الدرس التاسع


٢٠-٢٦ أيار (مايو)


كن كما أنت






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ١: ١-١٥؛ أفسس ٢: ٨؛ رومية ٥: ٣-٥؛ عبرانيين ١٠: ٣٨؛ رومية ٦: ١١؛ ١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧.


آية الحفظ: «وَلِهذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَاد قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً» (٢بطرس ١: ٥-٧).


إن أحد الأشياء المدهشة في العهد الجديد هو مقدار الحق المُدْرَج في مساحة محدودة جدا. خذ مثلا درس هذا الأسبوع الذي يتناول (٢بطرس ١: ١-١٤). في هذه الآيات الأربعة عشر، يعلّمنا بطرس عن البِرّ بالإيمان. بعد ذلك يتناول ما تستطيع قوة الله أن تفعله في حياة أولئك الذين قدَّموا أنفسهم ليسوع. ثم يتحدث عن ذلك الحق العجيب أنه يمكننا أن نصير شركاء في الطبيعة الإلهية (٢بطرس ١: ٤) وأننا نستطيع أن نتحرَّر من الفساد وشهوة العالم.


يقدم لنا بطرس قائمة من الفضائل المسيحية ويضعها في ترتيب محدد. الفضيلة تلو الأخرى إلى أن يصل إلى أهم تلك الفضائل.


يكتب بطرس أيضًا عن المعنى الحقيقي لأن نكون في المسيح وأن نكون «مُطهَّرين» (٢بطرس ١: ٩) مِن الخطايا السالفة، ثم يأتي بفكرة «الدُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ» (٢بطرس ١: ١١).


وأخيرا، فإننا نحصل على حوار حول الموضوع الحاسم والمصيري عن حالة الموتى. يا له مِن كم مِن الحق في عمقه وثرائه تحتويه هذه الآيات الأربعة عشر!


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ٢٧ أيار (مايو).




إيمانا ثمينا


اقرأ ٢بطرس ١: ١-٤. ماذا يقول بطرس عمَّا نلناه في يسوع المسيح؟ بمعنى، ما هي حقيقة النعمة التي نراها في هذه الآيات؟


يستهل بطرس هذه الرسالة بالقول إنها موجهة «إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا، بِبِرِّ إِلهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢بطرس ١: ١). أو كما ورد في ترجمة أخرى: «إيمانا متساويا مع الإيمان الذي لنا». كلمة «ثمينا» هنا تعني «بمثل ذات القيمة» أو «بقدر متساوٍ من الامتياز». يقول إنهم نالوا هذا الإيمان الثمين ليس لأنهم اكتسبوه أو أنهم استحقوه، إنما لأنهم قبلوه كهبة من الله. أو كما يكتب بولس: «لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ» (أفسس ٢: ٨). إنه ثمين لأنه «بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ (الله)» (عبرانيين ١١: ٦). إنه ثمين لأنه بواسطة هذا الإيمان نتمسك بوعود الله الكثيرة العجيبة.


يؤكد بطرس على أن قدرة يسوع الإلهية «قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى» (٢بطرس ١: ٣). إن مجرد وجودنا هو من خلال قدرة الله، ومن خلال قدرته فقط نستطيع أن نصل إلى القداسة. وهذه القدرة الإلهية أُعطيت لنا «بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ» (٢بطرس ١: ٣؛ انظر أيضا يوحنا ١٧: ٣).


لقد دُعينا أن نحب الله، ولكن كيف نحب إلها لا نعرفه؟ نتعرَّف على الله من خلال المسيح، من خلال الكلمة المكتوبة، من خلال العالم الذي خلقه، من خلال اختبار حياة نعيشها بالإيمان والطاعة له. نعرف الله وحقيقة الله حين نختبر ما يصنعه الله في حياتنا. معرفة تستطيع أن تُغيِّر حياتنا. نتعرَّف عليه من خلال حقيقة النعمة التي يغدقها علينا.


يتكلم بطرس عن شيء مدهش جدا: «قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ» التي بواسطتها نستطيع أن نصير «شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ» (٢بطرس ١: ٤). خُلقت البشرية أصلا على صورة الله؛ هذه الصورة تشوَّهت وانحطَّت بدرجة هائلة. حينما نولد ثانية، تكون لنا حياة جديدة في المسيح، الذي يعمل لاسترجاع صورته الإلهية فينا. ولكن علينا أن نهرب من فساد العالم وشهواته إذا أردنا أن ننال هذه الصورة.






المحبة، هدف الفضائل المسيحية


اقرأ ٢بطرس ١: ٥-٧؛ رومية ٥: ٣-٥؛ يعقوب ١: ٣، ٤؛ غلاطية ٥: ٢٢، ٢٣. ما هو المحور المتشابه الموجود في هذه الآيات؟


كان عموم الفلاسفة في العالم القديم يضعون قائمة للفضائل. كانوا كثيرا ما يطلقون على هذه القائمة اسم «بيان» أو «فهرس» الفضائل، وهناك عدة أمثلة في العهد الجديد (رومية ٥: ٣-٥؛ يعقوب ١: ٣، ٤؛ غلاطية ٥: ٢٢، ٢٣). ومن المحتمل جدا أن يكون قُرّاء بطرس على معرفة بمثل تلك القوائم، مع أنه توجد اختلافات مهمة بين ما قد تضمنته قوائم الفلاسفة وبين ما تحتويه قائمة بطرس. لاحظ أن بطرس قد رتب هذه الفضائل بترتيب مقصود، حيث أن كل فضيلة تُبنى على ما قبلها من فضائل، إلى أن تصل إلى ذروتها بالمحبة!


لكل فضيلة من هذه الفضائل مغزى خاص بها:


الإيمان: الإيمان هو الثقة في المسيح للخلاص (غلاطية ٣: ١١؛ عبرانيين ١٠: ٣٨).


الفضيلة: الفضيلة في الأصل اليوناني هي أي من الخصال الجيدة من أي نوع كانت، هذا ما كان ينادي به الفلاسفة، حتى الوثنيين منهم. نعم، الإيمان أساسي، لكنه يجب أن يقود إلى تغيير في الحياة، حياة تظهر في الفضيلة.


المعرفة: بالتأكيد لا يتكلم بطرس عن المعرفة في العموم. لكنه يتكلم عن المعرفة التي تأتي من علاقة الخلاص مع المسيح يسوع.


التعفف/التحكم في الذات: يستطيع المسيحي الناضج أن يتحكَّم في أحاسيسه، خاصة تلك الأحاسيس التي قد تقود إلى مضاعفات.


الصبر/الصمود أو الثبات: هو قوة التحمل الخاصة في مواجهة التجارب والاضطهاد.


التقوى: الكلمة التي تُرجمت هنا بـ «التقوى» كانت في العالم الوثني تعني السلوك الأخلاقي الذي يأتي نتيجة الإيمان بإله ما. أما في العهد الجديد فمفهوم السلوك الأخلاقي يأتي نتيجة الإيمان بالإله الواحد الحقيقي (١تيموثاوس ٢: ٢).


مودَّة أخوية: المسيحيون هم مثل عائلة، والتقوى تقود إلى مجتمع يكون فيه الناس لطفاء واحدهم نحو الآخر.


محبة: يصل بطرس بهذه القائمة إلى ذروتها بالمحبة. وكان يردد صدى ما قاله بولس أيضا: «أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ» (١كورنثوس ١٣: ١٣).






كن كما أنت


بعدما أعطانا القائمة التي يجب علينا أن نبذل كل جهد لكي نسعى إليها كمسيحيين، يعلن بطرس ما سينتج عن ذلك.


اقرأ ٢بطرس ١: ٨-١١. ما هي حلقة الوصل بين ما فعله المسيح لأجلنا وبين ما ينبغي أن تكون عليه حياة المسيحي؟


يحث بطرس قرّاءه لأن يحيوا حسب الواقع الجديد وهو حق لهم في المسيح. إن صفات الإيمان، الفضيلة، المعرفة، التعفف أو التحكم في الذات، الصبر أو الثبات، التقوى، المودة الأخوية، والمحبة هي «فِيكُمْ وَكَثُرَتْ» (٢بطرس ١: ٨).


المشكلة تكمن في أن ليس جميع المسيحيين يحيون حسب ذلك الواقع الجديد. البعض متكاسلون أو غير مثمرين في معرفة ربنا يسوع المسيح (٢بطرس ١: ٨). مثل هؤلاء الناس ينسون أنهم طُهِّروا من «خطاياهم السالفة» (٢بطرس ١: ٩). ولذلك، يقول بطرس، على المسيحيين أن يحيوا الواقع الجديد الذي هو حق لهم في يسوع المسيح. في المسيح نالوا المغفرة والتطهير والحق في الاشتراك في الطبيعة الإلهية. ولذلك يقول لهم: «اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ» (٢بطرس ١: ١٠). لا يوجد عذر لأن يعيشوا الحياة التي عاشوها من قبل، لا عذر لحياة «القفر» أو «عدم الثمار» للمسيحيين.


«نسمع الكثير عن الإيمان، ولكننا بحاجة لأن نسمع أكثر عن الأعمال. كثيرون يخدعون أنفسهم وهم يعيشون حياة روحية سهلة، هادئة، سوية لا تحمل صليبا» (روح النبوة – الإيمان والأعمال، صفحة ٥٠).


اقرأ رومية ٦: ١١. ماذا يقول بولس هنا مما يعكس ما كتبه بطرس في آية اليوم؟


بمعنى آخر، فإن كلاً من بطرس وبولس يقولان: «كن كما أنت». ونحن خليقة جديدة في المسيح، مُطهَّرين من الخطية وشركاء في الطبيعة الإلهية. لذلك نستطيع أن نحيا الحياة التي دُعِينا لأن نحياها. من المفترض أن نكون «مثل المسيح»، وهذا هو ما تعنيه كلمة «مسيحي».






خَلْع المسكن (الخيمة)


نعم، «ولكني أحسِبُهُ حقًا ما دُمتُ في هذا الَمسكَن أن أنهِضَكُم بالتَّذكِرة، عالمًا أنَّ خَلعَ مَسكَني قريبٌ، كما أعَلنَ لي ربُّنا يسوع المسيح أيضًا» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤).


كتب أوسكار كالمان سنة ١٩٥٦ دراسة قصيرة اسمها «خلود النفس أم قيامة الأموات؟: شهادة العهد الجديد»، مفترضا أن مفهوم القيامة لا يتناسق مع خلود النفس. بالإضافة إلى ذلك، قال إن العهد الجديد يميل كليا إلى مفهوم قيامة الأموات.


بعد ذلك قال: «ما مِن منشور كتبته غير هذا المنشور، أثار هذا القدر من الحماس وهذا العداء العنيف».


