتوبر)


التبرير بالإيمان






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٣: ١٩- ٢٨.


آية الحفظ: «إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أعمال النَّامُوسِ» (رومية ٣: ٢٨).


في هذا الدرس نأتي إلى أهم موضوع في الرسالة إلى رومية: التبرير بالإيمان- وهو الحقّ العظيم الذي، أكثر من أي حق آخر، أدى إلى حدوث الإصلاح البروتستانتي. وبالرغم من الادعاءات التي ترى غير ذلك، إلا أن موقف روما بشأن هذا الاعتقاد – التبرير بالإيمان – لم يتغير عَمَّا كان عليه سنة ١٥٢٠م، عندما أصدر البابا «ليو» فرماناً بابوّياً يدين فيه مارتن لوثر وتعاليمه. لقد أحرق مارتن لوثر نسخةً من ذلك الفرمان لأنّ هذا المبدأ – مبدأ التبرير بالإيمان – دون غيره لا يمكن المساومة فيه.


إن عبارة «التبرير بالإيمان» في حد ذاتها هي استعارة تستند إلى المصطلحات القانونية. فالمتعدّي على الناموس أو القانون يقف أمام القاضي ويُحكَم عليه بالموت لتعدّياته. لكنّ البديل يظهر ويحمل جرائم المتعدّي على عاتقه منقذاً المجرم الجاني. وبقبول البديل، يقف المتعدّي أمام القاضي، ليس فقط خالياً من الذنب وإنّما يُعتبر وكأنّه لم يقترف جرماً أدى به إلى المثول أمام القاضي في المحكمة. هذا كلّه لأنّ البديل – الذي لديه سجلّ ناصعٌ كاملٌ – يمنح الخاطئَ المبرّرَ سجلّهُ المتسم بالحفظ الكامل للناموس.


في خطّة الخلاص، كلّ واحد منّا هو المجرم. والبديل، يسوع، له سجلّ كامل، وهو يقف بديلاً عنّا في المحكمَة. ويُقْبَل برّه بديلاً عن إثمنا. ومن هنا فنحن نتبررّ أمام الله، ليس بسبب أعمالنا ولكن بسبب يسوع الذي يُحسب برّه لنا عند قبولنا لهذا البرِّ بالإيمان. هذه هي الأخبار السارّة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٨ تشرين الأول (أكتوبر).




أعمال الناموس


اقرأ رومية ٣: ١٩، ٢٠. ماذا يقول بولس الرسول هنا عن الناموس؟ وماذا يقول عمّا يفعله الناموس وعمّا لا يفعله، وكذلك ما لا يستطيع أن يفعله؟ لماذا تعد هذه النقطة هامة جدّاً بالنسبة لكلّ المسيحييّن كي يستوعبوها؟


يستخدم الرسول بولس كلمة (الناموس) بمعناها الواسع كما كان اليهودي يفهمها في عصره. فاصطلاح التوراة (الكلمة العبرية لكلمة ناموس)، يُذكِّر اليهودي، حتى في يومنا هذا، بتعاليم الله في كتب موسى الخمسة، بل وفي العهد القديم كلّه.


فإنَّ الناموس الأدبي، بالإضافة إلى ما يترتب عليه من قوانين وأحكام، فضلا عن القوانين الطقسية، كلّ ذلك كان متضّمناً في تعاليم الله في كتب موسى الخمسة. ولهذا فنحن هنا نأخذ كلمة الناموس لتعني النظام اليهودي الشامل.


أن تكون تحت الناموس معناه أن تكون تحت سلطانه، والناموس على أي حال، يعلن نقائص الإنسان وجرمه أمام الله. لا يقدر الناموس أن يمسح ذلك الجرم، وأمّا ما يستطيع عمله هو أن يقود الخاطئ ليطلب علاجاً له.


وإذ نطبّق رسالة رومية اليوم، حيث لا سلطان للناموس اليهودي، فإننّا نفكّر بصفة خاصّة في الناموس الأدبي. وهذا الناموس لا يستطيع أن يخلّصنا أكثر من النظام اليهودي لخلاص اليهود. فخلاص الإنسان ليس مهمّة الناموس الأدبي. إنّ مهمّته هي إعلان مشيئة الله وأخلاقّه. إنّ مهمّة الناموس الأدبي هي تنبيه الناس عن أخطائهم وحيث قصّروا في عكس صورة الله وأخلاقه.


أيّ ناموس مهما كان، أدبي، طقسي، مدني أو كلّها مجتمعةً – فحفظ أيّ منها أو جميعها لا يجعل الإنسان مبرّراً أمام الله في نظره. وفي الحقيقة لم يكن هذا من اختصاص الناموس. على النقيض، فإن الناموس مهمّته أن يشير إلى نقائصنا ويقودنا للمسيح.


لا يمكن للناموس أن يخلّصنا، تماماً كما لا يمكن لأعراض المرض أن تشفي المرض. فكل ما تفعله أعراض المرض هي أنها تبيّن الحاجة إلى العلاج، وذلك هو ما يعمله الناموس.






برّ الله


«وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ» (رومية ٣: ٢١). كيف ينبغي أن نفهم ما تعنيه هذه الآية؟


هذا البِرِّ الجديد مقارنةً ببرّ الناموس الذي كان مألوفاً عند اليهود، هذا البرّ الجديد يُدعى «برّ الله»؛ وهذا هو البرّ الذي يأتي من فوق، البرّ الذي يقدّمه لنا الله وهو البرّ الوحيد الذي يقبله كَبِرِّ حقيقي.


وهذا هو، بالطبع، البرّ الذي مارسه يسوع في حياته بينما كان في الجسد، وهو بِرّ يقدّمه إلى كل الذين يقبلونه بالإيمان، ويطالبون به لأنفسهم ليس لأنهم يستحّقونه بل لأنهم في حاجة ماسّة إليه.


«البرّ هو طاعة للناموس. الناموس يطلب البرّ وهذا ما يدين به الخاطئ إلى الناموس، ولكنّ الخاطئ غير قادرٍ على الإتيان به، والطريقة الوحيدة التي عن طريقها يحصل على البرّ هي من خلال الإيمان. بالإيمان يمكنه أن يحمل إلى الآب استحقاقات المسيح، والربّ يضع طاعة ابنه الحبيب في حساب الخاطئ. يُقْبَل برّ المسيح مكان إخفاق الإنسان، والله يقبل ويغفر ويبرّر النفس المؤمنة التائبة، ويعامل ذلك الإنسان كأنّه بارّ ويحبّه كما يحبّ ابنه الوحيد» (روح النبوة، رسائل مختارة، مجلد ١، صفحة ٣٦٧). كيف يمكنك أن تتعلّم وتقبل حقيقةً عظيمةً كهذه لنفسك؟ انظر أيضاً رومية ٣: ٢٢ .


هنا إيمان يسوع المسيح، لا شكّ أنّه إيمان بيسوع المسيح. وإذ يسري مفعوله في حياة المسيحي فالإيمان هو أكثر بكثير من مجرد قبول وتصديق عقلي، وهو أكثر من مجرّد اعترافٍ بحقائق معيّنة عن حياة المسيح وموته. فبدلاً من ذلك، الإيمان الحقيقي بيسوع هو قبوله كمخلّص وبديل وضامن وربّ. والإيمان بيسوع المسيح يعني أيضاً أن نختار أن نحيا حياة تتفق ومشيئته. إنّها الثقة فيه والسعي بالإيمان إلى عيش حياتنا وفقاً لوصاياه.




بنعمته


واضعين في اعتبارنا ما درسناه إلى الآن عن الناموس وعمّا يعجز الناموس عن فعله، اقرأ رومية ٣: ٢٤. ماذا يقول بولس الرسول هنا؟ ما معنى أن يكون الفداء بواسطة يسوع؟


ما هي فكرة التبرير كما هي مدوّنة في هذه الآية؟ الكلمة اليونانية dikaioo المترجمة «يبرّر» يمكن أن تترجم ويجعله «باراً» أو «يعتبره باراً». والكلمة مبنيّة على نفس أساس كلمة dikaiosune، أي «بِرّ»، والكلمة dikaioma، أي «مطلب التبرير». يوجد هنا رباطٌ قويّ بين التبرير والبِرِّ. إنّها رابطة لا ترد كثيراً في الترجمات المختلفة. فنحن نتبررّ عندما يعلن الله أننّا صرنا أبراراً.


قبل هذا التبرير يقف الإنسان مذنباً أمام الله وغير مقبول عنده، ولكن بعد التبرير يعتبر ذلك الإنسان بارّاً وهكذا يصير الإنسان مقبولاً لدى الله.


وهذا يحدث فقط من خلال نعمة الله. النعمة هي فضل وإحسان. فعندما يلجأ الخاطئ إلى الله طلباً للخلاص، فهنا ينبري عمل النعمة فَيُعْتبر أو يُعْلَنْ ذلك الإنسان بارّاً. إنّه فضلٌ غير مكتسب أو مستحق، والخاطئ يُبَرَّر دون أي فضل له، ولا يقدّم لله أي استحقاقات عدا عجزه التام. ويتبرر الشخص من خلال الفداء الذي في يسوع المسيح، وهو الفداء الذي يقدمه المسيح كبديل عن الخاطئ وضامنه.


ويُقدّم التبرير في رومية كعمل فوري مباشر. ففي لحظة يكون الخاطئ مُداناً وغير مقبول، وفي اللحظة التالية، بعد التبرير، يصبح الإنسان مقبولاً وباراً.


والشخص الذي في المسيح ينظر إلى عملية التبرير على أنها فعل ماض حدث له عندما سلّم حياته كليّاً للمسيح. «قَدْ تَبَرَّرْنَا» في رومية ٥: ١ تعني أنه قد تمّ تبريرنا فعلاً.


بالطبع، لو حدث وسقط الخاطئ المبرّر ثم رجع إلى المسيح، فسيحدث التبرير مرة أخرى. ولو اُعْتُبِرَت الولادة الجديدة اختباراً يومياً، فسيكون من المعقول اعتبار التبرير اختباراً يومياً كذلك.






برّ المسيح


في رومية ٣: ٢٥ يتوسّع بولس الرسول ليتكلم عن أخبار الخلاص العظيمة السارّة. إنه يستخدم كلمة فخمة، رائعة، جذابة مترجمة عن اليونانية hilasterion وهي propitiation أو «كَفَّارَة»، وقد ذُكرت مرّة ثانية في عبرانيين ٩: ٥ حيث تُرجمت «كرسي الرحمة» أو «الْغِطَاءُ»، أي غطاء التابوت الذي حُفِظت فيه الوصايا العشر. فالكلمة على ما يظهر، في رومية ٣: ٢٥، تمثّل استيفاء كلّ ما كان يمثّله الْغِطَاءُ في هيكل العهد القديم. وما يعنيه هذا، إذاً، هو أنّ المسيح بموته الكفّاري، قد جُعِلَ وسيلة الخلاص، وقد رُمِزَ إليه بـ «كرسي الرحمة» أو «الْغِطَاء». بالاختصار هذا يعني أنّ الله قد فعل كل ما هو لازم لخلاصنا.


والنصّ يتحدّث أيضاً عن الصفح عن الخطايا. إنّها خطايانا التي تجعلنا غير مقبولين عند الله. ونحن لا نستطيع عمل أي شيء بأنفسنا لحذف خطايانا. لكن في خطّة الفداء، قد دبّر الله طريقةّ لهذه الخطايا بأن تزاح من خلال الإيمان بدم المسيح.


وكلمة «الصَّفْح» في اليونانية هي parisis وتعني أن «تَعْبُر عن» أو «تَمرَّ على»، فالله يمكنه أن يَعْبُرْ عن الخطايا الماضية لأن المسيح قد دفع الحساب عن خطايا الجميع بموته. وأي إنسان عنده إيمان بدم المسيح سَتُرفَع خطاياه لأن المسيح قد مات لأجله. (١كورنثوس ١٥: ٣).


اقرأ رومية ٣: ٢٦، ٢٧. ما النقطة الهامة التي سيتناولها بولس هنا؟


الخبر السار الذي كان بولس توّاقاً لمشاركته مع الآخرين الذين يسمعون، هو أنّ برّ الله كان في متناول الجميع وهو متيسّر لنا ليس نتيجةً لأعمالنا ولا باستحقاقاتنا ولكن بالإيمان بيسوع وما عمله لأجلنا.


بسبب صليب الجلجثة، يستطيع الله أن يعلن الخطاة أبراراً ويُعتبر عادلاً في نظر الكون كله ولا يقدر الشيطان أن يشير بإصبعه متّهما العلي لأنّ السماء قد قدمت التضحية الفائقة. لقد اتّهم الشيطانُ اللهَ بأنّه يطلب من الجنس البشري أكثر ممّا يعطيه. إنّ الصليب يبطل بكلّ قوّة هذا الادعاء الباطل.






بدون أعمال الناموس


«إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أعمال النَّامُوسِ.» (رومية ٣: ٢٨). هل يعني هذا أنّه إذا كان الناموس لا يخلصّنا فنحن غير مطالبين بإطاعته؟ اشرح إجابتك.


في المضمون التاريخي كان بولس الرسول يتحدّث في رومية ٣: ٢٨ عن الناموس بشكله الواسع ومفهومه عند اليهود المتزمّتين. مهما حاول اليهودي أن يعيش بضمير حيّ تحت هذا النظام، فلا يمكن أن يتبرّر إن هو فشل في قبول يسوع كمسيّا.


إنّ رومية ٣: ٢٨ هي خاتمة حُجّة بولس بأنّ قانون الإيمان يُبْطِل الافتخار، أي أن الافتخار «قَدِ انْتَفَى». فلو كان الإنسان يتبرّر بأعماله، فإنّه يستطيع أن يفتخر بذلك. ولكن إن كان يتبرّر لأنّ يسوع هو غاية إيمانه، عندئذ فالفضل واضح بأنه يخصّ الله الذي يبرّر الخاطئ.


تُدلي روح النبوة بإجابة ذات مغزى عن السؤال، «ما هو التبرير بالإيمان؟» فقد كتبت تقول «إنّه عمل الله بطرح مجد الإنسان في التراب وعمل ما لا يستطيع الإنسان فعله بقوّته لأجل نفسه» (روح النبوة، شهادات للقساوسة وخدّام الإنجيل، صفحة ٤٥٦).


إنّ أعمال الناموس لا تستطيع أن تكفّر عن الخطايا السالفة. التبرير لا يمكن أن يُكتَسب، إذ يمكن فقط للخاطئ أن يتسلّمه من خلال خدمة كفّارة المسيح. لذلك، بهذا المعنى، فأعمال الناموس ليس لها شأنٌ بالتبرير. فلكي نتبرّر بدون أعمال يعني أننّا نحصل على التبرير دون أن يكون في جعبتنا أي شيء يستحق التبرير.


لكنّ كثيرين من المسيحييّن أساءوا فهم وتطبيق هذه الآية. إنّهم يقولون بأنّ ما على الإنسان عمله هو أن يؤمن بينما يقلّل من أهميّة العمل أو الطاعة، حتّى طاعة الناموس الأدبي. وبتصرّفهم هذا فإنّهم أساءوا قراءة قصد بولس. ففي الرسالة إلى رومية وفي أماكن أخرى غيرها، يضع الرسول بولس أهميّة قصوى لحفظ ناموس الوصايا الأدبي. وقد حفظ المسيح الناموس بالتأكيد، كما فعل يعقوب ويوحنا (متى ١٩: ١٧؛ رومية ٢: ١٣؛ يعقوب ٢: ١٠، ١١؛ رؤيا ١٤: ١٢). ورأي بولس هو أنهُ بالرغم من أنّ طاعة الناموس ليست هي الوسيلة للتبرير، فالشخص المتبرّر بالإيمان يحفظ ناموس الله، بل وفي الحقيقة هو الشخص الوحيد الذي في مقدوره أن يحفظ الناموس الأدبي ويطيعه. إنّ الإنسان غير المتجدّد الذي لم يتبرّر بعد لا يستطيع أن يتمّم مطاليب الناموس.






لمزيد من الدرس: اقرأ الفصل الذي بعنوان «جدد وعتقاء»، صفحة ١١٤- ١٢٥، في كتاب «المعلم الأعظم».


مع أنّ الناموس لا يقدر أن يلغي عقاب الخطية بل يطالب الخاطئ بكلّ ديونه، فالمسيح قد وعد بالعفو الغامر لكلّ التائبين والمؤمنين برحمته. إنّ محبّة الله تُقدّم بفيضٍ إلى النفس المؤمنة التائبة. إنّ ختم الخطيّة على النفس البشريّة يمكن فقط إزالته بواسطة دم الذبيحة الكفّارية ... لذاك المساوي للآب في الجوهر. إنّ عمل المسيح – حياته، اتضاعه، موته ووساطته من أجل الخاطئ- كلّها تعظّم الناموس وتجعله جديراً بالإكرام» (روح النبوة، رسائل مختارة، المجلد الأول، صفحة ٣٧١).


«فإذا أنت سلمته نفسك وقبلته فادياً ومخلّصاً لك حُسِبت باراً كأنك لم تخطئ قط. إذ أن صفاته قد حُسِبَت لك فصارت صفاتك» (روح النبوة، طريق الحياة، صفحة ٤٣).


«عندما يقوّل الرسول بولس بأننّا نتبررّ بدون أعمال الناموس، فإنّه لا يتحدّث عن أعمال الإيمان والنعمة، لأنّ مَن يقوم بمثل هذه الأعمال لا يعتقد أنّه يتبررّ بفعلها. فعندما يقوم الشخص المؤمن بأعمال الإيمان هذه، فهو إنما يسعى إلى أن يكون مبرراً بالإيمان. أما ما يعنيه بولس الرسول بأعمال الناموس، فهو أن أصحاب البرّ الذاتي يعتقدون أنه من خلال القيام بهذه الأعمال يكونون مبررين. وبهذه الطريقة يعتبرون أنفسهم أبراراً بأعمالهم. وبعبارة أخرى، هم يقومون بما يقومون به ليس سعياً وراء البِرِّ، ولكنهم يريدون فقط أن يفتخروا بأنهم قد حصلوا على التبرير بالفعل من خلال أعمالهم» (مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، صفحة ٨٠).




الدرس الخامس


٢٨ تشرين الأول (أكتوبر)- ٣ تشرين الثاني (نوفمبر)


إيمان إبراهيم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: تكوين ١٥: ٦؛ ٢صموئيل ١١، ١٢؛ رومية ٣: ٢٠، ٣١؛ ٤: ١- ١٧؛ غلاطية ٣: ٢١-٢٣؛ ١يوحنا ٣: ٤.


آية الحفظ: «أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ» (رومية ٣: ٣١).


إنّ رومية ٤ يأخذنا إلى أساس المبدأ الكتابي القائل بأنّ الخلاص هو بالإيمان وحده، وإلى صميم ما بدأت به نهضة الإصلاح البروتستانتي. في الحقيقة، إنّه في مثل هذا الأسبوع منذ خمسمائة سنة مضت بدأت نهضة الإصلاح البروتستانتي بمارتن لوثر. ومنذ ذلك الحين لم ينظر الأمناء من البروتستانت إلى الوراء.


من خلال الإشارة إلى إبراهيم، باعتباره نموذجاً للقداسة والتقوى، وكمثال لإنسان احتاج أن يخلص بالنعمة بدون أعمال الناموس، نجد أن بولس لم يترك للقارئ مجالاً لسوء الفهم. فإذا كانت أفضل أعمال الإنسان [أي إبراهيم] وطاعته للناموس لم تكن كافيةً لأن تبرّره أمام الله، فما هو الرجاء لأي إنسان غيره؟ إذا كان الأمر قد تطلّب من إبراهيم أن يعتمد على نعمة الله، فإنّ ذلك ينبغي أن ينطبق على غيره من الناس، يهوداً كانوا أم أممييّن.


يعلن بولس الرسول في رومية ٤ ثلاث مراحل رئيسيّة في خطّة الخلاص: (١) وعد البركات الإلهية (وعد النعمة)، (٢) الاستجابة الإنسانية لذلك الوعد (استجابة الإيمان)، (٣) الإعلان الإلهي للبرّ المحسوب للذين يؤمنون (التبرير). كان ذلك ما حدث مع إبراهيم، وهو ما يحدث معنا.


من المهمّ أن نتذكّر أنّ الخلاص بالنسبة لبولس الرسول هو بالنعمة؛ إنّه منحةٌ تُعطى لنا مهما كانت درجة عدم أهليّتنا أو استحقاقنا. فلو نلناها عن استحقاق نكون مديونين لها ولو كنّا مدينين فهي دينُ علينا وليس هبة مجانيّة. ولمخلوقات ساقطة فاسدة مثلنا فالخلاص يتحتّم أن يكون هبةً من الله.


كان على بولس أن يرجع بذاكرته إلى سفر التكوين ليثبت نظرته للخلاص بالإيمان وحده، مقتبساً من تكوين ١٥: ٦ «َفَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا.» ها هو التبرير بالإيمان في الصفحات الأولى للكتاب المقدسّ.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٤ تشرين الثاني (نوفمبر).




الناموس


اقرأ رومية ٣: ٣١؛ ما هي النقطة التي يؤكد عليها بولس هنا؟ ما أهمية هذه النقطة بالنسبة لنا كأدﭬنتست سبتيين؟


يشدّد بولس الرسول في هذه الفقرة على أنّ الإيمان لا يبطل ناموس الله. ولكن حتّى أولئك الذين حفظوا الشريعة، أو حتى كلّ مَجْمُوعَة قَوَانِين العهد القديم، لم يخلصوا البتّة بواسطتها. فديانة العهد القديم مثل ديانة العهد الجديد كانت دائماً وأبداً تعلن أنّ نعمة الله الممنوحة مجّاناً للخطاة كانت بالإيمان.


اقرأ رومية ٤: ١- ٨ كيف يبيّن هذا الاقتباس أنّه حتّى في العهد القديم كان الخلاص بالإيمان وليس بأعمال الناموس؟


بناءً على قصص وسجّلات العهد القديم، فإنّ إبراهيم حُسب بارّاً لأنّه آمن بالله. لذلك فالعهد القديم يعلّم بأن البرّ بالإيمان. ومن هنا، فإن أيّ فكرة بأن الإيمان «يبطل الناموس» هي خطأ جسيم. الخلاص بالإيمان هو تعليم أساسي هام في العهد القديم، والنعمة متواجدة ومتوفّرة فيه. وكانت فروض المَقْدِس والهيكل كلّها لا تؤدي إلى الخلاص عن طريق الأعمال وإنّما بموت البديل نيابة عنهم.


وأيضاً، ما الذي يوضح كيف غُفِرَ لداود بعد هذه الفعلة الشنعاء مع بثشبع؟ بالتأكيد لم يكن حفظ الناموس هو ما خلَّصه، لأنّه قد تعدّى الناموس في مبادئ عدّة، ووُجد مديناً بطرقٍ شتَى. فلو أنّ داود كان لا بدّ أن يَخْلُص بالناموس، لما حصل على ذلك الخلاص أبداً.


وينظر بولس إلى رجوع داود إلى حظيرة الآب على أنه مثال للتبرير بالإيمان. كان الغفران عملاً من أعمال الله بالنعمة. هنا، إذن، مثال آخر من العهد القديم يؤيّد الخلاص بالإيمان. وفي الحقيقة، مهما كان بعض الإسرائيليين متزمّتين ومتعصبين، فإن الديانة اليهودية كانت دائماً عقيدة نعمة، والشرعيّة المتزمّتة لليهود كانت تحريفاً لهذه العقيدة وليست أساساً.






