تحميل قوات الدفاع الشعبي  -   دليل دراسة الكتاب المُقدَّس - الربع الثاني 2017 - «إرعَ غنمي»: 1 و 2 بطرس

 

مقدمة ٢


١. شخصية بطرس — ٢٥-٣١ آذار (مارس) ٦


٢. ميراث لا يفنى — ١-٧ نيسان (أبريل) ١٤


٣. كهنوت ملوكي — ٨-١٤ نيسان (أبريل) ٢١


٤. العلاقات الاجتماعية — ١٥-٢١ نيسان (أبريل) ٢٨


٥. أن نعيش لله — ٢٢-٢٨ نيسان (أبريل) ٣٦


٦. نتألم مع المسيح — ٢٩ نيسان (أبريل) - ٥ أيار (مايو) ٤٣


٧. القيادة بروح الخدمة — ٦-١٢ أيار (مايو) ٥١


٨. يسوع في كتابات بطرس — ١٣-١٩ أيار (مايو) ٥٩


٩. كن كما أنت — ٢٠-٢٦ أيار (مايو) ٦٦


١٠. النبوات والإنجيل — ٢٧ أيار (مايو) - ٢ حزيران (يونيو) ٧٤


١١. معلمون كذبه — ٣-٩ حزيران (يونيو) ٨١


١٢. يوم الرب — ١٠-١٦ حزيران (يونيو) ٨٩


١٣. المواضيع الأساسية في رسالتي بطرس الأولى وبطرس الثانية — ١٧-٢٣ حزيران (يونيو) ٩٦


Editorial Office: 12501 Old Columbia Pike, Silver Spring, MD 20904


Come visit us at our Web site: http://www.absg.adventist.org


Principal Contributor

Robert McIver


Editor

Clifford R. Goldstein


Associate Editor

Soraya Homayouni


Publication Manager

Lea Alexander Greve


Middle East and North Africa Union


Publishing Coordinator

Michael Eckert


Translation to Arabic

Samaan Ghali


Arabic Layout and Design

Marisa Ferreira


Editorial Assistant

Sharon Thomas-Crews


Pacific Press® Coordinator

Wendy Marcum


Art Director and Illustrator

Lars Justinen


Design

Justinen Creative Group


© ٢٠١٧ المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. جميع الحقوق محفوظة. لا يمكن تعديل أو تغيير أو تبديل أو تحويل أو ترجمة أو إعادة إصدار أو نشر أي جزء من دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار دون الحصول على إِذْن خطي مسبق من المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. ومصرحٌ لمكاتب الأقسام الكنسية التابعة للمجمع العام للأدفنتست السبتيين ® العمل على الترتيب لترجمة دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار بموجب مبادئ توجيهية محددة. وتبقى ترجمة ونشر هذا الدليل حقاً محفوظاً للمجمع العام. إن اصطلاح "الأدفنتست السبتيون" وشعار الشعلة هما علامتان تجاريتان للمجمع العالم للأدفنتست السبتيين ® ولا يجوز استخدامها دون الحصول على إذن مسبق من المجمع العام.


إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو من إعداد مكتب دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للكبار التابع للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. والناشر والمشرف العام على إعداد هذا الدليل هو لجنة مدرسة السبت، وهي إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الإدارية للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو انعكاس لمساهمات اللجنة العالمية للتقييم، ويحظى بموافقة لجنة مدرسة السبت للنشر، وبالتالي فهو لا يعكس بالضرورة وجهة النظر المنفردة للمؤلف (أو المؤلفين).



Sabbath School Personal Ministries



إرعَ غنمي


لكون دراستنا هذا الربع هي رسالتي بطرس الأولى وبطرس الثانية فنحن نقرأ هنا كلمات شخص كان يلازم المسيح في معظم اللحظات الهامة إبان خدمته على الأرض. وكان بطرس أيضًا قائدًا مميزًا بين المسيحيين الأوائل. هذه الحقائق منفردة تكفي لتجعل من رسالتيه مادة تستحق القراءة. ولكن هاتين الرسالتين تكتسبان أهمية إضافية لكونهما كُتبتا لكنائس كانت تعيش تحت وطأة أزمنة مضطربة واجهوا فيها الاضطهاد من خارج الكنائس وكذلك الخطر المتمثل في وجود معلمين كذبة في الداخل.


حذر بطرس أنه من بين الأشياء التي يروّجون لها هو الشك في المجيء الثاني للمسيح. فيقولون: «أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ» (٢بطرس ٣: ٤). اليوم وبعد مُضي ألفي عام تقريباً نحن ندرك حقيقة هذا الادعاء. أليس كذلك؟


بالإضافة إلى تحذير بطرس من المعلمين الكذبة فإن موضوع المعاناة التي اختبرتها الكنائس يعود إليه بطرس عدة مرات. فيقول إن تلك المعاناة هي انعكاس لمعاناة السيد المسيح «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» (١بطرس ٢: ٢٤) ولكن تأتي الأخبار السارة وهي أن موت المسيح منحنا الحرية من الموت الأبدي نتيجة الخطية ومنحنا أيضاً حياة البِرِّ هنا على الأرض لجميع الذين يثقون به (١بطرس ٢: ٢٤).


يقول بطرس أن موت المسيح لم يكن فقط من أجل خطايانا ولكنه سوف يعود لتبدأ دينونة الله (٢بطرس ٣: ١٠-١٢). ويؤكد بطرس على حقيقة هامة وهي أنه يجب أن يكون للدينونة المنتظرة مضمون عملي هام في حياة المؤمنين. عند مجيئه الثاني سوف يمحو يسوع كل خطية وسوف يُطهّر الأرض بالنار (٢بطرس ٣: ٧). مع ذلك سيُمنح المفديون الميراث المُعد لهم في السماء (١بطرس ١: ٤).


لدى بطرس كلمات عميقة حول كيف يجب على المسيحي أن يعيش. أولاً وقبل كل شيء على المسيحيين أن يحبوا بعضهم بعضاً (١بطرس ٤: ٨). ويجمل نظرته بقوله: «وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ» (١بطرس ٣: ٨).


إن رسالتي بطرس هما إعلان صارخ عن بشارة الإنجيل التي هي الرسالة المحورية لمجمل الكتاب المقدس. على أي حال فإن كان لأحد أن يدرك نعمة الله المُخلّصة فإنه بطرس. فهذا هو بطرس الذي أنكر سيده «فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» (متى ٢٦: ٧٤). وهو بطرس ذاته الذي قال له المسيح لاحقاً: «ارْعَ غَنَمِي» (يوحنا ٢١: ١٧). إن رسالتي بطرس هاتين هما نموذجان لتحقيق هذا الهدف. رعاية رعيّة الرب، وبالطبع فإن أي جزء أو عمل في هذه الرعاية سوف يشمل ذلك الحق العظيم وهو الخلاص بالإيمان بالرب يسوع المسيح. وهذا شعار شاركه فيه زميله الرسول بولس وأعلنه بكل قوة. هذا الحق هو نعمة الله. عرف بطرس ذلك الحق ولكن ليس نظرياً أو على أنه مجرد عقيدة، بل لأنه اختبر حقيقة وقوة هذه النعمة في حياته.


كما كتب مارتن لوثر معلقاً على رسالتي بطرس: «وعلى ذلك فإن رسالة القديس بطرس هذه هي من أسمى كتب العهد الجديد. هي الإنجيل الصادق والنقي. لأن بطرس قام بنفس العمل الذي عمله بولس وجميع الكارزين لأنه رسّخ عقيدة الإيمان بأن يسوع يأخذ عنا خطايانا ويخلّصنا» (التعليق على رسالتي بطرس ويهوذا (غراند رابيدز: كرغل للطباعة، ١٩٨٢، صفحة ٢، ٣).


أمر يسوع بطرس أن يرعى غنمه. نحن ضمن هذه الرعية، فلنأكل.


نشأ روبرت ك. ماك أيفر في نيوزيلاندا. وقضى معظم حياته المهنية في كلية أفونديل حيث كان يقوم بتدريس الإنجيل وعلم الآثار. ألَّف عدة كتب من ضمنها وجوه يسوع الأربعة، وما وراء شفرة دافنشي.


دليلك في الطريق إلى وطنك السماوي


تواصل مع الله بفعالية أكثر!


إن مبادرة "آمنوا بأنبيائه" هي برنامج مدته خمس سنوات يأخذك في رحلة عبر الكتاب المُقَدّس وقراءات مختارة من مؤلفات إلن ج. هوايت. قم بالحصول على قراءات يومية من الكتاب المُقَدّس، وقراءات تفاعلية مع غيرك من القراء، وكذلك بعض المقاطع من مؤلفات روح النبوة.


متحدون في الصلاة: هي مبادرة نلتزم فيها بالصلاة معاً مع الآخرين باستخدام طرق تقليدية أو مبتكرة. احصل على طلبات أسبوعية وشهادات أو أفكار متعلقة بالصلاة من أعضاء كنيستك حول العالم.


قم بالاشتراك في هاتين المبادرتين من خلال التسجيل على الموقع التالي:


http://www.RevivalandReformation.org


وشارك أفكارك والشهادات الخاصة بك.


حلقة عالمية للصلاة


برنامج عالمي لدراسة الكلمة المقدسة


صلاة يومية مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح حول العالم


دراسة يومية لكلمة الله ومؤلفات روح النبوة


قم بتحميل


نسختك الإلكترونية المجانية


من دليل دراسة الكتاب المُقَدّس عبر الموقع التالي:


www.menapa.com


 

اشترك في


رسالتنا الإخبارية


المجانية


تزوّد بآخر المعلومات المتعلقة بكل


إصداراتنا الجديدة!


+961 1 690290 | www.menapa.com


شارع الفردوس، السبتية، جديدة المتن، بيروت، لبنان ١٢٠٢٢٠٤٠


جمعية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للنشر


الدرس الأول


٢-٣١ آذار (مارس)


شخصية بطرس






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: لوقا ٥: ١-١١؛ متى ١٦: ١٣-١٧؛ متى ١٤: ٢٢-٣٤؛ لوقا ٢٢: ٣١-٣٣، ٥٤-٦٢؛ غلاطية ٢: ٩، ١١-١٤.


آية الحفظ: «وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ، صَرَخَ قِائِلاً: يَا رَبُّ، نَجِّنِي. فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟» (متى ١٤: ٣٠، ٣١).


إن بطرس هو مؤلف الرسالتين (بطرس الأولى وبطرس الثانية) واللتين تحملان اسمه. وقد كان أحد أوائل من اتبعوا يسوع. وظل ملازماً له طوال فترة خدمته على الأرض، وكان أيضاً من أوائل التلاميذ الذين نظروا القبر فارغًا. وعليه فإن بطرس كان غنيًا من الاختبارات التي استمد منها بوحي من الروح القدس ما مَكّنه من كتابة هاتين الرسالتين القويتين، «لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ» (٢بطرس ١: ١٦).


كثيرًا ما يظهر بطرس في الأناجيل التي كشفت انتصاراته وكذلك سقطاته. غالبًا ما كان هو المتحدث باسم التلاميذ في تعاملهم مع يسوع. بعد القيامة والصعود صار بطرس قائدًا بارزًا في الكنيسة المسيحية الأولى. وَرَدَ حديث عنه في سفر أعمال الرسل وكذلك في سفر غلاطية.


أهم ما تعلمه بطرس هو معنى أن يخطئ الإنسان، ثم ينال المغفرة ويخطو إلى الأمام بإيمان وتواضع. وإذ اختبر في حياته نعمة الله، فهو مازال يجسّد الصوت القوي لنا جميعاً الذين في حاجة لأن نختبر تلك النعمة أيضاً.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١ نيسان (أبريل).




اذْهَبْ عَنِّي!


عندما نلتقي ببطرس لأول مرة نعلم أنه صياد في بحر الجليل (متى ٤: ١٨؛ مرقس ١: ١٦؛ لوقا ٥: ١-١١). كان قد جاهد طوال الليل ولم يتصيّد سمكة واحدة. ولكنه بعد ذلك أطاع هو ورفاقه أمر يسوع للعودة إلى البحيرة ليحاولوا مرة أخرى. فكم كانت دهشة بطرس والآخرين عندما امتلأت شباكهم بالسمك حتى شارفت سفينتهم على الغرق. يا ترى ماذا كان يدور في عقولهم بعد هذه المعجزة؟


اقرأ لوقا ٥: ١-٩. ماذا تخبرنا كلمات بطرس التي وجهها إلى المسيح في لوقا ٥: ٨ عن بطرس؟ إلى ماذا توحي لنا هذه الكلمات عن وضع بطرس الروحي؟


لا شك أن بطرس كان قد تأثر بما عرفه عن يسوع، حتى قبل هذه المعجزة. فعندما أمر يسوع مجموعة الصيادين أن يلقوا بشباكهم، قال بطرس - رغم ارتيابه، حيث انهم لم يتصيدوا شيئًا: «عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ» (لوقا ٥: ٧). يبدو أن بطرس كان على علم بشيء ما من قبل، وهذا ما دفعه لأن يطيع أمر المسيح. وبالفعل فإن هناك مؤشرات توحي بأن بطرس كان برفقة يسوع لفترة ما قبل هذه المعجزة.


أحد هذه المؤشرات نجده في (لوقا ٥: ٣) وهو يتحدث عما حدث قبل معجزة صيد السمك. «فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ الْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ.»


ربما كانت عظة يسوع هنا هي التي أثّرت في بطرس بشكل قوي. على أي حال، فبعد هذه المعجزة، أدرك بطرس شيئًا إضافيًا في المسيح، شيئًا مقدسًا، شيئًا مغايرًا تمامًا لطبيعة بطرس الخاطئة. إن إدراك بطرس لحالته الآثمة واستعداده لأن يقرّ بها علنًا تُظهر مدى تجاذبه مع الرب. فلا عجب من دعوة الرب له. فمهما كانت أخطاؤه – وهي كانت كثيرة – فإن بطرس كان رجلاً روحانياً. وكان على استعداد أن يتبع المسيح مهما كان الثمن.






إعلان الاعتراف بالمسيح


واحدة من اللحظات السامية في قصة يسوع المسيح تظهر في حوار بين يسوع وبطرس. كان يسوع قد فرغ للتو من تعامله مع الكتبة والفريسيين الذين تحدّوه أن يعطيهم علامة، شيئًا يثبت عن نفسه ومَن هو (انظر متى ١٦: ١-٤). بعد ذلك لاحقاً اختلى وحده مع تلاميذه وتحدث معهم عن المعجزتين اللتين أجراهما وفيهما أطعم الآلاف مرتين ببضعة أرغفة وسمكتين. لقد قام بكل ذلك بقصد أن يحترز التلاميذ من خمير الفريسيين والصدوقيين (متى ١٦: ١١).


اقرأ متى ١٦: ١٣-١٧. ما الذي يحدث هنا؟ ما هو مغزى كلمات بطرس للمسيح؟


تحدث بطرس هنا بجرأة عن إيمانه بيسوع. ومن الواضح من الآية في (متى ١٦: ٢٠) أن اعترافه بالمسيح كمسيّا كان يشاركه فيه سائر التلاميذ أيضاً. كان هذا الاعتراف يمثل نقطة تحول في خدمة المسيح، بالرغم من أن التلاميذ ومن ضمنهم بطرس كان لديهم الكثير ليتعلّموه.


«كان التلاميذ لا يزالون ينتظرون أن يملك المسيح ملكا دنيويا. ومع أنه أخفى قصده أمدًا طويلا فكانوا يعتقدون أنه لن يظل إلى الأبد فقيرا خامل الذكر. فقد حان الوقت الذي فيه يُثَبِّت مُلْكَه. فبقاء عداوة الرؤساء والمعلمين قوية لن تقهر أبدا، وبقاء المسيح مرفوضا من أمَّته ومحكوما عليه كمحتال ومخادع ويصلب كفاعل شر — مثل هذا الفكر لم يخطر للتلاميذ على بال» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٣٩٣).


بمجرد أن أدرك التلاميذ بأن المسيح هو المسيا، بدأ المسيح ينشر تعاليمه بأنه ينبغي أن يتألّم ويموت (انظر متى ١٦: ٢١-٢٣). هذا المفهوم لم يستطع بطرس أن يقبله. وتمادى بطرس إلى حد أنه انتهر يسوع، فالتفت يسوع لبطرس وقال: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ» (متى ١٦: ٢٣). كانت هذه أقصى عبارة قالها يسوع لأي شخص في مُدَّة خدمته على الأرض. ولكنه قالها لبطرس بقصد فائدته. كلمات بطرس عكست رغباته الشخصية، عكست موقف الأنانية فيما يرغب فيه. كان على المسيح أن يوقفه في مساره في تلك اللحظة (رغم أن يسوع كان في الحقيقة يخاطب الشيطان، فقد تلقَّى بطرس الرسالة). كان على بطرس أن يتعلّم أن خدمة الرب ستتضمن المُعاناة والألم. وقد تعلّم هذا الدرس، ويَظهَر هذا في كتاباته اللاحقة (انظر ١بطرس ٤: ١٢).






السّير على الماء


خلال الفترة التي قضاها التلاميذ مع يسوع شاهدوا أشياء كثيرة رائعة. إلا أن قِلّة من هذه الأشياء تُضاهي الأحداث الواردة في (متى ١٤: ١٣-٣٣؛ مرقس ٦: ٣٠-٥٢؛ يوحنا ٦: ١-٢١). استعمل يسوع خمسة أرغفة صغيرة من الخبز وسمكتين لإطعام أكثر من خمسة آلاف شخص. مرة أخرى، يا ترى ما الذي كان يدور في أذهانهم بعد أن شاهدوا تلك الأشياء؟


اقرأ متى ١٤: ٢٢-٣٣. ما هي الرسالة الحاسمة التي يمكن أن نأخذها لأنفسنا من هذه القصة لتعيننا في السير مع الرب؟


بإطعامه تلك الجموع، شهد التلاميذ قُوّة يسوع بطريقة رائعة فلقد كان حقاً يستطيع أن يتحكّم في عالم الطبيعة. ولعل ذلك ما دفع بطرس لأن يتقدَّم بجرأة ليطلب من المسيح: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْني أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاء» (متى ١٤: ٢٨). يا له من تعبير عن الإيمان!


اعترف يسوع بإيمان بطرس ودعاه ليأتي. فعل بطرس ذلك، وهذا تعبير آخر عن إيمانه. إنّ السير على الماء حين يكون البحر ساكنًا شيء، ولكن بطرس فعل ذلك أثناء العاصفة.


الدرس الذي اعتدنا أن نتعلّمه مِن هذه القصة هو عن خطورة أن نبعد أنظارنا عن المسيح. ولكن هناك المزيد. فلا بد وأن بطرس وثق في يسوع، وإلا لما فكّر أبدًا في أن يطلب هذا الطلب ثم يُنفِّذه بعد ذلك. ولكنه حالما بدأ يخطو، تَملَّكه الخوف، وجَرَّاء هذا الخوف بدأ يغرق.