اقرأ ١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧. ما الذي يُلَمِّح إليه بولس على أنه يحدث عند الموت؟


أجريت دراسة عما يقوله العهد الجديد بخصوص الموت والقيامة أقنعت غالبية المتخصصين في دراسة العهد الجديد بصحَّة ما كتبه كولمان. إن العهد الجديد حقيقةً يتبنى مفهوم القيامة وليس مفهوم خلود الروح التي تبقى حية بعد موت الجسد. مثال ذلك في (١تسالونيكي ٤: ١٦-١٨) حيث يحث بولس أولئك الذين فقدوا أحباء لهم بالموت أن يتعزوا بمعرفة أنه عند عودة المسيح ثانية، سوف يقيم الموتى. في (١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧) يُقدِّم بولس وصفا موسعا عن القيامة. يبدأ بالإشارة إلى أن الإيمان المسيحي مؤسس على قيامة يسوع المسيح. إن لم يقم المسيح من الأموات، فإن أي إيمان به سوف يكون باطلا. ولكن المسيح قد قام حقاً من الأموات كباكورة الذين رقدوا، هكذا يقول بولس. وإن قيامة يسوع من الأموات تجعل من الإمكان أن يقوم مِن الأموات كل الذين هم في المسيح أيضًا.


يتحدث بولس عن قيامة الجسد في (١كورنثوس ١٥: ٣٥-٥٠). يقارن بين الأجساد الجديدة التي سوف نحصل عليها عند القيامة مع أجسادنا في الوقت الحاضر. أجسادنا التي نملكها الآن سوف تموت؛ أما الأجساد التي ستكون لنا عند القيامة فلن تموت أبدًا.


خلاصة القول، عندما يتحدَّث العهد الجديد عن الموت، فهو يفعل ذلك من ناحية القيامة، وليس خلود النفس. من المهم إدراك ذلك كخلفية لقراءة (٢بطرس ١: ١٢-١٤).




الإيمان في مواجهة الموت


اقرأ ٢بطرس ١: ١٢-١٥. ماذا يعني بطرس بقوله إنه سوف يخلع مسكنه/جسده قريبًا؟


تكشف الآيات الواردة في (٢بطرس ١: ١٢-١٤) ظروف كتابة هذه الرسالة. يعتقد بطرس أنه على وشك الموت، ورسالته تحتوي على شهادته الأخيرة.


كشف بطرس عن توقُّعه لموته قريبًا عندما قال» «مَا دُمْتُ فِي هذَا الْمَسْكَنِ... عَالِمًا أَنَّ خَلْعَ مَسْكَنِي قَرِيبٌ» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤). يُشبِّه بطرس الجسد بالمسكن أو الخيمة التي سوف يخلعها عند موته. من الواضح أن بطرس كان يقصد جسده عندما أشار إلى خلع مسكنه حتى أن الترجمة الحديثة تميل إلى استعمال عبارات مثل «ما دمت في هذا الجسد... لأنني أعرف أن موتي سوف يأتي قريبا» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤). لا يوجد شيء في رسالة بطرس يوحي أنه عندما قال «خلع» مسكنه أو جسده، أن نفسه سوف تبقى حيَّة ككيان منفصل.


اقرأ ٢بطرس ١: ١٢-١٥ مرة أخرى. كيف يتعامل بطرس مع واقع حقيقة موته الوشيك، وماذا يعلمنا موقفه هذا عن الإيمان؟


الآيات في (٢بطرس ١: ١٢-١٥) تضيف هيبة ووقارًا لكلمات بطرس. فهو يكتب مع علمه أن حياته سوف تصل إلى نهايتها قريبا. يعلَم ذلك لأنه قال «كَمَا أَعْلَنَ لِي رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ». مع ذلك لم ينتابه خوف ولا قلق ولا انزعاج. بدلا من ذلك كان تركيزه سلامة وخير مَن سيتركهم وراءه. يريدهم أن يثبتوا في «الحق الحاضر»، وما دام هو على قيد الحياة فسوف يداوم على إرشادهم ليكونوا أمناء.


نستطيع أن نشاهد هنا حقيقة وعمق اختبار بطرس مع الرب. نعم، سوف يموت قريبا، ولن تكون ميتة سعيدة (انظر يوحنا ٢١: ١٨؛ روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٤٦٧، ٤٦٨)، ولكن اهتمامه غير الأناني كان مُنصبَّاً على فائدة وصالح الآخرين. حقا، كان بطرس رجلا يحيا حياة الإيمان الذي كان يعلِّمه وينادي به.






لمزيد من الدرس: كما رأينا، كان بطرس على عِلْم بأنه سوف يموت قريبا. وعَلِمَ أيضًا (ولفترة طويلة) كيف كان سيموت، ذلك لأن يسوع نفسه كان قد أخبره، «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ» (يوحنا ٢١: ١٨).


كيف كانت نهايته؟


«إن بطرس إذ كان يهوديا وغريبا، حُكم عليه بالجلد والصلب. وفي انتظار هذه الميتة المخيفة تذكر الرسول خطيئته العظيمة في إنكاره ليسوع ساعة محاكمته. كان قبلا غير مستعد للاعتراف بالصليب، أما الآن فها هو يحسبه فرحًا أن يبذل حياته لأجل الإنجيل، وهو يشعر بأن كونه، هو الذي أنكر سيده، يموت بالطريقة نفسها التي بها مات معلمه وربه هو شرف أعظم بكثير مما يستحق. كان بطرس قد تاب عن تلك الخطية توبة صادقة، وكان المسيح قد غفر له كما يظهر ذلك من المأمورية السامية التي أسندها له بأن يرعى خراف الرعية وحملانها. ولكن بطرس لم يستطع أن يغفر لنفسه أبدًا. وحتى تفكيره في آلام المشهد الأخير الرهيب لم يستطع أن يخفف من مرارة حزنه وتوبته. وقد طلب من جَلّاديه أن يسدوا إليه معروفًا أخيرًا بأن يصلبوه منكس الرأس. وقد أُجيب إلى طلبه. وفي هذا الوضع مات بطرس الرسول العظيم» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٤٦٨). ومع هذا، ومع مستقبل كهذا ماثلا أمامه، كان اهتمام بطرس منصبّا على صالح وخير الرعية الروحي.






الدرس العاشر


٠٢٧ أيار (مايو) – ٢ حزيران (يونيو)


النبوة والإنجيل






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: إشعياء ٥٣: ١-١٢؛ دانيال ٧: ١٣، ١٤؛ ٢بطرس ١: ١٦-٢٠؛ متى ١٧؛ ١-٦؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٥-١٧.


آية الحفظ: «وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩).


بينما نحن نواصل دراسة رسالتي بطرس، هناك نقطة واحدة تبرز جليا: مدى ثقة بطرس ويقينه فيما كان يكتبه. نستطيع أن نرى ذلك أيضا في كتابات الرسول بولس. كان لدى الإثنين قناعة ثابتة وواضحة فيما كانا يبشران به عن يسوع المسيح والصليب.


خلال آيات هذا الأسبوع، سوف نرى المزيد من هذا اليقين لدى بطرس. ويخبرنا هو نفسه عن سبب اليقين الذي عنده فيقول: نحن «لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦) – كتلك التي أتت بها الديانات الوثنية في ذلك الزمان. بدلاً من ذلك، كان بطرس موقِنا بما آمن به وذلك بسبب الآتي:


أولا، لأنه كان شاهد عيان «لرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢بطرس ١: ١٨). وثانيا، وربما هو السبب الأهم، لأنَّ هناك «الْكَلِمَة النَّبَوِيَّة، وَهِيَ أَثْبَتُ» (٢بطرس ١: ١٩). يعود بطرس مرة أخرى إلى الكتاب المقدس مشيرا إلى الأسفار التي تثبت وتؤكد المسيح، خاصة تلك المقاطع من النبوة التي تتحدث عن المسيح. ولا شك أن بعض هذه المقاطع هي ذاتها التي أشار إليها المسيح والتي تخصه شخصيًا (متى ٢٦: ٥٤؛ لوقا ٢٤: ٢٧). وهكذا فإن كان كلا من المسيح وبطرس أخذا الكتاب المقدس بهذه الجدية، فكيف نجرؤ نحن لأن نفعل خلاف ذلك؟


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ٣ حزيران (يونيو).




يسوع في العهد القديم


كان بطرس يكتب رسائله بشعور من الثقة واليقين. فقد كان يعلم عَمَّا كان يتكلم لأنه كان يعلَم عَمَّن كان يتكلم. أحد أسباب ذلك أنه يعلَم أن يسوع هو ذاك الذي أشار إليه أنبياء العهد القديم. كانت ثقة بطرس في «الكلمة المكتوبة» هي التي ساعدته ليعرف «الكلمة الذي صار جسدا» (يوحنا ١: ١٤).


يوجه بطرس الرسول قارئيه في (١بطرس ١: ١٠-١٢) إلى التوراة، إلى أنبياء العهد القديم، وما علَّموا به عن يسوع. وبحسب بطرس، فإن الروح القدس كشف في العهد القديم حقيقتين أساسيتين عن المسيح: «الآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ»، «وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا» (١بطرس ١: ١١). تلك الحقيقتان تتخللان التوراة بأكملها.


ماذا تعلمنا الآيات التالية مجتمعة عن نبوات العهد القديم عن يسوع؟ مزمور ٢٢؛ إشعياء ٥٣: ١-١٢؛ زكريا ١٢: ١٠؛ ١٣: ٧؛ إرميا ٣٣: ١٤، ١٥؛ دانيال ٧: ١٣، ١٤.


يؤكد بطرس لقرائه في (١بطرس ١: ١٠-١٢) أن لهم مكانا خاصا جدا في تاريخ الفداء. وقد كُشف لهم الكثير جدا عما كان قد كُشف لأنبياء العهد القديم. بالحقيقة تكلم أنبياء العهد القديم ما هو لزمانهم، ولكن أجزاء أساسية من رسائلهم لم تكن لتتم حتى مجيء المسيح.


بعض ما تنبأ به الأنبياء تحقق فقط في الزمن الذي كان قرّاء بطرس يعيشون فيه. وكان هؤلاء القرّاء يستمعون من «الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ» عن الحقائق التي «تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا» (١بطرس ١: ١٢). وبما أن هؤلاء قد وصلتهم البشارة، فقد كانوا على عِلم بتفاصيل أكثر بكثير مما كان يعرفه أنبياء العهد القديم عن طبيعة وواقع الآلام والإهانات التي اختبرها الفادي. بالطبع كان عليهم أن ينتظروا، كما نحن أيضا، ليروا «الأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا» (١بطرس ١: ١١). مع تتمة الجزء الأول من النبوات، فإننا على يقين أن الجزء الثاني سوف يتحقق أيضا.






معاينين عظمته


اقرأ ٢بطرس ١: ١٦-١٨. أية دلائل أخرى يقول عنها بطرس أنها سبب إيمانه بيسوع؟


إلى جانب الكلمة النبوية، كان بطرس شاهد عيان لأشياء كثيرة بَشَّر بها. قال إن المسيحية لم تتأسس على «خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦)، بل على شواهد حقيقية وأحداث تاريخية – أحداث كان هو بنفسه مُعاينا لها.


نرى في الأناجيل بطرس وقد عايش كثيرًا من الأحداث المحورية في حياة وخدمة المسيح. كان موجودا عند الكرازة، وعند التعليم، وعند صنع المعجزات. من بدايات المعجزات الأولى في معجزة الأسماك (لوقا ٥: ٤-٦) حتى رؤية يسوع في الجليل بعد قيامته (يوحنا ٢١: ١٥)، كان بطرس شاهد عيان في كثير مما حدث.