دَيْنٌ أَم نعمة؟


الأمر الذي يتناوله الرسول بولس هنا هو أكثر من مجرّد عِلم لاهوتي، إنّه في صلب موضوع الخلاص وعلاقتنا مع الله. فلو اعتقد المرء بأنّه يجب أن يكسب القبول- بأن يصل إلى مستوى معيّن من القداسة قبل أن ينال التبرير والغفران- إذن يكون الأمر طبيعياً أن يستدير الإنسان لينظر إلى نفسه داخلياً ولأعماله. يمكن للديانة أن تكون مركّزة على النفس تركيزاً كبيراً، وهو ما لا يمكنه أن يمنحنا الخلاص مطلقاً.


على النقيض، إذا تبنّى إنسان الأخبار العظيمة السارَة القائلة بأنّ التبرير هو عطيّة من الله وهو غير مكتسب وغير مستحق، فكم يكون من السهل ومن الطبيعي لذلك الشخص أن يحوّل نظره إلى محبّة الله ونعمته، بدلاً من النظر إلى ذاته.


وفي النهاية، مَن الذي يُحتمل أن يعكس محبّة الله وصفاته، أهو الإنسان المنغلق على نفسه أَمْ ذلك الذي يهيمن عليه روح الله القدوس؟


اقرأ رومية ٤: ٦- ٨. إلى أي مدى يتوسّع بولس الرسول هنا في موضوع التبرير بالإيمان؟


«يجب على الخاطئ أن يأتي إلى المسيح ويتمسّك باستحقاقاته، ويلقي خطاياه على حامل آثامنا وينال منه العفو. إنه لهذا الغرض جاء المسيح إلى العالم. وهكذا فبرّ المسيح يمنح للخاطئ المؤمن التائب، فيصبح عضواً في العائلة الملكية» (روح النبوة، رسائل مختارة، مجلد ١، صفحة ٢١٥).


ويواصل بولس الرسول شرحه بأن «الخلاص بالإيمان» ليس فقط لليهود ولكن للأممييّن بالمثل (رومية ٤: ٩- ١٢). وفي حقيقة الأمر، إذا فكرت ملياً فستجد أنّ إبراهيم لم يكن يهودياً، فقد جاء من أسلافٍ وثنييّن (يشوع ٢٤: ٢). إنّ التمييز بين اليهود والأممييّن لم يكن له وجود في زمن إبراهيم عندما نال التبرير (تكوين ١٥: ٦)، بل ولم يكن قد أُختتن بعد. وهكذا أصبح إبراهيم أباً لكليهما: ذو الغرلة والمختَتن، كما أصبح مثالاً عظيماً لبولس ليستخدمه كي يوضح فكرته بأن الخلاص متاحٌ لكل العالم. إن موت المسيح كان لكلّ إنسان بغض النظر عن العِرْق أو الجنسية. (عبرانيين ٢: ٩).






الوعد


قد مضى خمسة قرون كاملة على قيام مارتن لوثر بتعليق ٩٥ احتجاجاً على باب كنيسة وتنبرغ. كم هو مدهش أنّ موضوع اليوم يصل إلى جوهر حقيقة الخلاص بالإيمان.


في رومية ٤: ١٣، يتم المقارنة والتباين بين «الوعد» و «الناموس». فيحاول الرسول بولس أن يؤسّس خلفيةً من العهد القديم لتعليمه المتعلق بعقيدة «البرّ بالإيمان». يجد بولس مثالاً في إبراهيم خليل الله، الذي يقبله العبرانيون جميعاً على أنّه جدّهم الأكبر. إنّ القبول والتبرير قد جاءا لإبراهيم بدون الناموس. فالله أعطى وعداً لإبراهيم بأنّه سيكون وارثاً للعالم. آمن إبراهيم بهذا الوعد أي أنّه قَبِلَ الدور الذي ينطوي عليه الوعد. ونتيجة لذلك، قبِله الله وعمل بواسطته ليخلّص العالم. يبقى هذا مثالاً عظيماً لعمل النعمة في العهد القديم. وهذا هو بلا شك ما شجّع بولس للإشارة إليه.


اقرأ رومية ٤: ١٤- ١٧. كيف يواصل بولس الرسول إظهار أنّ الخلاص في العهد القديم كان بالإيمان؟ انظر أيضاً غلاطية ٣: ٧-٩.


كما ذكرنا في بداية الربع، إنّه من المهمّ أن نتذكّر لمَن كان الرسول بولس يدوّن رسائله. هؤلاء المؤمنون من اليهود كانوا منغمسين في ناموس العهد القديم. ولقد آمن الكثيرون منهم بأنّ خلاصهم يتوقف على كيفيّة حفظهم للناموس، حتّى لو كان العهد القديم لا يُعلّم بذلك.


وفي محاولة لتصحيح هذا التصوّر الخاطئ لدى اليهود، جادل بولس بأنّ إبراهيم قد تسلّم الوعود، حتى قبل إعطاء الناموس في سيناء، ليس بأعمال الناموس بل بالإيمان.


فلو أنّ بولس يشير هنا إلى الناموس الأدبي فقط، والذي كان موجودا حتّى قبل أن يُعطى في سيناء، فإنّ المبدأ واضحٌ لا شك فيه. يقول بولس أن السعي لاستلام وعود الله عن طريق الناموس يجعل الإيمان باطلاً، عديم الفائدة. هذه كلمات صعبة، لكنّ النقطة التي يؤكّد عليها بولس هنا هي أنّ الإيمان يخلّص والناموس يدين. وهو يحاول أن يعلّم الناس بأنّه من الخطأ أن تطلب الخلاص من خلال الناموس الذي يقود إلى الدينونة. ونحن جميعاً، يهوداً كنّا أو أمميين قد تعدّينا الناموس، ومن هنا فنحن جميعاً نحتاج نفس الشيء الذي احتاجه إبراهيم: برّ المسيح المُخلّص المُعطى لنا بالإيمان – هذه هي الحقيقة التي أدّت إلى قيام الإصلاح البروتستانتي.




الناموس والإيمان


كما رأينا بالأمس، فإنَّ الرسول بولس أوضح بأنّ تعاملات الله مع إبراهيم أثبتت أنّ الخلاص يأتي بوعد النعمة وليس من خلال الناموس. لذلك، فلو رغب اليهود في الخلاص، وجب عليهم أن يتركوا ثقتهم في أعمالهم لنيل الخلاص، وأن يقبلوا الوعد لإبراهيم الذي تمّ بقدوم المسيّا. وحقيقة الأمر، بالنسبة للجميع، يهوداً أو أمميين، هي أن الذين يظنّون أنّ أعمالهم «الصالحة» هي كلّ ما يلزم للتصالح مع الله، هم مخطئون.


«إن النظرية القائلة بأن الإنسان يستطيع أن يخلص نفسه بأعماله كانت هي أساس كل الديانات الوثنية» (روح النبوة مشتهى الأجيال صفحة ٣٢). ما المعنى الذي ينطوي عليه هذا الكلام؟ لماذا تجعلنا فكرة أننا قادرون على تلخيص أنفسنا بأعمالنا عُرضة للخطية؟


كيف وضّح بولس الرسول العلاقة بين الناموس والإيمان في غلاطية ٣: ٢١- ٢٣؟


لو وُجد ناموس قادر على إعطاء الحياة، لكان ذلك ناموس الله. ومع هذا، يقول الرسول أنه لا يوجد ناموس قادر على إعطاء الحياة، وحتّى ناموس الله لا يستطيع عمل ذلك، لأنّ الجميع قد تعدّوا الوصيّة، ولذا فالجميع مدانون بالناموس.


ولكنّ وعد الإيمان، الذي استُعلن كاملاً في المسيح، يحرّر كلّ مَن يؤمن مِن الوقوع «تحت الناموس» أي تحت دينونة الناموس. يصبح الناموس حِملاً عندما يُقدّم بدون إيمان، بدون نعمة. لأنّه من غير الإيمان ومن غير النعمة ومن غير البرّ النابع عن الإيمان، يكون الوقوع تحت الناموس هو الوقع تحت عبء وإدانة الخطيّة.






الناموس والخطيّة


كثيراً ما يردُ لأسماعنا بأنّ العهد الجديد مع الله قد أبطل وألغى الناموس. وهم يدللّون على ذلك باقتباس بعض الآيات التي يتوهّمون أنها تثبت صحة زعمهم. إنّ المنطق في ذلك الاعتقاد ليس معقولاً ولا النظرية كذلك.


اقرأ يوحنا الأولى ٢: ٣- ٦؛ ٣: ٤؛ رومية ٣: ٢٠. ماذا تخبرنا هذه الفقرات الكتابية عن العلاقة بين الناموس والخطية؟


كتب جوناثان سويفت منذ بضع مئات من السنين: «لكن هل يمكن لأي إنسان أن يقول أنه لو أن كلمات مثل السُّكْر والغشّ والكذب والسرقّة قد أُبْعِدت بأمر البرلمان من اللغة الإنجليزية والقواميس، فإننا سنستيقظ في صبيحة اليوم التالي صادقين ومعتدلين ومحبيّن للحقّ؟» [جوزيف سويفت، عروض متواضعة ومقطوعات هجائية أخرى (نيويورك: بروميثيوس للنشر، ١٩٩٥)، صفحة ٢٠٥].


وبنفس الكيفيّة، فإنَّه لو أُبْطِل ناموس الله، فلماذا إذاً تُعتبر السرقة والكذب والقتل أفعالاً خاطئة؟ فلو كان ناموس الله قد تغيّر، لكان تعريف الخطية قد تغيَّر أيضاً. أو، إذا كان ناموس الله قد أُلغي، فيجب أن تُلغى الخطيّة أيضاً، وهل هذا شيء يُعقل؟ (انظر أيضاً ١يوحنا ١: ٧- ١٠؛ يعقوب ١: ١٤، ١٥).


يَظهر الناموس والإنجيل بجلاء في العهد الجديد. الناموس يبيّن الخطيّة، والإنجيل يشير إلى العلاج من تلك الخطيّة الذي هو موت وقيامة يسوع المسيح. ولو لم يكن هناك ناموس لما وُجدت الخطية، فَمِنْ أي شيء نخلص إذن؟ في وجود الناموس ودوام مفعوله يكون للإنجيل معنى ومغزى.


وكثيراً ما نسمع بأنّ الصليب أدّى إلى إلغاء الناموس. وهذا اعتقاد مغلوط لأنّ الصليب يبيّن بأنّ الناموس لا يمكن تغييره أو إلغاؤه. فلو أن الله لم يغيّر الناموس أو يحذفه قبل موت المسيح على الصليب، فلماذا يفعل ذلك بعد الصليب؟ لماذا لم يبطل اللهُ الناموسَ بعدما أخطأ الجنسُ البشري وبذلك كان سيوفّر على الناس العقاب الشرعي الذي يسببّه كسر الناموس؟ بهذه الكيفيّة لم يكن لِزاماً أو ضرورياً أن يُصلب المسيح. فموت يسوع يبيّن أنه لو تحتّم تغيير الناموس لكان من الأفضل فعل ذلك قبل الصليب وليس بعده. فلا شيء يحتّم دوام الناموس أكثر من موت المسيح على الصليب، وهو الموت الذي حدث لأنّ الناموس لا يمكن تغييره. فلو كان ممكناً تغيير الناموس ليناسب حالتنا الخاطئة، ألم يكن ذلك أفضل حلاً بدل اضطرار المسيح أن يموت؟






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة، الفصل الذي بعنوان «دعوة إبراهيم»، صفحة ١٠٢-١٠٨، والفصل الذي بعنوان «الشريعة والعهدان»، صفحة ٣١٧- ٣٢٧، في كتاب الآباء والأنبياء؛ واقرأ الفصل الذي بعنوان «الموعظة على الجبل»، صفحة ٢٧٥- ٢٩١، وصفحة ٥٧٣، ٥٧٤ من الفصل الذي بعنوان «يوم نزاع»، وصفحة ٧٢٤- ٧٢٦ من الفصل الذي بعنوان « ‹قد أُكْمِلْ› »، في كتاب مشتهى الأجيال.


«أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ» (رومية ٤: ٤). يشرح الرسول بولس هنا الفقرة المقتبسة ليخرج منها بإثبات أنّ التبرير هو بالإيمان وليس بالأعمال. إنّه يفعل ذلك أولاً بشرح معاني العبارة ‹فُحسِب له برّاً›. هذه الكلمات تبيّن أن الله يستقبل الخطاة بالنعمة وليس بسبب أعمالهم» (مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، صفحة ٨٢).


«لو نجح الشيطان في قيادة الإنسان لأن يضع قيمةً كبرى لأعماله باعتبارها أعمال استحقاق وبرّ، فهو يعرف كيف يهزمه ويتغلّب عليه بالتجربة، ويجعل منه فريسةً وضحيّة له ... لذا عليك أن ترش قوائم الأبواب بدم حَمَل جُلْجُثَة فتكون في أمان وسلام» (روح النبوة، أدفنت ريفيو آند ساباث هيرالد، ٣أيلول/سبتمبر، ١٨٨٩).




الدرس السادس


٤- ١٠ تشرين الثاني (نوفمبر)


آدم والمسيح






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٥.


آية الحفظ: «فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ» (رومية ٥: ١، ٢).


أسّس الرسول بولس نقطة هامّة وهي أنّ التبرير أو القبول عند الله يأتي نتيجة الإيمان بيسوع المسيح. لأنّ برّه وحده هو كافٍ ليؤهّلنا للوقوف بلا لوم في حضرة الربّ إلهنا. والآن يتوسع بولس الرسول في هذا الحقّ العظيم بشأن هذا الموضوع الجوهري، مُظْهِراً أنّ الخلاص لا بدّ وأن يعتمد على الإيمان وليس على الأعمال حتى لو كان الإنسان «باراً» كإبراهيم. ورجع بولس إلى الوراء للنظر إلى الصورة الإجمالية لما سبَّب الخطيّة والمعاناة والموت، وكيف أنّ الحلّ قد تجسّد في المسيح وما فعله للجنس البشري.


بسقوط إنسانٍ واحد، آدم، سادت الدينونة على الجنس البشري والعزلة والموت. وبواسطة نصرة إنسان واحد، يسوع، وقف كلّ البشر متساوين أمام الله، بالإيمان بيسوع، فإن سجلّ خطاياهم والعقاب المترتّب على هذه الخطايا يمكن إلغاؤهما نهائياً ويُصْفَحُ عن الخاطئ التائب.


ويقارن بولس الرسول آدم بيسوع، مبيّناً كيف جاء المسيح ليصلح ما أفسده آدم ومُظْهراً كيف أنّه بالإيمان يستطيع ضحايا خطيّة آدم أن يُنْقَذوا بواسطة يسوع المسيح المخلّص. إنّ أساس ذلك كلّه هو الصليب وموت المسيح بديلاً عن الخاطئ، الأمر الذي يفتح الطريق أمام كلّ إنسان يهوديّاً كان أَمْ أمميّاً لينال الخلاص بيسوع المسيح الذي صنع التبرير بدمه لكلّ الذين يقبلونه.


إنّ هذا الموضوع يستحق التوسّع في شرحه لأنّه أساس رجائنا كلّه.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١١ تشرين الثاني (نوفمبر).




متبرّرون بالإيمان


اقرأ رومية ٥: ١- ٥. اكتب ملخّصاً لرسالة بولس الرسول على الأسطر الآتية. ما الذي تأخذه من ذلك لنفسك الآن؟


«فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا» هو فعل ماض مؤكّد تماماً كما ورد نَصَّهُ في اللغة اليونانية أيضاً. لقد أُعلن أننّا أبرارٌ، ليس من خلال أعمال الناموس وإنّما بقبولنا ليسوع المسيح. فالحياة الكاملة التي عاشها يسوع على الأرض وحفظه التام للناموس قد حُسبت لصالحنا.


وفي نفس الوقت، قد أُلقيت كلّ خطايانا على كاهل يسوع وأَعتبر الآب أنّ يسوع هو الذي ارتكب تلك الخطايا جميعها وليس نحن. وبهذا الإجراء ننجو نحن المجرمون من العقاب الذي نستحقّه. ذلك العقاب الصارم قد وقع على المسيح، بدلاً منّا، حتّى لا نضطرّ لمواجهته بأنفسنا. فهل هناك أخبار سارّة أكثر من ذلك للخاطئ؟


يستطيع الخطاة المبررّون أن يتهللوا ويبتهجوا في الضيقات لأنّهم وطّدوا ثقتهم في يسوع المسيح. إنّ لهم ملء الثقة أنّ الله سيفعل كلّ ما هو صالح. ولسوف يعتبرونه شرفاً عظيماً أن يتألموا لأجل خاطر المسيح. (انظر ١بطرس ٤: ١٣).


لاحظ، أيضاً، التسلسل المطّرد في رومية ٥: ٣- ٥.


١. الصبر. الكلمة اليونانية المترجمة hupomone وتعني «التحمّل الصامد». هذا هو التحمّل الذي ينشأ من الضيقات للذي عنده الإيمان والذي لا يسقط رجاؤه في المسيح حتّى في أشدّ التجارب المفشّلة أحياناً.


٢. التزكية. الكلمة اليونانية Dokime تعني حرفياً «سِمة أن تكون مُستحسنَاً». وذلك لأن الشخص الذي ينال الاستحسان هو مَن يحصل على التزكية من جرّاء تحمّل التجارب الممحّصة.


٣. الرَّجَاءُ. إنّ التحمّل والتزكية يعطيان الرجاء الكائن في يسوع ووعد الخلاص الذي لنا فيه. فكلّما تمسكنا بيسوع في إيمانٍ، وتوبةٍ حقيقية، بطاعةٍ كاملةٍ، نحصل على كلّ ما نرجوه.






وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ


اقرأ رومية ٥: ٦- ٨. ماذا تخبرنا هذه الفقرة عن طبيعة وصفات الله، ولماذا هي فقرة مفعمة بالرجاء بالنسبة لنا؟


عندما تعدّى آدم وحوّاء الأمر الإلهي بطريقة مخجلة وغير مبرّرة، أخذ الآب الخطوة الأولى نحو المصالحة. ومنذ ذلك الحين يأخذ الله دائماً زمام المبادرة لإيجاد طريق للخلاص ودعوة الناس رجالاً ونساءً للقبول به. «وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ» (غلاطية ٤: ٤).


تقول الآية في رومية ٥: ٩ بأنّنا يمكن أن نخلص من غضب الله عن طريق يسوع. كيف نفهم نحن ما يعنيه ذلك القول؟


في آخر ليلة قبيل رحيل الإسرائيليين من أرض مصر، حمى الدم المرشوش على قوائم الأبواب أبكارهم من الغضب الذي أودى بحياة أبكار المصرييّن. بنفس الكيفيّة، يضمن دم يسوع المسيح حماية الإنسان المتبرّر والمتمسّك ببرّه عندما يقضي الله على الخطيّة في آخر الزمان.


يتحير البعض من فكرة وجود إلهٍ محبّ وغضوب. ولكن بسبب محبّة الله يتواجد ذلك الغضب. كيف لله، الذي يحب العالم، أن لا يغضب على الخطية؟ فلو كان أمرنا لا يهمّه، فلن يحرّك له ساكناً ما يحدث لنا. انظر إلى العالم من حولك وشاهد ما فعلته الخطيّة لخليقته. فكيف لا يشتعل الله غضباً ضدّ ذلك الشرّ والدمار؟


ما الأسباب الأخرى التي من أجلها ينبغي أن نفرح؟ (رومية ٥: ١٠، ١١).


يرى بعض المعلقين في رومية ٥: ١٠ مرجعاً للحياة التي عاشها المسيح على هذه الأرض، والتي صاغ أثناءها أخلاقاً في غاية الكمال وهو يريد أن يسجلها لحسابنا. ومع أنّ حياة المسيح الكاملة قد فعلت كلّ ذلك بالتأكيد، إلا أنه يبدو أنّ بولس يشدّد على الحقيقة التي تقول: بالرغم من أن المسيح قد مات، إلا أنه قد قام ثانيةً وهو حيٌّ إلى الأبد. (انظر عبرانيين ٧: ٢٥). ولأنَّ المسيحَ حيٌ، فنحن نخلص. فلو بقي في القبر لهلكت آمالنا معه. ويواصل رومية ٥: ١١ في سرد الأسباب لفرحنا في الربّ وذلك بسبب ما أنجزه المسيح المحبّ لأجلنا.




الموت بالخطية


الموت هو العدوّ اللدود لنا. عندما خلق الله العائلة البشرية، فقد قَصَدَ أن أفرادها يحيون إلى الأبد. البشر، باستثناء القليل منهم، لا يودّون أن يموتوا؛ والذين يريدون الموت، إنّما يفعلون ذلك بعد طول معاناة وألم. الموت يتعارض مع طبيعتنا الأساسيّة. وذلك لأننّا من البدء خُلقنا لنحيا إلى الأبد. وكان الموت مجهولاً بالنسبة لنا.


اقرأ رومية ٥: ١٢. ما الذي يصفه الرسول بولس هنا؟ وما الذي يشرحه؟


لقد جادل المعلّقون بشأن هذه الفقرة أكثر من غيرها. فلربّما كان السبب، كما هو مدوّن في موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست السبتيين، مجلد ٦، صفحة ٥٢٩، هو أن هؤلاء المعلقين « يحاولون استخدام الفقرة لأغراض أخرى غير التي كان يقصدها بولس.»


وإحدى النقاط التي يجادلون بشأنها هي: بأي طريقة تم انتقال خطية آدم إلى نسله؟ وهل يُشارك نسل آدم في حَمل ذنب خطية آدم، أَمْ أنهم مذنبون أمام الله بسبب خطاياهم الخاصة؟ لقد حاول الناس الحصول على إجابة على هذا السؤال من هذه الفقرة. لكن هذه لم تكن القضية التي يتعامل معها بولس هنا. فإنَّه كان يضع في الاعتبار مسألة أخرى مختلفة تماماً. فقد كان يعيد التأكيد على ما سبق وذَكَره: «الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا» (رومية ٣: ٢٣). علينا أن نعترف بأننا خطاة لأنَّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي سندرك من خلالها حاجتنا إلى مخلِّص. وقد كان بولس يحاول هنا جعل قرّائه يدركون مدى سوء وبشاعة الخطية، ويدركون كذلك ما جلبته الخطية إلى هذه العالم من خلال آدم. ثم يُعلن بولس عَمَّا يقدمه الله لنا في المسيح باعتباره العلاج الوحيد للمأساة التي أتت إلى عالمنا من خلال خطية آدم.


ومع ذلك، فإنَّ هذه الفقرة الكتابية لا تُقَدِّمُ لنا سوى المشكلة، ألا وهي الموت في آدم. لكنها لا تُقَدِّمُ لنا الحل، الذي هو الحياة في المسيح. إنَّ أكثر جوانب بشارة الإنجيل روعة وعظمة هو أن الموت قد اُبْتُلِعَ في الحياة. لقد اجتاز المسيحُ بوابات القبر وحطَّم قيوده. وهو يقول: «وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ» (رؤيا ١: ١٨). ولأن المفاتيح مع يسوع، فالعدو لا يقدر بعد الآن أن يحبس ضحاياه في القبور.