لماذا؟ ألم يكن في استطاعة يسوع أن يُبقي بطرس طافياً بغض النظر عن ضعفه؟ ولكن يسوع سمح بأن يصل بطرس إلى النقطة التي لا يستطيع عندها أن يفعل شيئاً سوى أن يصرخ مستنجدًا بيسوع في عجزه: «يَا رَبُّ، نَجِّنِي» (متى ١٤: ٣٠). مَدَّ يسوع عندها يده وقام بما طلبه بطرس منه. وحقيقة أن المسيح «مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ» (متى ١٤: ٣١) بينما كان يستطيع ببساطة أن يُبقي بطرس طافياً دون أي اتصال جسدي، ساعدت بطرس على إدراك أنه في حاجة ليتعلّم أن يثق في المسيح.






مُنكرًا سيده


اقرأ لوقا ٢٢: ٣١-٣٤؛ ٥٤-٦٢. ما هي الدروس التي يمكننا أن نتعلمها من سقطات بطرس؟


كانت نوايا بطرس حسنة، وبالحقيقة فإنه أظهر شجاعة أكثر من سائر التلاميذ. وقد قام بالفعل بإتباع يسوع حتى يكتشف ما كان سيحدث له. ولكنه أثناء ذلك قرر أن يخفي حقيقة شخصيته. فأدت به تلك المساومة على الحق وانحرافه عما هو صواب لأن ينكر سيده ثلاث مرات، تماماً كما أنذره يسوع.


إن قصة بطرس هنا تعلِّمنا الكثير، وبطريقة محزنة، عن النتيجة الكارثية الناجمة عن المساومة.


التاريخ المسيحي كما نعلم مُدنَّس ومُلطَّخ بسبب المساومات على الحقائق المصيرية. مع أن الحياة ذاتها تتضمن في أغلب الأحيان مساومات ويكون علينا في بعض الأوقات الأخذ والرد، ولكن في الأمور المصيرية يجب أن نقف بثبات. ونحن كشعب علينا أن نتعلم الأشياء التي لا يمكن المساومة عليها تحت أي ظرف كان (انظر مثلاً رؤيا ١٤: ١٢).


بدأت مساومات وفشل بطرس حسب كتابات روح النبوة في بستان جثسيماني. فقد استسلم للنوم بدلا من أن يصلي. «فلو كان بطرس قد قضى الساعات التي مرّت عليه في البستان ساهرا مصليا، لما ترك للاعتماد على قوَّته الواهنة ولما أنكر سيده» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٧٣).


نعم سقط بطرس سقوطاً مريعاً. ولكن بقدر ما كان سقوط بطرس عظيماً، كانت نعمة الله أعظم، «... وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدّاً.» (رومية ٥: ٢٠). إن مغفرة يسوع لبطرس هي التي جعلت منه واحداً من القادة الرئيسيين للكنيسة المسيحية الأولى. يا له من درس عظيم لنا جميعًا عن حقيقة نعمة الله. ويا له من درس لنا جميعًا أنه برغم سقطاتنا فإنه علينا أن نتقدم إلى الأمام بالإيمان.


نعم تعلَّم بطرس معنى غفران الخطايا والسقطات. عرف بطرس محور ما يتضمنه الإنجيل. فلقد اختبر ليس فقط حقيقة طبيعة الإنسان الخاطئة ولكنه اختبر أيضاً عظمة وعمق محبة ونعمة الله تجاه الخطاة.






بطرس كقائد كنيسة


خلال خدمة يسوع على الأرض، كان بطرس غالبًا ما يأخذ دور القائد للتلاميذ الاثني عشر، كان المُتحدِّث باسمهم. عندما يكتب متى أسماء التلاميذ يقول: «وَأَمَّا أَسْمَاءُ الاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولاً فَهِيَ هذِهِ: اَلأَوَّلُ... بُطْرُسُ» (متى ١٠: ٢). لعب بطرس أيضًا دورًا رئيسيًا في الكنيسة الأولى. إنه بطرس الذي أخذ المبادرة لتعيين تلميذًا ليحل محل يهوذا الإسخريوطي الذي سلّم المسيح (أعمال ١: ١٥-٢٥). وفي يوم الخمسين كان بطرس هو الذي أوضح للجموع أنهم يشاهدون هبة الروح القدس التي تمّ الوعد بانسكابها على أبناء الله (أعمال الرسل ٢: ١٤-٣٦). إن بطرس هو الذي تحدث مع رئيس الكهنة وقادة اليهود المجتمعين حين أُلقي القبض عليه وهو يتكلم عن قيامة الأموات (أعمال الرسل ٤: ١-١٢). إنه بطرس الذي قاده الروح القدس إلى كَرْنِيلِيُوس أول أممي يتم قبوله كتابع للمسيح (أعمال الرسل ١٠: ١-٤٨). إنه بطرس الذي زاره بولس الرسول لمدة خمسة عشر يوماً حين قُدِّم إلى أورشليم بعد تجديده (غلاطية ١: ١٨). عندما يسمي الرسول بولس أتباع المسيح المقربين منه في أورشليم في ذلك الوقت فإنه يشير إلى ثلاث أعمدة للكنيسة، وهم: بطرس ويعقوب أخو المسيح ويوحنا التلميذ الذي يحبه المسيح (غلاطية ٢: ٩).


اقرأ غلاطية ١: ١٨، ١٩؛ ٢: ٩، ١١-١٤. ماذا تخبرنا هذه الآيات عن بطرس أثناء عمله بشكل بارز في الكنيسة الأولى؟


حتى مع كونه قائدًا كنسيًا، وحتى كونه شخصًا مدعوًا من قِبَل الله (دعا يسوع بطرس قائلاً «ارْعَ غَنَمِي» {يوحنا ٢١: ١٧}). حتى مع كونه الشخص الذي استلم الرؤيا التي فيها أوصاه الملاك ألا يقول «عَنْ إِنْسَانٍ مَا إِنَّهُ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ» (أعمال ١٠: ٢٨). مع كل ذلك فقد كان يحتاج إلى المزيد من النمو.


في الأيام الأولى من عمر الكنيسة كان المسيحيون جميعهم تقريبًا يهودًا، كثيرون منهم «غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ» (أعمال الرسل ٢١: ٢٠). كان تفسيرهم للناموس يقضي بأن مشاركة الطعام مع الأمم (الأجانب) تشكّل مشكلة لأنهم كانوا يعتبرون الأمميين نجسين. عندما أتى بعض المسيحيين اليهود إلى أورشليم توقَّف بطرس عن تناول الطعام مع الأمم في أنطاكية.


بالنسبة للرسول بولس كان مثل هذا التصرُّف بمثابة هجوم على الإنجيل نفسه. رأى تصرفات بطرس أنها نفاق صريح ولم يتردد في مواجهته بشأن ذلك الأمر. واستغل بولس هذه المناسبة ليوضح المبدأ الأساسي للإيمان المسيحي وهو البرّ بالإيمان وحده (انظر غلاطية ٢: ١٤-١٦).






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة من كتاب مشتهى الأجيال، صفحة

٢١٨-٢٢٤ من الفصل الذي بعنوان «الدعوة عند البحر»؛ واقرأ أيضاً من صفحة

٣٥٠-٣٥٦ من الفصل الذي بعنوان «ليلة هائلة في البحيرة».


منذ اعتراف بطرس الصياد مبكرًا بطبيعته الخاطئة إلى إعلانه الجريء عن يسوع، «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» (متى ١٦: ١٦)، إلى إنكاره الرهيب لسيده، وحتى إلى انتصاراته وسقطاته كقائد في الكنيسة، كان بطرس بالتأكيد لاعبا أساسيا. وهكذا، وتحت فيض من وحي الروح القدس استطاع أن يكتب ما كتب، ليس فقط من المعرفة النظرية ولكن من اختباره الشخصي. فهو لم يدرك فقط نعمة المسيح المُخلّصة، ولكنه عرف أيضا نعمة المسيح التي تغيّر الحياة: «قبل سقوطه [بطرس] العظيم، كان دائما مندفعا ومسيطرا، متحدثا بدون رويّة، مندفعا بحس اللحظة. كان دائما مستعدا لأن يصحح أخطاء غيره، وأن يفصح عما في ذهنه قبل أن يكون لديه إدراكًا واضحًا عن ذاته أو عما يريد أن يقوله. ولكن بطرس تجدد. وبطرس المتجدد كان مختلفا تماما عن بطرس المتهور والمندفع. ومع احتفاظه بحماسه القديم، فإن نعمة المسيح قَوَّمَت حماسه. فبدلا من اندفاعه وثقته في نفسه وتعاليه، كان هادئا مُتَّزنا وقابلا للتعليم. فكان آنَئِذٍ يستطيع أن يطعم الحملان كما الخراف في رعية المسيح» (إرشادات الكنيسة، المجلد الخامس، ص ٣٣٤، ٣٣٥)


مَن مِنّا لا ينسب نفسه إلى بطرس بشكل من الأشكال؟ مَن مِنّا لم يقف بجرأة من أجل إيمانه في وقت من الأوقات؟ ومن مِنَّا في وقت من الأوقات لم يفشل فشلاً ذريعاً؟






ميراث لا يفنى






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ١: ١، ٢؛ يوحنا ٣: ١٦؛ حزقيال ٣٣: ١١؛ ١بطرس ١: ٣-٢١؛ لاويين ١١: ٤٤، ٤٥؛ ١بطرس ١: ٢٢-٢٥.


آية الحفظ: «طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.» (١بطرس ١: ٢٢).


عندما يدرس شخص الكتاب المقدس، ويُركّز دراسته على سفر مُعيّن أو حتى على جزء من السفر، فهناك عدّة أسئلة يجب الإجابة عليها إن أمكن.


أولاً، من الجيّد تحديد جمهور المستمعين المستهدفين؟ ثانياً، والأكثر أهمية هو التعرُّف على الهدف المُحدَّد الذي على أساسه جرت الكتابة. ما هو الموضوع الخاص (إذا ما كان هناك موضوع) الذي أراد الكاتب أن يطرحه؟ (على سبيل المثال، رسالة بولس الرسول لأهل غلاطية بخصوص الأخطاء اللاهوتية التي كانوا يُعلّمونها عن الإيمان والناموس). فكما نعلم، إن الكثير من العهد الجديد كان على هيئة رسائل أو خطابات، واعتاد الناس أن يكتبوا خطابات تحمل رسائل إلى المرسل إليهم.


وبتعبير آخر، عندما نقرأ رسائل بطرس، فمن الأفضل أن نعرف على قدر الإمكان الخلفية التاريخية لرسائله. ماذا كان يقصد، ولماذا؟ وبالطبع فإن أهم ما في الأمر هو: ما هي الرسالة التي يمكننا نحن أن ننالها؟


وكما يظهر من الآيات الأولى يكشف بطرس كثيرًا من الحقائق الهامة لنا اليوم بعد قرون من زمن كتابتها.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم ٨ نيسان (أبريل).




إلى المتغربين


لو أنك استلمت قطعة من الورق مكتوب في بدايتها «سيدي العزيز» فلا شك أنك ستدرك أنك تقرأ رسالة. وسوف تفترض أن الرسالة مرسلة من شخص ليس له علاقة وثيقة بك.


وكما أن الرسائل في العصر الحديث تأخذ شكلًا معيناً في افتتاحياتها، فهكذا كانت الرسائل في العصور القديمة. تبدأ رسالة بطرس الرسول كأي رسالة كتبت في عصره. فهي تبين الكاتب ومَن هم المرسلة إليهم.


اقرأ ١بطرس ١: ١. ماذا تعلمنا هذه الآية وتعطينا شيئاً من مضمون الرسالة?


يحدد بطرس شخصيته بجلاء. اسمه يأتي في أول كلمة في الرسالة. بعد ذلك مباشرةً يصف نفسه بأنه «رسول يسوع المسيح»، وهكذا يثبت بطرس أهليته مؤكدًا الدعوة الإلهية له. إذًا وكما فعل بولس مرارًا (غلاطية ١: ١؛ رومية ١: ١؛ أفسس ١: ١) كان بطرس رسولاً – أي مُرسلاً. والذي أرسله هو ربنا يسوع المسيح.


حدد بطرس المنطقة التي تتوجه إليها رسالته: «بنتس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبثينية»، كل هذه مناطق في آسيا الصغرى تساوي في مساحتها الجزء الشرقي من مضيق البسفور في تركيا الحديثة.


هناك جدل يدور حول ما إذا كان بطرس يكتب لأغلبية يهودية من المؤمنين أَم إلى المؤمنين من الأمم. المصطلح الذي استخدمه بطرس في ١بطرس ١: ١ «المغتربين» يشير عادة إلى اليهود الموجودين خارج الأراضي المقدسة في القرن الأول الميلادي. والكلمتان «مُختارين» و»مُقدَّسين» في ١بطرس ١: ٢ تناسب كلاً من اليهود والمسيحيين على السواء. وإذ يصنف الذين هم خارج المجتمع اليهودي «بالأمم» (١بطرس ٢: ١٢؛ ٤: ٣)، فهو يؤكد الطبيعة اليهودية لمن توجَّه إليهم كتابات بطرس.


في المقابل، يجادل بعض المعلقين بأن ما يقوله بطرس في ١بطرس ١: ١٨؛ ٤: ٣ يناسب بقدر أكبر الأمم المتجددين للمسيحية ولا ينطبق على اليهود. وهل كان لبطرس على أي حال أن يكتب «... سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ» (١بطرس ١: ١٨)؟ أو هل كان له أن يكتب لقارئيه اليهود: «لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ، وَالْبَطَرِ، وَالْمُنَادَمَاتِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ» (١بطرس ٤: ٣)؟


أما الأكثر أهمية بالنسبة لنا فليس هو لمن تم توجيه الرسالة، بل بالأحرى ما هو محتوى تلك الرسالة.




مُختارون


اقرأ ١بطرس ١: ٢. ماذا تخبرنا أيضًا هذه الآية عن الذين كُتبت لهم هذه الرسالة؟ ماذا يدعوهم؟


سواء كتبت لليهود أم للأمم المؤمنين فإن بطرس كان على يقين من شيء واحد وهو أنهم كانوا «...، المُختارين بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ...» (١بطرس ١: ١-٢).


علينا أن نكون حذرين هنا. فإن هذا لا يعني أن الله قد قرَّر مسبقا مصير البعض للخلاص والبعض الآخر للهلاك. وليس كما يقول البعض أن بطرس كان يكتب للذين توافق أن يكونوا من المختارين للخلاص أما الآخرون فسيهلكون، هذا ليس ما يعلمه الكتاب المقدس.


اقرأ ١تيموثاوس ٢: ٤؛ ٢بطرس ٣: ٩؛ يوحنا ٣: ١٦؛ حزقيال ٣٣: ١١. كيف تساعدنا هذه الآيات على فهم ما قصده بطرس عندما دَعَا هؤلاء الناس بـ»المختارين»؟


يوضح الإنجيل بجلاء أن خطة الله هي أن يخلَص الجميع. وضعت تلك الخطة من أجل الإنسان حتى قبل أن يخلق الله العالم، «كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (أفسس ١: ٤). الجميع مختارون، بمعنى أن غرض الله الأساسي هو أن يخلَص كل إنسان وألا يهلك أحد. إنه بمقتضى علم الله السابق، أراد أن يهب البشرية جمعاء الحياة الأبدية. هذا يعني أن خطة الخلاص مهيأة لأن تشمل كل إنسان في كفارة المسيح حتى وإن لم يقبل كل إنسان هذه الكفارة المقدمة له.


إن علم الله المسبق للمختارين معناه ببساطة أن الله يعلم مسبقاً ما سيكون خيارهم الحر بالنسبة للخلاص. إن سابق علم الله لا يجبر الإنسان في اختياره بأي وسيلة كانت. تماماً كمثل الأم التي تعلم بسابق علمها أن ابنها سيختار الحلوى بدلاً من الخضار المطهو. هذا لا يعني أن سابق علمها ذلك سيجبر ابنها على ما يختاره.






مواضيع أساسية


اقرأ ١بطرس ١: ٣-١٢. ما هي رسالة بطرس الأساسية في هذه الآيات؟


عندما بدأ تحياته لقارئيه في ١بطرس ١: ١، ٢ كان بطرس قد أتى على ذكر الآب والابن والروح القدس (١بطرس ١: ٢). أعضاء اللاهوت الثلاثة هم محور موضوع بطرس في (١بطرس ١: ٣-١٢). الآب والابن هما موضوع ١بطرس ١: ٣-٩، والروح القدس هو الموضوع البارز في ١بطرس ١: ١٠-١٢.


إذ يكتب بطرس عن الآب والابن والروح القدس فإنه يقدم مواضيع كثيرة ينوي العودة إليها لاحقًا.


يبدأ بطرس بقوله: المسيحيون «ولدوا ثانية» (١بطرس ١: ٣، انظر أيضاً يوحنا ٣: ٧). إن حياتهم كلها قد تجددت بواسطة قيامة المسيح والميراث الرائع المحفوظ لهم في السماء (١بطرس ١: ٣، ٤). هنا كما في أماكن أخرى كثيرة في العهد الجديد فإن قيامة يسوع المسيح هي أساس الرجاء المسيحي.


ذلك الرجاء يمنح المسيحيين باعثا لأن يفرحوا على الرغم من أن كثيرين ممن يقرأون رسالة بطرس الأولى يعانون من تجارب متنوعة. هذه المعاناة والتجارب هي اختبار وتزكية لإيمانهم، كما يُمتحن الذهب ويُزكّى بالنار. ومع أن قارئي رسالة بطرس لم يروا المسيح خلال خدمته على الأرض إلا أنهم أحبوا المسيح وآمنوا به، وإن نتيجة إيمانهم هو الخلاص والوعد «لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ» (١بطرس ١: ٤).


أخبرهم بطرس عن أنبياء العهد القديم «الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ» (١بطرس ١: ١٠). أنبياء العهد القديم «فتشوا وبحثوا» (١بطرس ١: ١٠) عن الخلاص الذي يختبرونه الآن في المسيح.


وإذ هم يقاسون الاضطهاد من أجل إيمانهم، يكشف لهم بطرس أنهم جزء من صراع أعظم بين الخير والشر. في النهاية يسعى لأن يساعدهم ليظلوا أمناء للحق حتى وسط التجارب.






العيش بحياة الخلاص


اقرأ ١بطرس ١: ١٣-٢١. حسب هذه الفقرة ماذا يمكن أن يُحفّز سلوك المسيحي؟


كلمة «لذلك» التي تبدأ بها الآية في ١بطرس ١: ١٣ تُظهر أن ما سيقوله بطرس في الجملة التالية يستند إلى ما قاله للتو. فكما رأينا في درس يوم أمس، كان بطرس يتحدَّث عن نعمة الله والرجاء الذي عند المسيحيين في يسوع المسيح (١بطرس ١: ٣-١٢).