في ٢بطرس ١: ١٧، ١٨، أي حدث ركَّز عليه بطرس بخصوص ما قد رآه هو شخصيا؟ ما هو المغزى الخاص لهذا الحدث؟


يُركِّز بطرس على حدث معين كان هو مُعاينًا له: تجلّي المسيح. كان يسوع قد أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا معه إلى الجبل لكي يصلوا (لوقا ٩: ٢٨). وبينما كان هناك، «تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ» (متى ١٧: ٢؛ لوقا ٩: ٢٩). انضمّ إليه موسى وإيليا، وسُمع صوت من السماء قائلا: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى ١٧: ٥).


رأى بطرس الكثير أثناء حياته مع المسيح، ومع ذلك فإن حدث التجلي يبرز ويمتاز عن غيره. فهو يكشف أن المسيح هو ابن الله، وأن حياته على الأرض قد انقضت حسب خطة الله، وإن علاقته مع الآب كانت علاقة خاصة جدا. مع كل ما شاهده بطرس وكل ما كان سيشاهده، كان هذا الحدث الذي تضمَّن «هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ» (٢بطرس ١: ١٨) هو الحدث الذي ركَّز عليه في هذه الرسالة.






كوكب الصبح في قلوبنا


«عِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩). اقرأ هذه الآية بتعمق. ماذا يقول بطرس أنه مهم لنا جدا حتى في أيامنا هذه؟


نجد هنا مفارقة بين النور والظلام كما نجدها في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس (تكوين ١: ٤؛ يوحنا ١: ٥؛ إشعياء ٥: ٢٠؛ أفسس ٥: ٨). بالنسبة لبطرس فإن كلمة الله أضاءت «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ». ولهذا أوضح أننا في حاجة لأن ننتبه إلى هذا النور «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِنا». نحن بشر ساقطون، نعيش في عالم ساقط ومظلم. إننا نحتاج إلى قوة الله التي هي فوق الطبيعة لتقودنا خارج هذا الظلام وتصل بنا إلى النور، وهذا النور هو يسوع.


يوجه بطرس قرّاءه إلى هدف. يعتقد البعض أن التعبير «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ» يشير إلى المجيء الثاني للمسيح. ومع أن ذلك هو بالتأكيد رجاؤنا الأسمى، فإن فكرة «كَوْكَبُ الصُّبْحِ» الذي يشرق في قلوبنا يبدو بأنه يشير إلى وقت أكثر قربا وأكثر صلة بالإنسان. إنَّ «كَوْكَبُ الصُّبْحِ» يشير إلى المسيح (رؤيا ٢: ٢٨؛ ٢٢: ١٦). وشروقه في قلوبنا يبدو كأنه يشير إلى معرفة المسيح، والتمسُّك به بالكامل واختبار حقيقة يسوع الحي في حياتنا الشخصية. لا يجب أن يكون المسيح مجرد عقيدة ومبدأ، بل يجب أن يكون مركز وأساس وجودنا ومصدر رجائنا وإيماننا. وهكذا فإن بطرس يؤسس صلة واضحة بين دراسة كلمة الله وعلاقة خلاص مع يسوع «كَوْكَبُ الصُّبْحِ».


ومن الطبيعي، ومع النور المشع فينا، فإننا سننشره للآخرين. «لتشع الأرض كلها بنور مجد حق الله. ولينتشر نوره إلى كل الأمم والشعوب، وينبغي أن ينبثق ذلك النور من أولئك الذين نالوه. لقد طلع علينا كوكب الصبح وعلينا أن ننشر نوره في طريق من هم في الظلمة» (الاختبار المسيحي وتعاليم إلن هوايت، صفحة ٢٢٠).






الكلمة النبوية وهي أثبت


اقرأ ٢بطرس ١: ١٩-٢١. إلى أية نبوات يشير بطرس في هذه الآيات؟ ماذا يعني قوله «أنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ»؟


في تشديده على أن المسيحية ليست مؤسسة على «خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦)، يُقدِّم بطرس دليلين: أولا، المعاينة أو شهود العيان (٢بطرس ١: ١٦-١٨)؛ ثانيا، نبوات الكتاب المقدس (٢بطرس ١: ١٩-٢١)، وهذه حجة استعملها قبلا (١بطرس ١: ١٠-١٢).


يقترح بطرس «أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ» (٢بطرس ١: ٢٠). إلا أن بطرس بقوله هذا لا يمنعنا من دراسة الكتاب المقدس لأنفسنا. فهذا أبعد ما يكون عن فكر الذي قال في (١بطرس ١: ١٣): «لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ» أو كما في تفسير آخر: «جهِّزوا عقولكم للعمل». كذلك لن يكون ذلك مطابقا لمن أثنى على أنبياء العهد القديم الذين جَدّوا في البحث عن تفسير النبوات التي أعطاها لهم الله (١بطرس ١: ١٠).


إذًا، ماذا كان قصد بطرس؟ إنَّ الكنيسة في العهد الجديد نمت وتقدَّمت وتدارست معا. كان المسيحيون جزءًا من جسد أوسع نطاقًا (١كورنثوس ١٢: ١٢-١٤). وكان بطرس هنا يُحذِّر من نوع الدراسة التي يرفض فيها فرد واحد نورًا أو رؤية تأتي من جماعة المؤمنين. في تفاعلنا مع الآخرين، نستطيع أن ننمو سوية كمجتمع. والروح القدس يعمل في المجتمعات أو المجموعات كما يعمل مع الأفراد الموجودين بها. يمكن للرؤى أو التفاسير أن يتم مشاركتها، تنقيحها، وتعميقها. أما الذي يعمل بمفرده، ويرفض أي مشاركة أو مساهمة من الآخرين، فإنه قد يصل إلى تفسير خاطئ، خاصة في مواضيع مثل النبوة.


في الآيات التالية نجد سببا وجيها لأن يُبدي بطرس هذه الملاحظة. فهو يكتب لمسيحيين كان يوجد بينهم أنبياء ومعلمين كذبة (٢بطرس ٢: ١). فهو يحثهم أن يقدّموا تفسيراتهم للإنجيل إلى قادة الكنيسة مجتمعة. كم من أناس انحرفوا إلى التّعصُّب والتزمُّت لأنهم رفضوا أن يصغوا إلى إرشاد جماعة المؤمنين التي يقودها الروح القدس؟ كان هذا الخطر ماثلا آنذاك، ولا يزال ماثلا اليوم.






الكلمة في حياتنا


كما رأينا، كان تركيز بطرس على الكتاب المقدس كبيرًا جدًا. إن (٢بطرس ١: ١٩-٢١) هي تثبيت وتأكيد قويان لأهمية الكتاب المقدس بالنسبة لاختبار حياتنا المسيحية وللوحي الإلهي للإنجيل. إن نقطة بطرس واضحة في (٢بطرس ١: ٢١). فالكتاب المقدس ليس نتاج إرادة بشرية، أو ابتكار بشري مثل الكتب الأخرى. إنه كتاب أتى مِن خلال قوَّة الروح القدس وبواسطة أناس الله القديسين مسوقين من الروح القدس.


اقرأ ٢تيموثاوس ٣: ١٥-١٧. كيف تساعدنا هذه الآيات على فهم دور الكتاب المقدس في حياتنا؟ وكيف تؤكد الحقائق الواردة في ٢بطرس ١: ١٩-٢١؟


بعد تحذيره لتيموثاوس عن الأخطار التي تُجابهه وتُجابه الكنيسة، يُقدِّم بولس ملخَّصا مقتضبا عن أهمية الإنجيل. «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦).


دعونا نتفحَّص تلك النقاط الثلاث.


العقيدة: العقيدة هي التعاليم التي تتبنّاها الكنيسة. فهي تُعبِّر عن معتقدات الكنيسة بخصوص مختلف المواضيع الكتابية التي تُعتبر ذات أهمية في كلمة الله. من الناحية المثالية، يجب أن يكون كل مُعتَقد محوره المسيح، وكل مُعتَقَد يجب أن يُعلِّمنا شيئا يساعدنا لنعرف كيف نعيش حياة تتفق مع «إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ» (رومية ١٢: ٢).


الإرشاد: يقول بولس لتيموثاوس أن: «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦). ويأتي بطرس بنقطة مُشابهة حين يقول: «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ» (٢بطرس ١: ١٩). بمعنى آخر، إن الكتاب المقدس يُقدِّم إرشادا حول كيف يجب أن نحيا حياتنا، وما هو السلوك الصائب والسلوك الخاطئ. وبما أنه موحى به من الروح القدس، فهو يُمثِّل إعلانا لإرادة الله.


«الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ»: عندما يقول إن الكتاب «يُحكِّمنا» أو يجعلنا «حكماء»، يعني بولس هنا أن الإنجيل يرشدنا إلى المسيح. فالخلاص أساسه الإيمان بأن المسيح قد مات من أجل خطايانا.


العقيدة، الإرشاد الروحي، ومعرفة الخلاص: لا عجب أن كلمة الله هي «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩).




لمزيد من الدرس: «إنَّ أوَّل واجب وأعظمه على كل كائن عاقل هو أن يتعلَّم من الكتاب ما هو الحق، ثم يسير في النور ويُشجِّع الآخرين على التَّمثُّل به. علينا أن ندرس الكتاب باجتهاد يومًا بعد يوم، فنزن كل فكر، ونقارن بين آية وأخرى. وبمساعدة الله، نكوِّن آراءنا لأنفسنا إذ أن علينا أن نجيب عن أنفسنا أمام الله.


إنَّ الحقائق المُعلنة جليًا في الكتاب قد أحاطها العلماء بالشكوك والظلمات، فلكونهم يدَّعون ادعاءات عظيمة بأنهم علماء وحكماء فهم يُعلِّمون الناس بأنَّ للكتاب معنى غامضا خفيًّا وروحيًا لا يظهر في لغته الحالية. هؤلاء القوم مُعلِّمون كذبة. فلمثل تلك الفئة مِن الناس قال يسوع: «لا تعرفون الكتب ولا قوة الله» (مرقس ١٢: ٢٤). إنَّ لغة الكتاب ينبغي شرحها طبقًا لمعناها الواضح – ما لم يكن هنالك رمز أو استعارة. لقد أعطى المسيح هذا الوعد: «إن شاء أحد أن يعمل مشيئته، يعرف التعليم» (يوحنا ٧: ١٧). فلو أخذ الناس الكتاب كما يُقرأ ولم يكن هنالك مُعلِّمون كذبة يُضلِّلون عقولهم ويُربِكونها، لأمكن إنجاز عمل يُفرح قلوب الملائكة ويضم إلى حظيرة المسيح آلافًا فوق آلاف ممن يهيمون الآن في تيه الضلال» (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٦٤٨-٦٤٩).




الدرس الحادي عشر


٣-٩ حزيران (يونيو)


مُعلّمون كذبة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ٢: ١-٢٢؛ يوحنا ٨: ٣٤-٣٦؛ متى ١٢: ٤٣-٤٥؛ يهوذا ٤-١٩؛ تكوين ١٨: ١٦-٣٣.


آية الحفظ: «وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ. لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا!» (٢بطرس ٢ :١٩).


في رسالته الأولى، سعى بطرس باهتمام رعوي كبير لأن يُشجِّع قراءه بخصوص أخطار الاضطهاد. ومع إننا لا نعرف يقينا شكل الاضطهاد الذي كان يتناوله في رسالته، إلا إننا نعرف أن الكنيسة كانت ستُواجه تجارب هائلة إذ أن الإمبراطورية الرومانية الوثنية سعت لأن تمحو الحركة المتنامية لأناسٍ يُدعَونَ «مسيحيين».