من آدم إلى موسى


اقرأ رومية ٥: ١٣، ١٤. ماذا يعلّمنا الرسول بولس هنا عن الناموس؟


ما الذي يتحدّث عنه الرسول بولس هنا؟ إنَّ التعبير «حَتَّى النَّامُوسِ» يوزاي التعبير «من آدم إلى موسى». إنّه يتكلّم عن المدّة الزمنيّة في العالم مِن الخليقة إلى سيناء، قبل التقديم الرسمي لأحكام وقوانين النظام الإسرائيلي والذي تضمّن بالطبع، الوصايا العشر.


وعبارة «حَتَّى النَّامُوسِ» تعني حتّى تُعطى تفاصيل مطاليب الله المسلّمة لإسرائيل، عن طريق موسى، في سيناء. كيف لا؟ ألم يكن الكذب والقتل والزنى وعبادة الأوثان أفعالاً خاطئة قبل ذلك؟ كانت جميعها، بالطبع، خطايا وآثام.


إن الجنس البشري كان له إعلانات محدودة من الله قبل إعطاء الشريعة في سيناء. ولكنّ من الواضح، أن البشر قد عرفوا ما فيه الكفاية للمساءلة وتحمّل المسؤولية. إنّ الله عادل ولن يعاقب أحداً بدون حق. لقد مات الناس في عالم ما قبل سيناء، كما يبيّن الرسول بولس هنا، جاز الموت على الجميع. ومع أنّهم لم يتعدّوا على وصيّة معلنةٍ لفظياً، فقد أخطأوا بالرغم من ذلك. كانت لديهم إعلانات الله في الطبيعة التي لم يستجيبوا لها، وهكذا، اُعتُبِروا مجرمين. «لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ» (رومية ١: ٢٠).


ما الغرض الذي حدا بالله أن يعلن عن ذاته باستفاضةٍ في الناموس؟ رومية ٥: ٢٠، ٢١.


إنّ التعليم المُعطى في سيناء تضمّن الناموس الأدبي (الوصايا العشر) مع أنّه كان موجوداً قبل ذلك. كانت هذه المرة الأولى، حسب سجّلات الكتاب المقدس، التي كُتب فيها الناموس وأُعلن بطريقة واسعة.


وعندما قارن الإسرائيليون أنفسهم بالمطاليب الإلهيّة، اكتشفوا نقصهم الكبير عن المستوى المطلوب. وبعبارة أخرى، لقد كَثُرَت «الْخَطِيَّة». وفجأة أدركوا إلى أي درجة بلغت تعدّياتهم. وكان القصد من ذلك الإعلان أن يساعدهم في إدراك حاجتهم إلى مخلّص، ولدفعهم لقبول النعمة المقدّمة مجّاناً من الله. وكما قد تأكّد من قبل، فإنَّ صِيْغَة الإيمان في زمن العهد القديم لم تكن متزمّتةً.






يسوع، آدم الثاني


«فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ.  لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا» (رومية ٥: ١٨، ١٩). ما هو التباين المُقَدّم هنا؟ وما هو الرجاء المقدَّم لنا في المسيح؟


كبشر، لم نستلم من آدم شيئاً غير حكم الموت. مع ذلك، فالمسيح تدخّل وعبر الأرض التي سقط فيها آدم، متحمّلاً كلّ امتحانٍ لصالح الإنسان. إنّه قد افتدى سقوط آدم الشنيع وفشله، وقُدّم كبديل عنّا أمام الآب وصالحنا معه، ومن هنا صار يسوع آدم الثاني.


«كان آدم الثاني وسيطاً روحياً حرّاً، مسئولاً عن سلوكه. وكان محاطاً بمؤثرات مخادعةٍ ومضلِّلة بشكلٍ مكثَّفٍ. لم تكن الظروف في صالحه، بنفس القدر الذي كانت فيه في صالح آدم الأول، لعيش حياة بلا خطية. ومع ذلك، فقد قاوم كلّ تجربة للخطيّة واحتفظ بطهارته. وكان دائماً بلا خطية» (روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست السبتيين، مجلد ٦ صفحة ١٠٧٤).


كيف يتم إظهار التباين والاختلاف بين أعمال آدم والمسيح في رومية ٥: ١٥-١٩؟


تطلّع هنا إلى المتناقضات الآتية: الموت والحياة؛ العصيان والطاعة؛ الإدانة والتبرير، الخطيّة والبرّ. لقد جاء المسيح وأبطل كل ما فعله آدم!


إنه لمن المدهش، أيضاً، أن كلمة هبة أو عطيّة تتكرّر خمس مرّات في رومية ٥: ١٥- ١٧. خمس مرّات! الأمر مفهوم. إنّ بولس يؤكّد بأن عمليّة التبرير لا تُكْتَسَب، إنها تُمنح لنا كهبة لا نستحقّها، وذلك لأننّا لم نربح هذه الهبة (هبة التبرير). فمثل باقي الهبات، علينا أن نمدّ أيدينا لنأخذها ونَقْبَلها، وفي هذه الحالة فنحن نطالب بهذه الهبة المجّانية بالإيمان.






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة، الفصل الذي بعنوان «التجربة والسقوط»، صفحة ٣٣-٤٣، في كتاب الآباء والأنبياء.


«كثيرون ينخدعون بخصوص حالتهم القلبيّة. وهم لا يوقنون بأنّ القلب، بحسب الطبيعة، مخادعٌ شرّير. فيلفّون أنفسهم ببرّهم الذاتي مقتنعين بما وصلوا إليه من مستوى بشري أخلاقي» (روح النبوة. رسائل مختارة، المجلد الأول، صفحة ٣٢٠).


«إنّ هناك حاجة ماسّة للتبشير بالمسيح كرجاءٍ وحيدٍ للخلاص. عندما قُدِّمَ موضوع التبرير بالإيمان، ... نزل على الكثيرين كماء عذبٍ للمسافر الظمآن. إنّ فكرة وضع برّ المسيح في حسابنا، وليس شيئاً ربحناه وإنّما كهبة مجّانية من الله، بدت فكرة جوهريّة ثمينة» (روح النبوة، رسائل مختارة، المجلد الأول، صفحة ٣٦٠).


« ‹الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي› » (رومية ٥: ١٤)؟ كيف يكون آدم على شاكلة المسيح؟ مثلما أصبح آدم سبباً للموت لأحفاده، مع أنّهم لم يأكلوا ثمر الشجرة المحرّمة، هكذا قد صار المسيح موزّع البرّ على أولئك الذين يتبعونه... مع أنّهم لم يربحوا أي برّ؛ لأنّه من خلال الصليب قد ضمن المسيحُ البرّ لكلّ الناس. إنّ مِثال تعدّي آدم هو فينا، لأنّنا نموت كأنّنا قد أخطأنا كما فعل هو. كما أن مِثَال المسيح فينا أيضاً، لأننا نعيش كما لو كنا قد أوفينا بكل مطاليب البرّ كما فعل هو» (مارتن لوثر، تعليق على رسالة رومية، صفحة ٩٦- ٩٧).










السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٦؛ ١يوحنا ١: ٨- ٢: ١.


آية الحفظ: «فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ» (رومية ٦: ١٤).


إن لم تكن الأعمال تخلّصنا فلماذا ننشغل بها على أيّ حال؟ لماذا لا نستمرّ في الخطيّة؟


إنّ الأصحاح السادس من رسالة بولس إلى رومية هو الإجابة على هذا السؤال الهام. إنّ بولس يتناول هنا ما يُفْهَم عادةً «بالتبرير»، الإجراء الذي نتغلّب فيه على الخطيّة ونعكس فيه صورة أخلاق المسيح شيئاً فشيئاً. كلمة «تبرير» تظهر مرّتين فقط في رسالة رومية. إنّها تظهر في رومية ٦: ١٩، ٢٢ كالكلمة اليونانية hagiasmas التي تعني «الْقَدَاسَةِ».


هل يعني هذا أنّ بولس الرسول ليس عنده ما يقوله عمّا يُفهم عادةً «بالْقَدَاسَةِ»؟ بالطبع لا.


في الكتاب المقدّس، معنى أن «تُقَدِّس» هو أن «تُكَرِّسَ» شيئاً ما، وعادة ما يكون هذا التقديس أو التكريس لله. وهكذا، أن تتقدس معروضة غالباً في صيغة الماضي التام البعيد. فمثلاً «جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ» (أعمال ٢٠: ٣٢) تعني أنّ هؤلاء المقدّسين هم «مكرّسون لله».


ولكن استعمال الكتاب نفسه لكلمة «يُقدّس» لا ينكر بأي حال عقيدة التقديس، أو حقيقة أن التقديس هو يدوم طيلة حياة الإنسان. فكلام الوحي يؤيّد هذا المبدأ ولكنّه قد يستعمل صيغاً أخرى للتعبير عنه.


هذا الأسبوع سننظر إلى جانب آخر من جوانب «الخلاص بالإيمان» الذي يمكن أن يُساء فهمه بكلّ سهولة وهي: وعود النصرة على الخطيّة في حياة إنسانٍ خلّصه يسوع المسيح.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٨ تشرين الثاني (نوفمبر).




حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ


يُصرّح الرسول بولس في رومية ٥: ٢٠ عن عبارةً قويةً تقول: «حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا.» إن نظرته هنا هي أنّه مهما استفحلت الخطيّة ومهما طمت نتائج التعدي، فإن نعمة الله كافية للتعامل مع هذا الوضع. يا لعِظَم الرجاء الذي يجلبه هذا المفهوم لكلّ واحد منّا وخصوصاً عندما نجرّب بشعور تعاظم خطايانا على الغفران. في رومية ٥: ٢١ يبيّن بولس الرسول أنّه مع أنّ الخطيّة قد أدّت إلى الموت، فقد غلبت نعمة الله الموت بواسطة يسوع الذي يستطيع أن يهبنا الحياة الأبدية.  


اقرأ رمية ٦: ١. ما المنطق الذي يتعامل معه بولس هنا، وكيف يردّ على مثل هذا الفكر، في رومية ٦: ٢- ١١؟


يتّبع الرسول بولس أسلوباً مشوِّقَاً من النقاش، في رومية ٦، عندما يتحدث عن السبب في أن الإنسان المبرّر لا ينبغي أن يخطئ. أولاً يقول أننا لا يجب أن نخطئ لأنّنا قد متنا عن الخطية. وعندئذ يشرح ما يقصده بهذا الكلام.


إنّ التغطيس في فريضة المعمودية يمثّل عملية الدفن. ماذا يُدفن؟ «إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ» الذي للخطية، أي الجسد الذي يرتكب الخطيّة، الجسد الذي تسود عليه الخطيّة. وكنتيجة لذلك، فإنّ «جَسَد الْخَطِيَّةِ» هذا يهلك حتى لا يخدم الخطية بعد ذلك. في رومية ٦ تشبّه الخطيّة بسيّدٍ جبّار يسود على عبيده. فعندما يهلك «جسد الخطيّة» التي استُعبد لها فإن سيادة الخطية على هذا الجسد تنتهي. فالمعتمد الذي يقوم من قبره المائي يخرج إنساناً جديداً لا يخدم الخطيّة فيما بعد. وعندها يَسْلُكُ هذا الإنسان فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ.


فالمسيح لكونه قد مات للخطيّة مرّةً وإلى الأبد لكنّه الآن حيّ إلى أبد الآبدين. والمسيحي الذي اعتمد قد مات للخطيّة مرّة وإلى الأبد لا ينبغي أن يرضخ لسلطانها بعد ذلك. بالطبع كما يعلم كلَ مسيحي معتمد، أنّ الخطيّة لا تختفي تلقائياً وفجأةً من حياتنا عندما نخرج من المعموديّة. فعدم حكم الخطيّة علينا يختلف عن مصارعتنا معها باستمرار.


«من هذا نرى بوضوح ما يقصده بولس الرسول. فكلّ العبارات مثل (١) نحن ‘أموات للخطيّة’ (٢) ‘نحيا لله’، تشير إلى أننّا لا نرضخ لشهواتنا الجسدية ونخطئ، حتى لو استمرّت الخطيّة تراودنا، ومهما يكن من أمرٍ فإنّ الخطيّة تبقى فينا إلى نهاية حياتنا، كما نقرأ في غلاطية ٥: ١٧ ‘لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.’ لذلك فكلّ الرسل والقديسون يقرّون بأن الخطيّة والرغبات الشهوانية تبقى فينا حتّى تتحوّل أجسادنا إلى رماد، ومن ثم يقوم جسد (ممجّد) متحرّر من الخطية» (مارتن لوثر- تعليق على رسالة رومية، صفحة ١٠٠).




عندما تملك الخطية


ما هو التحذير المقدّم لنا في رومية ٦: ١٢؟


إنّ كلمة «تسود» تبيّن أن الخطيّة تمثّل هنا بالمَلِك، فالكلمة اليونانيّة المترجمة «تسود» تعني حرفياً أن «تكون مَلِكاً» أو «تتصرف كملك». الخطيّة على أتمّ استعداد بأن تتولى الحكم على أجسادنا الفانية وأن تُملي علينا سلوكنا.


وعندما يقول بولس «لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ...»، فإن هذا يدلّ على أنّ الإنسان المبرّر يستطيع اختيار منع الخطيّة من أن تُنَصِّب ذاتها عليه مَلكاً. وهنا يبرز دور عمل الإرادة.


«كل ما يلزمك في مثل هذا الموقف، هو أن تفهمَ قوةَ الإرادة وتعرفها على الوجه الصحيح، فهي عبارة عن القوة الضابطة التي أوجدها الله في طبيعة الإنسان، وهي القوة التي بها نقرر وبها نختار، فيتوقف مصيرك على عمل الإرادة، وعلى حُسن توجيهها واستخدامها، فان كنت عاجزا عن تجديد قلبك وتغيير عواطفك، فما أنت بعاجز عن أن تختار، وما أنت بقاصر عن أن تسلّم لله نفسك وإرادتك، ومتى سلمت له ذاتك فإنه لا يلبث أن يعمل في قلبك لأن تريد وأن تعمل من أجل المسرّة، وعندئذ تصبح طبيعتك تحت سيطرة الروح، ويصبح المسيح محورَ تفكيرك، وقبلةَ عواطفك وشعورك» (روح النبوة، طريق الحياة، صفحة ٣٣).


الكلمة اليونانية في رومية ٦: ١٢ المترجمة «شهوات»، تعني رغبات. هذه الرغبات قد تكون أموراً حسنة أو أموراً سيئة. وسوف تكون هذه الرغبات قويّة لا تقاوم بسهولة إذا واجهناها بقوّتنا الذاتيّة. يمكن للخطيّة أن تتصرّف كطاغية شرسٍ، كإنسان جشع لا يقول كفى بل يعاود الكرّة طالباً المزيد. فقط عن طريق الإيمان والمطالبة بوعود الانتصار نستطيع أن نُسقِط هذا السيّد القاسي الذي لا يلين.


إنَّ كلمة «إِذًا» في رومية ٦: ١٢، هي كلمة ذات أهمية، فهي تعود بنا إلى ما قيل قبلاً، وتحديداً إلى ما قيل في رومية ٦: ١٠، ١١. فالإنسان المعتمد يحيا الآن لله، بمعنى أنّ الله هو مركز حياته الجديدة. إنّه يخدم الله ويفعل ما يُرضي الله فلذا لا يتفق أن يخدم الخطيّة بعد الآن. فإنه يحيا «للهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.»






ليس تحت الناموس بل تحت النعمة


اقرأ رومية ٦: ١٤. كيف لنا أن نفهم هذه الآية؟ هل هي تعني أنّ الوصايا العشر لم تعد سارية المفعول بالنسبة لنا؟ لماذا لا؟


إنّ الآية في رومية ٦: ١٤ هي إحدى مفاتيح رسالة رومية. وهي ما نلاحظ اقتباسها عندما يخبرنا أحدهم بأنّ سبت الوصيّة الرابعة (اليوم السابع) قد تغيّر أو أُلغي.


ومع هذا، فليس ذلك ما يتّضح معناه من الاقتباس. وكما سألنا قبلاً: كيف يُلْغَى الناموس الأدبي بينما الخطيّة لا تزال حقيقة واقعة؟ فإنَّ الناموس الأدبي هو الذي يُعَرِّف الخطية! لو كان عليك أن تقرأ كلّ ما ورد ذكره سابقاً في رومية، حتّى لو في الأصحاح السادس فقط، فإنّه من الصعب أن تتخيّل، في وسط هذه المناقشة عن حقيقة الخطيّة، أن يقول الرسول بولس فجأة «إنّ الناموس الأدبي- الوصايا العشر- الذي يُعَرِّف الخطيّة، قد أُبطل وأُلغي».


يقول بولس لأهل رومية بأنّ الإنسان الذي يعيش تحت الناموس – تحت النظام اليهودي الذي مارسه اليهود في أيّامه بالقوانين التي وضعها الإنسان – سوف تسود عليه الخطيّة. على النقيض، الإنسان الذي يحيا تحت النعمة سينتصر على الخطيّة لأنّ ناموس الله مكتوب في قلبه وروح الله يقود خطواته. إن ما سيخلع الخطية عن عرشها في حياتنا هو أن نقبل يسوع المسيح كمسيّا، أن نكون مبررين بواسطته، أن نعتمد لموته، وأن نهدم «الإنسان العتيق»، وأن ننهض لنسلك فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ. تذكّر أن هذا هو مضمون رومية ٦: ١٤، وهو مضمون النصرة على الخطيّة.


لا يجب أن نُعَرِّف عبارة «تحت الناموس» بمحدودية تفقدها معناها. فإن الإنسان الذي من المفترض أنه يعيش «تحت النعمة» ولا يحفظ وصايا الله سوف لا يجد النعمة بل الدينونة. إن عبارة «تحت النعمة» تعني أن الدينونة التي كان الناموس سيجلبها على الخطاة قد زالت، وذلك من خلال نعمة الله كما هي معلنة في المسيح. ولذلك، فإننا عندما نتحرر من دينونة الموت التي يجلبها الناموس، نحيا «ﻓِﻲ ﺟِﺪﱠةِ اﻟْﺤَﻴَﺎةِ»، وهي حياة تتجلى وتستعلن من خلال حقيقة كوننا قد متنا عن الذات، وبالتالي لم نَعُد عبيداً للخطية.






خطيّة أَمْ طاعة؟


اقرأ رومية ٦: ١٦. ما النقطة الهامة التي يشدد عليها بولس الرسول هنا؟ لماذا نجد حواره هنا صريحاً لا يعرف المساومة؟ فإنه ينبغي الاختيار من بين أمرين اثنين، إذ ليس هناك حل وسط؟ ما الدرس الذي نخرج به من هذا التباين الواضح؟


يرجع بولس ثانية إلى القول بأنّ حياة الإيمان الجديدة لا تمنح الحريّة لارتكاب الخطيّة، إنّ حياة الإيمان تجعل الانتصار على الخطيّة ممكناً. فقط من خلال الإيمان نستطيع أن ننال النصرة الموعودة لنا.


بعدما جسّد بولس الخطيّة كمَلك له سلطان على رعاياه، يرجع إلى صورة الخطيّة كسيّد يطلب طاعة خدّامه. ويشير بولس بأنّ الإنسان له الاختيار بين الأسياد. بإمكانه أن يخدم الخطيّة التي تفضي إلى الموت، أو يخدم البرّ الذي يفضي إلى الحياة الأبدية. ولا يترك الرسول بولس لنا أي أرضية مشتركة أو مجالاً للمساومة. فإنّه علينا اختيار أحد الأمرين لأننّا في النهاية سنواجه إمّا الحياة الأبدية أو الموت الأبدي.


اقرأ رومية ٦: ١٧. كيف يتوسّع الرسول هنا في ما قاله في رومية ٦: ١٦؟


من المثير للاهتمام ملاحظة كيف أنّ الطاعة مرتبطة بالعقيدة الصحيحة. الكلمة اليونانية التي بمعنى «عقيدة» تعني هنا «التَّعْلِيمِ». فالمسيحيون الرومانيون كانوا قد تعلّموا مبادئ الإيمان المسيحي الذي يطيعونه الآن. وهكذا بالنسبة لبولس، فالعقيدة الصحيحة والتعليم الصحيح المُطاع «من كلّ القلب» قد ساعدا في جعل الرومانيين «عبيداً للبرّ» (رومية ٦: ١٨). وقد نسمع أحياناً بأنّ العقيدة لا تهمّ طالما نُظْهِر المحبّة. إنّ هذا القول هو ببساطة استهانة بأمرٍ هام جداً. كما تبيّن من درس سابقٍ أنّ بولس كان قلقاً جداً حيال العقيدة الزائفة التي خضع لها الغلاطيّون واستسلمت لها كنيستهم. لهذا نحتاج أن نكون حريصين بخصوص التعبيرات والتصريحات التي تشوّه، بطريقة أو بأخرى، أهميّة التعليم الصحيح.






أحرار من الخطيّة


مع الاحتفاظ في ذاكرتك بما درسته إلى الآن في رومية ٦. اقرأ رومية ٦: ١٩- ٢٣. اكتب ملخصاً لما يقوله بولس. الأمر الأهمّ، اسأل نفسك: كيف يمكنك أن تجعل الحقائق الهامّة التي يتحدث عنها بولس جزءاً من حياتك؟ اسأل نفسك، ما هي القضايا التي على المحك هنا؟


إنّ كلام بولس هنا يظهر أنّه يفهم تماماً حالة الإنسانية الساقطة، إنّه يتكلّم عن ضعف حالتك الجسدية، وكلمة «ضعف» وردت في اليونانية بمعنى «عجز» وهو يدري جيّداً ما تستطيع الطبيعة البشريّة الساقطة أن تفعل عندما تُترك على حرّيتها. وهكذا، ثانيةً، فهو يلجأ لقوّة الاختيار- القوّة لكي نختار أن نسلّم أنفسنا وجسدنا الضعيف للسيّد الجديد، يسوع، الذي سيمكّننا من السلوك في حياة البرّ والتقوى.


غالباً ما تقتبس رومية ٦: ٢٣ لتبيّن أنَ أجرة الخطيّة هي موت، والخطيّة هي التعدّي على وصايا الله. وبالتأكيد، أجرة الخطيّة لا يمكن أن تكون إلاّ الموت. ولكن بالإضافة إلى رؤية الموت كعقابٍ للخطيّة، يجب أن نرى الخطيّة كما يصفها الرسول في رومية ٦ كسيّد طاغية يهيمن على عبيده، خادعاً إيّاهم بإعطائهم الموت أجرةً لهم.


ولاحظ كذلك، أنّه عندما يصوّر شخصية السيّدين، يسترعي بولس الانتباه إلى حقيقة أنّ خدمة واحد منهما تعني إعفاءه من خدمة السيّد الآخر. مرّة ثانيةً نرجع إلى الاختيار الواضح: واحداً أو الآخر، لا توجد أرضية مشتركة. وفي نفس الوقت، وكما نعرف جميعاً، فإنّ التحرّر من سلطان الخطيّة لا يعني الخلوّ منها نهائياً، فهي لا تعني أننا لا نجاهد ونصارع وأحياناً قد نقع. إنّها تعني بدلاً من ذلك أننّا لسنا بعد تحت سلطانها. فإنّها حقيقة أكيدةٌ تبقى في حياتنا مهما حاولنا أن ندّعي النصرة عليها.