ونتيجة لهذه النعمة وهذا الرجاء، يحث بطرس قرَّاءَه قائلًا: «لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ» (١بطرس ١: ١٣). أي أن عليهم أن يُعدوا عقولهم ليستطيعوا أن يقفوا بثبات وذلك استجابة للخلاص الذي عندهم في يسوع المسيح (١بطرس ١: ١٣).


اقرأ ١بطرس ١: ١٣. ما معنى «فألقُوا رجاءَكُم بالتَّمام على النِّعمة التي يُؤتَى بها إليكم عندَ استِعْلانِ يسوعَ المسيح؟»؟


يخبرهم بطرس بلا شك أن رجاءهم يعتمد على المسيح وحده. لكنه بعد ذلك يشدد على أن هناك معايير معينه ينبغي أن تظهر في السلوك المسيحي نتيجة خلاصهم. ويلاحظ أن هناك ثلاثة دوافع عظمى تكمن وراء السلوك المسيحي: صفات الله (١بطرس ١: ١٥، ١٦)، الدينونة العتيدة (١بطرس ١: ١٧)، وثمن الفداء (١بطرس ١: ١٧-٢١).


أول دافع للسلوك المسيحي هو صفات الله. هذه الصفات يمكن إجمالها كالآتي: الله قدوس. يقتبس بطرس ما ورد في لاويين ١١: ٤٤، ٤٥ «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (١بطرس ١: ١٦). وبذلك فعلى كل الذين يتبعون يسوع أن يكونوا قديسين (١بطرس ١: ١٥-١٧).


الدافع الثاني للسلوك المسيحي هو الإدراك بأن الله الذي هو قدوس «يَحْكُم بِغَير مُحاباة حسب عَمَل كل واحد» (١بطرس ١: ١٧).


الحافز الثالث ينبع من ذلك الحق العظيم وهو أن المسيحيين قد افتدوا. معنى ذلك أنهم قد افتدوا بثمن، ثمن باهظ جداً: دم يسوع المسيح (١بطرس ١: ١٩). يشدد بطرس على أن موت المسيح لم يكن حدثاً عابراً في التاريخ بل كان «مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (١بطرس ١: ٢٠).






أحبوا بعضكم بعضًا


يُرشد بطرس المسيحيين بعد ذلك إلى أسمى تعبير عن كيفية عيش حياة مقدسة ومفعمة بالإيمان.


اقرأ ١بطرس ١: ٢٢-٢٥. ما هي النقطة الحاسمة التي يبينها بطرس هنا عن معنى أن يكون الإنسان مسيحيًا؟


نقطة البداية لدى بطرس هي أن المسيحيين قد تطهروا فعلاً: «طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ...» (١بطرس ١: ٢٢). كلمة «طهروا» أو «اغتسلوا» هي كلمات وثيقة الصلة بكلمات «قدوس» أو «قداسة» والتي تعود إلى ما كتبه سابقاً قبل بضعة آيات (١بطرس ١: ١٥). فمن خلال تكريسهم ليسوع المسيح وعبر المعمودية (قارن ١بطرس ٣: ٢١، ٢٢) فإن المسيحيين قد طهروا ذواتهم إذ أنهم أفرزوا أنفسهم لله وذلك عن طريق طاعتهم للحق.


هذا التغيير في حياتهم له نتائج طبيعية فيجدون أنفسهم في علاقات وثيقة مع الآخرين الذين يشاركونهم ما يتشابهون به من آراء. هذه العلاقات تكون وثيقة جداً لدرجة أن يستعمل بطرس لغة العائلة في وصفها. على المسيحيين أن تكون لهم محبة أخوية، الكلمة اليونانية في ١بطرس ١: ٢٢ التي يتكلم فيها عن المحبة الأخوية هي «فيلادلفيا» ومعناها الحرفي «محبة الأخ/الأخت» هو الحب الذي يكون لدى أفراد العائلة بعضهم نحو بعض.


هناك عدة كلمات في اللغة اليونانية تترجم بكلمة محبة «فيليا» «PHILIA» (الصداقة)، إروس «EROS» (الحب العاطفي بين الزوج والزوجة)، أغابي «AGAPE» (الحب الطاهر الذي يسعى لخير الآخرين). الكلمة التي يستعملها بطرس حينما يكتب «أحبوا بعضكم بعضاً... بشدة» (١بطرس ١: ٢٢) ترتبط بكلمة أغابي AGAPE التي تعني عادة المحبة الطاهرة النقية التي تسعى لخير الآخرين. وهذا بالتأكيد سبب إضافته لعبارة: «فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ» (١بطرس ١: ٢٢)، القلب الذي يأتينا عندما نكون «مولودين ثانية» (١بطرس ١: ٢٣؛ انظر أيضاً ١بطرس ١: ٣)، عبر كلمة الله التي لا تفنى. هذا النوع من المحبة مصدره الله وحده؛ وذلك ليس هو القلب المحب لذاته والذي يسعى لما لنفسه فقط وغير المتجدد. ولذلك يشدد بطرس بقوة لأن يكون القلب طاهرًا «في طاعة الحق» (١بطرس ١: ٢٢). الحق ليس هو مجرد شيء نؤمن به ولكنه شيء نعيشه.






لمزيد من الدرس: الأصحاح الأول من الرسالة الأولى لبطرس مدهش في مدى غناه وعمقه والقدر الواسع من التغطية التي يشملها. يبدأ بطرس رسالته متأملا في صفات اللاهوت. يتحدث عن الله الآب، والابن، والروح القدس. فالآب وَفَّر لنا مُخلّصًا في شخص ابنه يسوع المسيح. وقد اختارنا فيه للتقديس والطاعة. أصبحنا نحب يسوع. وفيه نبتهج بفرح عظيم لأنه من أجل موته وقيامته صار لنا الوعد «لميراث لا يفنى» في السماء. حتى في خضم التجارب المتنوعة نبتهج حينئذ بفرح في الخلاص المقدم لنا في المسيح. «كانت رسالتا [بطرس] وسيلة لإنعاش شجاعة الذين كانوا يتحملون التجارب والآلام، وتقوية إيمانهم، وتجديد الأعمال الصالحة للذين كانوا في خطر التخلي عن تمسكهم بالله» (إلن هوايت، أعمال الرسل ص ٤٥٠، ٤٥١). في غضون ذلك، عمل الروح القدس من خلال الأنبياء ليستعرض الأيام التي عاشها بطرس وقراؤه. ونتيجة لذلك أصبح على المسيحيين أن يعيشوا عيشة القداسة، مملوئين بالطاعة للحق في مجتمعات تتصف بنوع من المحبة النابعة من قلب طاهر.




الدرس الثاني


١-٧ نيسان (أبريل)


الدرس الثالث


٨-١٤ نيسان (أبريل)


كهنوت ملوكي






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ٢: ١-٣؛ عبرانيين ٤: ١٢؛ ١بطرس ٢: ٤-٨؛ إشعياء ٢٨: ١٦؛ خروج ١٩: ٣-٦؛ ١بطرس ٢: ٥، ٩، ١٠.


آية الحفظ: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ (١بطرس ٢: ٩).


كان بطرس مغمورًا بتقاليد اليهود وعقائدهم وتاريخهم. وإذ هو كذلك فقد كان يشير إلى المسيحيين الذين يكتب لهم على أنهم «أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ». وهو بذلك يستخدم اللغة التي يستخدمها العهد القديم للإشارة إلى الإسرائيليين القدماء ويطبقها على كنيسة العهد الجديد.


فلا عجب أن يكون الأمم الذين آمنوا بيسوع قد طُعِّمُوا في شعب العهد، شعب عهد الله، وصاروا شركاء في مواعيد عهد الله أيضاً. «فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا، فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ!» (رومية ١١: ١٧، ١٨).


في فقرات هذا الأسبوع، يوجه بطرس قرّاءه إلى مسؤوليتهم المقدسة ودعوتهم السامية كشعب عهد الله، أولئك الذين طُعِّموا في أصل الزيتونة، (حسب تعبير بولس الرسول). هذه المسؤوليات هي ذاتها التي أعطيت للإسرائيليين قديماً. وهي: نشر بشارة الحق، بشارة الخلاص التي منحها الرب يسوع.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم ١٥ نيسان (أبريل).




العيش كمسيحي


تبدأ الآية الأولى من الأصحاح الثاني لرسالة بطرس الأولى بكلمة «فَاطْرَحُوا». حرف الفاء يعطي معنى أن ما يرد بعده هو نتيجة ما جاء قبله. كان الأصحاح الأول من رسالة بطرس الأولى — كما رأينا —-جولة فيما فعله يسوع من أجلنا وما يجب أن تكون استجابتنا لذلك. في الأصحاح الثاني يأخذ بطرس هذا الموضوع ويستفيض فيه.


اقرأ ١بطرس ٢: ١-٣. ماذا يقول لنا بطرس عن كيف يجب أن نعيش؟


يطرح بطرس نموذجين منفصلين ليبيّن أن على المسيحيين واجب مزدوج. الأول سلبي. ذلك أن بعض الأشياء يجب نبذها أو التخلص منها. والآخر إيجابي وهو أن نسعى لفعل شيء ما.


في نموذجه الأول يخص بطرس المسيحيين أن يتخلصوا من الخبث والمكر والرياء والحسد وكل مذمة (١بطرس ٢: ١). عندما يفعلون ذلك فسوف تختلف أخلاقهم وتصرفاتهم عن الكثيرين من الذين يحيطون بهم. ولأنهم تخلصوا من الخبث فلن تكون عندهم الرغبة في إيذاء الآخرين. بدلا من ذلك فسوف يسعون لخيرهم. ولأن المسيحيين تخلصوا من المكر فلن يفكروا في خداع الآخرين وسوف يكونوا أمناء وصادقين. لن يحسد المسيحيون من يمتلكون أكثر منهم بل يكونون قانعين بحياتهم ويسعون لتنمية ما وهبه الله لهم. ولن يطلقوا كلاما يقصدون به إساءة سمعة الآخرين.


النموذج الثاني الذي يستخدمه بطرس هو لطفل يشتهي اللبن (١بطرس ٢: ٢). هذا النموذج يقدِّم الجانب الإيجابي بتعاليمه. إن الحياة المسيحية ليست مسألة التخلي عن الأشياء السيئة فحسب، وإلا تصبح الحياة فارغة. إنما هي مساله السعي وراء النمو الروحي وبنفس الإلحاح الذي يبديه الطفل طلباً للبن (الحليب) عن طريق بكائه بشدة. يوجه بطرس قُراءه إلى مصدر النمو الروحي، كلمة الله، الكتاب المقدس (انظر أيضا: عبرانيين ٤: ١٢؛ متى ٢٢: ٢٩؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٥-١٧). ففي كلمة الله نستطيع أن ننمو روحياً وأخلاقياً لأن فيها الإعلان الكامل عن يسوع المسيح. وفي المسيح لنا أعظم مثال لصفات وطبيعة الله القدوس الذي علينا أن نحبه ونخدمه.






الحجر الحي


اقرأ ١بطرس ٢: ٤-٨ (انظر أيضاً: إشعياء ٢٨: ١٦؛ مزمور ١١٨: ٢٢؛ إشعياء ٨: ١٤، ١٥). ما هو الحق الأساسي الذي يُشير إليه بطرس هنا؟ وماذا يقول عن طريقة استجابتنا للمسيح؟


بعد أن أخبر بطرس قُرّاءه أن يسعوا لنيل الغذاء الروحي، نلاحظ بأنه يُوجِّه اهتمامهم مباشرة للمسيح، الحجر الحي، مُشيراً بالأرجح إلى هيكل أورشليم. يسرد بطرس في ١بطرس ٢: ٤-٨ ثلاثة مقاطع من العهد القديم تسلط الضوء على أهمية حجر الزاوية وترمز إلى دور المسيح في كنيسته. لا ينفرد بطرس في وصل هذه الآيات بالمسيح. فالمسيح نفسه استخدم مزمور ١١٨: ٢٢ في ختام أحد أمثاله (متى ٢١ :٤٢). والشيء ذاته فعله بطرس في أعمال ٤: ١١ في ردّه على رؤساء كهنة إسرائيل. بولس أيضا استعمل إشعياء ٢٨: ١٦ في رومية ٩: ٣٣.


النقطة التي أراد أن يوضحها بطرس هي أنه مع أن المسيح قد رُفض وصُلب، فقد اختاره الله ليصبح حجر الزاوية في بناء بيت الله الروحي. فالمسيحيون اذًا هم أحجار حية بُنيت في ذلك البيت الروحي. يقدم بطرس نموذجاً أو صورة للكنيسة. وهذه الكنيسة مؤسسة على المسيح ولكنها مكوّنة من أتباع المسيح.


لاحظ أنه عندما تصبح مسيحياً فهذا يعني أنك صرت جزءاً من المجتمع المسيحي، أو الكنيسة المحلية، تماما كما تصبح لبنة البناء جزءاً من البناء الكامل. فهكذا أتباع المسيح، لم يُدْعوا ليكونوا أتباعاً منفصلين عن غيرهم. المسيحي الذي لا يشارك في العبادة والعمل مع المسيحيين الآخرين لتقدم ملكوت الله، يمكن احتسابه متناقضاً مع غيره. المسيحيون معمدون في المسيح وبمعموديتهم في المسيح فهم معمدون إلى كنيسة المسيح.


يتحدث بطرس أيضا عن مهمة الكنيسة وهي إعداد «كهنوت مقدس» (١بطرس ٢: ٥) لتقديم « ذبائح روحية». في كتاب اليهود المقدس، يتوسَّط الكهنة بين الله والشعب. ويستخدم بطرس وغيره في العهد الجديد كلمات العهد القديم مثل الهيكل والكهنوت ليرمزوا إلى الكنيسة كهيكل الله، وشعبه على أنهم الكهنة. يشير إلى نظام العبادة في العهد القديم ليظهر الحقائق عن كيف يجب على المسيحيين أن يعيشوا ويتعاملوا مع الآخرين في هذه الأيام.






شعب عهد الله


كثير جداً من كتابات بطرس تأتي من منظور العهد القديم. والمحور في هذا المنظور هو فكرة «العهد» وهو شعار محوري لدى اليهود والمسيحيين على السواء.


ما هو العهد؟


«العهد» (بريت – باللغة العبرية) كلمة تعني معاهدة أو اتفاق رسمي بين طرفين. قد تكون بين شخصين (مثلا، بين لابان ويعقوب في تكوين ٣١: ٤٤). أو بين ملكين (مثلا بين سليمان وحيرام في ١ملوك ٥: ١٢) حيث جاءت كلمة «بريت» بمعني «صلح» أو «ميثاق». كذلك يمكن أن يكون العهد بين ملك وشعبه كما كان بين داود وشيوخ إسرائيل (٢صموئيل ٥: ٣).


لكن العهد الأكثر شهرة وأهمية هو عهد العلاقة بين الله وشعبه المختار، نسل إبراهيم.


ماذا تخبرنا الآيات التالية عن العهد الذي قطعه الله مع بني إسرائيل؟ تكوين ١٧: ١-٤؛ خروج ٢: ٢٤؛ خروج ٢٤: ٣-٨؟


يسرد سفر التكوين – السفر الأول من الكتاب المقدس – كيف قطع الله عهداً مع إبراهيم (تكوين ١٥: ٩-٢١، ١٧: ١-٢٦). «تَذكرّ» اللهُ هذا الميثاق حين أنقذ شعبه من الاستعباد في مصر (خروج ٢: ٢٤). وجدد الله عهده مع موسى عندما أعطى بني إسرائيل الوصايا العشر وبعض الشرائع الأخرى (خروج ١٩: ١-٢٤: ٨؛ وبالأخص خروج ٢٤: ٣-٨).


ولكن مواعيد العهد لم تكن بلا شروط. «تعهد الرب أنه إن كانوا أمناء في حفظهم لمطاليبه فإنه سوف يباركهم في كل ما يملكون وفي كل أعمال أيديهم» (شهادات الكنيسة، المجلد ٢، ص ٥٧٤).


في الواقع، لقد أنذر الأنبياء بني إسرائيل مراراً بخطورة عصيانهم لوصايا الله. وكثيراً ما كانوا يذكّرونهم بعهد الله معهم. يقول البعض إنه باستثناء نبوات دانيال والرؤيا فإن كثيرًا من النبوات الواردة في الكتاب المقدس نبوات مشروطة. وذلك يبرز الأهمية القصوى للطاعة فيما يتعلق بمواعيد العهد. البركات الموعود بها في النبوات أيضا مشروطة بالطاعة لوصايا الله، ونبوات الهلاك والخراب تأتي على مَن يعصي وصايا الله.






كهنوت ملوكي


في سفر الخروج، الأصحاح ١٩، قال الرب لموسى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ، وَتُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِليَّ. فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ» (خروج ١٩: ٣-٦).


هذه هي رسالة الإنجيل التي أُظْهِرَت آلاف السنين قبل الصليب: الله يفدي شعبه ويخلّصهم من الخطية وعبوديتها، وبعد ذلك يوصيهم بأن يحبوه ويطيعوه كشعب العهد الخاص قدامه وقدام العالم كله.


ماذا يقصد بطرس بدعوته للمسيحيين بأنهم كهنوت ملوكي في ١بطرس ٢: ٥، ٩، ١٠، وخروج ١٩: ٦؟ بماذا تحدثنا هذه اللغة نحن الأدفنتست السبتيين المسيحيين عن التزاماتنا؟


«بيتاً روحياً»، «شعب مختار»، «كهنوت ملوكي»، «شعب اقتناء»، هذه كلها مترادفات وردت في الكتاب المقدس لوصف العلاقة الخاصة بين الله ونسل إبراهيم. والآن في سياق العهد الجديد وسياق المسيح والصليب، يستعمل بطرس نفس لغة العهد ويطبقها على أعضاء الكنيسة. مواعيد العهد التي قطعت لإسرائيل اتسعت الآن لتشمل ليس فقط اليهود والمؤمنين بالمسيح ولكن الأمم المؤمنين أيضاً. نعم، بواسطة يسوع، الأمم أيضاً يستطيعون أن يُدْعَون أبناء إبراهيم. « فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ.» (غلاطية ٣: ٢٩). بواسطة المسيح يستطيع أي شخص بغض النظر عن مولده أن يصبح جزءًا من «الكهنوت الملوكي».






أخْبِرُوا بِفَضَائِلِ


إن أوجه الشبه مع كنيسة العهد القديم لم تقتصر على مجرد الخلاص وكوننا مدعوين ومختارين من الله. السؤال المهم هو: لأي هدف نحن مدعوون ومختارون؟ يجيب بطرس سريعًا على هذا السؤال.