لكن الشيطان أطلق هجوما ذات شِقّين. بالتأكيد كان الاضطهاد من الخارج – باستخدام القوة الغاشمة والعنف – وسيلة قوية. ولكن الكنيسة واجهت أيضا تهديدا آخر قد يكون أكثر خطرا من الاضطهاد الخارجي. وكان هذا التهديد من الداخل. فكما كان على الأمّة اليهودية في السابق أن تتعامل مع الأنبياء الكذبة، كان على أتباع المسيح في زمن بطرس أن يتعاملوا مع المُعلّمين الكذبة الذين «يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ» (٢ بطرس ٢: ١) إلى داخل الكنيسة نفسها. والأسوأ من ذلك، حذر بطرس قائلاً: «سَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ» (٢بطرس ٢: ٢).


ما هي بعض تلك التعاليم التي حذر بطرس منها؟ كيف واجهها بطرس، وأية دروس يمكننا أن نستخلصها من تحذيراته لأجل أنفسنا اليوم، إذ نحن أيضا نواجه تحديات من داخل الكنيسة اليوم؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ١٠ حزيران (يونيو).




أنبياء ومُعلِّمون كذبة


من السهل أحيانا أن ننظر إلى الكنيسة الأولى على أنها الكنيسة المثالية، وأن نعتقد أن زمانها كان زمن سلام وانسجام بين المؤمنين بالمسيح.


إن ذلك اعتقاد خاطئ. فحتى في أيام المسيح، كانت الكنيسة تواجه صراعات، وغالبا ما كانت تلك الصراعات من الداخل (تذكَّر يهوذا). كانت المشكلات تأتي، حسب ما تظهره رسائل العهد الجديد، من التعاليم الخاطئة في وسطهم. فالكنيسة الأولى كانت تُعاني ليس من الاضطهاد الخارجي فحسب لكن من المشاكل في الداخل أيضا. في هذه الرسالة، يتناول بطرس بعض تلك التحديات الداخلية. ما هي تلك التحديات؟ «وَلكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ. الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. وَهُمْ فِي الطَّمَعِ يَتَّجِرُونَ بِكُمْ بِأَقْوَال مُصَنَّعَةٍ، الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ مُنْذُ الْقَدِيمِ لاَ تَتَوَانَى، وَهَلاَكُهُمْ لاَ يَنْعَسُ» (٢بطرس ٢: ١-٣). لا يبدو ذلك زمن سلام عظيم وانسجام داخلي بين الإخوة والأخوات، أليس كذلك؟


اقرأ ٢بطرس ٢: ١-٣؛ ١٠-٢٢. عَمَّا يحذر بطرس هنا؟ ما هي بعض الأكاذيب التي كان يتم ترويجها في الكنيسة؟


توضح الآية الواردة في (٢بطرس ٢ :١) السبب الذي من أجله أوحى الله لبطرس أن يكتب هذه الرسالة. فقد كان يحذرهم من أنه كما كان في الماضي أنبياء كذبه، فإنه سوف يكون هناك مُعلِّمون كذبة في المستقبل. يسرد بطرس قائمة من الاتهامات ضد هؤلاء المعلمين الكذبة، بدءًا من «بِدَعَ هَلاَكٍ» (٢بطرس ٢: ١) حتى يصل إلى «وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ» (٢بطرس ٢: ١٩) وأخطاء أخرى كثيرة أيضا. ومن كتابات بطرس، نرى أن تلك التعاليم كانت خطيرة جدًا، وذلك يُفسِّر ردَّة فعله القوية تجاههم.






حرية في المسيح؟


«لأَنَّهُمْ إِذْ يَنْطِقُونَ بِعَظَائِمِ الْبُطْلِ، يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ فِي الدَّعَارَةِ، مَنْ هَرَبَ قَلِيلاً مِنَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الضَّلاَلِ» (٢بطرس ٢: ١٨). مما يحذر بطرس في هذه الآية؟ ماذا يقول في (٢بطرس ٢: ١٩) مما يوضح سبب انزعاجه؟ ما أهمية كلمة «الحرية» في الآية ١٩؟


بأقوى لهجة ممكنة، كان بطرس يحذر قراءه من خطر المعلمين الكذبة. حذر من أن هؤلاء المعلمين الكذبة يَعِدون الناس بالحرية، بينما يقودونهم إلى العبودية، كما ورد في (٢بطرس ٢: ١٨-٢١).


يا له من تحريف للإنجيل! فالحرية في المسيح يجب أن تعني الحرية من عبودية الخطية (رومية ٦: ٤-٦). فأي مفهوم «للحرية في المسيح» من شأنه أن يترك الإنسان في عبودية الخطية، هو الخطأ الذي يحذر منه بطرس. ومع أن المتخصصين في دراسة الإنجيل تجادلوا حول تحديد نوع التجديف الذي يتناوله بطرس هنا، إلا إنه من الواضح أنه مرتبط بمسألة الخطية ككل وكون الإنسان عبدا لها.


اقرأ يوحنا ٨: ٣٤-٣٦. كيف تساعدنا كلمات يسوع هنا على فهم ما يقوله بطرس؟


أيًا كان ما قدَّمه المعلمون الكذبة، فقد كانوا يقودون ضحاياهم – أي أولئك الذين آمنو بالمسيح حديثا – لِيُعيدُوهم إلى طرق حياتهم القديمة الخاطئة. من السهل أن نتخيَّل ثمة نوع من الإنجيل الذي تظهر فيه النعمة رخيصة، إذ تقلل من أهمية الحاجة إلى الطهارة والقداسة، الأمر الذي دفعهم لأن يكونوا محاصرين مرة أخرى في ذات «الفساد» (٢بطرس ٢: ١٩) الذي هربوا منه. فلا عجب أن يتكلَّم بطرس بِحِدَّة وقسوة ضد هؤلاء المعلِّمين ليُحذِّر السامعين مِن خطورة النتائج في حال اتِّباع تعاليمهم الباطلة.






كلب يعود إلى قيئه


اقرأ ٢بطرس ٢: ١٧-٢٢؛ متى ١٢: ٤٣-٤٥. ما هي مخاطر عودة المسيحي المتجدد إلى نظام حياته/حياتها القديمة قبل التجديد؟


كان اهتمام بطرس مُنصَّبًا خاصة على مصير أولئك الذين تم إغراؤهم من قِبَل المعلمين الكذبة للعودة إلى حياة الخطية السابقة (٢بطرس ٢: ١٨). المعلمون الكذبة يَعِدُون بالحرية، ولكن كما يشير بطرس، فالحرية التي يعدون بها تختلف اختلافا جذريا عن نوع الحرية التي يعد بها يسوع للذين يتبعونه.


انظر إلى ذلك الإنذار القوي الذي يقدمه بطرس: «لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ» (٢بطرس ٢: ٢١) «مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا، يَرْتَدُّونَ» إلى حياتهم السابقة.


بالطبع لا يعني ذلك أن حالتهم ميؤوس منها. كلنا يعرف قصصا عن الذين حادوا عن طريق الرب ثم عادوا في وقت لاحق. ونعلم أيضا أن الرب يُسْعَد بقبولهم وعودتهم (انظر لوقا ١٥: ١١-٣٢). إنه يعني فقط أن الابتعاد عن الرب هو طريق خطر جدا، وليس طريقًا مُسِرَّا يسلكه الإنسان. «كلب يعود إلى قيئه» هو تعبير قاس وفظ في وصفه، ولكن بطرس يبدي رأيه بهذا التشبيه.


قد يكون صدى كلمات يسوع في (٢بطرس ٢: ٢٠) مقصوداً هنا، (انظر متى ١٢: ٤٥؛ لوقا ١١: ٢٦). يخبر يسوع مثلا عن رجل كان قد تحرر من روح نجس. يتجول الروح النجس في مكان ليس له، ثم يعود ليرى «بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ، فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغًا مَكْنُوسًا مُزَيَّنًا» (متى ١٢: ٤٤). عند ذلك يعود، ولكنه يُحضِر معه عددًا من الأرواح الشريرة أكثر شرًّا منه. وكما قال يسوع: «أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِه» (متى ١٢: ٤٥). إنَّ الخطر الذي يوضِّحه يسوع ويصفه بطرس هو خطر حقيقي. فالإنسان المؤمن حديثا عليه أن يتأكد من أن الأمور الروحية – الناتجة من عمل الروح في حياته – يجب أن تحل محل الأشياء التي كانت تُسيطر على حياته في الماضي. فإذا لم تَحِل نشاطات الكنيسة ومُشاركته الآخرين بإيمانه الجديد محل أو مكان نشاطاته الدنيوية السابقة، فسيكون من السهل جدا أن ينحرف عائداً إلى طرقه القديمة.






بطرس ويهوذا


لاحظ كثير من الناس أن (يهوذا ٤-١٩) يُكرِّر إلى حد كبير ما ورد في رسالة بطرس الثانية ٢: ١-٣: ٧. عندما يعيد الكتاب المقدس ذكر رسالة ما، علينا أن نعي أنَّ الله يريد أن يبلغنا شيئا مهما. في هذين المقطعين المتشابهين، يُسهِب بطرس ويهوذا القول لنا عن حقيقة هامة: الله يتحكَّم في مصير الأشرار. وكلاهما لا يَدَعَان لنا أي مجال للشك في أن الله يراقب الشر عن كثب. سواء كان الأشرار من البشر أو من الملائكة الساقطين، فالله يحفظ إثمهم إلى يوم الدينونة وسيُعاقبهم (٢بطرس ٢: ٩، ١٧؛ يهوذا ٦).


اقرأ ٢بطرس ٢: ١-٣: ٧. أية أمثلة يُعطيها بطرس ويهوذا عن انتقام الله في الماضي القديم يؤكد حقيقة أن الله يعني ما يقول في تعامله مع الخطية؟


يسجل بطرس ويهوذا ثلاثة أمثلة عن انتقام الله في الماضي. تشمل هذه الأمثلة: هلاك عالم ما قبل الطوفان، وحرق مدينتي سدوم وعمورة، وتقييد ملائكة بسلاسل لهلاكهم (٢بطرس ٢: ٤-٦؛ ٣: ٧؛ يهوذا ٦، ٧). كل هذه المشاهد تمتزج وتتداخل مع نسيج مشهد النهاية الآتية. مع إن الكتاب المقدس يتحدَّث كثيرا عن رحمة الله ونعمته، إلا أن عدالة الله أيضا تلعب دورا هاما في هلاك الخطية النهائي.


ما هي الخطايا التي أنشأت أو كانت سببا في هذه العقوبات القاسية؟ شملت هذه الخطايا دسَّ بدع الهلاك، الاستهانة بالسيادة، الاستعباد لكل من أو ما سادَ عليهم، تحريف نعمة الله لتُصبِح فُرصة لإشباع شهوات الجسد، إنكار سيادة وسلطة يسوع المسيح، تلويث وتنجيس الجسد، الكلام الباطل، الافتراء على ذوي الأمجاد، والنطق بعظائم البطل (٢بطرس ٢: ١، ١٠، ١٩؛ يهوذا ٤؛ يهوذا ٨؛ ٢بطرس ٢: ١٨؛ يهوذا ١٠).