وهكذا، فهذه الفقرة تبقى مناشدة قوية لأي إنسانٍ يخدم الخطية، فإنّ هذا الطاغية [أي الخطية] لا يقدّم شيئاً غير الموت كأجرة للقيام بالأمور الشائنة المعيبة. لذلك، فالإنسان المتعقّل يجب أن يرغب جادّاً في الإفلات من ذلك الطاغية. وعلى عكس ذلك فأولئك الذين يخدمون البِرّ يمارسون أموراً صالحةً مستقيمة تستحق المديح ليس بغرض الحصول على الخلاص، ولكن كثمرٍ لاختبارهم الجديد في المسيح. فلو أنهم يعملون في محاولة لكسب الخلاص، فإنهم يبتعدون عن القصد والهدف وعن تعاليم الإنجيل، ويبتعدون كذلك عن أهم نقطة تتعلق بالخلاص، ألا وهي سبب حاجتهم إلى يسوع.




لمزيد من الدرس: «لم تكن في يسوع أية خالجة استجابت لتمويهات الشيطان. إنه لم يرض بارتكاب الخطية ولم يخضع للتجربة ولا بمجرد الفكر. وهكذا يمكن أن تكون الحال معنا. لقد كانت بشرية المسيح متحدة بألوهيته، وكان مؤهلاً للاشتباك في تلك الحرب بسكنى الروح القدس فيه، فأتى لكي يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية. وطالما نحن متحدون به بالإيمان فالخطية لن تسودنا، حيث الله يوجه أيدي إيماننا لتتمسك بألوهية المسيح حتى يمكن أن نبلغ إلى كمال الخلق» (روح النبوة، مشتهى الأجيال صفحة ١٠٥).


«عند معموديتنا، قطعنا عهداً بأنّ نكسّر كل القيود التي تربطنا بالشيطان وأعوانه، وأن نضع قلوبنا وعقولنا وأنفسنا في عمل انتشار الملكوت، ملكوت النعمة. لقد قطع الآب والإبن والروح القدس عهداً للتعاون مع وسائط النعمة المكرّسين من البشر» تعليقات روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست، المجلّد السادس، صفحة ١٠٧٥).


«الاعتراف بالمسيحيّة دون أن تقابله أعمال وإيمان لا يفيد شيئاً. لا يقدر الإنسان أن يخدم سيّدين. إنّ أبناء الشرّير هم عبيد لسيّدهم وهم الذين يرضخون له ويطيعونه. إنّهم خدّامه ولن يصيروا خدّام الله ما لم يرفضوا إبليس وكلّ أعماله. إنّ الأمر لا يخلو من خطورة لخدّام الملك السماوي إذا هم انغمسوا في الملذّات التي يشترك فيها خدّام الشيطان حتّى لو كانوا يعلنون جهاراً بأن هذه الممارسات ليس لها خطورة تُذكر. لقد أعلن الله الحقائق المقدّسة ليعزل شعبه عن أولئك البعيدين عن الله ويطهرّهم لذاته. يجب على الأدڨنتست السبتييّن أن يعيشوا إيمانهم كاملاً» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، مجلد١، صفحة ٤٠٤).




الدرس الثامن


١٨- ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر)


من هو إنسان رومية ٧؟






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٧


آية الحفظ: «أَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ، إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ، حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ» (رومية ٧: ٦).


قليل من الأصحاحات في الكتاب المقدس قد خلقت صراعاً أكثر ممّا فعله الأصحاح السابع من رسالة رومية. بخصوص المواضيع الواردة في هذا الأصحاح، نقرأ في موسوعة الكتاب المقدس للأدﭬنتست: «إنّ المعنى المتضمّن في (رومية ٧: ١٤- ٢٥) قد كان من أكثر المشاكل المطروحة في الرسالة إلى رومية. الأسئلة الرئيسيّة كانت تدور حول ما إذا كان وصف مثل تلك المعاناة الروحيّة المكثفة يمكن أن يكون سيرة ذاتيّة لبولس. ولو كان الأمر كذلك، فنحن بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت هذه الفقرة تشير إلى اختبار بولس قبل أو بعد تجديده. واحتمالية أنّ بولس كان يتحدّث عن اختباره الشخصي مع الخطيّة تظهر جلية في أبسط معنى لكلماته الواردة في رومية ٧: ٧- ١١.


«ومن المؤكد أنّه كان حقيقةً يصف مشكلة تمرّ فيها كلّ نفس استفاقت على المطاليب الروحيّة لناموس الله المقدس» (روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدﭬنتست السبتيين، مجلد ٦، صفحة ٥٥٣).


ويختلف دارسو الكتاب المقدس فيما بينهم ما إذا كان اختبار بولس قد حصل له قبل تجديده أو بعده. وبغضّ النظر عن الموقف الذي يتّخذه المرء في هذا الصدد، فإنّ الأمر المهمّ يتبلور في برّ المسيح الذي يغّطينا فنقف ببرّه كاملين أمام الآب الذي يَعدُ بتقديسنا وإمدادنا بالنصرة على الخطيّة وبتغييرنا على نمط ابنه (رومية ٨: ٢٩). هذه هي النقاط الهامة التي ينبغي أن نعرفها ونختبرها ونحن نسعى لنشر الإنجيل الأزلي، لكلّ أمة وقبيلة ولسان وشعب. (رؤيا ١٤: ٦).


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر).




موتى لِلنَّامُوسِ


اقرأ رومية ٧: ١- ٦، ما الوسيلة التوضيحية التي يستخدمها بولس ليبيّن لقارئيه علاقتهم بالناموس، وما هو القصد من هذا التوضيح؟


إن وسيلة بولس التشبيهية في رومية ٧: ١- ٦ شاملة بعض الشيء، ولكنّ التحليل الدقيق لهذه الفقرة سوف يساعدنا لمتابعة تفكيره.


في مجمل المحتوى الكلّي للرسالة، يتعامل بولس الرسول مع نظام العبادة الذي أُسس في سيناء؛ وهذا في كثير من الأحيان هو ما يعنيه بولس بكلمة «النَّامُوس». وكان اليهود يواجهون صعوبة في استيعاب حقيقة أن نظام العبادة هذا، الذي أُعطي لهم من قبل الله، كان يجب أن ينتهي عند مجيء المسيا. لقد كان المؤمنون اليهود لا يزالون غير مستعدين للتخلي عمَّا كان جزءاً هاماً من حياتهم.


وكانت وسيلة بولس التعليمية في جوهرها كالآتي: امرأة متزوجة برجل. الناموس يربطها به طالما كان الرجل حيّاً فلا يمكنها أن تكون لرجل آخر طيلة حياته. ولكن عندما يموت تكون حرّة من الناموس الذي يربطها به. (رومية ٧: ٣).


كيف يطبّق بولس التصوير المتعلق بناموس الزواج على النظام اليهودي؟ رومية ٧: ٤، ٥.


وكما تتحرّر المرأة بموت زوجها من الناموس الذي يربطها به، كذلك فموت الحياة القديمة بالجسد بمعونة المسيح يحرّر اليهود من الناموس الذي كان عليهم أن يحفظوه حتّى تمّم المسيّا رموزه.


الآن أصبح اليهود أحراراً ليتزوجوا ثانية. «فقد دُعُوا للارتباط المقدّس بالمسيّا المقام وهكذا يثمرون لله. فهذا كان مثالاً آخراً استخدمه بولس ليقنع اليهود بأنّهم أصبحوا أحراراً في التخلي عن النظام القديم.


بكلّ ما قاله بولس والكتاب المقدّس عن وجوب طاعة الوصايا، فليس من المعقول أن يُسْتَنْتَج أنّ الرسول بولس كان يقول لأولئك اليهود المتزمتين بأنّ الوصايا لم تعد ملزِمةً لهم بعد الآن. أولئك الذين يحاولون من خلال هذه الآيات أن يثبتوا نظرتهم بأنّ الناموس الأدبي قد أنتهى أمره- فهم حقيقةً لا يؤمنون بذلك، وإنّما فقط يريدون إلغاء وصيّة السبت بينما يتمسّكون بباقي الوصايا. وتفسير رومية ٧: ٤، ٥ على أنها تُعَلِّم بأن الوصية الرابعة قد أُلغيت، أو أن الأحد قد حلَّ محلّ السبت، فإنّ محاولة كهذه هي تحميل الكلمات معاني لم يُقْصَدْ لها أن تحملها.




الخطيّة والناموس


لو كان الرسول بولس يتحدّث عن الناموس كنظام شامل في سيناء، فماذا عن رومية ٧: ٧، الذي يذكر فيه بصفة خاصّة إحدى الوصايا العشر؟ ألا يبطل ذلك ما تم الاتفاق عليه بدرس الأمس بأن بولس لم يكن يتحدث عن إلغاء الوصايا العشر؟


والإجابة على ذلك هي بالنفي القاطع، أي أن بولس لم يكن يتحدث عن إبطال الوصايا العشر. فكلمة ناموس بالنسبة لبولس إنّما تعني النظام القائم في سيناء الذي تضمّن الوصايا العشر ولكنّه لم يقتصر عليها. ولكن عندما أُلغي هذا النظام عند موت المسيح، فإنَّ هذا الإلغاء لم يتضمن الناموس الأدبي الذي كان موجوداً قبل سيناء وكان سيبقى بعد جلجثة كذلك.


اقرأ رومية ٧: ٨- ١١. ماذا يقول الرسول بولس هنا عن علاقة الناموس بالخطيّة؟


أعلن الله عن نفسه لليهود مخبراً إياهم بالتفصيل عن الصواب والخطأ في الأمور الروحيّة، والمدنيّة والطقسيّة، والصحيّة. وشرح كذلك العقوبات المترتّبة على العصيان وتعدّي النواميس المختلفة. فتعدّي مشيئة الله المعلنة هنا يوصف بأنّه خطية.


وهكذا يشرح الرسول بولس، بأنّه لا يعرف أنّ الاشتهاء خطيّة لو لم يُخبر بذلك عن طريق الناموس. فالخطيّة هي تعدّي مشيئة الله. ولولا إعلان مشيئة الله فلا يوجد إدراك بالخطيّة. وعندما يصير إعلان مشيئة الله معروفاً فإنّ الإنسان يكتشف أنّه خاطئ وأنّه تحت حكم الدينونة والموت. وبهذا المعنى، يموت الإنسان.


في سلسلة مجادلات وحوارات بولس هنا ومن خلال هذه الفقرة، يحاول الرسول أن يبني جسراً ليقود اليهود الذين يبجّلون الناموس ليروا المسيح كإتمامٍ لعمل الناموس. وهو يبيّن أنّ الناموس ضروري ولكنّ عمله محدود. لقد قُصِد بالناموس إظهار الحاجة للخلاص، ولم تكن النيّة أو الغرض منه هو الحصول على الخلاص. فلم يكن أبداً المقصود للناموس أن يكون وسيلة للحصول على الخلاص.


«يقدّم الرسول بولس مبدأً هامّاً بخصوص العمل الذي يحدث أثناء اختبار التجديد، فيقول، ‘كُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلاً’، ولم يشعر [أي بولس] بالإدانة؛ ‘وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ’ عندما دُفِعَ ناموس الله على ضميره [أي بولس]، «عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا‘ حينئذ رأى بولس نفسه خاطئاً مُداناً بالناموس الإلهي. لاحظ أنّ بولس هو الذي مات وليس الناموس» (روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست السبتيين، مجلد ٦، صفحة ١٠٧٦).






النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ


اقرأ رومية ٧: ١٢. كيف تفهم هذه الآية في مضمون ما كان الرسول بولس يناقشه؟


لِكَونِ اليهود يقدّسون الناموس، لذا فقد رفع بولس من شأن هذا الناموس بكل الوسائل الممكنة. الناموس صالح فيما يعمله، ولكنّه لا يقوى على فعل ما لم يُجْعَل أهلاً له، وهو أن يخلّصنا من الخطيّة. لذلك فنحن نحتاج يسوع، لأن الناموس- سواء كان النظام اليهودي برمّته أو الناموس الأدبي، على وجه الخصوص، لا يجلب الخلاص. يسوع وحده، ببرّه الذي يأتي إلينا بالإيمان، هو القادر أن يخلّصنا.


مَنْ الذي يلومه بولس على حالة «الموت»، وما الذي تَمَّ تبرئة ساحته من ذلك؟ لماذا كان التمييز مهمّاً هنا؟ رومية ٧: ١٣.


يقدّم الرسول بولس «الناموسَ»، حسب رومية ٧: ١٣، في أفضل معنى ممكن. فيختار أن يلوم الخطيّة، وليس الناموس، على حالته الخاطئة المشينة، التي أَنْشَأَتْ فِيَّه كُلَّ شَهْوَةٍ (رومية ٧: ٨).


إن الناموس صالح لأنّه مقياس السلوك الإلهي، ولكنّ بولس يقف أمامه مُذنباً مُداناً.


لماذا نجحت الخطيّة نجاحاً باهراً في إظهار بولس كخاطئ أثيم فظيع؟ رومية ٧: ١٤، ١٥.


كلمة شَهْوانِيّ تعني جسدي. وهكذا احتاج بولس ليسوع المسيح. فقط يسوع المسيح يمكنه أن يرفع الإدانة. (رومية ٨: ١). ويسوع المسيح وحده يستطيع أن يحرّره من عبوديّة الخطيّة.


يصف الرسول نفسه بأنّه «جَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ». إنه عبدٌ لها بلا حرّية، لا يقوى على عمل ما يريد. وهو يحاول أن يعمل ما يطلب منه الناموس الصالح أن يعمله، ولكنّ الخطيئة تعوقه عن ذلك.


من خلال هذه الصورة الإيضاحية، كان بولس الرسول يحاول أن يبيّن لليهود حاجتهم إلى المسيّا. فقد أظهر مسبقاً أنّ النصرة هي أمر ممكن فقط بواسطة النعمة (رومية ٦: ١٤). ويأتي رومية ٧ ليعيد تأكيد هذه الفكرة. إنّ العيش تَحْتَ «الناموس»، يعني العبودية للخطيّة وهي سيّد لا يرحم.






إنسان رومية ٧


«إِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ.  فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ» (رومية ٧: ١٦، ١٧). ما هو الصراع الذي يتم تقديمه هنا؟


باستخدام الناموس كمرآة، يقوم الروح القدس بتبكيت الإنسان الذي يُغْضِب اللهَ بسبب عدم الوفاء بمطاليب الناموس. ومن خلال جهوده المبذولة لاستيفاء هذه المطاليب، يُظْهِر الخاطئ موافقته على أن الناموسَ صالحٌ؟


ما النقاط التي كان بولس قد أثارها سابقاً وهو يعيد تأكيدها مجدداً؟ (رومية ٧: ١٨- ٢٠).


للتأثير على إنسان ما وجعله يشعر بحاجته إلى المسيح، يقود الروح القدس ذلك الإنسان من خلال اختبار عهد الله قديماً. تصف روح النبوة اختبار إسرائيل كالآتي: «لم يتحقق الشعب من شر قلوبهم أو أنهم بدون المسيح كان من المستحيل عليهم أن يطيعوا شريعة الله، إذ بسرعة أدخلوا أنفسهم في عهد مع الله، وإذ أحسوا بقدرتهم على أن يثبتوا بِرَّ أنفسهم أعلنوا قائلين: «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ» (خروج ٢٤: ٧). ... ولكن ما أن مرت أسابيع قليلة حتى نقضوا عهدهم مع الله وسجدوا لتمثال مسبوك. لم يكونوا يرجون الظفر برضى الله عن طريق العهد الذي تعدوه. والآن، وقد اكتشفوا شرهم وحاجتهم إلى الغفران، أحسوا أخيراً بحاجتهم إلى مخلص معلن في عهد الله مع إبراهيم» (روح النبوة، الآباء والأنبياء، صفحة ٣٢٥).


للأسف، من خلال فشلهم في أن يجدّدوا تكريسهم يوميّاً للمسيح، يقوم كثيرٌ من المسيحيين بخدمة الخطيّة بِالفِعْلِ، رغم أنهم يكرهون ويعوفون الاعتراف بذلك. وهم يبرِّرون ذلك بأنهم، في الحقيقة، يمرّون باختبار القداسة العادي، وبأنه ما زال الطريق طويلاً أمامهم ليقطعوه. وهكذا، فإنهم بدلاً من أن يأخذوا خطاياهم المعلنة للمسيح طالبين أن يعطيهم النصرة عليها، يختبئون خلف الأصحاح ٧ من سفر رومية الذي، حسب اعتقادهم، يخبرهم بأنّه من المستحيل عمل الشيء الصحيح. وفي حقيقة الأمر، يُصَرِّح هذا الأصحاح بأنّه من المستحيل أن تعمل صالحاً طالما كنت مستعبداً للخطيّة، ولكنّ النصرة مؤكدة بيسوع المسيح.






مُخلَص من الموت


اقرأ رومية ٧: ٢١- ٢٣. كيف اختبرت هذا الصراع ذاته في حياتك أنت شخصيّاً حتى وأنت مسيحي؟


في هذا الاقتباس يساوي بولس الرسول الناموس الذي في جسده بناموس الخطيئة. يقول بولس الرسول أنّه «بِالْجَسَدِ» قد خدم «نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ» (رومية ٧: ٢٥). ولكنّ خدمة الخطيّة وإطاعة ناموسها معناه الموت (انظر رومية ٧: ١٠، ١١، ١٣). ومن هنا، فإن جسده، بخضوعه في طاعة الخطيّة، يمكن وصفه بأنه «جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ.»


إن ناموس الذهن هو ناموس الله، وهو إعلان الله لمشيئته. لقد أذعن بولس لطاعة هذا الناموس بسبب تبكيت الروح القدس، وقد عزم عقله على حفظه وطاعته. ولكن عندما حاول ذلك لم يتمكّن لأنّ جسده أراد أن يخطئ. فمَن ذا الذي لم يشعر بنفس هذا الصراع؟ فبذهنك أنت تعرف ما توّد أن تفعل، ولكنّ جسدك يطالب بفعل شيء آخر.


كيف نستطيع أن ننجو من هذا الوضع الصعب الذي نجد أنفسنا فيه؟ رومية ٧: ٢٤، ٢٥.


تساءل بعض الناس عن السبب الذي جعل الرسول يشير إلى صراع الجسد مع الشيء الذي بدا أنه قد تخلَّص منه بعد أن صَرَّح قائلاً: «أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا». قد يفهم البعض تعبير الشكران هذا كجُمْلَةٍ اعْتِرَاضِيَّةٍ تَعَجُّبِيَّةٍ لِتَوْضِيح السِّيَاق. فإنهم يعتقدون أن مثل هذا التعجّب قد أَعقب، بطبيعة الحال، الصرخة القائلة: «مَنْ يُنْقِذُنِي». وهم يعتقدون أيضاً أن بولس قبل شروعه في نقاش مستفيض عن الخلاص المجيد (رومية ٨)، يُلَخَّص ما قاله في الآيات السابقة ويعترف مرة أخرى بالصراع ضدّ قوّات الخطيّة.


ويقترح آخرون أن ما يعنيه بولس بعبارة «أَنَا نَفْسِي» هو أنه يقول «لو تُرك الأمرُ لي وحدي بدون المسيح.» وبغض النظر عن الطريقة التي يُفْهَم بها النصّ في رومية ٧: ٢٤، ٢٥، إلا أنَّ هناك نقطة واحدة واضحة، وهي: إذا تُرِكَ الأمرُ لنا وحدنا بدون عونٍ من المسيح، فسوف نكون عاجزين عن مواجهة الخطيّة. أما مع المسيح فنحن لنا حياة جديدة فيه. وفي هذه الحياة الجديدة، وبالرغم من جموح النفس المستمرّ، تبقى وعود النصرة لنا إذا نحن طالبنا بها. وكما لا يستطيع شخص آخر أن يتنّفس لك أو يعطس لك، فإنه لا يستطيع أحد أن يخضع للمسيح بدلاً عنك، فأنت وحدك الذي يمكنك الإقدام على هذا الاختيار. ولا توجد طريقة أخرى لإحراز الانتصارات الموعودة لنا في المسيح سوى باختيار الخضوع له.




لمزيد من الدرس: «لا يوجد أمان أو راحة أو تبرير في التعدّي على الناموس. لا يمكن أن يأمل الإنسان في الوقوف بريئاً أمام الله ويكون في سلام معه من خلال استحقاقات المسيح، بينما يواصل ذلك الإنسان تردّيه في الخطيّة» (روح النبوة، رسائل مختارة، مجلد ١، صفحة ٢١٣).


«يريد بولس أنّ إخوته و [أخواته] في الجسد يبصرون المجد العظيم للمخلّص غافر الخطايا، الذي صنع مجداً باهراً للنظام اليهودي كلّه. وأرادهم أن يروا أيضاً أنّه عندما جاء المسيح إلى العالم ومات كتقدمةٍ وذبيحةٍ عن الإنسان، التقى وقتها الرمز بالمرموز إليه.


«بعدما مات المسيح على الصليب كتقدمة عن الخطيّة، لم يبقَ للناموس الطقسي أيّة قوّة. ومع ذلك، فقد كانت له صلة بالناموس الأدبي وكان مجيداً. وحمل الناموس كلّه ختم الألوهية وعبّر عن قداسة وعدالة وبرّ الله. فإذا كانت خدمة الطقوس التي كان سيتم الاستغناء عنها مجيدةً، فكم وكم كان ينبغي أن تكون الخدمة الحَقِيقَة مجيدةً، وذلك عندما اسْتُعْلِنَ المسيحُ مانِحَاً رُوحَهُ الذي يَهَب الحياةَ والقداسة لكلّ مَن يؤمن» (روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست، المجلد ٦، صفحة ١٠٩٥).




الدرس التاسع


٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر)- ١كانون الأول (ديسمبر)


لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٨: ١- ١٧.


آية الحفظ: «إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» (رومية ٨: ١).


إن رومية ٨ هو الإجابة على رومية ٧. في الأصحاح السابع يتكلم بولس الرسول عن المفشّلات والسقوط والدينونة. لقد انتفت الدينونة في الأصحاح الثامن وحلّ محلّها الحريّة بيسوع المسيح.


كان بولس الرسول يقول في رومية ٧ أنّك إذا رفضت أن تقبل يسوع المسيح، فالاختبار التعيس الوارد ذكره في رومية ٧ سيكون من نصيبك. فستكون عبداً للخطيّة، غير قادر على عمل ما تختار عمله. ويقول في رومية ٨ بأن يسوع المسيح يقدّم لك خلاصاً من الخطية، ويقدّم لك الحريّة لتعمل الصلاح الذي تريد عمله، والذي كان جسدك يعارضك فيه.


ويواصل الرسول بولس شارحاً بأن هذه الحرية قد ابتيعت بثمنٍ باهظ. المسيح ابن الله لبس ثوب البشرّية فكانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي بها يرتبط بنا ويكون مثالنا الكامل، ويمكن أن يصير البديل الذي مات نيابة عنَّا. لقد جاء «فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّة»ِ (رومية ٨: ٣). وكنتيجة لذلك، فإنَّ جميع مطاليب الناموس المقدّسة يمكن أن تتمم فينا (رومية ٨: ٤). وبعبارة أخرى، لقد جعل المسيحُ النصرة على الخطيّة- إلى جانب الوفاء بمطاليب الناموس الإيجابية – أمراً ممكناً لأولئك الذين يؤمنون. وهم يقومون بذلك ليس كوسيلة للخلاص وإنما كنتيجة له. إن طاعة الناموس لم تكن أبداً، ولن تكون أبداً، وسيلةً للخلاص.