يلفت بطرس الانتباه إلى أن تلك العلاقة الخاصة هي من أجل غرض معين. كمسيحيين عليكم أن «تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ» (١بطرس ٢: ٩). هذا ما كان على الإسرائيليين قديماً أن يقوموا به. دعاهم الله أن يكونوا شهوداً له أمام العالم. كان قصد الله أن يبارك العالم كله من خلال إسرائيل قديماً، شعب عهد الله.


ما هي النقطة المركزية التي تُجمع عليها الآيات التالية: تثنية ٤: ٦؛ ٢٦: ١٨، ١٩؛ إشعياء ٦٠: ١-٣؛ زكريا ٨: ٢٣.


كان على إسرائيل قديماً، بوصفهم شعب العهد، مرسلية نشر الإنجيل في العالم، نشر رسالة الخلاص التي يقدمها الله للعالم. وعلى المسيحيين اليوم نفس هذه المسؤولية الإلهية. لقد دُعوا ليشاركوا الآخرين اختبارهم ومعرفتهم بالله وما عمله الله للعالم بواسطة المسيح.


اقرأ ١بطرس ٢: ١٠. لماذا تعد هذه الآية ذات أهمية محورية لمرسلية وهدف المسيحيين؟


العالم غارق في الخطية، في الموت، في الهلاك الآتي. لكن يسوع أعطى حياته ليخلّص كل إنسان من هذا الهلاك. وكما كان مع إسرائيل قديماً، فإن نيل الشرف له شروطه، وهي أيضاً شروط المسؤولية. المسيحيون لهم مكانة سامية للغاية وهي أنهم أبناء الله. ولكن هذه المكانة العليا تُوجِب عليهم مسؤولية أن يدعوا الآخرين إلى تلك المكانة السامية. وكما تقول الآية في (١بطرس ٢: ١٠) المسيحيون الآن يشكّلون شعباً خاصاً بهم. في الماضي لم يكونوا شعباً، لكنهم الآن نالوا رحمةً ليصيروا شعباً مقدساً (انظر هوشع ١، ٢). تأتي كلمة «مُقدَّساً» في الكتاب المقدس بمعنى مُفرَز لهدف العبادة. وعلى ذلك فالمسيحيون كونهم أمة «مقدَّسة» فعليهم أن ينفصلوا عن العالم، ويتميزوا بنوع الحياة التي يعيشونها. عليهم أيضاً أن يكونوا مثل النار في ليلة باردة تجذب الآخرين بفعل الدفء المنبعث عنها. المسيحيون مكلفون لأن يشاركوا الآخرين بالخلاص المجيد الذي نالوه هم.




لمزيد من الدرس: «إنَّ الكنيسة عزيزة جداً في نظر الله. وهو يقدّرها لا على أساس ميزاتها الخارجية بل على أساس التقوى الخالصة التي تميزها على العالم. وهو يقدّرها بنسبة نمو أعضائها في معرفة المسيح وبنسبة تقدّمهم في الاختبار الروحي.


«إن المسيح يجوع لأن يحصل من كرمه على ثمر القداسة والإيثار. وهو يبحث عن مبادئ المحبة والصلاح. إن كل جمال الفن لا يمكنه أن يضارع جمال الطبع والخُلق الذي يظهر في من يمثلون المسيح. إن جو النعمة الذي يحيط بنفس المؤمن، والروح القدس العامل في الذهن والقلب هو الذي يجعله رائحة حياة لحياة ويجعل الله قادراً على أن يبارك عمله.» (روح النبوة، المعلم الأعظم، صفحة ٢٩٣، ٢٩٤).




الدرس الرابع


١٥-٢١ نيسان (أبريل)


العلاقات الاجتماعية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ٢: ١٣-٢٣؛ ١بطرس ٣: ١-٧؛ ١كورنثوس ٧: ١٢-١٦؛ غلاطية ٣: ٢٧، ٢٨؛ أعمال ٥: ٢٧-٣٢؛ لاويين ١٩: ١٨.


آية الحفظ: «وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا.» (١ بطرس ٤: ٨).


تتناول رسالة بطرس أيضا مواجهة بعض القضايا المعقدة السائدة في زمنه. مثال ذلك، كيف يجب أن يعيش المسيحي في ظل حكومة فاسدة ومستبدة، كالتي عاش في ظلها معظم المسيحين حينها: وهي الإمبراطورية الرومانية الوثنية؟ ماذا قال بطرس لقارئيه، وماذا تعني كلماته لنا اليوم؟


كيف يجب أن يتجاوب العبيد المسيحيون تجاه سيدهم عندما يعاملهم بقسوة وظلم؟ ومع أن العلاقة بين العامل وصاحب العمل تختلف اليوم عما كانت عليه في القرن الأول – علاقة العبد بسيده – فإن ما يقوله بطرس يجد صداه عند الذين يعملون تحت أمر رؤساء ظالمين أو غير عقلانيين. ما أروع ما أشار إليه بطرس عن الطريقة التي تعامل بها المسيح تجاه إساءة معاملته كمثال لما يجب أن يكون تعامل المسيحيين عندما يواجهون ظروفًا مماثلة (١بطرس ٢: ٢١-٢٤).


كيف يجب أن يتفاعل الأزواج والزوجات واحدهما مع الآخر خاصة حين يختلفان حول موضوع أساسي مثل العقائد الدينية؟


وأخيرا، كيف يجب أن يتعايش المسيحيون مع المجتمع فيما لو كان ذلك النظام الاجتماعي والسياسي في حالة فساد تام ومناقضة للإيمان المسيحي؟


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم ٢٢ نيسان (أبريل).




الكنيسة والدولة


مع أن الكتاب المقدس كُتب من زمن بعيد إلا أنه عالج قضايا ذات صلة وثيقة بعالم اليوم. مثال ذلك، العلاقة بين المسيحيين وحكوماتهم.


في بعض الحالات، يكون الأمر واضحاً. يتحدث الأصحاح الثالث عشر من سفر الرؤيا عن زمن يعني فيه إطاعة السلطة السياسية عصيان طاعة الله. في تلك الحالة يكون اختيارنا واضحا (انظر درس يوم الخميس).


ماذا تقول لنا كلمة الله في ١بطرس ٢: ١٣-١٧ عن طريقة تعاملنا مع حكوماتنا؟


كان الشر المستشري في الإمبراطورية الرومانية الوثنية معلوماً لدى كل الساكنين ضمن حدودها. وقد تفاقم ذلك الشر بفعل نزوات رجال استخدموا أساليب العنف والقهر والقوة العسكرية في مواجهة أي مقاومة. وكان التعذيب الممنهج والقتل بواسطة الصليب نوعين فقط من أنواع الأهوال التي لحقت بمن وقعوا تحت سطوتها. أما الفساد ومحاباة الأقارب فقد مزقا الإمبراطورية برمتها. لقد مارست النخبة الحاكمة سلطتها بكل قساوة وغرور. ورغم كل ذلك، يحض بطرس قراءه لأن «يخضعوا لكل ترتيب بشري» في الإمبراطورية بدءاً من الإمبراطور وصولا إلى الوالي (١بطرس ٢: ١٣، ١٤).


ويُظهر بطرس أنَّ الأباطرة والحكومات تنتقم من الذين يفعلون الخطأ، بينما تمدح الذين يفعلون الخير (١بطرس ٢: ١٤). وبفعل ذلك، فإن لهم دور مهم في صياغة المجتمع.


حقيقة الأمر أنه برغم كل شرورها وآثامها فقد وفّرت الإمبراطورية الرومانية الاستقرار وجلبت التخلّص من الحروب. مارست العدل بقسوة ولكنه عدل مؤسس على حكم القانون. أنشأت الطرق وأسست نظام نقدي لدعم متطلباتها العسكرية. وبذلك تكون الإمبراطورية الرومانية قد خلقت مناخاً استطاع شعبها فيه التطور وفي أحيان كثيرة حتى الازدهار. فإذا نظرنا إليها من هذا المنظور يكون تحليل بطرس عن الحكومات تحليلا منطقياً. لا توجد حكومة تصل إلى الكمال، وبالقطع ليست الحكومة التي عاش تحت حكمها بطرس والكنيسة التي كُتب هذه الرسالة إليها. وهكذا فإن ما نستطيع أن نتعلمه منه هو أنه على المسيحيين السعي لأن يكونوا مواطنين صالحين، يطيعون قوانين البلاد قدر استطاعتهم حتى وإن كانت الحكومة التي يعيشون في ظلها بعيدة عن الكمال.






سادة وخدام


اقرأ ١بطرس ٢: ١٨-٢٣. كيف لنا أن نتفهم اليوم الظروف الصعبة التي تحتويها هذه الآيات؟ ما هي المبادئ التي يمكن أن نستخلصها لأنفسنا؟


تظهر قراءتنا المتأنية لبطرس الأولى ٢: ١٨-٢٣ أن بطرس لم يقصد أن يُقر بالعبودية ولكن هذه الآيات تقدم إرشادات روحية عن كيفية تفكيرنا في الظروف الصعبة التي لم يمكن أن تتغير في ذلك الزمان.


الكلمة التي ترجمتها «خادم» أو «عبد» في ١بطرس ٢: ١٨ (أويكيتس) استُعملت تحديداً لتشير إلى خدام المنازل. هناك كلمة يونانية أخرى استُخدمت في أفسس ٦: ٥ وهي كلمة (دولوس) وتشير إلى العبيد وكان استعمالها أكثر شيوعا، وفيها نصائح مماثلة للعبيد.


كانت الطبقات العليا من المجتمع في الإمبراطورية الرومانية تعتبر العبيد ملكية شرعية لهم وتحت سلطة أسيادهم المطلقة. فقد كان لهم مطلق الحرية إما أن يعاملوهم بقسوة أو بشفقة. جاء العبيد مِن مصادر متنوعة: جيوش مهزومة، أبناء العبيد، أو أولئك الذين «اُبْتيعوا» لسداد ديونهم. كانت لبعض العبيد مسؤوليات ضخمة. بعضهم أداروا أملاك أسيادهم، آخرون أداروا عقارات ومصالح تجارية لأسيادهم، وبعضهم كان يقوم بتعليم أبناء أسيادهم.


كان بالإمكان شراء حرية العبيد، ويوصف العبد في هذه الحالة بأنه «افتُدِي». يستعمل بولس هذا التعبير ليصف ما فعله المسيح من أجلنا (أفسس ١: ٧؛ رومية ٣: ٢٤؛ كولوسي ١: ١٤).


من المهم أن نتذكر أن عددًا من المسيحيين الأوائل كانوا عبيداً. وهكذا وجدوا أنفسهم عالقين في نظام ليس في استطاعتهم تغييره. فالذين عاشوا تحت سلطة أسياد ظالمين، كانوا يقاسون من ظروف صعبة. وحتى أولئك الذين عاشوا تحت سلطة أفضل، كانوا يواجهون ظروفاً قاسية. كانت نصائح بطرس لجميع المسيحيين العبيد متناسقة مع تصاريح أخرى في العهد الجديد. كان عليهم أن يخضعوا ويحتملوا كما تألَّم المسيح واحتمل (١بطرس ٢: ١٨-٢٠). لا فضل للذين يقاسون عقاباً نتيجة لخطأ اقترفوه. لا، فروح المسيح الحقيقية تظهر عندما يقاسون ظلماً، وكما فعل المسيح في مثل تلك الظروف، على المسيحيين أن لا يردّوا الإساءة، وأن لا يُهدِّدوا، بل عليهم أن يسلِّموا أنفسهم لله الذي يقضي بعدل (١بطرس ٢: ٢٣).






الزوجات والأزواج


اقرأ ١بطرس ٣: ١-٧. ما هي الظروف الخاصة التي يتناولها بطرس في هذه الفقرة؟ كيف يتوافق ما يقوله مع الزواج في مجتمع اليوم؟


هناك دليل مهم في هذه الآيات يستطيع به القارئ المتأني أن يكتشف الموضوع الذي يتناوله بطرس في ١بطرس ٣: ١-٧. في العدد الأول من الأصحاح الثالث يقول بطرس أنه يتحدث عن أزواج «لا يطيعون الكلمة»، بمعنى آخر أنه يتحدث عما ينبغي أن يحدث عندما تكون الزوجة المسيحية متزوجة من زوج ليس مسيحيًا (حتى ولو كان عدد غير المؤمنين قليلا).


تلاقي الزوجة المسيحية صعوبات كثيرة بزواجها من زوج لا يشاركها نفس إيمانها. ماذا ينبغي أن يحدث في مثل هذه الظروف؟ هل تنفصل عن زوجها؟ بطرس، كما بولس في أماكن أخرى، لا يؤيد أن تترك الزوجة زوجها غير المؤمن (انظر ١كورنثوس ٧: ١٢-١٦). ولكن بدلاً من ذلك يقول بطرس أنه على الزوجات المتزوجات من أزواج غير مؤمنين أن يعيشوا حياة مثالية.


كان الدور المتاح للمرأة في القرن الأول في الإمبراطورية الرومانية يحدده كل مجتمع بشكل فردي. فالزوجات الرومانيات مثلا كان لهن حسب القانون حقوق ملكية ويحق لهن تعويض قانوني أكثر من أغلبية النساء اللاتي يكتب لهن بطرس. ولكن في بعض المجتمعات الأخرى في القرن الأول كانت النساء مستبعدات تماما من المشاركة في الحياة السياسية والحكومة والمناصب القيادية في أغلب الديانات. يحض بطرس النساء المسيحيات أن يتبعن مجموعة من السلوكيات تكون مقبولة في سياق الظروف التي كُنَّ يَعِشنَ ضمنها. ويحضهن على الطهارة والورع (١بطرس ٣: ٢). ويقول إن على المرأة المسيحية أن تهتم بزينتها الداخلية أكثر من الزينة الخارجية وضفر الشعر والتَّحلي بالذهب ولبس الثياب (١بطرس ٣: ٣-٥). المرأة المسيحية سوف تعتمد سلوكاً يُحسِّن من صورة المسيحية للشخص الذي يعيش معها وتقيم معه علاقة حميمة – ألا وهو زوجها.


على الأزواج ألا يأخذوا كلمات بطرس بأنها تصريح لإساءة معاملة زوجاتهم بأي طريقة كانت. فكما يُبيِّن، على الأزواج أن يعطوا كرامة لزوجاتهم (١بطرس ٣: ٧).


بينما يعالج بطرس موضوعاً معيناً – زوجات مسيحيات متزوجات من أزواج غير مؤمنين – فإننا نستطيع أن نرى قليلا من الزواج المسيحي المثالي: يجب على الشريكين المسيحيين أن يعيشا في دعم واحدهما للآخر. يعيشان حياة الاستقامة ويجدان الله في حياتهما اليومية.




العلاقات الاجتماعية


اقرأ رومية ١٣: ١-٧؛ أفسس ٥: ٢٢-٣٣؛ ١كورنثوس ٧: ١٢-١٦؛ غلاطية ٣: ٢٧، ٢٨. كيف تقارن بين ما يقوله بولس في هذه الآيات مع ما يقوله بطرس في ١بطرس ٢: ١١-٣: ٧؟


يتناول بولس بعض المواضيع التي أُثيرت في ١بطرس ٢: ١١-٣: ٧ في أماكن متعددة. فما يقوله متناسق تماماً مع ما ورد في رسالة بطرس الأولى. فمثلاً، كما فعل بطرس هكذا يفعل بولس، فهو يحض قرَّاءه أن يخضعوا «للسلاطين الفائقة» أي السلطات الحاكمة (رومية ١٣: ١). السلطات القائمة مُرتَّبة مِن الله وهي مُخيفة للأعمال الشريرة وليس للأعمال الصالحة (رومية ١٣: ٣). وهكذا فالمسيحي إذًا عليه أن «يعطي الجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له الجباية. والخوف لمن له الخوف والإكرام لمن له الإكرام» (رومية ١٣: ٧).


يُشدِّد بولس الرسول أيضًا على النساء المتزوجات من أزواج غير مؤمنين أن يَعِشنَ حياة مثالية، ونتيجة لذلك قد ينضم أزواجهن إلى الكنيسة (١كورنثوس ٧: ١٢-١٦). يقدم بولس نموذجا للزواج المسيحي في حب متبادل. على الأزواج أن يحبوا زوجاتهم كما أحب المسيح الكنيسة (أفسس ٥: ٢٥). علاوة على ذلك، يوصي العبيد أن يطيعوا سادتهم الأرضيين كطاعتهم للمسيح (أفسس ٦: ٥).


كان بولس إذًا مستعدًا لأن يعمل ضمن الحدود القائمة قانونيًا. وأدرك ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. ومع ذلك فقد رأى شيئا داخل المسيحية يمكنه أن يصل إلى حد تحّوُل طريقة فكر المجتمع حيال الناس. فكما أن المسيح لم يسعَ لإحداث أي نوع مِن الثورات السياسية ليفرض تغييرًا في نظام المجتمع، هكذا لم يفعل بطرس أو بولس ذلك أيضًا. عوضًا عن ذلك يمكن أن يأتي التغيير نتيجة انتشار تأثير شعب الله داخل مجتمعهم كانتشار الخميرة في العجين.






المسيحية ونظام المجتمع


على رغم علمهما بعيوب وأحيانا بشرور أنظمة وحكومات البشر، وبرغم اختباراتهما القاسية مع الحكومات والقادة الروحيين، فإن كلاً من بطرس وبولس يحثان المسيحيين الأوائل لأن يخضعوا للسلطات البشرية (١بطرس ٢: ١٣-١٧؛ رومية ١٣: ١-١٠). فبحسب قولهما، على المسيحيين أن يدفعوا الضرائب ويلتزموا بقوانين العمل المفروضة. وعلى المسيحيين أن يكونوا مواطنين مثاليين قدر استطاعتهم.


اقرأ أعمال ٥: ٢٧-٣٢. ما هي العلاقة بين الطاعة للسلطات التي يقول عنها بطرس (١بطرس ٢: ١٣-١٧)، وبين ما فعله بطرس والرسل الآخرون في تلك الواقعة بالذات؟


أدَّت النجاحات الأولى للكنيسة المسيحية إلى القبض على بطرس ويوحنا (أعمال ٤: ١-٤). وقد تم استجوابهما بواسطة الرؤساء والشيوخ والكتبة، ثم أُطلق سراحهما مع تهديدهما بأن يكفَّا عن التبشير (أعمال ٥:٤-٢٣). بعد ذلك بوقت قصير، اُلقي القبض عليهما مرة أخرى وسألوهما لماذا لم يتبعا ما أمرتهما به السلطة (أعمال ٥: ٢٨). أجاب بطرس: «ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس» (أعمال ٥: ٢٩).