مما يثير الاهتمام أن هذه الأوصاف لا تشمل أعمال العنف أو الأعمال الوحشية الشريرة الأخرى التي تثير غضبنا. بدلا من ذلك، فإنها تصف خطايا خادعة وناعمة ولها قواسم مُشتركة. منها خطايا يمكن أن يتم تبريرها أو التغاضي عنها في بعض الأحيان من داخل المجتمع الكنسي ذاته. يجب أن تنبِّهنا هذه الحقيقة إلى حاجتنا العظمى للتوبة الصادقة والإصلاح في الكنيسة.






المزيد من الدروس في العهد القديم


اقرأ ٢بطرس ٢: ٦-١٦. أية أمثلة أخرى يستخدمها بطرس ليعطي تحذيره لما سوف يؤدي إليه الشر؟


أول إشارة موضوعية عن سدوم في الكتاب المقدس وردت في (تكوين ١٣: ١٢، ١٣). قرر لوط وإبراهيم أن يفترقا لأسباب ماليّة. اختار لوط لنفسه وادي الأردن «وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ» (تكوين ١٣: ١٢). ويُعلِّق الكتاب المقدس قائلا: «وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا» (تكوين ١٣: ١٣). وعندما حذر الله إبراهيم لاحقا بأنه في صدَّد إهلاك سدوم، تفاوض إبراهيم مع الله ليصل إلى اتفاق أن الله لن يُهْلِكها إذا وَجَدَ فيها عشرة أشخاص أبرار (تكوين ١٨: ١٦-٣٣). إن عدم احتمال وجود حتى عشرة أشخاص أبرار في سدوم قد تجلَّى بوضوح من خلال ما حدث بالمُرسَلين اللذين أرسِلا لزيارة لوط. لقد دُمِّرت المدينة بالكامل، وهرب لوط وابنتاه فقط (تكوين ١٩: ١٢-٢٥).


يستنتج بطرس درسين من هذه القصة. أولًا، تُقدِّم هاتان المدينتان مثالا للعقاب الآتي على الأشرار (٢بطرس ٢: ٦). ثانيًا، تظهر أن الرب يعلم كيف يُنقِذ الأبرار من التجربة (٢بطرس ٢: ٧-٩). يلاحظ بطرس بعد ذلك صفات الذين هلكوا في سدوم وعمورة: غمروا أجسادهم في شهوات النجاسة، استهانوا بالسيادة، جسورون، معجبون بأنفسهم، لا يرتعبون أن يفتروا على الملائكة (٢بطرس ٢: ١٠، ١١). هذه الصفات تتشابه مع وصف بطرس للمعلمين الكذبة ومن يتبعونهم.


قصة بلعام وردت في سفر (العدد ٢٢: ١-٢٤: ٢٥). كان قد استأجره بالاق ملك موآب، ليلعن الإسرائيليين. كان مترددا في البداية، إلا أنه أقتنع أخيرًا أن يقوم بتلك المهمة لقاء مبلغ أكبر من المال (عدد ٢٢: ٧-٢١). في طريقه، اعترضه «ملاك الرب»، وقد اُنقِذَ مِن الموت نتيجة لِمَيَلان حِمارهِ عن الطريق. ضرب بلعام حماره، ولكنه لم يُدرك خطأه إلا بعد أن انفتحت عيناه ورأى بنفسه «ملاك الرب» (عدد ٢٢: ٢٢-٣٥). في نهاية الأمر، انتهى بلعام بمباركة إسرائيل (عدد ٢٣: ٤-٢٤: ٢٤). استخدم بطرس بلعام كمثال للذين يُخدعون بالفسق والطمع (٢بطرس ٢: ١٤، ١٥). أشخاص كهؤلاء يُشبهون بلعام، لأنهم تركوا الطريق الذي ينبغي أن يتبعوه.






لمزيد من الدرس: كثيرا ما نسمع المسيحيين يتكلمون عن «الحرية في المسيح»، وبالطبع هذا مفهوم صحيح. لنتحرر من مفهوم دينونة الناموس ويكون لنا الضمان للخلاص نتيجة لما فعله المسيح من أجلنا وليس من أجل أعمالنا الخاصة، نكون في الحقيقة أحرارًا. قصة مارتن لوثر والعبودية التي عانى منها قبل أن يفهم معنى النعمة هي مثال عظيم لما يُمكِن أن تعنيه الحرية. ومع ذلك، كما رأينا في رسائل بطرس، يُمكن تحريف ذلك الحق العظيم. «إن الحق العظيم لاعتمادنا الكلي على المسيح للخلاص يقترب كثيرا من خطيئة الافتراض. الآلاف من الناس يسيئون فهم الحرية في المسيح على أنها تعني الفوضى والخروج على القانون؛ ولأن المسيح قد جاء ليخلصنا من حكم الناموس فكثيرون يدعون أن الناموس نفسه قد أُلغي، وأن الذين يحفظونه ساقطون من النعمة. وهكذا فإذ يبدو أن الحق والضلال قريبان، بل يتشابهان، فإن العقول التي لا تخضع لقيادة الروح القدس سوف يغرر بها لقبول الضلال، وبفعلهم ذاك يضعون أنفسهم تحت خدع الشيطان. وهكذا يقود الناس لقبول الضلال بدلا من الحق. فإن الشيطان يعمل على جذب العالم البروتستانتي» (روح النبوة – المسيح المنتصر، ص. ٣٢٤).




الدرس الثاني عشر


١٠ حزيران (يونيو) – ١٦ حزيران (يونيو)


يوم الرب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ٣: ١، ٢؛ يوحنا ٢١: ١٥-١٧؛ ٢بطرس ٣: ٣-١٣؛ مزمور ٩٠: ٤؛ متى ٢٤: ٤٣-٥١؛ ٢بطرس ٣: ١٤-١٨.


آية الحفظ: فَبِما أنَّ هذه كُلّها تَنْحَلُّ، أيَّ أناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرةٍ مُقدَّسةٍ وتقوى.» (٢بطرس ٣: ١١).


في العصور القديمة، كان يُنظَر للناس الذين لا يؤمنون بالله على أنهم غير جديرين بالثقة، ويُحتمل أيضًا أن يكونوا خطرين. لماذا؟ كانت الفكرة أنهم إن لم يؤمنوا بالله إذًا فهم لا يؤمنون بأي دينونة مستقبلية ليُحاسبوا أمامه على أفعالهم. فبدون هذا الحافز، سيكون الناس أكثر ميلاً لفعل الخطأ.


ومع أنَّ هذا النوع من التفكير مضى عليه الزمن (وهو «خطأ من الناحية القانونية»)، فلا يُمكن للشخص أن يرفض المنطق والعقل المستند إليه. بالطبع لا يحتاج الكثيرون من الناس الخوف من الدينونة المستقبلية حتى يفعلوا الصواب. إلا أنه في نفس الوقت، فإن احتمال الوقوف أمام الله للدينونة يُمكن بالتأكيد أن يكون حافزًا للسلوك السَّوي.


كما رأينا، لم يكن بطرس مُتَخوِّفًا من تحذير الناس من هول الدينونة التي سيواجهها الأشرار أمام الله، لأن الكتاب المقدس واضح في أنَّ مثل هذه الدينونة ستأتي. وفي هذا السياق، يتكلم بطرس بما لا لبس فيه عن نهاية الزمان، الدينونة، المجيء الثاني، الوقت الذي «تنحلُّ العناصر مُحتَرِقة» (٢بطرس ٣: ١٠). كان بطرس يعلم أننا جميعًا خطاة، وهكذا وبمثل هذا أمامنا، فهو يسأل: «أيَّ اُناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرةٍ مُقدَّسة وتقوى» (٢بطرس ٣: ١١).


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٧ حزيران (يونيو).




تتابُع السلطة


حذَّر بطرس قُرَّاءَه مِن نوع التعاليم الخطيرة التي ستُواجهها الكنيسة. وحذَّر مِن أولئك الذين يَعِدون بالحرية بينما هم يقودون الناس للعودة إلى عبودية الخطية بعكس الحرية التي وُعِدْنا بها في المسيح.


للأسف، لم يكن هذا هو التعليم الكاذب الوحيد الذي قد يواجه الكنيسة. فخطر آخر خطير قد يأتي. مع ذلك، فقبل أن يتناول بطرس هذا التحذير، يقول شيئاً آخر أولاً.


«هذهِ أكتُبُها الآن إليكم رسالةً ثانيةً أيها الأحباء، فيهِما اُنهِضُ بالتَّذكِرَة ذِهنَكُم النَّقي، لِتَذكروا الأقوال التي قالها سابقاً الأنبياء القديسون، ووصيَّتَنَا نحنُ الرسل وصيَّة الرَّبِّ والمُخلِّص» (٢بطرس ٣: ١، ٢). أية نقطة يُشير إليها بطرس هنا ليحثَّ قُرَّاءه على أنَّهم يجب أن يستمعوا إلى ما يكتبه؟ (انظر أيضًا يوحنا ٢١: ١٥-١٧).


في ٢بطرس ٣: ١ و٢، يذكِّرهم بطرس بكلمات الوحي التي كانت قد أتت سابقًا مِن «الأنبياء القديسون». وهكذا فإنه يوجههم إلى الكتب المقدسة مرة أخرى، وإلى العهد القديم. كان يذكِّرهم بأنَّ لديهم «الكلمة النبوية وهي أثبَتْ» (٢بطرس ١: ١٩). أراد أن يكون واضحًا في أنَّ المعتقدات التي آمنوا بها كانت مُؤسَّسة على كلمة الله. لا يوجد شيء في العهد الجديد يُبرِّر الرأي بأنَّ العهد القديم لم يعد صالحًا أو قليل الأهمية. على العكس تمامًا، فشهادة العهد القديم هي التي تُساعد في تثبيت العهد الجديد وما كان يُبشِّر به بطرس عن المسيح.


ولكن هناك المزيد. يؤكِّد بطرس على خط تتابُعٍ واضح بَدَأ مِن «الأنبياء القديسون» في العهد القديم حتى سُلطَتِهِ هو شخصياً كواحدٍ من «رُسُل الرب والمُخلِّص». كان واضحاً حول الدعوة التي نالها من الرب للقيام بالعمل الذي كان يقوم به. فلا عجب في أن يتكلَّم بهذه القناعة واليقين. فقد كان يعلم مصدر رسالته.






المُستهزئون


بعدما سعى بطرس ليُذكِّر قُرَّاءَه بـ»الأقوال التي قالها سابقًا الأنبياء القديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمُخلِّص» (٢بطرس ٣: ٢)، يأتي بطرس إلى نقطة تحذيره المُحدَّدة. ربما لمعرفته بمدى خطورة هذا التعليم، سعى بطرس ليشدِّد على السلطة التي كان يكتب بها.


اقرأ ٢بطرس ٣: ٣؛ ٤. أيَّة حجج يسوقها المتشكِّكون مِن مجيء المسيح الثاني؟


هناك وجه تشابُه مهم بين أولئك الذين يُروِّجون للحُرّيّة الكاذبة وهؤلاء الذين يُعبِّرون عن شُكوكهم حول مجيء المسيح الثاني. الفريق الأول «يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة» (٢بطرس ٢: ١٠). في حين كان الذين ينكرون عودة المسيح «سالكين بحسب شهوات أنفُسِهِم» (٢بطرس ٣: ٣).