كانت هذه هي رسالة بولس ورسالة مارتن لوثر، ويجب أن تكون رسالتنا نحن أيضاً.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢ كانون الأول (ديسمبر).




فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ


«إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» (رومية ٨: ١). ما الذي تعنيه عبارة «لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ»؟ لا شيء من الدينونة من ماذا؟ ولماذا يعتبر هذا الإعلان أخباراً سارة؟


إن عِبارة «فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» هي عِبارة شائعة في كتابات بولس الرسول. لكي يكون الإنسان في المسيح يسوع، يعني أنّ هذا الشخص قد قبِل المسيح مخلّصاً له. فهذا الإنسان يثق بمخلّصه ثقةً مطلقة، وقد قرّر أن يتّخذ حياة المسيح نبراساً له ونموذجاً لحياته هو. فتكون النتيجة اتحاد حميم وشخصي بالمسيح.


وتعبير «في المسيح يسوع» هو عكس التعبير «في الجسد». وهو يغاير أيضاً الاختبار الوارد في رومية ٧. حيث يصف الرسول بولس هذا الإنسان في مرحلة الاقتناع قبل رضوخه الكامل للمسيح بأنّه «مستعبد للجسد» ممّا يعني به أنّه عبدٌ للخطيّة؛ وأنَّ الإنسان واقع تحت دينونة الموت (رومية ٧: ١١، ١٣، ٢٤)؛ وأن هذا الإنسان يخدم «ناموس الخطيّة» (رومية ٧: ٢٣، ٢٥). ومثل هذا الإنسان يكون في حالة شَقَاء فظيعة (رومية ٧: ٢٤).


أمّا الآن فهذا الإنسان يخضع للمسيح ويطرأ عليه تغيير فوري في علاقته مع الله. كان قبلاً مُداناً بكسر الناموس، أمّا الآن فيقف كاملاً في نظر الله وكأنه لم يقترف خطيّة قط. والسبب في ذلك هو أن برّ المسيح قد غطّى ذلك الإنسان كليّةً. لا إدانة ولا دينونة بعد الآن. لا لأن هذا الإنسان هو بلا عيب أو خطيّة، أو مستحق للحياة الأبدية أَمْ لا، بل لأن سجّل حياة يسوع الكامل يُحسب له، فلذلك لا دينونة تقع عليه. ولكن الأخبار السارّة لا تنتهي هنا.


ما الذي يعتق الإنسان من ناموس الخطية والموت؟ رومية ٨: ٢.


عبارة «نَامُوس رُوحِ الْحَيَاةِ» تعني هنا خطّة المسيح لخلاص البشرية، وهي تُباين «ناموس الخطيّة والموت» الذي ورد شرحه في رومية ٧، باعتباره الناموس الذي تسلّطت به الخطيّة والذي كان خاتمته الموت. وناموس المسيح، بدلاً منه، يجلب الحياة والحريّة.






ما لا يستطيع الناموس فعله


مهما كان الناموس حسناً (سواء كان طقسيّاً، أدبيّاً، أو كليهما) فإنّه لا يقدر أن يفعل لنا ما نحن في أمسّ الحاجة إليه، وهو أن يمدّنا بوسيلة الخلاص، وسيلة خلاصنا من الدينونة والموت اللذين سببتهما الخطيّة. ولأجل ذلك، فإننا نحتاج إلى يسوع.


اقرأ رومية ٨: ٣، ٤ ما الذي فعله المسيح، وهو ما لا يستطيع الناموس أن يفعله؟


دبّر الله علاجاً، بإرساله ابنه الوحيد، في شبه جسد الخطيّة، فأدان الخطيّة في الجسد. فعملية تجسّد المسيح كانت خطوة هامة في خطة الخلاص. وحياة المسيح في شبه جسد الخطيّة كانت في غاية الأهميّة أيضاً. من اللائق تمجيد الصليب، لكن فيما يتعلق بتفعيل خطة الخلاص، فقد كانت حياة المسيح «في شبه جسد الخطية» غاية في الأهمية، أيضاً.


كنتيجة لما فعله الآب بإرسال ابنه الحبيب، صار من الممكن لنا أن نوفي بمطاليب الناموس المقدسة، وهو أن نقوم بعمل الأمور التي طلبها الناموس. و «تحت الناموس» (رومية ٦: ١٤)، كان ذلك مستحيلاً، لكنه أصبح الآن مستطاعاً «في المسيح».


ومع هذا يجب أن نتذكّر أنّ عمل ما يطلبه الناموس لا يعني البتّة حفظ الناموس بكيفية جيدة بما فيه الكفاية بحيث تؤهلنا لربح الخلاص. فهذا ليس خياراً، ولم يكن هكذا أبداً. إنه يعني ببساطة أن نحيا الحياة التي يساعدنا الله أن نحياها وهي حياة الطاعة، حياة فيها صلبنا «الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ» (غلاطية ٥: ٢٤). حياة نعكس فيها صفات المسيح.


«السَّالِكِينَ» في رومية ٨: ٤ هو تعبير حكيم يشير إلى «توجيه النفس». كلمة جسد، هنا تبيّن أن الشخص غير المتجدد سواء قبل عمل التجديد أو بعده يسير بحسب الجسد بأن يكون تحت سيطرة الجسد حسب الرغبات الشهوانية.


على النقيض، أن تسلك بحسب الروح هو أن تتممّ المطلب الروحي للناموس. فقط بمعونة الروح القدس نستطيع أن نحقق هذا المطلب. وبالمسيح يسوع وحده تكون هناك حريّة لعمل ما يطلبه الناموس. وبعيداً عن المسيح، لا تتوفرّ هذه الحريّة. والإنسان المكبّل بالخطيّة يجد الأمر مستحيلاً أمامه أن يأتي بالعمل الصالح الذي يرغبه. (انظر رومية ٧: ١٥، ١٨).






الجسد أَمْ الروح


«فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ.  لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ» (رومية ٨: ٥، ٦). فكّر في هذه الفقرات الكتابية، ما هي الرسالة الأساسية المتضمّنة فيها؟ ماذا تخبرك عن الطريق الذي تسلكه في حياتك؟


«حَسَبَ الْجَسَدِ» تعني طاعة الرغبات الجسدية الشهوانية، وبحسب الروح هي توجيه السلوك إرضاءً للإرشادات الروحيّة الصالحة. فنوع من الناس يركّز اهتمامه للوصول إلى الرغبات الطبيعيّة الشهوانية والنوع الثاني يركّز اهتمامه على الأمور الروحيّة وإتّباع توجيهات روح الله. إنّ العقل هو الذي يقررّ ويحددّ العمل. لذا فهذان الفريقان يعيشان ويعملان بطريقتين مختلفتين.


ما الذي يعجز عنه اهْتِمَامُ الْجَسَدِ؟ (رومية ٨: ٧، ٨).


لكي تركز عقلك على إرضاء رغبات الجسد، معناه في الحقيقة، أن توجد في حالة عداوة مع الله. فالمرء الذي من هذا النوع لا يأبه لعمل مشيئة الله، وقد يتصرّف بتمرّد على الله، وينتهك ناموسه بصورة واضحة.


ويودُ بولس الرسول أن يؤكد بشكل خاص أنك لو كنت بعيداً عن المسيح فسيستحيل عليك حفظ الناموس وطاعته. ومراراً وتكراراً يعود بولس إلى هذا الموضوع: مهما حاول الإنسان جاهداً، فإنه لن يستطيع، بمعزل عن المسيح، أن يطيع الناموس.


كانت غاية بولس هي إقناع اليهود بأنهم بحاجة إلى أمر أكثر من «التوراة» (الناموس). ولقد بيّنوا بسلوكهم أنّهم، بالرغم من تسلّم الإعلانات الإلهيّة، فهم مذنبون بارتكاب ذات الخطايا التي تُنسب إلى جموع الأممييّن (رومية ٢). والدرس الذي كان عليهم أن يستوعبوه هو أنّهم كانوا يحتاجون إلى المسيّا، وبدونه يبقون عبيداً للخطيّة، ولا يستطيعون الإفلات من قبضتها.


كان ذلك هو جواب بولس الرسول إلى أولئك اليهود الذين استعصى عليهم فهم حقيقة أنّ كلّ ما أوصى به الله في العهد القديم، ليس كافياً لتأمين الخلاص. لقد أقرّ بولس بأنّ ما كانوا يقومون بعمله هو حسن، ولكنّهم كان يلزمهم أن يقبلوا المسيّا الذي أتى إليهم.






المسيح فيكم


يواصل الرسول بولس متابعة موضوعه الهام مقارناً الاحتمالين اللذين يواجهان الناس من حيث طريقة الحياة: السلوك إمّا بحسب الروح الذي هو روح الله القدوس، الذي وعدنا به الله، أو السلوك بحسب رغباتهم الجسدية الشهوانيّة الخاطئة. الأولى تقود إلى الحياة الأبدية، والثانية إلى الهلاك الأبدي. ليست هناك أرضية مشتركة، أو كما قال يسوع بنفسه. «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ» (متى ١٢: ٣٠).


اقرأ رومية ٨: ٩- ١٤. ما الوعد المُعطى لأولئك الذين يُخضِعون ذواتهم كلّياً للمسيح؟


إنّ الحياة. «في الجسد» تضادّ الحياة «في الروح». الحياة «في الروح» هي منقادة لروح الله، الروح القدس، ويُدعى في هذا الأصحاح «رُوح الْمَسِيحِ»، لربّما بمعنى أنّه ممثّل المسيح ومن خلاله يسكن المسيح في المؤمن. (رومية ٨: ٩، ١٠).


وفي هذه الآيات، يرجع الرسول بولس إلى الصورة المستخدمة في رومية ٦: ١- ١١. مجازياً، إن ما يحدث في المعمودية هو أن «جسد الخطية» الجسد الذي خدم الخطيّة، يهلك. فإنَّ «الإنسان العتيق» قد صُلِبَ مع المسيح (رومية ٦: ٦). ولكن، كما في المعمودية، ليس هناك دفن فقط بل توجد قيامة أيضاً. لذا، فالإنسان المعتمد ينهض من المعمودية ليسلك في جدّة الحياة. وهذا يعني أن تميت النفس العتيقة. وهو اختيار علينا أن نتخذه بأنفسنا يوماً بعد يوم ولحظة بعد لحظة. فالله لا يدمّر حرية الإنسان. فإنَّه حتى بعد إماتة الإنسان العتيق مع المسيح، فمن الممكن أن تخطيء. وقد كتب بولس إلى أهل كولوسي: «فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ» (كولوسي ٣: ٥).


وهكذا، فإنه بعد التجديد سيظلّ هناك صراع ضدّ الخطيّة. الفرق الآن هو أنّ الإنسان الذي يسكن فيه روح الله، لديه قوّة سماويّة لإحراز النصرة. وعلاوة على ذلك، ولأنّ ذلك الإنسان قد تحرّر بطريقة معجزيّة من سلطان الخطيّة، فهو مُلزمٌ ألاّ يخدم الخطيّة بعد ذلك.






روح التبنّي


كيف يصف بولس الرسول العلاقة الجديدة مع المسيح؟ (رومية ٨: ١٥). ما الرجاء الموجود في هذا الوعد لنا؟ كيف نجعله حقيقةً في حياتنا؟


توصف العلاقة الجديدة بأنّها تحرر من الخوف. العبد يوجد في الأسر. إنّه يعيش في حالة رعب دائم من سيّده. إنّه لا يجني شيئاً يُذكر من سنيّ الخدمة الطويلة.


ليس الأمر كذلك بالنسبة لذاك الذي يقبل يسوع المسيح. أولاً، فهو يقدّم خدمةً طوعيّة. ثانياً، فهو يقوم بالخدمة دون خوفٍ يعتريه. «الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ» (١يوحنا ٤: ١٨). ثالثاً، بقبوله التبنّي يصبح وارثاً لمجدٍ عظيم.


«إنّ روح الأسر والعبودية تنتج عن طلب الحياة بموجب عبادة صارمة متعسّفة، من خلال النضال لإتمام مطاليب الناموس بقوّتنا الذاتيّة. يوجد رجاءٌ لنا فقط لو ننضوي تحت العهد مع إبراهيم الذي هو عهد النعمة بالإيمان بيسوع المسيح» (روح النبوة، تعليقات على موسوعة الكتاب المقدس للأدڨنتست السبتيين، مجلد ٦، صفحة ١٠٧٧).


ما الذي يعطينا التأكيد بأننا قد قُبلنا فعلا كأولاد لله؟ (رومية ٨: ١٦).


إنّ الشاهد الداخلي بالروح القدس يؤكد قبولنا. بينما ليس مأموناً أن نسلك دائماً بحسب المشاعر، فإن أولئك الذين قد اتبعوا نور كلمة الله بحسب إدراكهم سيسمعون صوتاً داخليّاً يؤكد لهم بأنّهم قد نالوا القبول كأولاد الله.


إنّ رومية ٨: ١٧، يخبرنا بأننّا ورثة. وهو ما معناه أننا جزء من عائلة الله، وكورثة وأولاد، نتسلّم ميراثاً عظيماً من أبينا السماوي. إننّا لا نستحقهُ بل هو يُمنح لنا بفضل انتمائنا الجديد لله. هذا الانتماء الممنوح لنا من خلال نعمته الفيّاضة، وهو الانتماء الذي جُعل ممكناً لنا بواسطة موت المسيح عنّا على عود الصليب.






لمزيد من الدرس: «إن خطة الخلاص لا تقدِّم للمؤمنين حياةً خاليةً من الآلام والتجارب في هذا الجانب من العالم. وعلى النقيض، فهي تطلب منهم أن يتبعوا المسيح في نفس الطريق، طريق إنكار الذات. إنّه من خلال التجارب والاضطهادات تُبنى صفات المسيح في شعبه. بالاشتراك في آلام المسيح نتعلّم ونتهذّب ونتهيأ للاشتراك في الأمجاد السماويّة الآتية» (موسوعة الكتاب المقدس للأدﭬنتست السبتيين، مجلد ٦، صفحة ٥٦٨، ٥٦٩).


«إن الحبل المتدلّي من عرش الله (حبل النعمة) طويل للغاية بحيث يصل إلى أقصى الأعماق. إنّ المسيح قادرٌ أن يرفع أكثر الناس تردّياً في الخطيّة، مِن هوَة الانحطاط ويجلسهم حيث يُستعلنون كأولاد الله، ووارثين مع المسيح لمجد لا يفنى» (روح النبوة شهادات للكنيسة، مجلد ٧، صفحة ٢٢٩).


«كائنٌ مكرّمٌ في ربوع السموات نزل إلى العالم في طبيعة بشريّة على رأس الإنسانية، شاهداً للساقطين من الملائكة ولسكان العوالم المسكونيّة التي لم تسقط في الخطية، أنه من خلال العون الإلهي المُقدَّم، يمكن لكل شخص السلوك في طريق الطاعة لوصايا الله. ...


«لقد دُفعت فديتنا بواسطة مخلّصنا. فلا أحد يُستعبد للشيطان بعد الآن. إنّ المسيح يقف أمامنا كمعيننا الكليّ القدرة» (روح النبوة، رسائل مختارة، المجلد الأول، صفحة ٣٠٩).




ملخص الدرس: بعدما قدّم بولس الرسول العديد من الحجج اللاهوتية الدقيقة المعقدة، يلجأ بولس الآن إلى توسّلات وجدانية شخصيّة إلى الغلاطيين، إنّه الآن يتضرع إليهم أن يصغوا إلى نصيحته مذكّرا إياهم بالعلاقة الإيجابية التي كانت له معهم قبلاً، وبالمحبّة الحقيقية وللاهتمام الذي يكنّه لهم كأبيهم الروحي.


الدرس العاشر


٢- ٨ كانون الأول (ديسمبر)


أبناء الله






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ٩.


آية الحفظ: «فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ» (رومية ٩: ١٨).


«كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ. ... لأَنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى: إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ» (رومية ٩: ١٣، ١٥).


عَمّ يتكلّم بولس هنا؟ ماذا عن حريّة الاختيار المعطاة للإنسان، والتي بدونها لا معنى لما نؤمن به؟ أليس لنا الحريّة أن نختار أو نرفض الله؟ هل هذه الآيات تعلّم بأنّ أناساً معيّنين هم مختارون ليخلصوا وآخرون لكي يهلكوا بغضّ النظر عن اختياراتهم؟


فالجواب موجود كالعادة، عندما ننظر إلى ما يقوله بولس. إنّ بولس يواصل سلسلة نقاشات يسعى من خلالها أن يبيِّن حقّ الله في انتقاء مَن يريد أن يستخدمهم كمختاريه. فالله، قبل كلّ شيء هو مَن يحمل المسئولية الكبرى المتعلقة بالكرازة إلى العالم. لذلك، فلماذا لا يستطيع أن يختار عمَّالاً له كما يرغب؟ فطالما أنّ الله لا يحرم أحداً من فرصة الخلاص، فإن قيامه باختيار الفعلة الذين يقومون بهذا العمل الكرازي لا يتعارض مع مبادئ الإرادة الحّرة. والأهم من ذلك أنه لا يتعارض مع الحقيقة المسلم بها أزلياً بأن المسيح قد مات لأجل جميع البشر، وبأنه يتوق إلى خلاص الجميع.


ولطالما نتذكر بأنّ رومية ٩ لا يتعامل مع خلاص أولئك الذين يتناول سرد أسمائهم، بل يتعامل مع دعوتهم لأداء مهمّة خاصّة. لذا، فإنه ليس من صعوبة في هذا الأصحاح.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٩ كانون الأول (ديسمبر).




عبء بولس


«وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ» (خروج ١٩: ٦).


كان الله يحتاج إلى شعب يكرز بالكلمة لعالم قد انغمس في الوثنية والظلام وعبادة الأوثان. فاختار بني إسرائيل وأعلن ذاته لهم. وخطّط بأن يكونوا أمّة نموذجيّة حتى يجذبوا الآخرين إلى الله الحقيقي. لقد كان قصد الله بإعلان صفاته من خلال بني إسرائيل أنّ العالم يتقرّب إليه، ومن خلال نظام تقديم الذبائح يرتفع اسم المسيح بين الأمم، وكلّ مَن ينظر إليه يحيا. وكان كلما ازداد عددهم ازدادت بركاتهم أيضاً، فكان عليهم أن يوسّعوا تخومهم حتى تحتضن مملكتهم كلّ العالم.


اقرأ رومية ٩: ١- ١٢. ما النقطة التي يركّز عليها بولس عن أمانة الله وسط فشل البشر؟


كان بولس الرسول يتابع سلسلة من الجدال يبيّن من خلالها أن وعد الله لإسرائيل لم يسقط نهائياً. فهناك بقية أمينة يعمل الله من خلالها. ولكي يوطّد الرسول فكرة البقية الباقية، يغوص عميقاً في التاريخ الإسرائيلي ويظهر أنّ الله كان دائماً ينتقي ويختار: (١) الله لم يختر كلّ نسل إبراهيم ليكونوا في عهد معه، بل فقط نسل إسحق. (٢) ولم يختر كل نسل أسحق، بل فقط نسل يعقوب.


إنّ من المهمّ أيضاً أن نرى بأنّ الإرث، أو السلالة لا تضمن الخلاص. فمن الممكن أن تكون من السلالة الصحيحة، ومن العائلة الصحيحة، أو حتّى من الكنيسة الحقيقيّة الصحيحة ومع ذلك تهلك، وتكون خارج الوعد الإلهي. إنّ الإيمان، والإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ، هو الذي يُظْهر أولئك الذين هم «أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ» (رومية ٩: ٨).






مُختارون


«قِيلَ لَهَا إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ» (رومية ٩: ١٢، ١٣).


كما وَرَد في مقدّمة هذا الأسبوع، فإنه من المتعذّر أن نفهم رومية ٩ جيّداً إلاّ عندما نتأكد من أنّ بولس الرسول لا يتكلّم عن الخلاص الفردي. إنّه هنا يتكلّم عن أناسٍ معيّنين قد دعاهم الله كي يقوموا بمهام معيّنة. إنّ الله أراد أن يعقوب يَصبح السلف لشعبه الذي يستخدمه الله كوسيلة للكرازة في العالم. فلا توجد دلالة ضمنية هنا في هذه الفقرة تشير إلى أنّ عيسو يستعصي عليه الخلاص، فالله حتماً أراد لعيسو أن يخلص تماماً كما يريد خلاص كلّ البشر.


اقرأ رومية ٩: ١٤، ١٥. كيف نفهم هذه الكلمات في مضمون ما كّنا نقرأه؟


نكرّر بأنّ الرسول بولس لم يكن يتحدّث عن الخلاص الفردي، لأنّ الله يقدّم نعمته المُخلِّصة إلى الجميع. فهو «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ» (١تيموثاوس ٢: ٤). «لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ» (تيطس ٢: ١١). لكن الله يستطيع أن يختار أمماً تلعب أدواراً، ومع أنّه بإمكانهم أنّ يرفضوا هذه الأدوار، فإنّهم لا يقوون على منع الله من أن ينتقي ويختار. وبغض النظر عن مدى جدّية محاولة عيسو في أن يكون السلف الذي من نسله يأتي المسيا، إلا أنه لم يستطع أن يكون السلف للمسيّا أو للشعب المختار.


في نهاية الأمر، لم يكن ذلك اختياراً تعسّفياً اتّخذه الله، أو مرسوماً إلهيّاً جرّد فيه عيسو من امتياز الخلاص. إن عطايا نعمة الله بالمسيح هي مجانيّة للجميع. لقد وقع علينا جميعاً الاختيار بأن نخلص لا أن نهلك. (أفسس ١: ٤، ٥؛ ٢بطرس ١: ١٠). إنّ اختياراتنا نحن وليس اختيارات الله هي التي تمعنا وتحرمنا من الحصول على الوعد بالحياة الأبدية في المسيح. لقد مات يسوع عن كل إنسان. ومع ذلك، فقد وضع الله في كلمته المقدّسة المتطلبات التي على أساسها يتم اختيار كل نفس لنيل الحياة الأبدية، وهذه المتطلبات هي الإيمان بيسوع المسيح، وهو الإيمان الذي يوجِّه الخاطئ المبرّر إلى الطاعة.






الأسرار


«لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ» (إشعياء ٥٥: ٨، ٩).


اقرأ رومية ٩: ١٧- ٢٤. بناءً على ما قرأناه حتى الآن، كيف لنا أن نفهم النقطة التي يشير إليها بولس الرسول هنا؟


بالكيفيّة التي تعامل بها الله مع مصر أثناء خروج العبرانيين منها، بيّن أنّه كان يعمل على خلاص الجنس البشري. فإعلان الله عن ذاته بإنزال الضربات على مصر وتخليص شعبه، كان القصد منه أن يكون إعلاناً للمصرييّن ولغيرهم من الأمم الأخرى، بأنّ إله إسرائيل حقاً كان هو الله الحقيقي. وكان المقصود لها أن تكون دعوة لشعوب الأمم للتخلّي عن آلهتهم والانخراط في عبادة الله.


وكان من الواضح أنّ فرعون قد اتّخذ قراره ضدّ الله، لذا فعندما قسّى الله قلب فرعون، فإنه لم يكن يحرمه من فرصة الخلاص. فإنَّ تقسّي قلب فرعون كان بسبب رفضه طلب إطلاق سراح بني إسرائيل، ولم يكن بسبب عدم رغبة الله في خلاص فرعون. فالمسيح مات لأجل فرعون كما لأجل موسى وهارون وبقيّة بني إسرائيل.