ما هي الحقيقة الحاسمة التي يجب علينا أن نأخذها مِن هذه الكلمات؟


لم يكن بطرس مُنافقاً أو مُرائياً بقوله شيئاً وفعله شيئاً آخر. عندما أصبحت القضية هي إتباع الله أو إتباع البشر، أصبح القرار واضحاً. إلى ذلك الحد، على المسيحيين أن يطيعوا الحكومة ويساندونها حتى في مسعاهم لتحقيق مناصب للتغيير الاجتماعي. أما عندما تكون الأمور الروحية على المحك، فالمسيحيون كان ومازال عليهم أن يكونوا مشاركين في المساندة القانونية للتغيرات الاجتماعية التي تعكس قيم وتعاليم المسيح. والسبيل إلى ذلك يعتمد على عوامل كثيرة. ولكن كوننا مواطنين أوفياء وأمناء، لا يعني أن المسيح لا يستطيع أو لا يحب أن يسعى لتقدم المجتمع.






لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة من صفحة ٦٣١-٦٤١ من الفصل الذي بعنوان «المعركة المُقبِلة» من كتاب الصراع العظيم؛ ومن صفحة ٦٤٢-٦٥٣ من الفصل الذي بعنوان «الكتاب المقدس خير حافظ»؛ وأيضاً من صفحة ٦٦٤-٦٨٦ من نفس الكتاب.


أيَّدت إلن ج هوايت أن يكون الأدفنتست السبتيون مواطنين صالحين يخضعون لقوانين الوطن. حتى أنها أوصت أن لا يعصوا بشكل معلن وفاضح قوانين حفظ يوم الأحد المحلية. ذلك يعني أنه بالرغم من أن عليهم حفظ يوم السبت مقدسًا كما أمر الرب إلا أنه لا حاجة لهم أن ينتهكوا عمداً القوانين التي تُحرِّم العمل يوم الأحد. غير أنه في حالة واحدة على وجه الخصوص كانت واضحة كل الوضوح بأن على الأدفنتست أن يعصوا القانون. فإذا استطاع العبد الهرب من سيده أو سيدته، فالقانون يحكم أن يعود ذلك العبد إلى سيده. لكن إلن هوايت علَّمت ضد ذلك القانون وأوصت الأدفنتست بعدم إطاعته مهما كانت العواقب: «عندما تتعارض وصايا البشر مع كلمة ووصايا الله، يجب علينا أن نطيع وصايا الله أيًا كانت العواقب. فلو أن قانون البلاد يتطلب منا تسليم العبد لسيده، علينا ألا نطيع. يجب علينا أن نتحمل عواقب انتهاك ذلك القانون. فالعبد ليس ملكا لأي إنسان. الله هو السيد الشرعي له، وليس من حق الإنسان أن يأخذ صنيعة الله لنفسه ويدّعي ملكيتها» (إرشادات الكنيسة، مجلد ١، ص ٢٠١، ٢٠٢).






الدرس الخامس


٢٢-٢٨ نيسان (ابريل)


أن نعيش لله






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ٣: ٨ -١٢؛ غلاطية ٢: ٢٠؛ ١بطرس ٤: ١-٢؛ رومية ٦: ١-١١؛ ١بطرس ٤: ٣-١١، ٢صموئيل ١١: ٤.


آية الحفظ: «لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ عَلَى الأَبْرَارِ، وَأُذْنَيْهِ إِلَى طَلِبَتِهِمْ، وَلكِنَّ وَجْهَ الرَّبِّ ضِدُّ فَاعِلِي الشَّرِّ.» (١بطرس ٣: ١٢).


كان كُتّاب الكتاب المقدس يعلمون حقيقة الإثم في الكيان البشري. كيف لهم ألا يعلموا؟ فالعالم تفوح منه رائحة الإثم العفنة. وإلى جانب ذلك فهم يدركون طبيعة الإثم في أنفسهم كذلك (انظر ١تيموثاوس ١: ١٥). كانوا يعلمون أيضًا مدى خطورة الإثم، ومع ذلك انظر إلى الثمن الذي دفعه المسيح على الصليب ليعالج مشكلة الخطية.


ولكن كُتّاب الكتاب المقدس كانوا أيضا واعين تماما لقدرة المسيح على تغيير حياتنا وقوته ليصنع مِنّا شعبا جديدا في الله.


هذا الأسبوع يتابع بطرس نفس المسار: نوع الحياة الجديدة التي سينالها المسيحيون في المسيح بعد أن يُسلّموا ذواتهم له وبعد أن يعتمدوا. سوف يكون التغيير عظيما جدا حتى أن الآخرين سيلاحظونه. إن بطرس لا يقول إن ذلك التغيير سوف يكون سهلا على الدوام، بل إنه يقول إن هناك حاجة لأن يتألم الإنسان في الجسد (١بطرس ٤: ١) حتى ينال النصرة التي وعدنا بها المسيح.


يتابع بطرس شعارا ينتشر في الكتاب المقدس كله، وهو حقيقة المحبة في حياة المؤمن بيسوع. يقول بطرس: «لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا» (١بطرس ٤: ٨). عندما نحب، عندما نغفر، فنحن نعكس ما فعله وما زال يفعله المسيح من أجلنا.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ٢٩ نيسان (إبريل).




أن نكون مُتَّحدي الرأي


اقرأ ١بطرس ٣: ٨-١٢. ما هي النقاط التي يُشير إليها بطرس هنا عن نوع الحياة التي يجب على المسيحيين أن يحيوها؟ ما الذي يُعيد ذكره بعد أن ذكره سابقاً في ١بطرس ٢: ٢٠-٢١؟


يبدأ بطرس حديثه لهم بقوله أن عليهم أن يكونوا جميعا متحدي الرأي. القصد هنا ليس التجانس أو التماثل بمعنى أن على كل فرد أن يُفكِّر ويعمل ويؤمن بنفس الطريقة. إن أفضل مثال على ذلك هو ما ورد في ١كورنثوس ١٢: ١-٢٦. يشير بولس الرسول إلى أن جسم الإنسان مُكوَّن من أعضاء. فهناك الأيدي والأعين ولكن هذه الأعضاء تعمل في اتحاد تام. كذلك الكنيسة أيضا فهي مكوَّنة من أشخاص لهم عطايا روحية متنوعة. وهم يعملون معا لصياغة مجتمع مُتَّحد.


بالطبع، هذه الوحدة ليس من السهل دائماً تحقيقها. وللأسف، قد أظهر تاريخ الكنيسة المسيحية صحة هذا الأمر في كثير من الأحيان. ولذلك يحذِّر بطرس المؤمنين من خطورة عدم الاتفاق مع بعضهم البعض. ثم يخبر قرّاءه كيف يمكنهم إظهار تلك الفضيلة المسيحية من خلال كونهم متحدين.


على سبيل المثال، على المسيحيين أن يتعاملوا بشفقة (١بطرس ٣: ٨). الشفقة تعني أنه عندما يتألم أحد المسيحيين، يتألم المسيحيون الآخرون معه، وعندما يفرح مسيحي آخر، يفرح المسيحيون الآخرون معه (قارن ١كورنثوس ١٢: ٢٦). الشفقة تُمكّننا من رؤية وجهة نظر الآخرين، وهذه خطوة هامة على طريق الوحدة. ثم يقول بطرس أن علينا أن نحب بعضنا بعضا «ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ» (١بطرس ٣: ٨). قال يسوع: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ» (يوحنا ١٣: ٣٥). يضيف بطرس إلى ذلك أنه على المسيحيين أن يكونوا لطفاء (١بطرس ٣: ٨). يكون لهم عطف واحدهم على الآخر عند الصعاب والسقطات.


«اصلبوا النفس، اعتبروا الآخرين أفضل منكم. هكذا تصبحون في وحدة مع المسيح. ستحملون أمام الكون السماوي وأمام الكنيسة والعالم الدليل الذي لا لبس فيه أنكم أبناء وبنات الله. ويتمجد الله في المثال الذي تقيمونه» (إرشادات الكنيسة، المجلد ٩، ص ١٨٨).






نتألم في الجسد


نعم، مات المسيح لأجل خطايانا، ورجاؤنا وخلاصنا فيه وحده، في بِرّه الذي يغطينا ويجعلنا نحتسب ببِرّه في عيون الله. وبواسطة يسوع فأنت مقبول أمام الله «كأنك لم تخطئ قط» (روح النبوة، كتاب طريق الحياة، صفحة ٥٦).


ولكن نعمة الله لا تقف عند حد النطق والإعلان بأن خطايانا قد غُفرت. بل الله يعطينا القوة أيضا لننتصر على خطايانا.


اقرأ ١بطرس ٣: ١٨، ٢١؛ ١بطرس ٤: ١، ٢، كذلك رومية ٦: ١-١١. ما هو الرابط بين الألم والغلبة على الخطية؟


هناك كلمة في اللغة اليونانية استخدمها بطرس في ١بطرس ٣: ١٨. الكلمة تشدد على الطبيعة الشمولية أو الجامعة لتضحية المسيح. الكلمة هي hapax، ومعناها «مرة واحدة». استعملها بطرس ليؤكد أن آلام وموت المسيح لأجلنا كان ذات طبيعة شمولية.


العبارة «فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ» الواردة في ١بطرس ٤: ١ تربط ١بطرس ٤: ١، ٢ مع ما كان قد قاله سابقا في ١بطرس ٣: ١٨-٢٢. في تلك الآيات السابقة يشير بطرس إلى أن يسوع تألم من أجل خطايانا «لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ» (١بطرس ٣: ١٨)، وأن «الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ» (١بطرس ٣: ٢١).


فالمعمودية إذن هي السياق الأفضل لفهم كلمات بطرس «... فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي الْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ الْخَطِيَّةِ» (١بطرس ٤: ١). فبواسطة المعمودية يشارك المسيحي في آلام وموت وقيامة يسوع المسيح. يتخذ المسيحي قراره أن «لاَ يَعِيشَ أَيْضًا الزَّمَانَ الْبَاقِيَ فِي الْجَسَدِ، لِشَهَوَاتِ النَّاسِ، بَلْ لإِرَادَةِ اللهِ» (١بطرس ٤: ٢). ذلك لن يتم سوى بتكريس الذات يوميا لله. وصلب «الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ» (غلاطية ٥: ٢٤).


يقول بولس في رومية ٦: ١-١١ أنه عند المعمودية يصير المسيحيون متحدين مع يسوع في موته وقيامته. وعند المعمودية نكون قد متنا عن الخطية. إننا في حاجة الآن لأن نجعل ذلك الموت عن الخطية حقيقة واقعية في حياتنا. إن كلمات بولس «احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية ٦: ١١) تعطينا سر حياة المسيحي.






مولودون ثانية


في المسيح لنا حياة جديدة، بداية جديدة. نحن مولودون ثانية. وإن كان لهذه الولادة الجديدة من معنى، خاصة لأولئك الذين قبلوا يسوع بعد مرحلة الطفولة، فيجب أن تعني بالنسبة لهم أن حياتهم سوف تكون مختلفة عن ذي قبل. مَن منا لم يسمع عن قصص عجيبة عن أشخاص كانوا في العالم ثم اختبروا تحولا جزريا في حياتهم بسبب يسوع ونعمة خلاصه؟


بعد أن تكلم عن الموت عن الذات والحياة الجديدة التي لنا في يسوع (ذلك بعد أن اعتمدنا إلى موت المسيح وقيامته)، يتحدث بطرس عن دور التغيير الذي سوف يختبره الشخص.


اقرأ ١بطرس ٤: ٣-٦. ما هي التغيرات التي سوف تحدث في حياة الإنسان؟ وكيف سيتفاعل معها الآخرون؟


المفردات الثلاثة التي استعملها بطرس بالنسبة لسوء استعمال الكحول هي إدمان الخمر والبطر والمنادمات. وباستعمال لغة العصر، فإن أيام إقامة الاحتفالات قد ولّت. وحقيقة القول بحسب بطرس، فإن الاختبار المسيحي يجب أن يكون عظيما بحيث إن الذين كانوا يعرفون حياة ذلك المسيحي الماضية «يستغربون» أنه لم يعد يشارك في «فَيْضِ هذِهِ الْخَلاَعَةِ» (١بطرس ٤: ٤). وهكذا فإننا نستطيع أن نرى هنا إمكانية شهادتنا لغير المؤمنين دون الحاجة لإلقاء العظات. فإن حياة التقوى التي يحياها المسيحي يمكنها أن تكون أكثر فعالية وشهادة وأقوى من كل عظات العالم.


ماذا يقول بطرس عن الدينونة في هذه الآيات؟


يوضح بطرس هنا كما في شواهد أخرى (يوحنا ٥: ٢٩؛ ٢كورنثوس ٥: ١٠؛ عبرانيين ٩: ٢٧)، إنه في يوم ما ستكون هناك دينونة لأعمال الجسد (١بطرس ٤: ٢). عندما يتكلم بطرس عن أن الإنجيل قد «بُشِّرَ [به] الْمَوْتى أَيْضًا» (١بطرس ٤: ٦) فإنه يتحدث عن الأشخاص الذين عاشوا في الماضي وهم موتى الآن، كان لديهم فرصة لأن يعرفوا نعمة الله للخلاص. ولذا فإن الله مبرر في أن يدينهم هم أيضا.






خطايا الجسد


في سرده للخطايا التي ارتكبها الناس في الماضي والتي توقفوا عن فعلها بعد أن صاروا مؤمنين بالمسيح، يسرد بطرس أيضا ما يمكن أن يطلق عليه «الخطايا الجنسية».


أعد قراءة ١بطرس ٤: ٣ مرة أخرى. ما هي الأشياء التي يضيفها بطرس هنا؟


كلمتان لهما صلة مباشرة بالجنس: الدّعارة والشهوات. من السهل جدا بالنسبة للمسيحيين أن يعطوا الانطباع الخاطئ عن الجنس. الكتاب المقدس ليس ضد الجنس، لأن الله هو الذي خلق الجنس ووهب الرغبة الجنسية للبشر لتكون بركة عظيمة. الرغبة الجنسية كانت موجودة منذ البدء في جنة عدن، «لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ» (تكوين ٢: ٢٤، ٢٥). كان مقصد الله من العلاقة الجنسية هو أن تكون إحدى أهم العوامل الرئيسية التي من شأنها أن توحد الزوج وزوجته في التزام مدى الحياة، وتعد أرضية صالحة لتربية الأطفال. هذا التقارب وهذه الألفة هي انعكاس لما يسعى الله إليه مع شعبه (انظر إرميا ٣، وحزقيال ١٦، وهوشع ١-٣).


العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة في وضعها الصحيح هي بركة سامية من الله. ولكن في غير وضعها الصحيح وفي السياق الخاطئ يمكن أن تكون إحدى أعظم قوى الهدم في العالم. وإن العواقب الوخيمة المترتبة على هذه الخطايا هي فوق تصوُّر وحسابات البشر. مَن منا لم يسمع عن أشخاص دُمِّرت حياتهم بسبب سوء ممارسة هذه العطية الرائعة؟


ما هو الشيء الذي تُجمِع عليه هذه الآيات؟ ٢صموئيل ١١: ٤؛ ١كورنثوس ٥: ١؛ تكوين ١٩: ٥؛ ١كورنثوس ١٠: ٨.


بالطبع لا يحتاج أحدنا لأن يرجع إلى الكتاب المقدس ليتعرَّف على قصص الألم والمعاناة التي تسببت فيها هذه الخطايا.


ومع ذلك فعلينا نحن أيضًا أن نكون حذرين، فإن مثل هذه الخطايا يمكن أن يكون لها أثرها القوي على الشعوب، فالمجتمع ينظر إليها بازدراء. ولكن الخطية هي الخطية، وموت المسيح يستر خطايا الجنس أيضًا. أنت كمسيحي يجب عليك أن تكون حذرًا خاصة تجاه هذه المنطقة الحساسة، «أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ» (لوقا ٦: ٤٢).




المحبة تستر الكل


حتى في أيام بطرس، عاش المسيحيون بانتظار عودة يسوع المسيح القريبة ونهاية هذا العالم الحاضر. نعرف ذلك مما كتبه بطرس في (١بطرس ٤: ٧): «وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ». بمعنى آخر، كونوا مستعدين لنهاية هذا العالم. والنهاية في أحد معانيها بالنسبة لكل شخص منا ليست أبعد من لحظة بعد الوفاة. فنغمض أعيننا عند الوفاة، ولا فرق إن مرّت آلاف السنين أو بضعة أيام فقط، فإنَّ ما نراه بعد ذلك هو المجيء الثاني للمسيح ونهاية العالم.


بحسب قول بطرس «وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ»، كيف يجب على المسيحيين أن يعيشوا؟ (١بطرس ٤: ٧-١١).


على المسيحيين أن يتعقلوا ويصحوا للصلوات، وإلى جانب ذلك يقول لهم بطرس: «وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا» (١بطرس ٤: ٨).


ماذا يعني ذلك؟ كيف تستر المحبة الخطية؟ الجواب على ذلك السؤال ورد في الآية التي اقتبسها بطرس في (أمثال ١٠: ١٢) والتي تقول: «اَلْبُغْضَةُ تُهَيِّجُ خُصُومَاتٍ، وَالْمَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ الذُّنُوبِ». عندما نحب واحدنا الآخر نكون أكثر استعدادا لنغفر للذين يؤذوننا والذين يسيئون إلينا. إن محبة المسيح تدعوه لأن يغفر لنا؛ ومحبتنا يجب أن تدعونا لأن نغفر للآخرين. عندما تحل المحبة، فالمناكفات الصغيرة وحتى الكبيرة منها أحيانا يمكن التغاضي عنها ونسيانها.


لا شك أن بطرس كان يُعبِّر عن نفس الفكرة التي عبَّر عنها يسوع وبولس، الفكرة التي تقول بأن الناموس كله يتلخّص في واجبنا أن نحب الله بكل قلوبنا ونحب قريبنا كأنفسنا (متى ٢٢: ٣٤-٣٩؛ رومية ١٣: ٨-١٠).


يحث بطرس المسيحيين أن يكونوا «مُضيفين»، أي أن يتحلّوا بِكَرَم الضِّيافة. قد يكون المجيء الثاني للمسيح قريبًا، ولكن لا يجب على المسيحيين أن ينعزلوا عن العلاقات الاجتماعية بسبب ذلك. أخيرًا، عندما يتكلم المسيحيون، فيجب عليهم أن يفعلوا ذلك كمن يتكلَّم بكلمات الله. معنى ذلك أن جدّيّة الموقف يتطلب جدّية التّخاطب في الأمور الروحية.