(إنها ليست مُجرَّد مُصادفة أنَّ الشهوات الخاطئة يُمكن أن تقود إلى تعاليم كاذبة، أليس كذلك؟).


سيسأل المُستهزئون سؤالهم مُجدَّدًا، «أين هو موعد مجيئه؟ (٢بطرس ٣: ٤). بسؤالهم هذا فهم يتحدُّون إيمان المسيحيين القائم منذ أمد بعيد بأنَّ يسوع سوف يعود إلى هذه الأرض، وفي وقت قريب. ولأنه يتحدَّث عن الأيام الأخيرة بالخصوص، فإن المستهزئين سوف يَطرحون تلك الحقيقة التي لا يُمكِن إنكارُها وهي أن كثيرين مِن المسيحيين قد ماتوا، وأن الأشياء فعلاً تسير كما كانت دائمًا.


سطحيَّاً، يبدو السؤال منطقيًا. كتبت إلِن ج هوايت تقول أنه حتى أخنوخ رأى أن الأبرار والأشرار «سيضمهم التراب معًا، وتكون هذه نهايتهم جميعًا» (الآباء والأنبياء، صفحة ٦٥) وقد أزعجه ذلك. فإذا كان أخنوخ الذي عاش قبل الطوفان كان يُعاني من ذلك السؤال، فكم بالحري يكون الأمر أكثر بكثير بالنسبة لأولئك الذين عاشوا آلاف السنين من بعده وإلى حين «الأيام الأخيرة»؟


وماذا عنَّا اليوم كأدفنتست سبتيين؟ فإن اسمنا ذاته يتبنَّى مبدأ المجيء الثاني للمسيح، ومع ذلك فإنه لم يأتِ بعد. ونعم، نحن نواجه مستهزئين، تمامًا كما تنبأ بطرس بحدوثه.






ألف سنة كيوم واحد


في ٢بطرس ٣: ٨-١٠، كيف يستجيب بطرس للحجَّة التي سوف يُقدِّمها المُستهزئون؟ ماذا الذي يقوله حتى أن قوله هذا إلى يومنا هذا يُمكن أن يساعدنا لنفهم لماذا لم يَعُدْ المسيح إلى الآن؟


يستجيب بطرس لمسألة طبيعة العالم الثابتة التي لا تتغيَّر. يذكِّر مستمعيه أنه ليس صحيحًا بأنَّ العالم استمر دون تغيير منذ الخليقة. (لاحظ كيف يعود مُجدداً إلى كلمة الله كمصدر وكسلطان.) كان هناك وقت عَظُمَ فيه الشر، بعد ذلك أهلك الله العالم بالطوفان (٢بطرس ٣: ٦). وقد جلب ذلك الطوفان تغييرًا عظيمًا على العالم، تغييرًا تأثيره باق حتى يومنا هذا. ثم يقول بطرس أن الهلاك التالي سوف يكون بواسطة النار وليس الماء (٢بطرس ٣: ١٠).


كتب بطرس أيضًا «يومًا واحدًا عند الرب كألف سنةٍ وألفَ سنةٍ كيومٍ واحدٍ» (٢بطرس ٣: ٨). بقوله هذا، قد يكون بطرس عاكساً لما ورد في مزمور ٩٠: ٤ «لأنَّ ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عَبَرَ وكَهَزيعٍ مِن الليل». بتعبير آخر، إنَّ تصورنا للوقت ليس كما هو لله. لذلك علينا أن نتوخَّى الحذر في الأحكام التي نُطلقها بخصوص الوقت.


من المنظور البشري، يبدو وكأنَّ هناك تأخير في عودة المسيح. إلا أننا ننظر إلى الأمور من منظور بشري فقط. ولكن لا يوجد تأخير من المنظور الإلهي. وفي الحقيقة، يقول بطرس بأن ذلك الوقت الإضافي قد اُعطي لأنَّ الله يتأنَّى علينا «وهُوَ لا يشاء أنْ يَهْلِكَ اُناس» (٢بطرس ٣: ٩). فالوقت الإضافي إذا قد سُمِحَ بهِ لتتوافر فرصة للتوبة لكثيرين.


ومع ذلك، يُحذر بطرس بأنْ لا يُؤخَذ صبر الله على أنه فُرصة لتأجيل اتخاذنا قرار بشأن يسوع. إنَّ يوم الرب سيأتي بغتة كلص في الليل، واللص الذي يأتي ليلاً يتوقَّع أن سيتسلَّل خارجاً دون أن ينتبه إليه أحد. ولكن، بينما مجيء المسيح الثاني سيأتي بغتة كلص في الليل، إلا أنه سيكون ملحوظًا بالتأكيد. وكما يقول بطرس: «تزول السموات بضجيج وتنحلُّ العناصر مُحترقة» (٢بطرس ٣: ١٠). وهكذا فإنَّ رسالة بطرس تُشبه رسالة بولس: «هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص» (٢كورنثوس ٦: ٢).




فماذا إذًا؟


حاول شاب أن يشهد لأمه، فأخبرها عن موت يسوع وعن الوعد بعودته. كان يشعر بنوع من الاعتزاز بنفسه، معتقدًا أنه قد أدَّى مهمته ببلاغة. وعندما انتهى من عظته الصغيرة عن يسوع والمجيء الثاني، نظرت إليه والدته وقالت: «وما شأن ذلك بي الآن؟».


اقرأ ٢بطرس ٣: ١١-١٣. كيف أجاب بطرس عن السؤال «وما شأن ذلك بي الآن؟» (انظر متى ٢٤: ٤٣-٥١).


كما قلنا سابقًا أنَّ اسمنا (أو لقبنا بذاته) الأدفنتست السبتيون يُظهر مُعتقدنا بحقيقة عودة المسيح. هذا التعليم أساسي؛ فإيماننا المسيحي كله كان سيصبح بلا أي معنى بدون عودة المسيح وكل ما يتعلَّق به من مواعيد.


ولكن ألسنا في خطر لأن نُصبح مثل العبد الشرير في المثل الوارد في متى ٢٤: ٤٣-٥١؟ قد لا نرتكب نفس نوع الشر الذي وصفه المثل، فلا أهمية لذلك (فذلك مَثَل فقط). ولكن ما يُحذِّر منه المثل هو أن يُصبِح الأمر أكثر سهولة من ناحية التراخي في مستوى مبادئنا خصوصاً فيما يتعلَّق بتعاملنا مع الآخرين ونصير أكثر فأكثر مثل العالم وأقل حماسًا في إيماننا بعودة الرب.


من المُؤكَّد بأننا نتواجه بين الحين والآخر مع أولئك الذين يحملون المخططات والعمليات الحسابية النبوية ويدَّعون أنَّ لديهم التاريخ لعودة المسيح. ولكن الجزء الأكبر من المشكلة بالنسبة للأدفنتست السبتيين ليست تحديد تواريخ لعودة المسيح قريبًا، إنَّما الخطر يكمن في أنه بمرور السنين يبدأ الوعد بمجيء المسيح في لعب دور أقل بكثير في أذهاننا.


نعم، فكلما طال بقاؤنا على هذه الأرض، كلما اقتربنا أكثر من مجيء المسيح الثاني. ومن ناحية أخرى، فكلما طال بقاؤنا هنا، يُصبح من السهل علينا أن نتخيَّل عودته بأنها بعيدة جداً إلى درجة أنها تؤثِّر تأثيرًا حقيقيًا على حياتنا اليومية. يُحذر الكتاب المقدس من هذا النوع من الاستكانة. وكما قال بطرس، إذا كان للمسيح أن يعود، وعلينا نحن أن نواجه الدينونة، فعلى المسيحيين أن يعيشوا حياة القداسة والتقوى (٢بطرس ٣: ١١). إن حقيقة مجيء المسيح ثانية، في أي وقت كان، يجب أن يكون لها وقعها الآن في حياتنا.






مُناشدة أخيرة


يختم بطرس رسالته بشعار تخللها منذ البداية؛ العيش عيشة القداسة والحرص من أن ينقادوا «بضلال الأردياء» (٢بطرس ٣: ١٧).


اقرأ ٢بطرس ٣: ١٤-١٨. لمن يوجِّه بطرس مُناشدته، ومن أي شيء يُحذر في هذه المُناشدة؟


كم هو ممتع أن يختم بطرس رسالته بمُناشدة لكتابات «أخونا الحبيب بولس» (٢بطرس ٣: ١٥). كتب بطرس أيضاً عن الحاجة للعيش بسلام إلى حين مجيء يسوع الثاني واستغلال الوقت لتنمية حياة القداسة (انظر رومية ٢: ٤؛ رومية ١٢: ١٨؛ فيلبي ٢: ١٢).


لاحظ أيضًا أنَّ الطريقة التي أشار بها بطرس إلى كتابات بولس تُظهر أنَّ كتابات بولس كانت موضع تقدير كبير في التاريخ المسيحي. سواء كان بطرس يُشير إلى مُجمل كتابات بولس في العهد الجديد أم إلى الفرعيَّة المُتَّصلة بذلك الزمان فذلك لا يمكن تحديده. مع ذلك فإن تعليقات بطرس تُظهر أن رسائل بولس كانت تحظى بتقدير كبير.


أخيرًا يقول بطرس أنَّ كتابات بولس يُمكن أن يُساء فهمها، كما في أسفار أخرى أيضًا. الكلمة اليونانية «جرافا» (grapha) تعني حرفيًا «كتابات»، ولكن في هذا السياق تعني بوضوح «كتابات مُقدَّسة» كما هو الحال مع أسفار موسى والأنبياء. يوجد هنا دليل أو برهان مبكر جدًا على أنَّ كتابات بولس تتبنى سلطة مثل سلطة إنجيل العبرانيين.


وإذا أخذنا في الاعتبار ما قرأناه سابقاً حول المُعلِّمين الكذبة الذين يَعِدُون بالحرية، فلا توجد صعوبة في تصوُّر الناس واستخدامهم لكتابات بولس عن الحرية والنعمة كعذر للسلوك الخاطئ. شدَّد بولس بقوَّة على البِرّ بالإيمان (رومية ٣: ٢١، ٢٢)، ولكن لا يوجد في كتاباته ما يُجيز للناس أو يُعطيهم الحرية لفعل الخطية (انظر رومية ٦: ١-١٤). كان على بولس نفسه أن يتعامل مع ذلك الخطأ فيما يتعلَّق بما كان يُبشِّر به ويُعلِّمه حول البِرِّ بالإيمان، ومع ذلك فإنَّ بطرس يُحذِّر من الذين يُحرِّفون كتاباته أنَّهم يفعلون ذلك «لهلاك أنفسهم» (٢بطرس ٣: ١٦).