والنقطة الهامّة هي أننّا كبشر مترديّن في الخطيّة، لنا نظرة ضيقة عن العالم، وعن الحقيقة، وعن الله وعمله في هذا العالم. فكيف نتوقع فهم كل طرق الله في حين أن العالم الطبيعي من حولنا، حيثما ذهبنا، يعج بأسرار لا نستطيع أن نفهمها؟ لم يقتنع الجّراحون بوجوب غسل أيديهم قبل إجراء عمليّات جراحيّة إلاّ في المائة والواحد وسبعين سنة الأخيرة. وهذا يدلّ على مدى ما كنا غارقين فيه من جهل. ومَن يعلم، إن طال الزمان بنا، ما الأمور الأخرى التي سنكتشفها مستقبلاً وسيكون من شأنها أن تكشف عن مدى ما نحن عليه من غرق في الجهل اليوم؟






عَمِّي: «شعبي»


في رومية ٩: ٢٥ يقتبس الرسول بولس هوشع ٢: ٢٣، وفي رومية ٩: ٢٦ يقتبس هوشع ١: ١٠. وخلفية هذه الآيات هي أن الله كان قد أعطى تعليماته إلى هوشع أن يتّخذ له «امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى» (هوشع ١: ٢)، كتوضيح تصويري لعلاقة الله بإسرائيل، لأنّ الأمّة قد ذهبت وراء آلهة غريبة، والأطفال المولودون من هذا الزواج أُعْطوا أسماء تدلّ على رفض وعقاب الله لإسرائيل الوثنية. ودُعي الطفل الثالث لُوعَمِّي (هوشع ١: ٩) وهو يعني حرفياً ليس شعبي.


ومع ذلك، وسط كل هذا، تنبأ هوشع بأنّه سيأتي اليوم، بعد معاقبة الله لشعبه، الذي فيه سيردّ اللهُ لهم البركات ويزيل آلهتهم المزّيفة ويصنع عهداً معهم. (انظر هوشع ٢: ١١- ١٩). وعندها، فإن أولئك الذين كانوا «لُوعَمِّي» أي ليسوا شعبي، يصبحون «عَمِّي» أي شعبي.


في أيام بولس الرسول، لم يكن اليهود فقط هم المعنيون بمُسَمَّى «عَمِّي»، ولكن الأمميون أيضاً (رومية ٩: ٢٤). ما أصفاه وما أقواه من تقديم وشرح للإنجيل الذي، من البداية، قُصِدَ بالكرازة به إلى كلّ العالم. ولا عجب أننّا نحن الأدﭬنتست نأخذ جزءاً من دعوتنا من رؤيا ١٤: ٦: «ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ.» واليوم، كما كان في أيام بولس الرسول، وكما كان في أيام إسرائيل قديماً، ينبغي أن أخبار الخلاص السارّة تنتشر في كلّ أنحاء العالم.


اقرأ رومية ٩: ٢٥- ٢٩. لاحظ كم مرّة يقتبس بولس الرسول من العهد القديم ليوضح كل الأمور التي كانت تحدث في أيّامه. ما هي الرسالة المتضمّنة في هذه الفقرة؟ ما الرجاء المقدّم إلى قرّائه؟


في الحقيقة إنّ بعضاً من بني جنس بولس رفضوا دعوة الإنجيل، وقد سببّوا له حُزْناً عَظِيماً وَوَجَعاً فِي قَلْبِه لاَ يَنْقَطِعُ. (رومية ٩: ٢). ولكن على الأقل كانت هناك بقيةٌ باقية. إن وعود الله لا تسقط حتى لو سقط البشر. الرجاء الذي يمكن أن يكون لنا هو أن وعود الله سوف تتمّ وإِنْ نحن طالبنا بهذه الوعود فلسوف ننالها أيضاً.






التَعثُّر


«فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذِي بِالإِيمَانِ.  وَلكِنَّ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ الْبِرِّ، لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ الْبِرِّ! لِمَاذَا؟ لأَنَّهُ فَعَلَ ذلِكَ لَيْسَ بِالإِيمَانِ» (رومية ٩: ٣٠- ٣٢). ما الرسالة المتضمنّة هنا، والأهمّ، كيف يمكننا أن نأخذ هذه الرسالة التي كُتبت في زمن ومكان معيّن وأن نطبّق المبادئ الواردة فيها على أنفسنا اليوم؟ كيف يمكننا أن نتجنّب ارتكاب ذات الأخطاء اليوم في محيطنا كما فعل بعض الإسرائيليين آنذاك؟


بكلمات لا يمكن إساءة فهمها، يشرح بولس الرسول لبني جنسه لماذا لم يحصلوا على أمر كان الله يرجوه لهم. والأكثر من ذلك، هو أنه كان أمراً كانوا هم يسعون إليه ولا يحصلون عليه.


ومن المثير للاهتمام، أنّ الأمم الذين قد قبلهم الله لم يكونوا يسعون إلى مثل هذا القبول. بل كانوا يسعون إلى تحقيق اهتماماتهم الشخصيّة وأهدافهم عندما أتت إليهم رسالة الإنجيل. ولمّا تحقّقوا من قيمتها قبلوها، فأعلنهم الله أبراراً لأنّهم قبلوا يسوع المسيح كبديل عنهم. إنّه كان إقْرَارُ إيمان.


إنّ مشكلة الإسرائيليين كانت أنّهم تعثروا في حجرِ الصَدْمَة (انظر رومية ٩: ٣٣). إنَّ البعضَ وليس الكلّ (أعمال ٢: ٤١) رفضوا أن يقبلوا يسوع الذي من الناصرة كمسيّا مرسل من الله. فهو لم يرتقِ إلى المستوى الذي كانوا يتوقعونه فيه، ومن هنا أداروا ظهورهم له عندما أتى.


وقبل أن ينتهي هذا الأصحاح، يقتبس الرسول بولس مرجعاً آخر من العهد القديم: «لِذلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ هنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا كَرِيمًا، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى» (رومية ٩: ٣٣). في هذه الفقرة، بيّن بولس الرسول ثانية أهميّة الإيمان الصادق في خطّة الخلاص. (انظر كذلك ١بطرس ٢: ٦- ٨). يسوع هو حَجَر صَدْمَةٍ؟ ومع هذا، فإن كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى؟ نعم، فيسوع هو صدمةٌ لكثيرين، ولكن لأولئك الذين يعرفونه ويحبوّنه، هو نوع آخر من الصخور، «صَخْرَةُ خَلاَصِي» (مزمور ٨٩: ٢٦).






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة الفصل الذي بعنوان «المصلحون الأخرون في إنكلترا»، صفحة ٢٧٢- ٢٩٥، في كتاب الصراع العظيم.


«يوجد هناك اختيار للأشخاص وللشعوب، فالاختيار الوحيد الموجود في كلمة الله هو حيث يتم اختيار الإنسان للخلاص. لقد نظر كثيرون إلى النهاية معتقدين أنّهم قد اختيروا بكلّ تأكيد ليحظوا بالمجد السماوي؛ لكن ليس هذا هو الاختيار الذي يعلنه الكتاب المقدس. قد اُختير الإنسان لأن يسعى للخلاص بخوف ورعدة. لقد اُختير لأن يلبس دِرْعَ الإِيْمَانِ وأن يجاهد الجهاد الحسن بإيمانٍ. لقد اُختير لكي يستخدم الوسائل التي في متناول يديهِ ليحارب ضدّ كل شهوة غير مقدّسة، بينما يحاول الشيطان جاهداً أن يهلك الإنسان. لقد اُختير الإنسان كي يسهر للصلاة وأن يفتِّش كلمة الله وأن يتجنب الدخول في تجربة. لقد اُختير لأن يكون لديه إيمان باستمرار. وقد اُختير لأن يطيع كلّ كلمة تخرج من فم الله، كي لا يكون سامعاً فقط، بل سامعاً عاملاً بالكلمة. هذا هو اختيار الكتاب المقدس» (روح النبوة، شهادات إلى القساوسة وخدّام الإنجيل، صفحة ٤٥٣، ٤٥٤).


«لا يمكن لعقل إنسان محدود أن يدرك صفات الإله السرمدي غير المحدود أو أعماله. فنحن لا نستطيع بواسطة البحث والاستقصاء أن نكتشف الله. فالبنسبة إلى أقوى العقول واسماها تهذيباً، كما بالنسبة إلى أضعف العقول واشدها جهلا فإن ذلك الكائن القدوس يجب ان يظل ملتحقا بالسرية. ولكن مع أن «السَّحَابُ وَالضَّبَابُ حَوْلَهُ» فإن «الْعَدْلُ وَالْحَقُّ قَاعِدَةُ كُرْسِيِّهِ» (مزمور ٩٧: ٢). فيمكننا حتى الآن إن ندرك معاملته معنا بحيث نفهم الرحمة غير المحدودة متحدة ومرتبطة بالقوة السرمدية. ونستطيع أن نفهم من مقاصده قدر ما نستطيع أن نستوعبه. وأبعد من هذا يمكننا أن نظل واثقين بتلك اليد القادرة على كل شيء والقلب المفعم بالمحبة» (روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ١٩٩).




الدرس الحادي عشر


٩- ١٥ كانون الأول (ديسمبر)


المُختارون






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ١٠؛ ١١.


آية الحفظ: « فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إبراهيم مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ» (رومية ١١: ١).


درس هذا الأسبوع يغطي الأصحاحين ١١ و١٢ من سفر رومية، مع تركيزٍ خاص على الأصحاح ١١. إنّه من الضروري أن تقرأ كلا الأصحاحين من أجل الاستمرار في اتباع أسلوب بولس في التفكير.


كان هذان الأصحاحان ولا زالا محور كثير من النقاش. إنّ نقطةً هامّة تُستعلن فيهما وهي محبّة الله للإنسانيّة ورغبته في خلاص البشريّة كلّها. فلا يوجد خطّة مبيّتة لرفض خلاص أيّ إنسان. يوضّح رومية ١٠ بأنّه «لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ» (رومية ١٠: ١٢). الجميع خطاة ويحتاجون إلى نعمة الله المُعطاة للعالم بيسوع المسيح. هذه النعمة تُعطى للجميع- ليس بحسب الهويّة أو المَوْطِن وليس بأعمال الناموس، بل بالإيمان بيسوع الذي مات بديلاً عن الخطاة في كلّ مكان. فقد تختلف الأدوار، ولكنّ خطة الخلاص الأساسيّة لا تتغيّر ولا تتبدّل.


يواصل الرسول بولس في الأصحاح ١١ الكلام عن هذا الموضوع. وكما ذُكِر سابقاً، فمن المهم أن نفهم هنا بأنّه عندما يتكلّم بولس الرسول عن الاختيار والدعوة، فالموضوع لا يمسّ الخلاص. الموضوع هو الدور الذي يقوم به الأشخاص في خطّة الله للوصول إلى العالم. فإنه لم تُرفض أيُ جماعة من الخلاص. لم تكن هذه هي القضية أبداً. وبدلاً من ذلك، فإنه بعد الصليب وبعد تقديم الإنجيل للأمم، ولا سيما من خلال بولس، أخذت مجموعة المؤمنين الأولى – من اليهود والأممييّن – على عاتقها مهمّة حمل بشارة الإنجيل للعالم أجمع.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٦ كانون الأول (ديسمبر).




المسيح والناموس


اقرأ رومية ١٠: ١- ٤، مركّزاً تفكيرك على ما سبق، ما هي الرسالة المتضمّنة هنا؟ كيف نكون اليوم في خطر السعي إلى أن نُثْبِت «برّنا الذاتي»؟


يمكن للتقيُّد الحرفي بالنواميس أن يأتي في صيغ متعددّة، وبعضها أكثر تعقيداً من البعض الآخر. فأولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم وإلى أعمالهم الصالحة، وإلى غذائهم الصحّي وكيفية حفظهم للسبت بدقّة وإلى الأعمال الرديّة التي يتجنبّوها وإلى الأفعال الصالحة التي سجلوها- حتّى لو تَمَّتْ بنوايا حسنة جداً- هؤلاء يقعون في مصيدة التزمّت والتقيد الحرفي بالنواميس. ففي كلّ لحظة من حياتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا قداسة الله مقابل حالتنا الخاطئة. وهذه هي أكثر الطرق ضماناً لحماية أنفسنا من التفكير الذي ينتاب الناس ويقتادهم إلى السعي في إثبات «بِرّ أَنْفُسِهِمْ»، الذي هو مضادّ لبرّ المسيح.


إنّ رومية ١٠: ٤ هو مرجع هام يتضمّن جوهر رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية. أولاً، نحن نحتاج إلى أن نعرف السياق. فقد كان كثير من اليهود «يَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ» (رومية ١٠: ٣)، طالبين «الْبِرّ الَّذِي بِالنَّامُوسِ» (رومية ١٠: ٥). ولكن بقدوم المسيّا قُدّمت الطريقة الحَقِيقِيّة للحصول على البرّ. فقُدّم البرّ لكلّ الذين يُثبِّتون إيمانهم في المسيح. فقد كان هو الذي يُشير إليه نظام الطقوس اليهودية القديمة.


وحتّى لو اشتمل تعريف الناموس هنا على الوصايا العشر، فليس معنى هذا أنّ الوصايا العشر قد أُلغِيت. فإن الناموس الأدبي، المتمثل في الوصايا العشر، يُشير إلى خطايانا وأخطائنا وهكذا يقودنا إلى الشعور بحاجتنا إلى مُخلِّص، وحاجتنا إلى المغفرة وحاجتنا إلى البرّ – وهذا كله يتوفّر فقط في يسوع المسيح. وبهذا المعنى، يكون المسيح هو «غاية» الناموس. وهذا هو الناموس الذي يقودنا إلي المسيح وبِرّه. الكلمة اليونانية التي تعني «غاية» هي «تيلوس» ويمكن أن تترجم «هدف»، أو «غرض». فالمسيح هو الهدف والغرض النهائي للناموس، لذا فالناموس يقودنا إلى المسيح يسوع.


أما إذا نظر البعض إلى هذه الفقرة الكتابية على أنها تُعَلِّم بأن الوصايا العشر – أو خاصّةً الوصيّة الرابعة (وهي التي يقصدونها حقاً) قد أُبْطِلَت، فإن هؤلاء الناس يستخلصون نتيجة متعارضة تماماً مع كل ما يُعلِّمَهُ بولس والعهد الجديد.






اختيار النعمة


اقرأ رومية ١١: ١- ٧. ما هو التعليم الشائع الذي تدحَضه وتنفيه هذه الفقرة الكتابية بشكل واضح لا رجعة فيه؟


في الجزء الأول من إجابته على السؤال «أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟» يُشير بولس إلى بَقِيَّةٍ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ، كبرهان على أنّ الله لم يرفض شعبه. فالخلاص متاحٌ لكلّ مَن يقبله، يهودي وأممي على حدّ سواء.


يجب أن نتذكّر بأنّ المتجدّدين الأوّلين إلى المسيحيّة كانوا جميعاً يهوداً. على سبيل المثال، المجموعة التي تجدّدت في يوم الخمسين. وقد تطلب الأمر رؤيا خاصة ومعجزة لإقناع بطرس بأن الأمم لهم نفس الامتياز والفرصة لنوال نعمة المسيح. (أعمال ١٠؛ قارن أعمال ١٥: ٧- ٩)، وأنّ الإنجيل كان ينبغي أن يُحمل إليهم، كَذَلِكَ.


اقرأ رومية ١١: ٧- ١٠. هل يقول بولس بأنّ الله عمداً قد أعمى قسماً من الإسرائيلييّن الذين رفضوا يسوع؟ ما الخطأ في هذه الفكرة؟


في رومية ١١: ٨- ١٠، يقتبس بولس من العهد القديم الذي يقبله اليهود كسلطة مَوْثُوق بِهِا. والفقرات التي يستشهد بها بولس الرسول تمثّل الله على أنه يُعطي إسرائيل روح السُبَات والنعاس، مانعاً إياهم من البصر والسمع. فهل الله يعمي أعين الناس ليمنعهم من إبصار النور الذي يقودهم إلى الخلاص؟ مُطْلَقَاً! هذه الفقرات يجب أن تُفهم في ضوء شرحنا لرومية ٩. إنّ بولس لا يتحدث عن الخلاص الفردي، لأنّ الله لا يرفض خلاص مجموعة برمّتها من الناس. فالمسألة هنا، كما كانت عليه طوال نقاشنا في دروس هذا الربع، تتعامل مع الدور الذي يقوم به هؤلاء الناس في عمل الله الرامي إلى خلاص البشر.






الغصن الطَّبِيعِي


اقرأ رومية ١١: ١١- ١٥. ما الرجاء العظيم الذي يقدّمه بولس الرسول في هذه الفقرة؟


في هذه الفقرة نجد تعبيرين متوازيين: (١) مِلْؤُهُمْ (رومية ١١: ١٢)، (٢) اقْتِبَالُهُمْ (رومية ١١: ١٥). تَصَوُّرَ الرسول بولس أنّ نُقْصَان اليهود ورَفْضُهُمْ هي مسألة مؤقتة وسيتبعها الملء والقبول. هذه هي الإجابة الثانية التي يدلي بها الرسول ردّاً على السؤال المدرج في أول الأصحاح وهو «أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟» يقول الرسول بولس أن ما يبدو بأنّه رفض وإبعاد، هو فقط حالة مؤقتة.


اقرأ رومية ١١: ١٦- ٢٤. ماذا يقول لنا الرسول بولس هنا؟


يشبّه الرسول بولس البقيّة الأمينة في إسرائيل بشجرة زيتون كريمة، وقد تكسّر بعض أغصانها (غير المؤمنين). وهذه صورة إيضاحية تبرهن أنّ الله لم يرفض شعبه (رومية ١١: ٢). فإن الجذر والجذع لا زالا موجودين.


لقد طُعّم الأمميّون المؤمنون المتجدّدون في هذه الشجرة، ولكنّهم يحصلون على العصارة الغذائية من الجذع والجذر اللذان يمثلاّن المؤمنين من الإسرائيليين.


فإنَّ ما حدث لأولئك الذين رفضوا يسوع يمكن أن يحدث أيضاً للأمميين الذين آمنوا. الكتاب المقدّس لا يكرز بالمبدأ «خلصت مرة، خلصت للأبد.» فكما يُقدّم الخلاص مجّاناً، فيمكن أن يُرفض مجاناً أيضاً. وعلى الرغم من أننا يجب أن نكون حذرين من الاعتقاد بأنّنا في كل مرة نسقط فيها نكون خارج نطاق الخلاص، أو أننّا لا نخلص ما لم نصير كاملين، إلا أنه يجب أن نحترس كذلك من الحفرة المضادّة. وهذه الحفرة المضادة هي الفكرة القائلة أنه متى تغطينا بنعمة الله، فإنه ليس في إمكاننا أن نفعل شيئاً، ولا من خيارات نتخذها يمكنها أن تنزع مِنَّا امتياز الخلاص. في النهاية، فقط أولئك الذين «يثبتون في لطفه» (رومية ١١: ٢٢) سوف يخلصون.


لا ينبغي للمؤمن أن يفتخر بصلاحه أو يشعر بأي تشامخ على إخوته وأخواته في البشرية. إنّ خلاصنا لم يُكتسب، إنّه كان هبةً مجّانية. فأمام الصليب، وأمام معيار قداسة الله، نحن جميعنا متساوون: خطاة يحتاجون إلى النعمة الإلهيّة، خطاة يحتاجون إلى قداسة ينالونها فقط من خلال النعمة. ليس لدينا شيءٌ من ذواتنا لنفتخر به؛ افتخارنا يجب أن يكون فقط في المسيح يسوع وما فعله لأجلنا بقدومه إلى العالم في جسدِ بشري. فقد قاسى مصائبنا ومات لأجل خطايانا، مقدماً لنا نموذجاً نحيا على منواله، ووعد بمنحنا القدرة التي تمكننا من عيش هذه الحياة. وفي كل هذا، نحن معتمدون عليه بالتمام لأننا بدونه لن يكون لنا رجاء سوى ذلك الذي يقدّمه هذا العالم.




«وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ» (رومية ١١: ٢٦)


اقرأ رومية ١١: ٢٥- ٢٧. ما الأحداث العظيمة التي يتنبأ بها بولس الرسول هنا؟


منذ عدّة قرون وإلى وقتنا هذا، يواصل المسيحيّون، وبصفة مستمرة، النقاش والجدال بشأن رومية ١١: ٢٥- ٢٧. ومع ذلك، فهناك بعض النقاط الواضحة. بداية، المضمون السائد هو أن الله يسعى إلى الوصول إلى اليهود. وما يقوله الرسول بولس يأتي إجابة على السؤال الوارد في أول الأصحاح: «أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟» وإجابته، بالطبع، هي لا. والتعليل الذي يعطيه هو (١) أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا. و (٢) أَنَّ الْقَسَاوَةَ مؤقتة «إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ».


ما معنى «مِلْؤُ الأُمَمِ»؟ يرى كثيرون أنّ هذه العبارة هي تعبير عن إتمام مأمورية البشارة، التي بموجبها يسمع كلّ العالم رسالة الإنجيل. إنَّ «مُلء الأمم» يكون قد أتى عندما تصل بشارة الإنجيل إلى كلّ العالم، وعندما يُسْتَعْلَن إيمان إسرائيل بالمسيح ويُنْشر في العالم أجمع. وعندما يكرز ببشارة الإنجيل في جميع أنحاء العالم. وعندما يصير مجيء يسوع قريباً. عند هذه النقطة، وقتذاك، سيأتي كثير من اليهود إلى المسيح.


نقطة أخرى صعبة الفهم هي أنّ جَمِيع إِسْرَائِيلَ سَيَخْلُصُ (رومية ١١: ٢٦). لا يجب أن يفسّر ذلك على أنه يعني أنّ كلّ يهودي سوف يحصل على الخلاص آخر الأيام بمرسوم إلهي. إنّ الوحي المقدّس لم يبشّر قط بالخلاص الجماعي أو المسكوني، لا للجنس البشري كلّه، أو لقسم معيّن منه. كان بولس يأمل في خلاص «أُنَاسًا مِنْهُمْ» (رومية ١١: ١٤). وقد قَبِل بعض من اليهود المسيّا، والبعض الآخر رفضه.


تعليقاً على رومية ١١، تتحدّث روح النبوة فتقول: «عند ختام فرصة الكرازة بالإنجيل» فإنَّ كثيرين «من اليهود ... سيقبلون المسيح بالإيمان فادياً لهم» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٣٢٥).


«يوجد عمل عظيم يجب القيام به في عالمنا. لقد أعلن الرب الإله أنّ الأمم ستُجمع داخل الْحَظِيرَةِ، ليس الأمم فحسب، بل اليهود أيضاً. فإنَّ هناك الكثير من بين اليهود سوف يتجدّدون وسنرى من خلالهم خلاص الله ينتشر كالمصباح المنير. يوجد يهود هنا وهناك في كلّ مكان وعلينا أن نحمل لهم نور الحقّ الحاضر. سوف يُقْبِلُ الكثيرون منهم إلى النور وسيعلنون ثبات ناموس الله وعدم تغييره بقوّة عظيمة» (روح النبوة، مجلد الكرازة، صفحة ٥٧٨).