لمزيد من الدرس: «المحبة التي تتأنى وترفق لن تجعل من عمل طائش جريمة لا تغتفر، ولن تضخم في أخطاء الآخرين. تعلمنا الأسفار المقدسة بوضوح أن المخطئين يجب معاملتهم بصبر ومراعاة. وإذا ما اتُبع الطريق الصحيح فإن القلب المُتَعَنِّت يمكن ربحه للمسيح. إن محبة المسيح تستر كثرة من الخطايا. نعمته لن تدعو أبدا إلى افتضاح أخطاء الآخرين، إلا إذا كانت تلك ضرورة حتمية» (إرشادات للآباء والمعلمين والتلاميذ، ص ٢٦٧). تأمل مثلا في قصة يسوع والمرأة التي أمسكت في زنى (يوحنا ٨: ١-١١). عادة ما ننظر إلى هذه القصة على أنها قصة نعمة المسيح لامرأة ساقطة وهذا صحيح. لكن هناك عاملا أكثر عمقًا أيضًا. في مواجهته للقادة الروحيين الذين أتوا إليه بالمرأة، لماذا كتب يسوع «أسرار حياتهم الآثمة مسطورة على الأرض» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٣٦) في التراب حيث يمكن طمس الكلمات فورًا؟ لماذا لم يحاكمهم جهارًا مُعلنًا أمام الجميع ما كان يعلمه عن خطاياهم الشخصية التي قد تكون على قدر خطايا المرأة وقد تكون أسوأ منها؟ بدلا من ذلك أظهر لهم يسوع أنه يعلم نِفاقهم وشرَّهم، ومع ذلك لم يكشفهم أمام الآخرين، بل منحهم فرصة للخلاص. ربما كانت هذه هي طريقة يسوع الخاصة لكي يتواصل مع هؤلاء الأشخاص. أي درس قوي هذا بالنسبة لنا عندما نحتاج لمواجهة أولئك الذين اخطأوا!




الدرس السادس


٢٩ نيسان (أبريل) – ٥ أيار (مايو)


الألم (التألم) من أجل المسيح






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ١: ٦؛ ٣: ١٣-٢٢؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٢؛ ١بطرس ٤: ١٢-١٤؛ رؤيا ١٢: ١٧؛ ١بطرس ٤: ١٧-١٩.


آية الحفظ: «لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ» (١بطرس ٢: ٢١).


إن تاريخ الاضطهاد في القرون الأولى معروف جيدا. والكتاب المقدس نفسه، في سفر أعمال الرسل، يُعطي لمحات عن الاضطهاد الذي طال الكنيسة. كان الاضطهاد واقعًا ظاهرًا بجلاء في حياة المسيحيين الذين كان يكتب لهم بطرس.


في الأصحاح الأول يكتب بطرس، «الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ ­ إِنْ كَانَ يَجِبُ ­ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١بطرس ١: ٦، ٧). ويختتم بطرس رسالته بنفس الفكرة التي بدأ بها، «وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ» (١بطرس ٥: ١٠).


ضمن هذه الرسالة القصيرة، هناك أكثر من ثلاث فقرات مُطوَّلة تتحدث عن الآلام التي يعانيها قراؤه من أجل المسيح (١بطرس ٢: ١٨-٢٥؛ ٣: ١٣-٢١؛ ٤: ١٢-١٩). فالآلام التي سبَّبها الاضطهاد هي الشعار والموضوع الأساسي لرسالة بطرس الأولى.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم، ٦ أيار (مايو).




اضطهاد المسيحيين الأوائل


اقرأ ١بطرس ١: ٦؛ ٥: ١٠. عن ماذا يتحدث بطرس هنا؟ وماذا قال لقرائه عن كيفية تعاملهم مع ما كانوا يواجهونه؟


خلال القرون القليلة الأولى، كان المسيحي يواجه خطر الموت الشنيع لمجرد كونه مسيحيا. توضح رسالة كُتبت إلى الإمبراطور الروماني «تراجان» مدى الخطورة التي واجهها المسيحيون الأوائل. كانت الرسالة مرسلة من بليني (Pliny) الذي كان حاكما لمقاطعة بونتوس وبثينيا (١١١-١١٣ م.)، وهما مقاطعتان ذكرتا في (١بطرس ١: ١).


كتب بليني رسالته طالبا توجيهات الإمبراطور فيما يخص الأشخاص المتهمين باعتناقهم المسيحية. وأوضح أن الذين أصرّوا على بقائهم مسيحيين قد تمّ إعدامهم. آخرون قالوا إنهم كانوا قبلا مسيحيين لكنهم لم يعودوا كذلك. سمح بليني لأولئك أن يثبتوا براءتهم وذلك عن طريق تقديم البخور لأصنام تراجان وآلهة أخرى وأن يهينوا المسيح.


نادرا ما كان أهل روما يمارسون عبادة الإمبراطور وهو على قيد الحياة، مع أنه في القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية حيث أرسلت رسالة بطرس الرسول الأولى، كان الأباطرة يسمحون بل ويشجعون على تشييد المعابد لأنفسهم. كان لبعض هذه المعابد كهنتها المخصوصين ومذابحها حيث تقدم عليها التقدمات. عندما كان بليني يأتي بالمسيحيين لكي يثبتوا ولاءهم للإمبراطور بتقديم البخور وعبادة أحد أصنام الإمبراطور، كان بذلك يمارس طقوسا متبعة لعصور طويلة في آسيا الصغرى.


كان المسيحيون في العصر الأول يواجهون خطرا شديدا لمجرد كونهم مسيحيين. وقد ازداد ذلك الخطر خاصة في عهد الإمبراطور نيرون (٥٤-٦٨م) والإمبراطور دوميشن (Domitian) (٨١-٩٦ م).


مع ذلك فقد كان الاضطهاد الذي صورته رسالة بطرس الأولى ذات طبيعة محلية. والأمثلة المحددة الخاصة بالاضطهاد التي تحدث عنها بطرس في رسالته كانت قليلة، وربما شملت اتهامات باطلة (١بطرس ٢: ١٢)، وربما تضمنت أيضا السباب والشتيمة ومعايرتهم باسم المسيح (١بطرس ٣: ٩؛ ٤: ١٤). ومع أن التجارب كانت قاسية، إلا أنها لا يبدو أن تكون قد أدَّت إلى السجن على نطاق واسع أو إلى الموت، على الأقل في تلك الأيام. ومع ذلك، فإن العيش كمسيحي في القرن الأول كان يضع المؤمنين في خلاف مع شخصيات هامة في المجتمع الروماني، وقد يقاسون العذاب بسبب إيمانهم. وهكذا فإن بطرس كان يعالج أمرا بالغ الأهمية عندما كتب رسالته الأولى.




التألم ومثال المسيح


اقرأ ١بطرس ٣: ١٣-٢٢. كيف يجب أن يرد المسيحيون على الذين يجلبون عليهم الألم بسبب إيمانهم؟ ما هي العلاقة بين ألم المسيح والآلام التي يختبرها المؤمنون بسبب إيمانهم؟


عندما يقول بطرس: «وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ» (١بطرس ٣: ١٤)، فإنه يردد كلمات المسيح: «طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ» (متى ٥: ١٠). ثم يقول بعد ذلك إن المسيحيين يجب ألا يخافوا من الذين يهاجمونهم، ولكن عليهم أن يقدّسوا الرب الإله في قلوبهم (١بطرس ٣: ١٥). فعندما يثبت المسيح في قلوبهم، فذلك سوف يكون عونا لهم على التغلب على الخوف الذي ينتابهم في مواجهة الذين يقفون ضدهم.


بعد ذلك يوصي بطرس المسيحيين بأن يكونوا مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسألهم عن الرجاء الذي فيهم، ولكن عليهم أن يفعلوا ذلك بوداعة وخوف (الخوف يترجم بمعنى الهيبة والوقار، انظر ١بطرس ٣: ١٥، ١٦).


يؤكد بطرس على المسيحيين أن عليهم ألا يوفروا سببا للآخرين يتيح لهم المجال «ليَشْتِمُوا سِيرَتَهم». فعليهم أن يحفظوا ضمائرهم صالحة (١بطرس ٣: ١٦). ذلك مهم جدا، لأنه إذ ذاك، فأولئك الذين يشتمون المسيحيين سوف يخزون بسبب حياة الطهارة التي يحياها المسيحي الذي يُساء إليه.


من الواضح بأنه لا فضل للتألُّم بالنسبة لفاعلي الشر؛ لكن التألُّم نتيجة لفعل الخير ولفعل الصواب هو الذي يصنع الفرق الحاسم، «إِنْ شَاءَتْ مَشِيئَةُ اللهِ، وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ خَيْرًا، أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْتُمْ صَانِعُونَ شَرًّا» (١بطرس ٣: ١٧).


بعد ذلك يقدم بطرس مثال المسيح. يسوع نفسه تألم من أجل بِره، كانت قدسيَّة وطهارة حياة المسيح تقف بثبات لتنتهر الذين أبغضوه. فلو كان لأحد أن يتألم من أجل عمل الخير لا الشر، فذلك هو يسوع المسيح.


ولكن آلامه جلبت لنا الوسيلة الوحيدة للخلاص. مات عوضا عن الإنسان الخاطئ («الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ»، ١بطرس ٣: ١٨) حتى ينال الذين يؤمنون به الوعد بالحياة الأبدية.






البلوى المحرقة


اقرأ ١بطرس ٤: ١٢-١٤. لماذا يقول بطرس أن على المسيحيين ألا يستغربوا آلامهم ومعاناتهم؟ انظر أيضا ٢تيموثاوس ٣: ١٢؛ ويوحنا ١٥: ١٨.


يوضح بطرس أن الذين يقاسون الاضطهاد لكونهم مسيحيين فإنهم يشاركون في آلام المسيح. ولا ينبغي أن يكون ذلك غير متوقع. بل على النقيض، كما كتب بولس: «وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ» (٢تيموثاوس ٣: ١٢). يسوع ذاته أنذر تابعيه عما سيواجهونه: «حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (متى ٢٤: ٩، ١٠).


«وهكذا ستكون الحال مع كل من يعيشون بالتقوى في المسيح يسوع. فالاضطهاد والعار ينتظران كل من يسكن في قلوبهم روح المسيح. نعم إن صفة الاضطهاد تتغير بمرور الزمن، ولكن المبدأ – الروح الذي يكمن من وراءه – هو ذاته الذي قتل مختاري الرب منذ أيام هابيل، ولم يتغير» (روح النبوة، أعمال الرسل، ص ٥٧٦).


ماذا تقول الآية في رؤيا ١٢: ١٧ عن حقيقة اضطهاد المسيحيين في الأيام الأخيرة؟


لا شك بالنسبة للمسيحي المؤمن أن يكون الاضطهاد واقعا ماثلا على الدوام، وذلك هو الذي يعالجه بطرس هنا في إنذاره لقرائه عن البلوى المحرقة التي يواجهونها.


أحسن بطرس في استعارة النار. فالنار يمكن أن تكون مدمِّرة، ولكن يمكنها أيضا أن تنظّف الشوائب. ذلك يعتمد على العنصر الذي يتلقى لهيب النار. فالبيوت تدمرها النار؛ الذهب والفضة تصفّيهما النار. على الإنسان ألا يسعى متعمِّدا على أن يجلب على نفسه الاضطهاد، فإن الله يمكنه أن يجعل فيه خيرا. وهكذا فإن بطرس يقول لقرائِه (ولنا أيضا): نعم، الاضطهاد سيئ، ولكن لا تيأس بسببه وكأنه شيء غير متوقع. ولكن تقدم إلى الأمام وبإيمان.






الدينونة وشعب الله


قارن بين ١بطرس ٤: ١٧-١٩ مع إشعياء ١٠: ١١-١٢ وملاخي ٣: ١-٦. ما هو الشيء المشترك بين هذه الآيات على وجه العموم؟


في جميع هذه الفقرات تُصَوَّر مُجريات الدينونة وكأنها تبدأ بشعب الله. بطرس أيضا يربط آلام قرائه بدينونة الله. فبالنسبة له، الآلام التي يقاسيها قراؤه المسيحيون قد لا تكون سوى دينونة الله والتي تبدأ من عائلة بيت الله. «فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ» (١بطرس ٤: ١٩).


اقرأ لوقا ١٨: ١-٨. كيف تساعدنا هذه الآيات على فهم دينونة الله؟


كانت الدينونة في العصور القديمة أمرا مرغوبا فيه بشدة. يُجسِّد المشهد الذي يصوره لوقا ١٨: ١-٨ الموقف العام تجاه الدينونة. تُدرك المرأة أنها سوف تنتصر في قضيتها لو استطاعت أن تجد قاضيا يتسلّم قضيتها. فليس لديها المال الكافي ولا المكانة الاجتماعية التي تُمكِّنها من عرض قضيتها، لكنها استطاعت أخيرًا أن تُقنِع القاضي لكي يستمع إلى شكواها ويمنحها ما تستحق. كما يقول يسوع، «أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟» (لوقا ١٨: ٧). جلبت الخطية الشر إلى العالم، وقد تطلع شعب الله بشوق عبر العصور لكي يعيد الله الأشياء إلى نصابها مرة أخرى.


«مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ» (رؤيا ١٥: ٤).






الإيمان وسط التجارب


كان بطرس كما رأينا يكتب لمؤمنين كانوا يتألمون من أجل إيمانهم. وكما أظهر التاريخ المسيحي، فإن الأشياء كانت تتجه نحو الأسوأ، ولو لفترة ما. فلا شك في أن المسيحيين خلال السنوات التي أعقبت قد وجدوا عزاءا وتشجيعا فيما كتبه بطرس. ولا شك أيضا في أن الكثيرين يجدون نفس العزاء والتشجيع اليوم.


لماذا الألم؟ هذا سؤال يتردد منذ قديم العصور. سفر أيوب هو أحد أوائل أسفار الكتاب المقدس التي تم كتابتها. الموضوع الأساسي في هذا السفر هو الألم. وحقيقة القول فإنه إن كان هناك مِن شخص (باستثناء يسوع) قد قاسى الآلام، ليس «كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ» (١بطرس ٤: ١٥) لكان ذلك الشخص هو أيوب. وقد قال الله عن أيوب: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ» (أيوب ١: ٨). ومع ذلك فتأمل ما قاساه أيوب المسكين، ليس لأنه فعل الشر ولكن لأنه فعل الخير.


كيف تساعد الآيات التالية في توضيح أمر أصل الخطية؟ ١بطرس ٥: ٨؛ رؤيا ١٢: ٩؛ رؤيا ٢: ١٠.


الإجابة باختصار هي أننا نتألم لأننا في خضم الصراع العظيم بين المسيح والشيطان. هذه ليست استعارة أو مجرد رمز للخير والشر في طبيعتنا البشرية. فالشيطان حقيقة واقعة والمسيح حقيقة واقعة. والمسيح يخوض معركة حقيقية من أجل البشرية.


اقرأ ١بطرس ٤: ١٩. كيف يمكن لما كتبه بطرس في هذه الآية أن يساعدنا فيما يمكن أن نتصارع معه الآن؟


عندما نتألم، خاصة حين يكون تألمنا ليس نتيجة شر فعلناه بأنفسنا، فمن الطبيعي أن نسأل نفس السؤال الذي سأله أيوب مرة تلو المرة: لماذا؟ وفي أغلب الظروف ليس من جواب. وكما يقول بطرس، كل ما نستطيع عمله، حتى في خضم تألمنا، هو أن نستودع أنفسنا «كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ» ونستمر «فِي عَمَلِ الْخَيْرِ» (١بطرس ٤: ١٩).






لمزيد من الدرس: تحدث درس يوم الأحد عن الاضطهاد الذي واجهه المسيحيون. المقتطف التالي يورد الرسالة التي كتبت للإمبراطور الروماني عما قاساه المسيحيون في تلك القرون الأولى: «... الأسلوب الذي اتبعته مع من أقروا أنهم مسيحيون هو هذا: استجوبتهم عما إذا كانوا مسيحيين، فإذا اعترفوا بذلك أعدت السؤال عليهم مرتين، منذرا إياهم بعقوبة الإعدام، فإذا استمروا على موقفهم، أمرت بإعدامهم. لأنه أيا كانت عقيدتهم، فإنني أشعر بلا شك أن التمرد والعناد المُتَصلِّبان يستوجبان العقاب.


أولئك الذين أنكروا مسحيتهم، أو أنهم لم يكونوا مسيحيين من قبل، والذين رددوا من بعدي ابتهالا إلى الآلهة وقدموا مجدا مصحوبا بالخمر والبخور إلى تمثالك الذي أمرت أن يؤتى به لهذا الغرض ومعه تماثيل للآلهة وختموا أخيرا بتوجيه اللعنات إلى المسيح، عندما أدوا هذه الأعمال التي لا يمكن لأي مسيحي حقيقي أن يمارس أيا منها، رأيت أنه من الصواب إطلاق سراحهم. آخرون أوشي بهم بأنهم كانوا مسيحيين ثم أنكروا ذلك، كانوا فعلا بهذا المعتقد ولكنهم تركوه، بعضهم منذ ثلاث سنوات، بعضهم منذ سنوات طوال، والقليل منهم منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة مضت. جميعهم تعبدوا لتمثالك وتماثيل الآلهة ولعنوا المسيح.» [رسائل بليني (لندن: وليم هاينمان، ١٩١٥، كتاب ١٠: ٩٦ (مجلد ٢، صفحة ٤٠١-٤٠٣)].




الدرس السابع


٦-١٢ أيار (مايو)


قيادة بروح الخدمة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ٥: ١-١٠؛ أعمال ٦: ١-٦؛ إرميا ١٠: ٢١؛ متى ٢٠: ٢٤-٢٨؛ أمثال ٣: ٣٤؛ رؤيا ١٢: ٧-٩.


آية الحفظ: «مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ» (١بطرس ٥: ٧).


تُبرز الدراسات الخاصة للكنائس النامية والمزدهرة أهمية القيادة الفاعلة. تستلهم هذه القيادة رؤيتها من الله ومن كلمته وتوفر لكل عضو من أعضائها الفرصة لكي ما يمارس الهبات الروحية الخاصة لكل منهم في سبيل خدمة الإنجيل.


لكن القيادة الكنسية تحذوها تحديات كبيرة. إن المتطوعين الذين غالبا ما يعطون من أوقاتهم على الرغم من أشغالهم، هم غالبا الذين يقودون الكنيسة. بإمكان الأعضاء أن «يصوتوا عن طريق أقدامهم» وذلك بعدم حضورهم عندما يحدث شيء هم غير راضين عنه. بالإضافة إلى ذلك، فعلى قائد الكنيسة أن يكون شخصا روحيا بعمق. وعلينا ألا ننسى أن بطرس هنا يكتب لكنائس تتعرض للاضطهاد. إنّ قائد الكنيسة في مثل تلك الأوقات معرض بشدة للهجوم عليه. إذًا من ذا الذي يكون مؤهلا لتلك المهمة؟


في ١بطرس ٥: ١-١٠، يتناول بطرس أمر القيادة المسيحية على مستوى الكنيسة المحلية. يكتب في تلك الآيات عن بعض الصفات الأساسية التي لا تخص القادة المحليين وحدهم، ولكنها تشمل الأعضاء أيضا. كما أنها تنطبق علينا اليوم تماما كما انطبقت عليهم سابقا.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادًا لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٣ أيار (مايو).