لمزيد من الدرس: من منظورنا الخاص، قد يظهر وكأنَّ مجيء المسيح ثانية تأخَّر كثيرًا. من الواضح أنَّ يسوع عَلِمَ أنه سينتابنا ذلك الشعور، وفي بعض أمثاله حذَّر مما قد يحدث إن لم نبقَ حريصين وساهرين خلال ذلك الوقت. خذ مثل الخادمَين في متى ٢٤: ٤٥-٥١ (الذي ذُكِر في درس يوم الأربعاء). كلاهما عَلِمَ أنَّ سيِّدهما سيعود، ولكنهما توصَّلا إلى استنتاجين مختلفين حول عودته. واحدهما قرر أن يكون مستعدًا لعودة سيِّده في أي وقت. أما الآخر فقال بأن سيده يُبطيء قدومه، وعليه انتهز الفرصة للقيام بعمل شرير. «ولكوننا لا نعلم الوقت المضبوط لمجيئه فقد أمرنا بأن نسهر. ’طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين‘ (لوقا ١٢: ٣٧). إن أولئك الساهرين إلى يوم مجيء الرب لن يكون انتظارهم باطلاً أو عاطلاً. إن انتظار الناس لمجيء المسيح يجعلهم يخشون الرب ويخافون من أحكامه ودينونته على العصيان والعصاة. وهو يوقظهم ليتحفظوا من خطية رفض هبات رحمة الرب. وأولئك الذين ينتظرون الرب إنما يُطهِّرون أنفسهم بإطاعة الحق» (مشتهى الأجيال، صفحة ٦٠١).




الدرس الثالث عشر


١٧–٢٣ حزيران (يونيو)


المواضيع الأساسية في رسالتي


بطرس الأولى وبطرس الثانية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: إشعياء ٥٣: ٥، ٦، ٩؛ لاويين ١٦: ١٦-١٩؛ لاويين ١١: ٤٤؛ رومية ١٣: ١-٧؛ ١كورنثوس ١٤: ٤٠؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٦.


آية الحفظ: «الذي حَمَل هو نفسه خطايانا في جسدِهِ على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بِجَلدَتِهِ شُفِيتُم» (١بطرس ٢: ٢٤).


كُتِبَت رسالتي بطرس من أجل أهداف عملية. في الرسالة الأولى، كانت القضية الكبرى التي واجهها بطرس هي الاضطهاد الذي كان المسيحيون يُواجهونه. وفي الرسالة الثانية كانت القضية العظمى هي المُعلِّمون الكذبة. كَتَبَ بطرس بقوَّة وبسلطان إذ كان يسعى لتشجيع قُرَّائِه ويُحذِّرهم بخصوص التحديات التي كانت أمامهم.


الأمر الهام في ذلك هو أن بطرس كان يتجاوب مع كل من المسألتين بأسلوب لاهوتي. فالآلام التي نتجت عن الاضطهاد، جَعَلَت بطرس يتأمَّل في آلام وموت يسوع، والتي بسببها نلنا الخلاص. المُعلِّمون الكذبة سوف يواجهون الدينونة. وستجري هذه الدينونة بعد عودة المسيح إلى هذه الأرض مع المُخَلّصين، بعد انقضاء الألف سنة في السماء. هذه هي بعض المواضيع التي يتناولها بطرس في رسالتيه.


في درس هذا الأسبوع الأخير، سوف نتفحَّص بتفصيل أكثر خمسة مواضيع كَتَبَ عنها بطرس: آلام يسوع التي أدَّت إلى خلاصنا، استجابتنا العملية على معرفتنا بأنَّ الله سيحكم على أفعالنا في الدينونة الأخيرة، الرجاء الذي لنا في سرعة عودة يسوع، النظام في المجتمع والكنيسة، ودور الإنجيل في توفير الإرشاد لحياتنا.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٤ حزيران (يونيو).




الآلام، يسوع، والخلاص


اقرأ ولاحظ ما تكشفه الآيات التالية بخصوص الخلاص:


١بطرس ١: ٢


١بطرس ١: ٨، ٩


١بطرس ١: ١٨، ١٩


١بطرس ٢: ٢٢-٢٥


١بطرس ٣: ١٨


عندما يذكر بطرس الخلاص، فإنَّ ذلك عادة ما يكون في سياق آلام المسيح كبديل عن الخطاة. مثال ذلك موجود في ١بطرس ٢: ٢٢-٢٤. فعندما يكتب بطرس عن آلام يسوع، فإنه يستعمل تعابيرًا تعكس ما ورد في إشعياء ٥٣: ٥، ٦، ٩. «(المسيح) حَمَل هو نفسه خطايانا في جسده» على الصليب، والذي «بجَلْدَتِهِ شُفيتم» (١بطرس ٢: ٢٤) يكشف عن فكرة البديل والضحية.


في كثير من الذبائح التي ورد ذكرها في الأسفار العبرية [العهد القديم]، كان الخطاة يأتون بتقدماتهم إلى الهيكل ويضعون أيديهم عليها. هذا الفعل يرمز إلى انتقال الخطية من الخاطيء إلى الحيوان – الذي يموت بعد ذلك عوضاً عن الإنسان الخاطيء (لاويين ٣: ٢٩، ٣٠، ٣٣، ٣٤؛ ١٤: ١٠-١٣). إن نجاسة الخطية التي تجمَّعت على المذبح كانت تتطهَّر وتُزال في يوم الكفَّارة (لاويين ١٦: ١٦-١٩).


كان لدم التقدمة دور هام في التكفير عن الخطية. وقد تمَّ افتداء المسيحيين بدمٍ كريم، دم المسيح (١بطرس ١: ١٨، ١٩). بولس أيضًا عبَّر عن فكرة البديل: يسوع، الذي لم يعرف خطية، جُعِلَ خطية لأجلنا (٢كورنثوس ٥: ٢١). وكما يقول بطرس في (١بطرس ٣: ١٨)، تألم المسيح من أجل الخطايا، البار (يسوع) مِن أجل الأثمة (نحن).


كما فعل بولس (رومية ٣: ٢١، ٢٢)، كذلك أكَّد بطرس على الحاجة إلى الإيمان، كما يقول لقرّائه: «الذي وإن لم تروه، تحبونه... نائلين غاية إيمانكم، خلاص النفوس» (١بطرس ١: ٨، ٩). إنَّ الخلاص لا يُكتسب نتيجة السلوك الصالح، ولكنه يُمنَح لنا عندما نؤمن بما فعله يسوع من أجلنا ونقبله كمُخلص شخصي لنا. ثقتنا في الخلاص موجودة في المسيح وليست في أنفسنا. ولو كانت في أنفسنا، فأيَّة ثقة حقيقية يمكن أن تكون لنا؟






كيف ينبغي أن نعيش؟


أحد المواضيع التي كان بطرس يعود إليها أكثر من أي موضوع آخر، طُرح من خلال سؤال سأله في ٢بطرس ٣: ١١ والذي يقول: «فبِما أنَّ هذه كلها تنحل، أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدَّسة وتقوى؟»


اقرأ الآيات التالية. ماذا يقول بطرس عن السلوك المسيحي؟ ١بطرس ١: ١٥-١٧، ٢٢؛ ١بطرس ٢: ١؛ ١بطرس ٣: ٨، ٩؛ ١بطرس ٤: ٧-١١؛ ٢بطرس ٣: ١١.


يتناول بطرس موضوع السلوك المسيحي من خلال عدَّة نقاط في رسالتيه، كما أنَّ عددًا من المواضيع الأخرى تظل تظهر تكرارًا.


أولاً: يُشدِّد بطرس، مرتين، على الصِّلة بين دينونة الله والسلوك المسيحي (١بطرس ١: ١٧ و٢بطرس ٣: ١١). سيُحاسب الله كل شخص على أفعاله، وعليه فإنَّ على المسيحيين أن يحيوا حياة القداسة.


ثانياً: يذكر بطرس عدَّة مرات أنه على المسيحيين أن يكونوا قدِّيسين. في الأسفار العبرية [العهد القديم]، تُفرَز الأشياء المُقدَّسة لاستخدامها في الهيكل (خروج ٢٦: ٣٤؛ ٢٨: ٣٦؛ ٢٩: ٦، ٣٧) أو من أجل الرب (مثلاً، السبت في تكوين ٢: ٣). في الحقيقة، إن خطة الله كانت تهدف لأن يكون شعبه قديسين، كما هو قدوس، وهذا موضوع ألمح إليه بطرس أيضاً (لاويين ١١: ٤٤؛ ١٩: ٢؛ ١بطرس ١: ١٥، ١٦). إنَّ عملية فرز شيء لأنه مُقدَّس يُدعى «التَّقديس»، ورغبة بطرس هي أن يُصبح قُرَّاءه مُقدَّسين بالروح ولطاعة يسوع (١بطرس ١: ٢).


ثالثاً: حدَّد بطرس بعض التفاصيل عن نوع السلوك الذي يُلائم أولئك المُقدَّسين. فعليهم أن يُطهِّروا أنفسهم من الخُبث، المكر، الرِّياء، الحسد، والمذمَّة (١بطرس ٢: ١). عليهم أن يكونوا متُّحدي الرأي وبِحِسٍّ واحد، يحبون بعضهم بعضًا محبة أخوية، مُشفقين، لطفاء، وذوي عقول متواضعة (١بطرس ٣: ٨، ٩). يجب أن يكون لديهم الفضيلة والتقوى والمودَّة (١بطرس ١: ٥-٧). بالتأكيد، يجب أن يكون لديهم محبة ثابتة وشديدة (١بطرس ٤: ٧-١١). وأخيرًا، يحثُّ بطرس سامعيه على أن يُلقوا كل همَّهم على يسوع (١بطرس ٥: ٧).






رجاء في المجيء الثاني


اقرأ الآيات التالية ولاحظ ما الذي تقوله عن الأحداث المُستقبلية:


١بطرس ١: ٤


١بطرس ١: ١٧


١بطرس ٤: ٥، ٦


١بطرس ٤: ١٧


١بطرس ٣: ١-١٠


أحد المواضيع الأساسية التي تواجه أولئك الذين قرأوا وسمعوا رسالة بطرس الأولى للمرة الأولى هو موضوع الاضطهاد. يُشجِّع بطرس قراءه بذكر أنه وإن كانوا يتألمون بسبب الاضطهاد، إلا أنه يوجد ميراث ينتظرهم في السماء، ميراث لا يُمكن أن يُنتَزَع منهم. في بداية الرسالة الأولى، يذكر أن المسيحيين لهم ميراث لا يفنى محفوظ في السموات لأجلهم (١بطرس ١: ٤).


يُسلِّط بطرس الضوء على شيئين سيحدثان في المستقبل: الدينونة الأخيرة، وهلاك الشر بالنار. بمعنى آخر، فهو يُظِهر أنه على الرغم من وجود الاضطهاد الآن، إلا أنَّ العدالة والدينونة سوف تتم، وأن المؤمنين سوف ينالون مُكافأتهم الأبدية.


يذكر بطرس الدينونة في ثلاث مناسبات منفصلة (١بطرس ١: ١٧؛ ٤: ٥، ٦، ١٧). يقول أن الله الآب يدين جميع البشر بغير محاباة حسب أفعالهم (١بطرس ١: ١٧). ويشير إلى أن يسوع نفسه هو على استعداد لأن يدين الأحياء والأموات (١بطرس ٤: ٥). ويبدي أيضًا ملاحظة مثيرة للاهتمام، وهي أنَّ القضاء سوف يبدأ من بيت الله (١بطرس ٤: ١٧).


يؤكد بطرس أيضًا أن «الناس الفُجَّار» سوف يهلكون بعاصفة من النيران تلف العالم بأسره (٢بطرس ٣: ٧).