خلاص الخطاة


إنّ محبّة بولس الرسول لشعبه وخاصّته تتّضح من رومية ١١: ٢٥- ٢٧. ولا بد وأنه كان من الصعب على بولس أن يرى بعضاً من بني وطنه يحاربونه ويحاربون الحق الوارد بالإنجيل. ومع ذلك، ففي هذا كله، كان بولس لا يزال يعتقد بأنّ كثيرين منهم سوف ينتبهون إلى يسوع باعتباره المسيّا ويقبلونه.


اقرأ رومية ١١: ٢٨- ٣٦. كيف يبيّن بولس محبّة الله ليس فقط لليهود ولكن للبشرية جمعاء؟ كيف يعبّر هنا عن قوّة نعمة الله المذهلة التي لا يمكن تفسيرها؟


من خلال رومية ١١: ٢٨- ٣٦، ورغم أن هناك مقارنة بين اليهود والأمم، توجد نقطة واضحة، وهي أن نعمة الله ومحبته ونعمته تنسكب على الخطاة. إنه حتى من قبل تأسيس العالم، كانت خطُة الله أن يُخلِّص البشريّة وأن يستخدم أناساً، بل وحتى أمماً، كأدوات في يديه ليتممّ مشيئته الإلهية.


اقرأ بتدقيق وبروح الصلاة رومية ١١: ٣١. ما النقطة الهامة التي ينبغي أن تخرج بها من هذا النصّ فيما يتعلق بشهادتنا، ليس فقط لليهود بل لكلّ الناس الذين نتقابل معهم؟


لا شكّ بأنّه لو عاملت الكنيسة المسيحيّة اليهود بطريقة أفضل في القرون الماضية، لربما كان الكثيرون منهم قد أتوا إلى المسيح (المسيّا المنتظر). إنّ تدهور الحالة المسيحيّة في القرون الأولى بعد المسيح وتأثير الوثنية على المسيحييّن ورفض سبت اليوم السابع لصالح يوم الأحد، لم تجعل الأمر سهلاً أمام الشخص اليهودي الذي كان من الممكن أن ينجذب إلى يسوع.


كم هو ضروري، إذن، أنّ جميع المسيحييّن، عند إدراكهم أنّ النعمة قد مُنحت لهم بيسوع، يقومون هم أيضاً بإظهارها نحو الآخرين. فلا يمكن أن نكون مسيحيين إن لم نفعل ذلك. (انظر متى ١٨: ٢٣- ٣٥).






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة، من كتاب أعمال الرسل، الفصل الذي بعنوان «أمام السنهدريم»، صفحة ٦٠-٦٧، والفصل الذي بعنوان «المضطهد يصير تلميذاً»، صفحة ٩١-١٠٠، والفصل الذي بعنوان «رسائل كُتبت من روما»، صفحة ٤٠٧-٤٢٠.


«وبالرغم من إخفاق إسرائيل كأمة فقد بقيت بينهم بقية صالحة ممن كان لا بد أن يخلصوا. وفي وقت مجيء المخلص كان يوجد بعض الرجال والنساء الأمناء الذين قبلوا بفرح رسالة يوحنا المعمدان وهكذا بدأوا يدرسون من جديد النبوات الخاصة بالمسيا. وعندما تأسست الكنيسة المسيحية الأولى، كانت مكونة من هؤلاء اليهود الأمناء الذين عرفوا يسوع الناصري باعتباره الشخص الذي كانوا ينتظرون مجيئه بشوق» (روح النبوة، أعمال الرسل صفحة ٣٢١-٣٢٢).


«يوجد بين اليهود جماعة يشبهون شاول الطرسوسي إذ هم مقتدرون في الكتب وهؤلاء سيعلنون بقوة عجيبة ثبات شريعة الله. ... فإذ يعمل خدامه بإيمان في خدمة من قد أُهملوا واحتقروا طويلاً، فسيعلن الله خلاصه» (المرجع نفسه، صفحة ٣٢٥- ٣٢٦).


«وعند ختام فرصة الكرازة بالإنجيل، عندما يعمل عمل خاص لبعض هيئات الناس الذين قد أُهمل شأنهم من قبل. فالله ينتظر من خدامه أن يهتموا اهتماماً خاصاً بالشعب اليهودي الذي يجدونه في كل أنحاء الأرض. وحيث أن أسفار العهد القديم مندمجة في العهد الجديد في شرح قصد الله الأزلي، فسيكون هذا في نظر كثيرين من اليهود بمثابة فجر لِخَلْق جديد وقيامة للنفس. وإذ يرون مسيح عهد الإنجيل كما هو مصور وموصوف في صفحات أسفار العهد القديم، ويدركون مقدار الوضوح الذي به يشرح العهد الجديد أسفار العهد القديم، فإن قواهم العقلية الهاجعة ستستيقظ ومن ثم يعترفون بالمسيح كمخلص العالم. وكثيرون سيقبلون المسيح بالإيمان فادياً لهم» (المرجع نفسه، صفحة ٣٢٥).




الدرس الثاني عشر


١٦- ٢٢ كانون الأول (ديسمبر)


الغلبة على الشرّ بالخير






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ١٢؛ ١٣.


آية الحفظ: «وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ» (رومية ١٢: ٢).


مهما كان الرسول بولس يحاول أن يخفّف من تعنّت أهل رومية والحدّ من أفكارهم الخاطئة عن الناموس، فهو يدعو المسيحيين أيضاً إلى طاعةٍ قصوى. هذه الطاعة تأتي من تغيير داخلي في القلب والعقل، تغيير يأتي فقط من خلال قوّة الله العاملة في حياة الإنسان الخاضع له.


الرسالة إلى رومية لا تُلمّح بأنّ الطاعة تأتي تلقائياً. ينبغي على المسيحي أن يستنير في معرفة المطاليب، وينبغي أن يرغب في إطاعة هذه المطاليب، وأخيراً ينبغي أن يسعى في طلب القوّة التي بدونها تكون الطاعة مستحيلة.


إنّ هذا يعني بأنّ الأعمال هي جزء من الإيمان المسيحي. لم يقصد بولس أبداً أن يقلّل من أهميّة الأعمال. فهو يشدّد على الأعمال في الأصحاحات ١٣، ١٤، ١٥. وهذا ليس إنكارٌ لما قاله سابقاً عن التبرير بالإيمان. وعلى عكس ذلك، فالأعمال هي التعبير الحقيقي عن السلوك بالإيمان. ويمكن للمرء أن يجادل بأنّه بسبب الإعلان الإضافي بعد مجيء يسوع، فإنّ المطاليب ازدادت صعوبةً عنها في العهد القديم. فمؤمنو العهد الجديد قد أُعْطوا نموذجاً للسلوك الأخلاقي اللائق في حياة يسوع المسيح. فالمسيحُ وحده وليس سواه هو الذي أظهر النموذج الذي يجب أن يُتّبع. «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي [ليس في موسى ولا دانيال ولا داود ولا سليمان ولا أخنوخ ولا دبّورة ولا إيليّا] فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي ٢: ٥). فالمستوى لا يمكن أن يسمو أكثر من ذلك.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٣ كانون الأول (ديسمبر).




عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ


لقد انتهى القسم العقائدي لرسالة رومية بالأصحاح ١١. والأصحاحات ١٢- ١٦ تقدّم تعليماً عمليّاً، وملاحظات شخصيّة. ولكنّ هذه الأصحاحات الختاميّة هي هامّة للغاية لأنها تبيّن كيف نحيا حياة الإيمان.


في البداية، الإيمان ليس بديلاً عن الطاعة، كما لو أنّ الإيمان يلغي بطريقة ما التزامنا بإطاعة الرب. فالتعاليم والإرشادات الروحيّة والأخلاقية لا زالت سارية المفعول. فإنّها تُشرح وتُوضّح بالتفصيل في العهد الجديد. كما لا يوجد دليل كذلك على أنّه سيكون من السهل على المسيحي أن ينظّم حياته عن طريق هذه التعليمات الإرشاديّة المتعلقة بالمبادئ الأخلاقية. على العكس من ذلك، فقد أُخبرنا بأنّ الأمر يكون صعباً أحيانا، لأنّ الحرب مع النفس ومع الخطيّة هي دائماً صعبة. (١ بطرس ٤: ١). المسيحي قد وُعد بقوّة إلهيّة وأُعطي التأكيد بأن النصرة ممكنة، ولكنّنا لا زلنا على أرض العدو وعلينا أن نخوض الكثير من المعارك ضد التجربة. والخبر السار هو أننّا إذا سقطنا أو تعثّرنا فإننا لا نُرفض، وذلك لأنّ لنا رَئِيسُ كَهَنَةٍ يَشْفَع فِينا. (عبرانيين ٧: ٢٥).


اقرأ رومية ١٢: ١. كيف يُبيِّن لنا التشابه الجزئي المقدم هنا الطريقة التي ينبغي لنا كمسيحيين أن نعيش بها حياتنا؟ وكيف يتناسب ما جاء في رومية ١٢: ٢ مع هذا الأمر؟


يشير الرسول بولس، في رومية ١٢: ١، إلى التقدمات في العهد القديم. وكما كانت الحيوانات تُقدم فِي الْقَدِيم ذبيحة لله فهكذا المسيحيّون الآن يجب أن يخضعوا أجسادهم لله. ليس ليُقتلوا بل يُقدَّموا كذبائح حية مكرسة.


في عهد إسرائيل القديم، كانت كلّ تقدمة تُفحص جيّداً. فلو اكتُشف أي عيب في الحيوان، كان يُرفضُ لأنّ الله قد أمر بأنّ الذبيحة تكون بلا لوم. لذلك، فالمسيحيّون مطالبون بأن يقدّموا أجسادهم «ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ». ولكي يفعلوا ذلك، فكلّ مقدّراتهم يجب أن تُحْفَظ في أفضل حالة ممكنة. ومع أنّه لا يوجد فيما بيننا مَن هو معصوم من الخطأ، فالفكرة هي أنّنا ينبغي أن نسعى إلى عيش حياة طاهرة بلا شوائب وبأمانة بقدر استطاعتنا.






أن تُفَكِّر بعقلانية


لقد تحدَثنا كثيراً في هذا الربع عن دوام الناموس الأدبي وشدّدنا مراراً عديدةً بأنّ رسالة بولس لأهل رومية لا تعلّم بأنّ الوصايا العشر قد عفا عليها الزمن أو أُبطل مفعولها بالإيمان.


ومع ذلك فمن السهل أن ننجرف وراء حرفيّة الناموس لدرجةٍ ننسى معها البُعد الروحي للناموس. وهذا البُعد الروحي يعني محبتنا لله ومحبّتنا الواحد للآخر. وبينما يمكن أن يتظاهر أي إنسانٍ بالمحبّة، إلا أن إظهار المحبّة في الحياة اليوميّة يمكن أن يكون شيئاً آخر يختلف كلّيةً.


اقرأ رومية ١٢: ٣- ٢١. كيف يجب أن نُظْهِر محبّتنا للآخرين؟


كما يتضح في الأصحاحين ١٢ و ١٣ من كورنثوس الأولى، فإن بولس الرسول يرفع المحبّة عالياً بعد ذِكر مواهب الروح القدس. المحبّة (أغابي) في اليونانيّة هي الطريق الأسمى. «الله محبّة (١يوحنا ٤: ٨). لذا، فالمحبّة هي تصوير لصفات الله. أن تحب معناها أن تتصّرف مع الآخرين كما يتصرّف الله معهم وأن تعاملهم كما يعاملهم الآب السماوي الحنون.


يبيّن بولس الرسول هنا أنّ المحبّة يجب أن يُعبّر عنها بطريقة عمليّة، وهنا تبرز صفة هامّة وهي التواضع الشخصي: أي استعداد كل واحد منا «أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ» (رومية ١٢: ٣)، واستعدادنا لأن نقدِّمَ بَعْضنا بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ (رومية ١٢: ١٠). وما يوضح جوهر وخلاصة هذا الموضوع هو كلمات المسيح عن نفسه «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ» (متى ١١: ٢٩).


يجب أن يكون المسيحيّون أكثر الناس تواضعاً. فعلى كل حال، انظروا إلى مدى ضعفنا وعجزنا كبشر. انظروا إلى أي درجةٍ سقطنا. انظروا إلى مدى اعتمادنا، ليس فقط على برّ خارج عنّا لنيل الخلاص، ولكن على قوّة تعمل فينا لتغيرّنا بطرق حيث لا نقوى نحن على تغيير أنفسنا. فما هي دواعي افتخارنا واعتدادنا بأنفسنا؟ لا شيء البتّة. ولكي نتحلى بهذا التواضع الشخصي – ليس فقط تُجَاهَ الله وإنما تُجَاهَ الآخرين – علينا أن نحيا كما يهيب بنا الرسول بولس في هذه الآيات.






المسيحي والدولة


اقرأ رومية ١٣: ١- ٧. ما المبادئ الرئيسيّة التي نأخذها من هذه الفقرة عن الطرق التي بها نتعامل مع سلطة الحكومة المدنيّة؟


ما يجعل كلمات بولس مثيرة للاهتمام جداً هو أنه كتبها في الوقت الذي كانت فيه إمبراطورية وثنية تحكم العالم. لقد كانت سلطة وحشية بشكل لا يُصَدَّقُ، سلطة كانت قابعةً في الفساد، لا تعرف شيئاً عن الإله الحقيقي. وفي غضون بضع سنوات، كانت تلك السلطة ستتمكن من أن تشنّ اضطهاداً جماعياً مكثّفاً على أولئك الذين يودّون أن يعبدوا هذا الإله الحقيقي. هذه السلطة الغاشمة هي ذاتها التي أزهقت روح الرسول بولس. وبالرغم من ذلك، فقد دعا بولس المسيحييّن إلى أن يكونوا مواطنين صالحين أمناء، حتى تحت سلطة جائرة كهذه.


وسبب ذلك هو أن فكرة الحكومة ذاتها ورد ذكرها في كلّ الكتاب المقدّس. فإن مفهوم أو مبدأ الحكومة هو من تعيين الله. فالبشر يحتاجون أن يعيشوا في مجتمع به قوانين وقواعد وإرشادات. فنظام الفوضى، أي عدم وجود سلطة أو حكومة، ليس مفهوماً كتابياً.


ومع ذلك، فإنَّ هذا لا يعني أن الله يوافق على كلّ أنماط الحكومات، أو كيفية إدارة هذه الحكومات. على العكس تماماً، فلا يلزم أن نذهب بعيداً في التاريخ أو في عالمنا اليوم حتّى نرى أنظمةَ حكمٍ تعسفية. ومع ذلك، فإنه حتّى في أوضاع كهذه، يجب على المسيحييّن، بقدر الإمكان، أن يطيعوا قوانين البلاد. وعلى المسيحييّن أن يؤيّدوا الحكومات في ولاءٍ وإخلاصٍ طالما تتوافق مطاليبها مع مشيئة الله. ويجب على المرء أن يفكر ملياً وبروح الصلاة، مع طلب مشورة الآخرين ممَّن يتسمون بالتعقل والرزانة، قبل أن يسلك طريقاً يضعه في صراع مع السلطة الحاكمة. إننا نعلم من النبوءات أنّه سيأتي اليوم الذي سيقف فيه أتباع الله الأمناء ضدّ القوى السياسيّة المسيطرة على العالم (رؤيا ١٣). حتّى ذلك الحين، يجب أن نعمل ما باستطاعتنا، أمام الله، وأن نكون مواطنين أمناء مخلصين في أيّة دولة نتواجد فيها.


«وعلينا أن نعتبر الحكومة البشرية مُعَيَّنة من الله ونعلِّم الناس الطاعة لها على أنها واجب مقدس في حدود محيطها المشروع. ولكن عندما تتعارض مطاليبها مع مطاليب الله فينبغي لنا أن نطيع الله أكثر من الناس. علينا أن نعتبر كلمة الله فوق كل قانون بشري. ...


«إنه لا يطلب مِنَّا أن نتحدى السلطات. فكلامنا سواء أكان شفهياً أو مكتوباً ينبغي التأمل فيه بكل حرص وحذر لئلا يسجّل علينا أننا ننطق بكلام يجعلنا نبدو كأننا خصوم القانون والنظام. علينا ألا نقول أو نفعل شيئاً يقطع علينا الطريق بلا داعٍ أو ضرورة. وعلينا أن نتقدم باسم المسيح مدافعين عن الحقائق المسَلَّمة لنا» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٥٢).




احبّوا بعضكم بعضاً


«لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ» (رومية ١٣: ٨). كيف لنا أن نفهم هذه الفقرة؟ هل تعني أنه إذا كنا نحب بعضنا بعضاً نكون عندها غير مُلْزَمِينَ بأن نطيع شريعة الله؟


كما فعل يسوع في الموعظة على الجبل، يسهب بولس الرسول هنا في الحديث عن أحكام وتعاليم الناموس، مُظْهِراً بأنّ المحبّة يجب أن تكون المحرّك الدافع لكلّ ما نعمل. ولأنّ الناموس هو انعكاس لصفات الله، ولأن الله محبّة، فإنك عندما تحبّ فإنك تتمّم الناموس الأدبي بطريقة عملية. ومع هذا، فإن بولس لم يستبدل مبادئ الناموس المفصّلة بدقة، بنموذج غير واضح من المحبة، كما يدّعي بعض المسحيين. وإنّما المحبّة التي أشار إليها بولس هي المحبة السماوية «أغابي» التي تُبجّل الناموس وتكرمه. فإنَّ الناموس لا زال ساري المفعول، لأن الناموس، وكما ذكرنا من قبل، هو الذي يشير إلى الخطيّة. ومن ذا الذي ينكر حقيقة الخطيّة؟ ومع ذلك، يمكن للناموس أن يُحْفَظَ بحق وبشكل صحيح فقط في سياق المحبّة. تذكّر أنّ بعضاً من أولئك الذين جرّوا المسيح للصليب، هرولوا راجعين إلى منازلهم ليحفظوا الناموس.


ما الوصايا التي ذكرها بولس الرسول كأمثلة تبيّن مبدأ المحبّة في حفظ الناموس؟ لماذا هذه الوصايا بالذات؟ رومية ١٣: ٩، ١٠.


من المثير للاهتمام، أن عنصر المحبّة لم يكن مبدأً حديثاً يتم تقديمه. باقتباس لاويين ١٩: ١٨ «تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ»، يبيّن بولس بأنّ المحبّة كانت جزءاً لا يتجزأ من نظام العهد القديم. ويلجأ بولس الرسول مجدداً إلى العهد القديم كي يدعم كرازته بالإنجيل. وفي ضوء هذه الفقرة الكتابية، يجادل البعض بأن فقط الوصايا التي ذكرها بولس هنا هي وحدها التي لا تزال سارية المفعول، دون باقي الوصايا العشر. فلو كان الأمر كذلك، فهل هذا يعني، إذن، أنه يمكن للمسيحيين احتقار وإهانة والديهم بدل أن يكرموهم، أو أنْ يعبدوا الأوثان وأن تكون لهم آلهة أخرى أمام الله؟ بالطبع لا.  


انظر إلى السياق هنا، فإنّ بولس الرسول يتحدّث عن تعاملنا مع بعضنا البعض. فهو يتعامل مع العلاقات الشخصية، وهذا هو السبب في أنه حدد وَذَكَر الوصايا التي تتركّز حول هذه العلاقات. وبالتأكيد لا ينبغي تفسير حديثه هنا على أنّه قد أبطل بقيّة وصايا الناموس الأدبي. (انظر أعمال ١٥: ٢٠؛ ١تسالونيكي ١: ٩؛ ١يوحنا ٥: ٢١). علاوة على ذلك، وكما يُبين بقية كتبة العهد الجديد، فإنّه بإظهار محبتنا للآخرين فنحن نبيّن بذلك محبّتنا لله. (متى ٢٥: ٤٠؛ ١يوحنا ٤: ٢٠، ٢١).






خَلاَصنَا الآنَ أَقْرَبُ


«هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا» (رومية ١٣: ١١).


وكما ذكرنا طوال هذا الربع، فقد كان لبولس تركيزٌ محددٌ جداً في رسالته إلى رومية، وهو أن يوضّح لكنيسة رومية – وخاصّةً إلى المؤمنين اليهود – دور الإيمان والأعمال في سياق الميثاق الجديد. الموضوع كان الخلاص وكيف يعتبر الخاطئ باراً ومقدّساً أمام الله. وكي يساعد أولئك الذين ركزوا كل اهتمامهم على الناموس، وضع بولس الناموس في دوره ومكانه الملائمين. فمع أنّ الديانة اليهوديّة، حتى في أزمنة العهد القديم، كانت، من الناحية المثالية، ديانة نعمة، إلا أن التقيّد بحرفية الناموس قد طغى وتسبّب في إحداث الكثير من الضرر. كم نحن بحاجة إلى أن نكون حذرين ككنيسة من الوقوع في نفس الخطأ.


اقرأ رومية ١٣: ١١- ١٤. ما الحدث الذي يتكلم عنه بولس الرسول هنا، وكيف يجب أن نتصرّف بينما ننتظر حدوثه؟


كم كان رائعاً أن يتحدّث بولس هنا إلى المؤمنين مخبراً إياهم بضرورة الاستعداد والسهر وتدبير جميع أمورهم لأن يسوع كان سيرجع ثانيةً. ولا يهم كون أن هذا الكلام قد دوِّن منذ أكثر من ألفي سنة، فإنّه يجب علينا أن نحيا دائماً منتظرين قرب مجيء المسيح. فبالنسبة لنا، فإنّ مجيء المسيح ثانيةً قريب الحدوث كإمكانية مَوْتِنا تماماً. وسواء متنا الأسبوع القادم أو بعد أربعين سنة، وسواء رقدنا في القبر لمدة أربعة أيام أو لمدة أربعمائة سنة، لا يختلف الأمر بالنسبة لنا. فإنَّ أول شيء ندركه بعد قيامتنا هو المجيء الثاني للمسيح. ولأن الموت يمكنه أن يداهم أي واحد منا في أية لحظة، يصبح الوقت قصيراً حقاً، ويصير خلاصنا أقرب ممّا كان حين آمنّا.


ومع أنّ بولس الرسول لا يطرق موضوع المجيء الثاني كثيراً في رسالته إلى رومية، إلا أنه يغطّي هذا الموضوع بمزيد من التفاصيل في رسائله إلى تسالونيكي وتيموثاوس. وعلى أي حال، فإنَّ موضوع المجيء الثاني للمسيح هام جدّاً في الكتاب المقدس ولاسيما في العهد الجديد. فبدونه وبدون الرجاء الذي ينطوي عليه، يكون إيماننا بلا جدوى. وعلى أي حال، ما الذي يعنيه «التبرير بالإيمان» بدون المجيء الثاني الذي يجعل ذلك الحق الرائع يؤتي ثماره؟






لمزيد من الدرس: «في الكتاب المقدّس تُعلَن إرادة الله. حقائق كلمة الله هي ما نطق العليّ القدير به. فذاك الذي يجعل هذه الحقائق والمبادئ جزءاً لا يتجزأ من حياته يصبح بكلّ معنى الكلمة خليقة جديدة. ومثل هذا الإنسان لا يُعطى قوى عقليّة جديدة، وإنّما يتم إزالة الظلام الذي كان يخيّم على فكره من أثر الجهل والخطيّة. إن عبارة ’وأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا‘ تعني ’وأعطيكم عقلاً جديداً‘. فإن التغيير في القلب يلازمه دائماً اقتناع واضح بالواجب المسيحي وفهمٍ للحقّ. والإنسان الذي يُولِي كلام الله اهتماماً وخشوعاً قلبياً، سينال فهماً جليّاً وحكمةً وحُسن تقدير، وكما لو أنهُ بالرجوع إلى الله قد ارتقى إلى مستوى أعلى من الفطنة» (روح النبوة، حياتي اليوم، صفحة ٢٤).