الشيوخ في الكنيسة الأولى


اقرأ الآيات التالية: أعمال ٦: ١-٦؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ٦؛ ١تيموثاوس ٥: ١٧؛ ١بطرس ٥: ٢. ما هي الانطباعات التي تعطينا إياها هذه الآيات بخصوص التحديات التي واجهت الكنيسة الأولى ودور قادة تلك الكنيسة؟


إن تحول جمهور كبير من الناس وانضمامهم إلى الكنيسة هو بركة عظيمة من الله. إلا أن تجربة الكنيسة الأولى في التزايد السريع أظهر المشاكل.


مثال ذلك، فإن سفر أعمال الرسل، الأصحاح الأول إلى الخامس، يوثّق الصلة بين قيادة الروح القدس وتجدد الكثيرين إلى المسيحية. الآيات في أعمال ٦: ١-٦ تظهر النتيجة: أصبحت الجماعة فوق قدرة قيادتها، فأصبحت في حاجة لأن تقيم بنية لإدارة الشؤون اليومية الخاصة بالكنيسة.


الأمر الذي أتى بهذا الضعف في البناء التنظيمي إلى الواجهة كان بسبب شكوى التمييز أو تفضيل فريق على الآخر. لقد اشتكى المتحدثون باللغة اليونانية من أن أراملهم كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ عندما كان يتم توزيع الطعام اليومي. استجابة لذلك تم تعيين مجموعة من الأشخاص، الشمامسة، لمعاونة الاثني عشر رسولا في إدارة موارد الكنيسة.


صحيح أن الروح القدس كان يقود الكنيسة الأولى بطريقة خاصة، ولكن ومع هذا كانت هناك حاجة لبناء نظام في هيكلية الكنيسة. استدعت الحاجة لتكوين مجموعة من الشيوخ في كل كنيسة محلية. وقد قام بولس وبرنابا بتعيين الشيوخ الذين كان عليهم قيادة المجموعات المسيحية التي تكونت حديثا عندما كانوا يذهبون من مكان إلى آخر حيث لم يسمع أهلها عن المسيح (أعمال ١٤: ٢٣).


كانت للشيوخ أدوار عديدة في الكنيسة المسيحية الأولى، وكقادة في مجتمعاتهم المحلية كانوا يقومون بدور المعلمين للأشخاص المتجددين حديثا. كانوا يعظون وكانوا يتدبرون الأمور وينظرون لتوفير ما هو لصالح مجتمعهم (أعمال ١٥: ٦؛ ١تيموثاوس ٥: ١٧؛ ١بطرس ٥: ٢).






الشيوخ


اقرأ ١بطرس ٥: ١-٤. ما هي طبيعة السلوك التي يجب أن يطبقها القادة خلال دورهم في الكنيسة؟ كيف يمكن لهذه المبادئ أن تنطبق على أي منا بغض النظر عن أدوارنا في الكنيسة؟


يستهل بطرس تعاليمه للشيوخ بالإشارة إلى أنه هو ذاته رفيق لهم. بعد ذلك نلاحظ أمرين يخصّانه هو: أنه شاهدٌ لآلام المسيح، وهو شريك المجد العتيد أن يُعْلَن. بقوله هذا يؤكّد بطرس أن الصفة الأولى التي يجب أن يتميّز بها الشيخ هي: أن يكون مُدركًا أهمية ما تَحَمَّلَه المسيح من آلام من أجلنا والرجاء العظيم الذي يقدمه لنا.


يُشبّه بطرس دور الشيخ براعٍ يرعى رعية الله. ومضاهاته الكنيسة بالخراف توحي بأن الأعضاء كالخراف يمكن أن ينحرفوا ويسيروا في طرقهم الخاصة. وهكذا فإنهم بحاجة لراع ليعيدهم إلى الكنيسة ويساعدهم للعمل بانسجام مع الآخرين. وعلى الشيخ أيضًا أن يكون مثالًا متواضعًا مُظهرًا الحياة التي يجب على المسيحي أن يحياها.


أي تحذير نجده هنا مُوجَّه للرعاة؟ إرميا ١٠: ٢١؛ حزقيال ٣٤: ٨-١٠؛ زكريا ١١: ١٧.


على القيادة المسيحية دور مهم وهو العمل مع أعضاء الكنيسة بصبر الراعي الذي يعمل مع خرافه. على الشيوخ أن يضموا الأعضاء بعضهم مع بعض للعبادة ولنشر رسالة يسوع لأولئك الذين هم بحاجة لأن يعرفوه والخلاص الذي في المسيح يسوع.


يشير بطرس أيضا إلى أنه على الشيوخ أن يكونوا نُظَّارا لا عن اضطرار بل بالاختيار. ليس من السهل دائما أن نجد أشخاصا مستعدين لتحمُّل التحديات الملازمة لقيادة الكنيسة. يتَّضح هذا جليا في أوقات انعقاد لجان التسمية. لكي تقوم الكنيسة بعملها بشكل جيد هناك عدّة أدوار أو مهام يتحتَّم ملؤها وهناك أسباب تجعل الكثيرين يتردَّدون في قبول مهام القيادة في الكنيسة. بعض هذه المهام تتطلب الإسهام بأوقات طويلة. والأشخاص المؤهلون لهذه المهام قد يكون لديهم التزامات كثيرة أخرى. آخرون قد يشعرون بأنهم ليسوا مؤهلين بالقدر الكافي لتقبُّل ذلك الدور. ولكن كلمة بطرس تقول إنه إذا طُلب منا فعلينا أن نكون على استعداد أن نقبل القيادة إذا كان ذلك ممكنا.




القيادة بروح الخدمة


اقرأ ١بطرس ٥: ٣؛ متى ٢٠: ٢٤-٢٨. ما هو المبدأ الحاسم للقيادة المسيحية الذي نجده في تلك الآيات؟


الكلمة الأساسية الموجودة في (١بطرس ٥: ٣) وهي باللغة العربية «يمارس السيادة» وباللغة اليونانية (katakurieuontes)تأتي بمعنى «يتسلَّط على» شخص ما. وهكذا فإن التعاليم المُقدَّمة للشيوخ الواردة في )١بطرس ٥: ٣( قد تأتي بمعنى، «لا تسودوا على مَن هُم ضمن رعيَّتكم». وتلك انعكاس لكلمات المسيح في (متى ٢٠: ٢٥).


يُمَهِّد إنجيل (متى ٢٠: ٢٠-٢٣) السياق لأقوال المسيح في (متى ٢٠: ٢٤-٢٨). تقدَّمت أم يعقوب ويوحنا إلى المسيح وطلبت منه أن يُجْلِسَ واحداً من ابنيها عن يمين المسيح والآخر عن يساره عندما يأتي في ملكوته.


«احتملهم يسوع بكل رقّة ولطف إذ لم يوبّخ ذينك التلميذين على أنانيتهما في محاولة تفضيل نفسيهما على إخوتهما. إنه يقرأ مكنونات قلبيهما ويعرف عمق تعلّقهما به. إن محبتهما له ليست مُجرَّد عاطفة بشرية، وإن تكن قد تلوَّثت بالمجرى الأرضي الذي جرت فيه، فإنها نبع يجري مِن نهر محبته الفادية. إنه لن ينتهر أو يوبخ بل يصل إلى الأعماق ويُطهِّر» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥١٣).


يوضح المسيح أن مقام الشرف هذا يمنحه الله الآب وليس هو. ولكنه يواصل ليشرح أن الاختلاف الأساسي بين ملكوته وممالك الأمم هو نوع القائد الذي سوف يبرز في ملكوته. فأولئك الذين يرغبون أن يكونوا قادة في مملكة المسيح عليهم أن يصيروا خُدَّاما، لأن القادة في مملكة المسيح عليهم أن يكونوا مثله: «لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل لِيَخدم، وليبذل نفسه فِدية عن كثيرين» (متى ٢٠: ٢٨).


وهكذا يدعو بطرس قادة الكنيسة إلى ذلك المثال عينه: مثال الخضوع وإنكار الذات الذي تجلّى في حياة المسيح والذي يجب أن يظهر فيهم أيضاً.






تسربلوا بالتواضع


كان المجتمع في العالم القديم حيث عاش بطرس يتَّسِم بالطبقية الشديدة. فكانت الطبقة العليا (النخبة) الحاكمة تحيط بها ما يمكن أن يطلق عليه تعبير «هالة سلطوية». ومن حولهم تجمعت طبقة أقل مستوى. وكانت طبقة العبيد هي الطبقة الأدنى على الإطلاق. كان التواضع هو سمة الطبقات الأقل مكانة تجاه من هم أعلى منهم مقامًا. وكانت الكلمة اليونانية «تواضع» تحمل معنى «الوضيع»، «عديم القيمة»، «الضعيف»، و»الفقير». وكانت تلك الكلمة تصف الأشخاص الذين لا يملكون المكانة أو القوة في المجتمع. وكلمة «تواضع» خارج اليهودية والمسيحية كانت تصف الأشخاص الذين لا مكانة لهم في المجتمع. ولم تكن صفة التواضع مُرحَّبًا بها في مجتمع الأحرار في ذلك العصر.


اقرأ ١بطرس ٥: ٥-٧. بالنظر إلى الظروف والأوقات التي عاشوا فيها، ما هو الشيء المدهش والرائع فيما كتبه بطرس هنا؟


التواضع في الكتاب المقدس له رؤية تختلف عن رؤيته من قِبَل مَن عايشهم بطرس في تلك الثقافات والأزمنة. يقتبس بطرس من (أمثال ٣: ٣٤) آية، وهي أيضا مُدوَّنة في (يعقوب ٤: ٦). في العهد القديم، جزء من عمل الله في التاريخ هو أنه: يُبطِل تعظُّم المُستكبرين ويضع تجبُّر العُتاة (إشعياء ١٣: ١١؛ ٢٣: ٩؛ أيوب ٤٠: ١١).


التواضع هو ما ينبغي أن يكون عليه موقفنا تجاه الله. «فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ» (١بطرس ٥: ٦). على المسيحيين أن يتَّصفوا بالتواضع بدلا من الكبرياء، ليس مع الله فحسب ولكن مع بعضهم البعض أيضا (١بطرس ٥: ٥).


المسيحيون، وحتى القادة منهم، يدركون أنهم خطاة مَفديّون بنعمة الله. وإذ ندرك هذا المعنى فنحن جميعا متساوون. وأمام الصليب علينا جميعا أن نتَّضع. وهذا التواضع يجب أن يظهر جليَّا في علاقاتنا مع الآخرين، خاصة مع الأشخاص الذين هم تحت رعايتنا. من المؤكد أن أي شخص يستطيع أن يتضع أمام الله، خالق السماوات والأرض. كما أنه من السهل نسبيا أن يتواضع الإنسان أمام شخص أعلى منه مقاما وله قُدرة وسيادة عليه. ولكن الاختبار يأتي عندما نُظهر التواضع نحو الذين هم أدنى منا وليس لهم سلطة علينا. هذا هو نوع التواضع الذي يتحدَّث عنه بطرس هنا.






كأسد زائر


كما رأينا قبلا، فقد كتب بطرس ضد خلفية الاضطهاد. لم يكن موضوع الصراع العظيم موضوعا لاهوتيا مجردا بالنسبة لقرائه فحسب، ولكنهم كانوا يختبرونه بشكل لم يختبره الكثيرون منا، على الأقل إلى وقتنا هذا.


اقرأ ١بطرس ٥: ٨-١٠؛ رؤيا ١٢: ٧-٩. ماذا تعلمنا هذه الآيات عن أصل الشر وعن عمل الشيطان في عالمنا هذا؟


يكشف سفر الرؤيا أن للمسيحيين دورا في المعركة الكونية بين قوى الخير وقوى الشر. في سفر الرؤيا، قوى الخير هي تحت قيادة يسوع الذي هو كلمة الله، ملك الملوك، ورب الأرباب (رؤيا ١٩: ١٣، ١٦). أما قوى الشر فإنها تحت قيادة الشيطان، واسمه أيضا إبليس، والتنين (رؤيا ١٢: ٧-٩؛ ٢٠: ٧، ٨). وبرغم رفض وسائل الإعلام (الغربية) وحتى بعض المسيحيين لحقيقة وجود الشيطان، فالحقيقة هي أن الشيطان كائن يملك قوة عظيمة يستخدمها للشر تجاهنا. ولكن الأخبار السارة هي أن الشيطان سوف يهلك في النهاية (رؤيا ٢٠: ٩، ١٠).


لا يُقلّل بطرس من مقدار الشر الذي يمثله الشيطان. فإن الشيطان «كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (١بطرس ٥: ٨). يشير بطرس أيضا إلى أن قرّاءه يستطيعون أن يروا قوة الشيطان فيما يعانونه في حياتهم. ولكن هذه المعاناة سوف تنتهي في المجد الأبدي (١بطرس ٥: ١٠).


اقرأ ١بطرس ٥: ١٠ مرة أخرى. ماذا يقول لنا بطرس في هذه الآية؟


بالرغم من عدم معرفتنا بطبيعة التجارب التي واجهتهم، فإننا نستطيع أن نرى الرجاء الذي عَبَّر عنه بطرس. نعم، الشيطان كائن حقيقي، المعركة حقيقية، ومعاناتنا حقيقية. ولكن «إله كل نعمة» هزم الشيطان. فلذلك كل ما نعانيه إذا ما بقينا أمناء حتى الموت (انظر عبرانيين ١١: ١٣-١٦) فإن الانتصار مؤكد. شكرًا ليسوع.






لمزيد من الدرس: مثال عظيم للقيادة بروح الخدمة يوجد فيما قام به المسيح في العشاء الأخير. في ذلك الوقت، كان المسيح على وعي تام بمَن هو (ابن الله)، وأنه كان على وشك العودة إلى أبيه (يوحنا ١٣: ١). بعد العشاء قام بغسل أرجل تلاميذه. بعد ذلك قال: «فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا ١٣: ١٤، ١٥). في كل مرة يغسل أتباع المسيح أرجل واحدهما الآخر فإنهم لا يعيدون ذلك المشهد فحسب، ولكنهم يُذكِّرون بعضهم بعضا أنه لكي يصبح الشخص قائدا في ملكوت يسوع، فعليه أن يصبح خادما. ولا شك أن التلاميذ حتى آخر حياتهم، خاصة بعد أن أدركوا جيدا مَن هو يسوع، كانوا يتذكرون عمل التواضع الذي قام به المسيح سيدهم. ولا شك أيضا أن ذلك كان في ذهن بطرس عندما دعى قادة الكنيسة ألا يسودوا على الآخرين بل يتسربلوا بالتواضع.


«في قبوله أن يصير إنسانا، أظهر المسيح تواضعًا أبهر كائنات السماء. إن عملية قبوله لأن يصير إنسانا قد لا تكون تواضعا لولا حقيقة منزلة المسيح السامية الأزلية. علينا أن نفتح أذهاننا لندرك أن المسيح وضع جانبا ثوبه وتاجه الملوكيين وسلطانه العالي، وألبس ألوهيته ببشريته حتى يتلاقى مع الإنسان حيث هو ويجلب للعائلة البشرية القدرة الروحية ليصيروا أبناء وبنات الله.


إن الوداعة والتواضع اللتين أتصفت بهما حياة المسيح سوف تظهر في حياة وصفات الذين يسيرون كما سار هو» (روح النبوة، أبناء وبنات الله، ص ٨١).




الدرس الثامن


١٣-١٩ أيار (مايو)


يسوع في كتابات بطرس






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١بطرس ١: ١٨، ١٩؛ كولوسي ١: ١٣، ١٤؛ إشعياء ٥٣: ١-١٢؛ يوحنا ١١: ٢٥؛ مزمور ١٨: ٥٠؛ ٢بطرس ١: ١.


آية الحفظ: «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ» (١بطرس ٢: ٢٤).


بعد دراستنا لرسالة بطرس الرسول الأولى، ينبغي أن يكون واضحا الآن أن تركيز بطرس كان على المسيح. فبغض النظر عن السياق أو المواضيع الخاصة التي تناولها بطرس، كان يسوع يتغلغل في كل ما يكتبه، وكان يسوع هو الخيط الذهبي في نسيج رسالته.


من بداية السطر الأول للرسالة، حيث يقول بطرس أنه «رسول» أو «مُرسل» من يسوع المسيح، حتى نهاية الرسالة، حين يكتب: «سَلاَمٌ لَكُمْ جَمِيعِكُمُ الَّذِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (١بطرس ٥: ١٤)، يسوع هو شعار الرسالة الأساسي. في تلك الرسالة يتحدث بطرس عن موت المسيح كفارة عنا. يتحدث عن الآلام الهائلة التي تحملها، ويقدم آلام المسيح كمثال لنا. يتكلم عن قيامة يسوع وما تعنيه بالنسبة لنا. بالإضافة إلى ذلك فهو يتحدث عن المسيح، ليس كالمسيا «الممسوح من الله» فحسب، بل عن «المسيا الإلهي». نرى في رسالة بطرس الأولى دلائل أكثر عن طبيعة المسيح الإلهية. كان هو الله ذاته الذي أتى في صورة إنسان، وعاش ومات لكي يكون لنا رجاء ووعد بحياة أبدية.


في هذا الأسبوع سنعود إلى رسالة بطرس الأولى ونتأمل أكثر عما تكشفه هذه الرسالة عن يسوع.


* نرجو التعمق في درس موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٠ أيار (مايو).




المسيح ذبيحتنا


أحد الموضوعات الرئيسية الشاملة، وقد يكون هو الموضوع الرئيسي في الكتاب المقدس، هو عمل الله لفداء البشرية الساقطة. منذ سقوط آدم وحواء في سفر التكوين، حتى سقوط بابل في سفر الرؤيا، فإن الأسفار المقدسة تكشف بطريقة أو بأخرى سعي الله «لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا ١٩: ١٠). وهذا الموضوع يظهر في رسائل بطرس أيضا.


اقرأ ١بطرس ١: ١٨، ١٩؛ كولوسي ١: ١٣، ١٤. ما معنى الفداء وما علاقة الدم بالفداء؟


تصف الآيات في (١بطرس الأولى ١: ١٨، ١٩) أهمية موت المسيح على هذا الشكل: «عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ... بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ». هناك صورتان أساسيتان في هذه الكلمات: الفداء، وذبيحة الحيوان.


يظهر الفداء في الكتاب المقدس بأشكال مختلفة، مثال ذلك، الحمار البكر (الذي لا يجوز تقدمته)، والابن البكر (خروج ٣٤: ١٩، ٢٠) كلاهما يفتديا بتقدمة البديل وذلك بتقديم حمل. يمكن استعمال المال لاسترداد (افتداء) الأغراض التي تم بيعها قبلا بسبب الفقر (لاويين ٢٥: ٢٥، ٢٦). الأكثر أهمية، أنه يمكن افتداء العبد (لاويين ٢٥: ٤٧-٤٩). رسالة بطرس الرسول الأولى تقول لقرائه أن ثمن استردادهم (افتدائهم) من سيرتهم الباطلة التي تقلّدوها من الآباء (١بطرس ١: ١٨) لم تكن بأقل من «دَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ» (١بطرس ١: ١٩). صورة الحمل هنا تستحضر مفهوم حيوان التقدمة.