يمضي بطرس بعض الوقت ليتعامل مع المشاكل التي طرأت حول ما إذا كان يسوع سوف يأتي حقيقة أم لا (٢بطرس ٣: ١-١٠). ويشير إلى أن التأجيل في موعد مجيء المسيح ثانية هو لكي يُعطي فرصة للمزيد من الناس كي يتوبوا ويخلصوا. ويشير أيضًا إلى أن حقيقة الدينونة القادمة يجب أن تُقنِع الجميع لأن يعيشوا عيشة مقدسة بلا لوم.


وهكذا، فبقدر تركيزه على الحياة المسيحية العملية الحالية، إلا أنه يواصل لفت انتباه قرائه إلى الرجاء في المستقبل الذي ينتظرهم. باختصار، أيًا كانت الظروف في الوقت الراهن، فعليهم أن يواصلوا تقدمهم بالإيمان والطاعة.






النظام في المجتمع وفي الكنيسة


اقرأ الفقرات التالية. ماذا يقول بطرس في هذه الآيات حول أهمية كل من الحكومة وقيادة الكنيسة، وكيف يجب على المسيحيين أن يتجاوبوا مع كل منهما؟ وكيف يجب أن تُطبَّق كلماته على وضعنا اليوم، بغض النظر عن الأماكن التي نعيش فيها؟


١بطرس ٢: ١١-٢١


١بطرس ٥: ١-٥


عاش بطرس في عصر كان المسيحيون فيه يتعرضون أحيانًا للاضطهاد مِن قِبَل الحكومة أو السلطات الدينية. هذا الأمر يُكسِبْ ما قاله بطرس وبولس حول الدور الصحيح للسلطات الحكومية أهمية فائقة (١بطرس ٢: ١٣-١٧؛ رومية ١٣: ١-٧). بالنسبة لكل من بطرس وبولس، فإن كليهما يؤمن بأن السلطات الحكومية أتت بترتيب من الله نفسه للانتقام من فاعلي الشر. هناك بالطبع أوقات تكون فيها السلطات الحكومية هي المشكلة ذاتها. وقد واجه المسيحيون ذلك في أيام بطرس، وذلك الأمر سوف يزداد سوءًا لسنوات كثيرة.


ولكن عمومًا، المقصود هو أن الحكومات الصالحة تحافظ على القانون والنظام والأمن. هناك أمثلة كثيرة اليوم يُنتهك فيها القانون والنظام والأمن، ويمكنك أن ترى جليًا الحاجة الماسَّة إلى حكومات معتدلة. في الحقيقة، الحكومة الصالحة هي إحدى بركات الله التي أعطاها للبشر.


لا شك أن بطرس يُشارك بولس في قناعته بأهمية السلطة الحكيمة في الكنيسة أيضًا. يُشدِّد بولس قائلاً: «وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب» (١كورنثوس ١٤: ٤٠) في خدمة العبادة بالكنيسة. ومثله يطلب بطرس من قادة الكنيسة أن يَرعوا «رعيَّة الله التي بينكم نُظّارًا» (١بطرس ٥: ٢). عليهم أن يفعلوا ذلك بتواضع وعناية. يجب أن تتم قيادة الكنائس المحلية لها بصورة جيدة. القادة الصالحون يوفرون الرؤية والترابط، ويُمكِّنون الآخرين من ممارسة مواهبهم الروحية لمجد الرب.






صدارة الإنجيل


ما الذي تقوله الفقرات التالية عن الكتاب المقدس فيما يمكن أن يساعدنا في فهم الدور الذي يجب أن يكون له اليوم في حياتنا وإيماننا؟


١بطرس ١: ١٠-١٢


٢بطرس ١: ١٦-٢٠


٢بطرس ٣: ٢


٢بطرس ٣: ١٦


في رسالته الثانية، يُجابه بطرس المعلمين الكذبة، ويوجِّه قرَّاءه إلى مصدرين للسلطة عندما يقول: «لتذكروا الأقوال التي قالها سابقًا الأنبياء القديسون، ووصيتنا نحن الرسل، وصية الرب المخلص» (٢بطرس ٣: ٢). اليوم يمكننا أن نلجأ إلى ذات المرجع، إلى كلمات «الأنبياء القديسين» الذي هو العهد القديم. الرسل الأحباء غير متوافرين لدينا بالطبع، ولكن بشكل ما، لدينا ما هو أفضل: شهادتهم الموحى بها كما ظهرت في العهد الجديد. ترك لنا متى، مرقس، لوقا، ويوحنا القصة الكاملة لحياة وموت وقيامة يسوع المسيح. وفي سفر أعمال الرسل، هناك تقارير عن الأعمال التي قام بها الرسل. ويمكننا أن نقرأ الكلمات الموحى بها التي قالها الرسل أنفسهم. يتحدَّث بولس بقوة عن سلطة كلمة الله (٢تيموثاوس ٣: ١٦). وهكذا فإن بطرس يُوجِّه قرَّاءه إلى الإنجيل كمصدر للسلطة الروحية والأدبية.


في (٢بطرس ٣: ١٦)، يُحذِّر بطرس قراءه ومستمعيه من أنه وبالرغم من أن الإنجيل هو مصدر الحق، فبدون الانتباه الشديد للرسالة التي يرغب الروح القدس أن نفهمها، فإنَّ مصدر الحق نفسه يمكن أن يُساء فهمه. وذلك يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.


يجب أن تذكرنا كلماته اليوم بالمبادئ الأساسية في دراسة الكتاب المقدس. علينا أن نقرأ فقرة من الكتاب المقدس بروح الصلاة. علينا قراءتها في سياق ما يتعلق بها ضمن الأصحاح، والسفر ومجمل الكتاب المقدس ذاته. ماذا كان يتحدث عنه المؤلف بالتحديد حين كتبها؟ علينا أن نقرأها في ضوء الظروف التاريخية التي كُتِبَت حينها (في حالة رسالتي بطرس الأولى والثانية، سيكون ذلك في عهد الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي.) يجب أن نقرأها سعياً للوعي الروحي، ومُدركين أن الخلاص الذي جلبه موت المسيح الكفاري هو محور رسالة الكتاب المقدس كله (١بطرس ١: ١٠-١٢). ختاما، يجب علينا أن نقرأ الكتاب المقدس في سياق حياتنا الخاصة. أي حق يرغب الله أن نحصل عليه؟ كيف يمكننا أن نُطبِّق الكلمة المكتوبة في حياتنا بطريقة تسهم إيجابيًا لملكوت الله؟




لمزيد من الدرس: حتى في خضم اللاهوت العميق، فإنَّ رسائل بطرس تُركِّز بقوَّة على الحياة المسيحية والطريقة التي يتوجَّب علينا إتباعها في معاملة واحدنا الآخر. بمعنى آخر، نعم، نحتاج أن نعرف الحق كما هو في يسوع، ولكن الأكثر أهمية هو أن نعيش ذلك الحق في حياتنا أيضًا. في بدايات رسالته، يُخبرنا بطرس بهذه الكلمات الرائعة: «طهِّروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضاً من قلب طاهر بشدَّة» (١بطرس ١: ٢٢). لاحظ كيف يربط بين تطهير نفوسنا والطاعة للحق. الحق يُغيِّرنا، يصنع منا شعبًا يُحب واحدهم الآخر محبة شديدة «وبلقب طاهر». الطاعة، والقلب الطاهر، والمحبة ترتبط واحدة بالأخرى. هذا هو المثل الأعلى الذي يجب أن نصبوا إليه. هل تتخيل كم ستكون حياتنا وكنائسنا مختلفة لو أننا اتبعنا ذلك التحدي؟ تأمل فيما يمكن أن يفعله ذلك في مفهوم وحدة الكنيسة، إن لم يكن أي شيء آخر.


«أيها الأخوة، هل تحملون روح المسيح معكم، إذ تعودون إلى بيوتكم وكنائسكم؟ هل تطرحون عنكم الشك والانتقاد؟ وصلنا إلى وقت نحتاج فيه إلى أن نتضامن معا أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل متحدين. في الوحدة قوة. وفي الفرقة وعدم الوحدة هناك دائما الضعف» (روح النبوة، رسائل مختارة، صفحة ٣٧٤، ٣٧٥).




دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للربع الثالث ٢٠١٧


يستعدّ العالم البروتستانتي للاحتفال بالذكرى الخمسمائة للإصلاح البروتستانتي عندما كشف مارتن لوثر— مسوقاً من الروح القدس — النقاب عن حقائق كتابية جوهرية للملايين. حقائق كانت مطمورةً قروناً طويلةً تحت الخرافات والتقاليد. وقد يذهب البعض إلى القول بأنّ البروتستانتية برمّتها قد وُلِدت وظهرت إلى الوجود، منذ نصف ألف سنة مضت، من خلال صفحات الرسالة إلى الغلاطييّن (بالإضافة إلى الرسالة إلى أهل رومية). فإنّه من خلال مطالعة الرسالة إلى أهل غلاطية نجد أَنّ مارتن لوثر قد بهرته الأخبار السارّة العظيمة، الخاصّة بالتبرير بالإيمان. هذه الحقيقة المجيدة التي أنجبت حركة الإصلاح البروتستانتي، هي التي ساهمت في تحرير الملايين من أخطاء لاهوتية مسكونيّة لقرون عديدة. فما قرأه مارتن لوثر في الرسالة إلى أهل غلاطية قد غيّر العالم رأساً على عقب، ولم يعد كما كان قبلاً. فما هو مضمون الرسالة إلى غلاطية الذي يجعل منها أساساً متيناً للإصلاح البروتستانتي؟ وكيف تمكّنت هذه الرسالة من التأثير على قلوب الكثيرين أمثال مارتن لوثر؟ إن دليل دراسة الكتاب المقدس للربع القادم، الذي بعنوان «بشارة الإنجيل في سِفر غلاطية»، من تأليف كارل كوسيرت، يدعونا للتجوال مع الرسول بولس، إذ يهيب بالغلاطييّن أن يظلوّا أمناء للمسيح. هذه الدراسة تعطينا فرصة في ذات الوقت لإنارة مفهومنا الشخصي بالحقائق التي فتحت الطريق أمام المصلح مارتن لوثر للانفصال الحتمي عن روما وإرساء سلطة إنجيل الخلاص الكتابي.




بشارة الإنجيل في سِفر غلاطية


١. بولس رسول الأمم — حزيران (يونيو) ٢٤-٣٠


٢. سلطة بولس والإنجيل — تموز (يوليو) ١-٧


٣. وحدة الإنجيل — تموز (يوليو) ٨- ١٤


٤. التبرير بالإيمان وحده — تموز (يوليو) ١٥-٢١


٥. إيمان العهد القديم — تموز (يوليو) ٢٢-٢٨


٦. أفضليّة الوعد — ٢٩ تموز (يوليو) - ٤ آب (أغسطس)


٧. الطريق إلى الإيمان — ٥-١١ آب (أغسطس)


٨. من عبيد إلى وَرَثَة — ١٢-١٨ آب (أغسطس)


٩. تضرعات بولس الرعوية — ١٩-٢٥ آب (أغسطس)


١٠. العهدان — ٢٦ آب (أغسطس) - ١ أيلول (سبتمبر)


١١. الحريّة في المسيح — ٢-٨ أيلول (سبتمبر)


١٢. الحياة بالروح — ٩-١٥ أيلول (سبتمبر)


١٣. بشارة الإنجيل والكنيسة — ١٦-٢٢ أيلول (سبتمبر)


١٤. الافتخار بالصليب — ٢٣-٢٩ أيلول (سبتمبر)