«الرب... آتٍ سريعاً، ونحن يجب علينا أن نكون مستعديّن ومنتظرين ظهوره. آهٍ، ما أروع ذلك المشهد أن نراه فيرحّب بنا نحن مفديّه! لقد طال انتظارنا ولكنّ رجاؤنا لم يضمحلُ. فلو قُدّر لنا فقط أن نرى المَلك في بهائه، سنكون مباركين إلى الأبد. أشعر بأنّني يجب أن أصرخ بصوت جهوري: «إنّنا متجهون لمنزلنا، إننّا نقترب من ميعاد قدوم المسيح بقوّة ومجد عظيم ليأخذ المفدييّن إلى موطنهم الأبدي السعيد» (روح النبوة شهادات للكنيسة، مجلد ٨، صفحة ٢٥٣).




الدرس الثالث عشر


٢٣- ٢٩ كانون الأول (ديسمبر)


الحياة المسيحيّة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: رومية ١٤-١٦.


آية الحفظ: «فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ» (رومية ١٤: ١٠).


نحن الآن في دراسة الجزء الأخير من الرسالة إلى رومية، وهي الرسالة التي وُلِدت من خلالها نهضة الإصلاح البروتستانتي. إنَّ هذا السِّفر الكتابي يُبيّن لنا أكثر من غيره، لماذا نحن بروتستانت ولماذا يجب أن نظلّ هكذا. وكبروتستانت، وخاصّة كأدﭬنتست سبتييّن، نستند على مبدأ (الكتاب المقدس وحده هو مقياس إيماننا). وقد تعلّمنا من الكتاب المقدس نفس الحقّ الذي دفع آباءنا الأولين، منذ عدّة قرون مضت، إلى أن ينفصلوا عن روما- إنه الحق العظيم المتعلق بالخلاص بالإيمان. إنّه الحق الذي يتم الإعلان عنه بقوة في رسالة بولس إلى أهل رومية.


ولربّما يمكن تلخيص الأمر كلّه بسؤال السجّان الوثني، «مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟» (أعمال ١٦: ٣٠). ولقد جاءت الإجابة على هذا السؤال في سِفر رومية، ولم تكن الإجابة كتلك التي كانت تعطيها الكنيسة في عهد مارتن لوثر. عندئذ، بدأت نهضة الإصلاح وها نحن اليوم.


يتناول الرسول بولس في القسم الأخير من الرسالة إلى رومية بعض المواضيع الأخرى التي ربما لم تكن محورية بالنسبة لموضوعه الرئيسي، ولكنّها كانت هامة بما يكفي لدرجة أنه قد تم تضمينها في الرسالة. وهكذا فإنها، بالنسبة لنا، كتابات مقدسّة كذلك.


كيف أنهى بولس الرسول هذه الرسالة، ماذا كتب، وما هي الحقائق المدونة فيها، لنا نحن الذين نُعتبر ليس ورثةً لبولس فحسب بل نحن، في الحقيقة ورثة للنهضة الإصلاحيّة البروتستانتيّة أيضاً؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٣٠ كانون الأول (ديسمبر).




ضعفاء في الإيمان


في رومية ١٤: ١- ٣، السؤال الذي يختصّ بأكل اللحوم التي ربما تكون قد قُدّمت للأوثان. قضى مجمع أورشليم (أعمال ١٥) بأنّ المتجدّدين من الأمم يجب أن يمتنعوا عن أكل هذه الأطعمة. ولكن ظلّ سؤال عّما إذا كانت اللحوم المُباعة في السوق العام قد جاءت من حيوانات قُدّمت كذبائح للأوثان. (انظر ١كورنثوس ١٠: ٢٥). لم يأبه بعض المسيحييّن بتاتاً بهذا الأمر؛ ولجأ آخرون للطعام النباتي عندما كان ينتابهم أدنى شك من أن اللحوم ربما تكون قد قُدمت للأوثان. ولم تكن لهذه القضية أي علاقة بمسألة الغذاء النباتي والعيش الصحي. كما أن بولس لم يكن يرمي إلى القول بأنّ الفرق بين اللحوم الطاهرة والنجسة قد ألغي. فلم يكن ذلك هو الموضوع محور النقاش. فلو أنّ الكلمات «وَاحِدٌ يُؤْمِنُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ شَيْءٍ» (رومية ١٤: ٢) كانت تعني بأنّ كلّ حيوان طاهر أو نجس، يمكن أكله، لكان قد أُسيء تطبيقه. فبمقارنة هذه الفقرة مع ما جاء في الفقرات الأخرى بالعهد الجديد، لسوف يتّضح الأمر ويثبت عدم صحة الادعاء بأنّ الفرق بين اللحوم الطاهرة والنجسة قد أُلغي.


وفي الوقت نفسه، فإنَّ عبارة أن تقبل شخصاً ضعيفاً في الإيمان كانت تعني منحه عضوية كاملة ووضعية اجتماعية تامة. ولم يكن يتم مجادلة مثل هذا الشخص، ولكنه كان يُعطى الحق في إبداء رأيه ومشاركة أفكاره.


ما هو المبدأ الذي ينبغي أن نحصل عليه من رومية ١٤: ١-٣؟


إنّه من المهم أيضاً ملاحظة أنّ الرسول بولس، في رومية ١٤: ٣، لا يتكلّم بطريقة سلبيّة عن الإنسانِ «ضَعِيف الإِيمَانِ» المُشَار إليه في رومية ١٤: ١. كما أن بولس لا يُعطي هذا الشخص نصيحة حول كيف يصبح قويّاً في الإيمان. وبالنسبة لله، فإنّ المسيحي شديد التدقيق والتزمُّت (ويبدو أنه يُحكم عليه بأنه شديد التدقيق والتزمت، ليس مِن قِبَل الله، وإنّما مِن قِبل إخوته وأخواته المسيحييّن)، هذا المسيحي مستحسنٌ، «لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ».


كيف توضّح رومية ١٤: ٤ ما قد نظرنا إليه توّاً؟






أمام كرسي الدينونة


اقرأ رومية ١٤: ١٠. ما السبب الذي يعطيه الرسول بولس لنا هنا لكي نكون حذرين في الحكم على الآخرين؟


في أحيان كثيرة نحكم بقسوة على الآخرين. وغالباً على ذات الأخطاء التي نرتكبها بأنفسنا. ومع ذلك، وفي كثير من الأحيان، نحن نميل إلى النظر إلى أخطاء الآخرين على أنها أسوأ بكثير من أخطائنا نحن، على الرغم من أنها قد تكون نفس الأخطاء. قد نخدع أنفسنا، وليس الله، الذي حذّرنا قائلاً «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.  وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ» (متى ٧: ١- ٤).


ما مغزى العبارة التي يقدّمها الرسول بولس هنا من العهد القديم؟ رومية ١٤: ١١.


الاقتباس المأخوذ من إشعياء ٤٥: ٢٣ يعزّز الفكرة بأنّ الجميع سيظهرون أَمَامَ كُرْسِيِّ الديّان للمحاكمة. الانطباع هو أنّ كلّ واحد يحتاج أن يجيب عن حياته وأعماله. (رومية ١٤: ١٢). لا يقدر أحدٌ أن يجيب عن الآخر. وبهذا المعنى الهام، نحن لسنا حُرَّاس أخينا.


مع وضع السياق في الاعتبار، كيف تفهم ما يقوله الرسول بولس في رومية ١٤: ١٤؟


الموضوع لا يزال الأطعمة المقدمة للأوثان. ومن الواضح أن المسألة لا تتعلق بالتمييز بين الأطعمة الطاهرة والأطعمة النجسة. فإنّ بولس يقول بأنّه لا يضير تناول أطعمةٍ قد تكون فعلاً قُدّمت للأوثان. وعلى أي حال، ما هو الوثن؟ إنّه لا شيء (انظر ١كورنثوس ٨: ٤)، لذلك، فمَن يهتم ما إذا كان أحدٌ قد قدّم طعاماً لتمثالٍ أو ضفدعةٍ أو ثورٍ؟


لا يجب أن يُجبر الإنسان بأن ينتهك ضميره حتى إن كان الضمير مفرطاً في الحساسية. لم يتفهّم الإخوة «الأقوياء» روحيّاً هذه الحقيقة. وقد احتقروا إخوتهم المدقّقين المتزمتين، «الضعفاء»، ووضعوا في طريقهم أحجار عثرة.






لا مَعْثَرَة


اقرأ رومية ١٤: ١٥- ٢٣ (انظر أيضاً ١كورنثوس ٨: ١٢، ١٣). في السطور أدناه، لخّص النقاط الرئيسية التي يقولها بولس. ما هو المبدأ الذي نخرج به من هذه الفقرة ويمكن أن نطبّقه في جميع مجالات حياتنا؟


في رومية ١٤: ١٧-٢٠، يرتّب بولس الرسول جوانب متعدّدة في المسيحيّة ترتيباً ملائماً. ومع أنّ الطعام هام، إلا أنه لا يجب أن يتخاصم المسيحيّون بخصوص اختيارات بعض الناس في أن يأكلوا خضرةً بدلاً من تناول اللحوم التي قد تكون قُدّمت للأوثان. فإنه يجب أن يركّزوا، بدلاً من ذلك، على البرّ والسلام والفرح في الروح القدس. كيف يتسنّى لنا تطبيق هذه الفكرة على الأسئلة المتعلقة بالنظام الغذائي في كنيستنا اليوم؟ فعلى الرغم من أن الرسالة الصحيّة، وخاصة التعاليم المتعلقة بالغذاء، يمكن أن تكون بركة لنا، إلا أنَّ ليس كلّ إنسان ينظر إلى هذه المسألة بنفس الطريقة، ونحن بحاجة إلى احترام تلك الاختلافات.


وسط كلّ هذا الكلام المتعلق بترك الناس لضمائرهم، يضيف بولس الرسول في رومية ١٤: ٢٢، إنذاراً مثيراً للاهتمام جداً فيقول: «طُوبَى لِمَنْ لاَ يَدِينُ نَفْسَهُ فِي مَا يَسْتَحْسِنُهُ.» ما التحذير الذي يقدّمه بولس هنا؟ كيف ينسجم هذا التحذير مع بقيّة كلامه في هذا السياق؟


هل سبق وسمعت أحدهم يقول: «ليس من شأن أحد ماذا آكل أو ماذا ألبس أو أي نوع من الترفيه أختار؟» هل هذا صحيح؟ لا أحد منّا يعيش في فراغ. فتصرّفاتنا، كلماتنا، أفعالنا وحتى طعامنا يمكن أن يؤثر على الآخرين، إمّا للأفضل أو للأسوأ. ليس من الصعوبة أن ترى كيف يحدث هذا، أليس كذلك؟ فإذا كان هناك إنسان يتخذك قدوة ورآك تفعل شيئاً «خطأ»، فإن هذا الإنسان يمكن أن يتأثر بمثالك فيفعل نفس الشيء. إننّا نخدع أنفسنا لو فكّرنا بخلاف ذلك. فلا جدوى من قولك بأنّك لم تُجْبر هذا الإنسان على فعل ذلك. فكمسيحييّن، لدينا مسؤوليات نحو بعضنا البعض، وإذا كان مثالنا من شأنه أن يتسبب في ضلال شخص ما، فسنكون نحن المسؤولين.






حِفْظُ أيّامٍ


في هذه المناقشة حول عدم الحُكم على الآخرين الذين يرون الأمور بمنظارٍ يختلف عن رؤيتنا لها، وحول وجوب عدم أن نكون أحجار عثرة للآخرين الذين قد يسقطون بسبب تصرّفاتنا، يتطرق بولس الرسول إلى الموضوع المتعلق بالأيّام الخاصة التي يريد بعض الناس حفظها بينما لا يريد البعض الآخر القيام بذلك.


اقرأ رومية ١٤: ٤- ١٠. كيف تستوعب ما يقوله الرسول بولس هنا؟ هل هذا الكلام يتطرق إلى الوصيّة الرابعة؟ وإذا كان لا يتطرق إليها، فلماذا؟


أي الأيام يتحدّث عنها الرسول بولس؟ هل كان يوجد اختلاف في الكنيسة الأولى بخصوص حفظ أو عدم حفظ أيّام معيّنة؟ على ما يظهر أنّ الأمر كان كذلك. إننا نرى تلميحاً إلى مثل هذا الخلاف في غلاطية ٤: ٩، ١٠ حيث يوبّخ الرسول بولس المسيحييّن في غلاطية على حفظهم «أَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ.» وكما لاحظنا في الدرس الثاني، فقد قام البعض في الكنيسة بإقناع المسيحيين الغلاطيين على الإختتان وعلى حفظ بنود أخرى من ناموس موسى للفرائض. وقد كان بولس يخشى من أنَّ هذه الأفكار قد تضر الكنيسة في رومية أيضاً. ولكن لربّما في رومية، كان المسيحيّون، من أصل يهودي، هم الذين قد وجدوا صعوبة في إقناع أنفسهم بأنهم لم يعودوا بحاجة إلى حفظ الأعياد اليهوديّة. يقول الرسول بولس هنا: افعلوا ما ترونه صواباً في هذا الأمر؛ فالنقطة المهمة هي ألاّ تحكموا على أحد تختلف نظرته عن نظرتكم. وعلى ما يبدو، فإنَّ بعض المسيحيين، ومن أجل أن يكونوا على الجانب الآمن، قرّروا أن يحفظوا عيداً أو أكثر من الأعياد اليهودية. وكانت نصيحة بولس هي: دعهم يفعلون ذلك إذا كانوا مقتنعين بأنه يجب القيام به.


إنّ إقحام البعض لمسألة السبت الأسبوعي في الموضوع الوارد مناقشته في رومية ١٤: ٥، ليس له ما يبرره. فهل يتصوّر إنسان أنّ بولس يتّخذ موقفاً سلبياً ضدّ الوصيّة الرابعة؟ وكما رأينا طوال الربع، فقد وضع بولس تركيزاً شديداً على طاعة الناموس. لذلك، فالمؤكد هو أنّ بولس لم يكن ليضع سبت الوصيّة الرابعة في نفس الفئة كأولئك الأشخاص الذين كانوا يستاؤون من تناول اللحوم المقدّمة للأوثان. وعلى الرغم من أنَّ هذه النصوص الكتابية عادة ما تستخدم كمثال لإظهار أن سبت اليوم السابع لم يعد ملزِماً، إلا أنها لا تذكر شيئاً من هذا القبيل. إن استخدام تلك النصوص بهذه الطريقة هو مثال ساطع على ما حذَّر منه بطرس بشأن ما سيفعله الناس بكتابات بولس: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ» (٢بطرس ٣: ١٦).






كلمات ختاميّة


اقرأ رومية ١٥: ١-٣. ما الحقيقة المسيحيّة الهامّة التي توجد في هذه الفقرة؟


بأي كيفيّة تتضمن هذه الفقرة الكثير مما يعنيه أن تكون تابعاً للمسيح؟


ما هي الآيات الأخرى التي تعلّم بنفس الفكرة؟ والأهّم، كيف تستطيع، أنت نفسك، أن تعيش بموجب هذا المبدأ؟


عند ختام رسالته إلى أهل رومية، ما هي البركات والدعوات المنوّعة التي تفوّه بها الرسول بولس؟ رومية ١٥: ٥، ٦، ١٣، ٣٣.


إن إِله الصَّبْرِ يعني الله الذي يساعد أولاده كي يتحمّلوا بثبات. كلمة «صبر» تعني «احتمال بثبات» والكلمة consolation أي تعزية تعني «التشجيع». إنّ إِله الرَّجَاءِ هو الله الذي أعطى رجاءً للبشريّة. وبطريقة مماثلة، إِلهُ السَّلاَمِ هو الله الذي يعطي السلام، وهو الله الذي نجد فيه الأمان.


بعد تقديم العديد من التحيات الشخصية، كيف يختم بولس الرسول رسالته؟ (رومية ١٦: ٢٥- ٢٧).


يختتم الرسول بولس رسالته بتقديم تسبيح عظيم لله. إنّ الله هو مَن يضع المسيحيّون في رومية، وكل المسيحيين، كامل ثقتهم فيه ليؤكدوا مكانتهم كأبناء الله المفديين، المبرّرين بالإيمان، والآن هم يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ.


نعرف يقيناً بأنّ بولس الرسول كان مُلْهَمَاً مِنْ قِبَل الرب لكتابة هذه الرسالة استجابةً لحالة خاصّة في زمنٍ معيّن. ما لا نعرفه هو كلّ التفاصيل التي أعلنها الربّ لبولس الرسول عن المستقبل.


نعم، إنّ بولس الرسول عرف الارْتِدَاد عن الإيمان (٢تسالونيكي ٢: ٣)، مع أنّ الآية لا تذكر شيئاً عن مقدار معرفته. باختصار، نحن لا نعرف ما إذا كان لدى بولس أية إِشَارَة أو تَلْمِيح إلى الدور الذي يقوم به هو وكتاباته، وخاصة هذه الرسالة إلى أهل رومية، في أحداث العالم النهائية. وبمعنى ما، كل ذلك لا يهمّ. المهمّ هو أنّه من خلال هذه الرسائل وُلدت نهضة الإصلاح البروتستانتي. وفي هذه الرسائل، يجد الذين يسعون إلى البقاء مُخْلِصين للمسيح أنَّ لديهم، وسيكون لديهم، الأساس الكتابي الذي عليه يوطدون إيمانهم وتكريسهم، حتّى لو تعجّب العالم كلّه «وَرَاءَ الْوَحْشِ» (رؤيا ١٣: ٣).




لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة، الفصل الذي بعنوان «مساعدة المجرَّبين»، صحفة ١٥٧-١٦٧، في كتاب خدمة الشفاء.


«قد أُظهر لي خطورة قدوم أولاد الله إلى الأخ هوايت وزوجته الأخت إلن ج.هوايت مفكّرين أنّهم يجب أن يأتوا إليهما بأحمالهم ويطلبون نصائحهما. هذا الأمر يجب أن يكون بخلاف ذلك. إنّهم مدعوّون مِن قِبَل مُخلّصّهم المُحِّبّ الحنون أن يأتوا إليه عندما يكونون متعبين وثقيلي الأحمال وهو سوف يريحهم. ... كثيرون يأتون إلينا متسائلين، هل أفعل هذا؟ هل أنخرط في هذا المشروع؟ أو، بالنسبة للثياب، هل أرتدي هذه الملابس أو تلك؟ أجيبهم قائلة: «أنتم تُصرِّحُونَ بأنكم تلاميذ المسيح. ادرسوا الكتاب المقدس. ادرسوا بعناية وخشوع حياة مخلّصنا الحبيب يسوع عندما عاش على الأرض بين الناس. فَتَمَثَّلُوا بحياته، وسوف لن تجدوا أنفسكم منحرفين عن الطَّرِيق الضَّيِّقِ. إننّا نرفض رفضاً تاماً أَنْ نكون ضميراً بالنسبة لكم. إِنْ نحن قلنا لكم ما يجب عليكم القيام به، فسوف تتطلّعون إلينا لإرشادكم بدلاً مِنْ التوجّه بأنفسكم إلى الرب يسوع مباشرة» (روح النبوة، شهادات للكنيسة، مجلد ٢، صفحة ١١٨، ١١٩).


«ولكن ليس لنا أن نلقي تبعة واجباتنا على الآخرين وننتظر منهم أن يخبرونا بما يجب أن نعمل. فنحن لا يمكننا الاعتماد على البشر في طلب المشورة. إن الرب سيعلمنا واجبنا بنفس الرغبة التي هو مستعد أن يعلم بها الآخرين. ... وأولئك الذين يعزمون على ألا يعملوا شيئا مغيظا أو محزنا لقلب الله، فبعدما يبسطون قضيتهم أمامه سيعرفون ما يجب عليهم أن يعملوه»(روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٥).


«يوجد في الكنيسة دائماً جماعة يميلون على الدوام إلى الاستقلال الشخصي. ويبدو أنهم غير قادرين على الإدراك بأن استقلال الروح كفيل بأن يجعل الإنسان يثق في نفسه أكثر من اللازم ويركن إلى حكمه ولا يحترم مشورة إخوته ولا يُقَّدِر حكمهم» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ١٣٦).




دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للربع الأول ٢٠١٨


كمسيحيين، نحن بحاجة إلى أن نُدرك حالتنا الخاطئة قبل أن نرى حاجتنا إلى التغيير. هذا التغيير يأتي فقط وبالتَّمام مِن خلال عمل المسيح فينا. وأحد مظاهر عمله فينا هو مجال الوكالة المسيحية. الربع الأول الذي بعنوان "الوكالة المسيحية: مقاصِد القلب"، تأليف جون هـ. هـ. ماثيوز، يهدف إلى تَعليمنا ما هي مسؤولياتنا كوكلاء، وكيف نستطيع بنعمة الله أن نُتمِّم تلك المسؤوليات، ليس كوسيلة لنربح الخلاص، بل كثمار لحصولنا على الخلاص.


وعلى الرغم من أن الوكالة المسيحية تشمل العديد من الجوانب المختلفة للحياة المسيحية، إلّا أننا سَنُعرِّفها الآن، بشكل عام، على أنها إدارة الممتلكات الملموسة وغير الملموسة بما يؤول لمجد الله. إنَّ الوكالة المسيحية هي التعبير العملي اليومي لما يعنيه إِتَّباع المسيح؛ إنها تعبير عن محبتنا لله، ووسيلة لعيش الحق الذي أُعطينا إياه في المسيح. نحن وكلاء لأن الله أحبنا أولاً. إنَّ ما نرجوه هو أن دراسة هذا الربع سوف تُعلِّمنا كيفية العيش وفقاً لمشيئة الله وتعاليم الكتاب المقدس – والتي تتضمن التحرُّر من محبة العالم، بكل أشكالها.




الوكالة المسيحية: مقاصِد القلب


١. تأثير المادِّيَّة٣٠ كانون الأول (ديسمبر)- ٥ كانون الثاني (يناير)


٢. أنا أرى، أنا أريد، أنا أتسلم٦-١٢ كانون الثاني (يناير)


٣. الله أو المال١٣-١٩ كانون الثاني (يناير)


٤. النَّجاة مِن طرق العالم٢٠-٢٦ كانون الثاني (يناير)


٥. وكلاء فيما بعد جنَّة عدن٢٧ كانون الثاني (يناير) - ٢ شباط (فبراير)


٦. سِمات الوكيل٣- ٩ شباط (فبراير)


٧. الأمانة مع الله١٠-١٦ شباط (فبراير)


٨. تأثير دفع العشور١٧-٢٣ شباط (فبراير)


٩. تقدمات الشكر٢٤ شباط (فبراير) - ٢ أذار (مارس)


١٠. دور الوكالة المسيحية٣-٩ أذار (مارس)


١١. الدَّين: قرار يومي١٠-١٦ أذار (مارس)


١٢. عادات الوكيل١٧-٢٣ أذار (مارس)


١٣. نتائج الوكالة المسيحية٢٤-٣٠ أذار (مارس)



سعر هذا الكتاب ٥٠ سِنْتَاً أمريكياً أو ما يُعادل هذا المبلغ بالعُملة المحلّية.


لمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني التالي: www.menapa.com


كما يمكنكم مراسلتنا على البريد الإلكتروني التالي: info@menapa.com