يُشبِّه بطرس موت المسيح بتقدمة الحيوان المذكورة في كتب العبرانيين المقدسة. يأتي الخاطئ بِحَمَلٍ بلا عيب ولا دنس إلى الهيكل، ثم يضع يده على الحيوان (لاويين ٤: ٣٢، ٣٣). بعد ذلك يُذبح الحيوان ويُرش بعض من دمه على قرون مذبح المحرقة، ويُصب سائر الدم الباقي إلى أسفل المذبح (لاويين ٤: ٣٤). إنَّ موت حيوان التقدمة يقدم كفارة للشخص الذي قدم الذبيحة (لاويين ٤: ٣٥). يقول بطرس أن المسيح مات عوضا عنا، وأن موته افتدانا من حياتنا السابقة ومن الموت الذي يمكن أن يكون نهايتنا.






آلام المسيح


كثيرا ما يتحدث المسيحيون عن «آلام المسيح». تشير عبارة «آلام المسيح» إلى ما قاساه المسيح من الآلام في فترة نهاية حياته على الأرض، بدًأ من دخوله منتصرا إلى أورشليم. يتناول بطرس أيضا آلام المسيح خلال فترة نهاية حياته على الأرض.


اقرأ ١بطرس ٢: ٢١-٢٥؛ إشعياء ٥٣: ١-١٢. ماذا تُخبرنا هذه الفقرات عمَّا قاساه المسيح من أجلنا؟


هناك مغزى خاص لآلام المسيح. «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» (الخشبة هي إشارة إلى الصليب؛ قارن ما جاء في أعمال ٥: ٣٠)، «لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ» (١بطرس ٢: ٢٤). كخطاة، نحن نستحق الموت. ومع ذلك فإن المسيح «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ» (١بطرس ٢: ٢٢) مات بدلا عنا. وبهذه المبادلة نلنا خطة الخلاص.


أعِد قراءة إشعياء ٥٣: ١-١٢. ماذا تقول هذه الآيات عن آلام المسيح إذ كان ينفذ خطة الخلاص من أجلنا؟ وماذا تُخبرنا عن صفات الله؟


«اعتصر الشيطان بتجاربه القاسية قلب يسوع. ولم يستطع المُخلِّص أن يخترق ببصره أبواب القبر. ولم يصور له الرجاء أنه سيخرج من القبر ظافِراً، ولا أخبره عن قبول الآب لذبيحته. وكان يخشى أن تكون الخطية كريهة جداً في نظر الله بحيث يكون انفصل أحدهما عن الآخر أبديًا. ولقد أحسّ المسيح بالعذاب الذي يحسّ به الخاطئ عندما لا تعود الرحمة تتوسّل لأجل الجنس البشري الأثيم. إن إحساسه بالخطية وهي تستمطر غضب الآب على يسوع بديل الخطاة هو الذي جعل الكأس التي شربها مُرَّة جدًا وسحق قلب ابن الله.» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٧١٤-٧١٥).






قيامة المسيح


اقرأ ١بطرس ١: ٣، ٤، ٢١؛ ٣: ٢١؛ يوحنا ١١: ٢٥؛ فيلبي ٣: ١٠، ١١؛ رؤيا ٢٠: ٦. أي رجاء عظيم تُشير إليه هذه الفقرات وماذا تعنيه لنا؟


كما رأينا سابقا، فإن رسالة بطرس الأولى موجهة لأولئك الذين يتألمون بسبب إيمانهم بيسوع. ولذلك فإنه من الملائم جدا أن يوجه انتباه قرائه منذ بداية الرسالة إلى الرجاء الذي ينتظرهم. إذ يقول إن رجاء المسيحي هو رجاء حي، بالتحديد أنه رجاء يرتكز على قيامة المسيح (١بطرس ١: ٣). نتيجة لقيامة المسيح، يستطيع المسيحيون أن يتطلعوا إلى ميراث في السماء لن يفنى أو يضمحل (١بطرس ١: ٤). بمعنى آخر مهما ساءت الظروف، نفكر فيما ينتظرنا عندما ينتهي كل شيء.


الحقيقة أن قيامة المسيح من الأموات هي ضمانة لنا لأن نقوم نحن أيضا من الأموات (١كورنثوس ١٥: ٢٠، ٢١). كما يقول بطرس: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ!» (١كورونثوس ١٥: ١٧). لكن لأن المسيح قد قام من الأموات، فقد أعلن أن له القدرة على غلبة الموت ذاته. وهكذا فإن رجاء المسيحي مؤسس على الحدث التاريخي لقيامة يسوع من الأموات. فقيامته أساس لقيامتنا في نهاية الزمان.


كيف يكون حالنا بدون ذلك الرجاء وذلك الوعد؟ إن قيامة المسيح هي تتويج لكل ما فعله المسيح لأجلنا. أي رجاء يكون لنا بدون وعد القيامة؛ خاصة ونحن نعلم – نقيضًا لما يعتقده عامة المسيحيين – أن الأموات هم في حالة عدم الوعي وينامون في قبورهم؟


«الموت للمسيحي ما هو إلا رقاد، فترة سكون وظلام. الحياة مُستترة مع المسيح في الله، «متى اُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضاً معه في المجد» (يوحنا ٨: ٥١ و٥٢؛ كولوسي ٣: ٤)... في مجيئه الثاني، سيسمع صوته كل الموتى الأعزاء ويخرجون لحياة الخلود المجيدة» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٧٤٥).






المسيح – المسيَّا


كما رأينا سابقا، فإن إحدى نقاط التحول الأساسية في خدمة يسوع على الأرض كانت في إجابة بطرس عن مَن يكون المسيح. قال بطرس: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» (متى ١٦: ١٦). كلمة «المسيح» (christos خريستوس باليونانية) تعني أنه «مُسِح»، أو «المسيَّا»، (mashiyach مشياخ بالعبرية)، وقد استُخدمت هذه الكلمة في سياقات عدة في العهد القديم (بل وقد استخدمت في أحد المواقع لتشير إلى ملك وثني، كورش (انظر إشعياء ٤٥: ١). وهكذا فعندما يدعو بطرس يسوع بكلمة «المسيح»، فهو يستخدم كلمة مستخلصة من الأسفار العبرية.


اقرأ الآيات التالية من العهد القديم التي تستخدم تعبير «المسيا»، أو «الذي مُسِح». ماذا تُخبرنا فحوى هذه الآيات عن معناها؟ كيف يمكن أن يكون بطرس قد فهم معناها عندما دعى يسوع بالمسيَّا؟


مزمور ٢: ٢


مزمور ١٨: ٥٠


دانيال ٩: ٢٥


١صموئيل ٢٤: ٦


إشعياء ٤٥: ١


مع أن الله هو الذي أوحى لبطرس أن يعلن أنَّ يسوع هو المسيا (متى ١٦: ١٦، ١٧)، إلا أنه بلا شك لم يفهم معناها مليًا. لم يفهم تماما من هو المسيا، وماذا على المسيا أن يُنجز، وربما والأهم من ذلك هو كيف كان عليه أن ينجزه.


لم يكن بطرس منفردا في عدم الفهم الكامل لمعنى «المسيا». فقد كانت هناك آراء مختلفة عديدة في إسرائيل عن المسيا. الآيات الواردة أعلاه في حدِّ ذاتها لا تُقدِّم الصورة الكاملة. إلا أنها تقدم ظلاً لما كان سيفعله المسيا ومَن هو.


تكشف الآية المُدوَّنة في يوحنا ٧: ٤٢ بعضا لما كان متوقعا من المسيا: أن يكون من نسل داود، من قرية بيت لحم (إشعياء ١١: ١-١٦؛ ميخا ٥: ٢). فقد أصابوا في هذا الجزء. ووفقاً لتوهُّم عامَّة الشعب، فإن مسيا من نسل داود قد يقوم بما قام به داود: يهزم أعداء اليهود. وما لم يتوقعه أحد هو مسيا يُصلَب على يد الرومان.


وبالطبع، في الوقت الذي كتب فيه بطرس رسالتيه، أصبح أكثر فهما عن يسوع كمسيا (فقد دُعي باسم يسوع المسيح خمسة عشر مرة في رسالتي بطرس الأولى والثانية)، وكل ما كان من شأنه أن ينجزه من أجل البشرية.




يسوع، المسيَّا الإلهي


كان بطرس يعلم أن يسوع هو المسيّا، وكان يعلم أيضا أنه هو الرب. معنى ذلك أنه في وقت كتابته لهذه الرسالة، كان بطرس يدرك أن المسيا هو الله ذاته. ومع أن لقب «الرب» أو «السيد» يمكن أن يكون لهما معنى علماني، فيُمكن أيضا أن يكون هذا المصطلح إشارة واضحة للاهوت. في ١بطرس ١: ٣؛ ٢بطرس ١: ٨، ١٤، ١٦، يشير بطرس إلى يسوع، المسيا، المسيح، على أنه الرب، الله ذاته.


يصف بطرس العلاقة بين يسوع والله بكلمتي «الآب» و»الابن» كما فعل كُتّاب آخرون في العهد الجديد. مثال ذلك: «مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١بطرس ١: ٣؛ قارن ٢بطرس ١: ١٧). يوصف يسوع بأنه «الابن الحبيب» (٢بطرس ١: ١٧)، وأن بعضا من سلطان يسوع بصفته الرب، وموقعه السماوي، تأتي من تلك العلاقة الخاصة التي تربطه مع الله الآب.


اقرأ ٢بطرس ١: ١؛ يوحنا ١: ١؛ يوحنا ٢٠: ٢٨. ماذا تخبرنا هذه الآيات عن إلوهية المسيح؟


تقول الآية في ٢بطرس ١: ١، «إِلهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ». في الأصل اليوناني توجد أداة التعريف «الـ» متَّصلة بكلمتي «إله» و «المخلّص». وبذلك تكون هذه الآية من ضمن أكثر الآيات وضوحًا في الإشارة إلى ألوهية المسيح الكاملة.


بينما كان المسيحيون الأوائل يَجدّون لفهمهم ليسوع، أخذوا يجمعون الدلائل المدونة في العهد الجديد تدريجيا ويضمونها معًا. في كتابات بطرس، الآب، والابن، والروح القدس هم متميزون كل عن الآخر (مثال ذلك، الآب والابن: ١بطرس ١: ٣؛ ٢بطرس ١: ١٧؛- الروح القدس: ١بطرس ١: ١٢؛ ٢بطرس ١: ٢١)، كما هم متميزون بالفعل في سائر العهد الجديد. ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، يُصوَّر المسيح على أنه كامل الألوهية كما هو الحال مع الروح القدس. بمرور الزمن وبعد نقاشات ومداولات كثيرة، أنشأت الكنيسة مبدأ الثالوث لشرح سر اللاهوت قدر المستطاع، كواحد من الثماني والعشرين مبدأ من مبادئ الإيمان الأساسية. وهكذا فإننا نرى من خلال بطرس صورة واضحة للمسيح ليس فقط كمسيا بل على أنه الله ذاته.

لمزيد من الدرس: «يبدو منطقيا أن يبدأ «بالمسيا» حيث أن الكنيسة المسيحية تدين باسمها للفظ اليوناني المقابل «كريستوس»، «الممسوح». الكلمة العبرية تشير إلى شخص المخلص الذي انتظره اليهود ليكون وكيل الله لتدشين عصر جديد لشعب الله. الكلمتان العبرية واليونانية كلتاهما مأخوذتان من أصل «يمسح». من الواضح أن دعوة المسيح بهذا اللقب هو اعتبار كُتّاب العهد الجديد أن يسوع قد أُفرز خصيصا لمهمة معينة.


يظهر لقب «كريستوس» أكثر من ٥٠٠ مرة في العهد الجديد. على الرغم من وجود أكثر من مفهوم للقب «المسيا» بين المعاصرين ليسوع، إلا إنه من المعترف به عموما أن اليهود بحلول القرن الأول أصبحوا يتطلعون إلى المسيا على أنه شخص له علاقة متميزة مع الله، سوف يعلن نهاية العصر حين تتأسس مملكة الله. كان هو الشخص الذي من خلاله سيخترق الله التاريخ لخلاص الناس. قَبِل يسوع لقب المسيا ولكنه لم يحبذ استعماله لأنه كان يحمل إيماءات سياسية، مما جعل استخدام هذا اللقب صعبا. ومع إنه كان مترددا في الاستفادة الشخصية من هذا اللقب، إلا أنه لم يوبخ أيا من بطرس (متى ١٦: ١٧، ١٧) أو المرأة السامرية (يوحنا ٤: ٢٥، ٢٦) لاستخدامهما للقب. لقد عرف في ذاته أنه هو المسيا، كما جاء فيما قاله مرقس عن كلمات المسيح حول تقديم كأس ماء لأحد تلاميذه. «لأنكم تحملون اسم المسيح» (مرقس ٩: ٤١) (موسوعة تفسير الكتاب المقدس مجلد ١٢، ص ١٦٥).






الدرس التاسع


٢٠-٢٦ أيار (مايو)


كن كما أنت






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ١: ١-١٥؛ أفسس ٢: ٨؛ رومية ٥: ٣-٥؛ عبرانيين ١٠: ٣٨؛ رومية ٦: ١١؛ ١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧.


آية الحفظ: «وَلِهذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَاد قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً» (٢بطرس ١: ٥-٧).


إن أحد الأشياء المدهشة في العهد الجديد هو مقدار الحق المُدْرَج في مساحة محدودة جدا. خذ مثلا درس هذا الأسبوع الذي يتناول (٢بطرس ١: ١-١٤). في هذه الآيات الأربعة عشر، يعلّمنا بطرس عن البِرّ بالإيمان. بعد ذلك يتناول ما تستطيع قوة الله أن تفعله في حياة أولئك الذين قدَّموا أنفسهم ليسوع. ثم يتحدث عن ذلك الحق العجيب أنه يمكننا أن نصير شركاء في الطبيعة الإلهية (٢بطرس ١: ٤) وأننا نستطيع أن نتحرَّر من الفساد وشهوة العالم.


يقدم لنا بطرس قائمة من الفضائل المسيحية ويضعها في ترتيب محدد. الفضيلة تلو الأخرى إلى أن يصل إلى أهم تلك الفضائل.


يكتب بطرس أيضًا عن المعنى الحقيقي لأن نكون في المسيح وأن نكون «مُطهَّرين» (٢بطرس ١: ٩) مِن الخطايا السالفة، ثم يأتي بفكرة «الدُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ» (٢بطرس ١: ١١).


وأخيرا، فإننا نحصل على حوار حول الموضوع الحاسم والمصيري عن حالة الموتى. يا له مِن كم مِن الحق في عمقه وثرائه تحتويه هذه الآيات الأربعة عشر!


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ٢٧ أيار (مايو).




إيمانا ثمينا


اقرأ ٢بطرس ١: ١-٤. ماذا يقول بطرس عمَّا نلناه في يسوع المسيح؟ بمعنى، ما هي حقيقة النعمة التي نراها في هذه الآيات؟


يستهل بطرس هذه الرسالة بالقول إنها موجهة «إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا، بِبِرِّ إِلهِنَا وَالْمُخَلِّصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢بطرس ١: ١). أو كما ورد في ترجمة أخرى: «إيمانا متساويا مع الإيمان الذي لنا». كلمة «ثمينا» هنا تعني «بمثل ذات القيمة» أو «بقدر متساوٍ من الامتياز». يقول إنهم نالوا هذا الإيمان الثمين ليس لأنهم اكتسبوه أو أنهم استحقوه، إنما لأنهم قبلوه كهبة من الله. أو كما يكتب بولس: «لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ» (أفسس ٢: ٨). إنه ثمين لأنه «بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ (الله)» (عبرانيين ١١: ٦). إنه ثمين لأنه بواسطة هذا الإيمان نتمسك بوعود الله الكثيرة العجيبة.


يؤكد بطرس على أن قدرة يسوع الإلهية «قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى» (٢بطرس ١: ٣). إن مجرد وجودنا هو من خلال قدرة الله، ومن خلال قدرته فقط نستطيع أن نصل إلى القداسة. وهذه القدرة الإلهية أُعطيت لنا «بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ» (٢بطرس ١: ٣؛ انظر أيضا يوحنا ١٧: ٣).


لقد دُعينا أن نحب الله، ولكن كيف نحب إلها لا نعرفه؟ نتعرَّف على الله من خلال المسيح، من خلال الكلمة المكتوبة، من خلال العالم الذي خلقه، من خلال اختبار حياة نعيشها بالإيمان والطاعة له. نعرف الله وحقيقة الله حين نختبر ما يصنعه الله في حياتنا. معرفة تستطيع أن تُغيِّر حياتنا. نتعرَّف عليه من خلال حقيقة النعمة التي يغدقها علينا.


يتكلم بطرس عن شيء مدهش جدا: «قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ» التي بواسطتها نستطيع أن نصير «شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ» (٢بطرس ١: ٤). خُلقت البشرية أصلا على صورة الله؛ هذه الصورة تشوَّهت وانحطَّت بدرجة هائلة. حينما نولد ثانية، تكون لنا حياة جديدة في المسيح، الذي يعمل لاسترجاع صورته الإلهية فينا. ولكن علينا أن نهرب من فساد العالم وشهواته إذا أردنا أن ننال هذه الصورة.






المحبة، هدف الفضائل المسيحية


اقرأ ٢بطرس ١: ٥-٧؛ رومية ٥: ٣-٥؛ يعقوب ١: ٣، ٤؛ غلاطية ٥: ٢٢، ٢٣. ما هو المحور المتشابه الموجود في هذه الآيات؟


كان عموم الفلاسفة في العالم القديم يضعون قائمة للفضائل. كانوا كثيرا ما يطلقون على هذه القائمة اسم «بيان» أو «فهرس» الفضائل، وهناك عدة أمثلة في العهد الجديد (رومية ٥: ٣-٥؛ يعقوب ١: ٣، ٤؛ غلاطية ٥: ٢٢، ٢٣). ومن المحتمل جدا أن يكون قُرّاء بطرس على معرفة بمثل تلك القوائم، مع أنه توجد اختلافات مهمة بين ما قد تضمنته قوائم الفلاسفة وبين ما تحتويه قائمة بطرس. لاحظ أن بطرس قد رتب هذه الفضائل بترتيب مقصود، حيث أن كل فضيلة تُبنى على ما قبلها من فضائل، إلى أن تصل إلى ذروتها بالمحبة!


لكل فضيلة من هذه الفضائل مغزى خاص بها:


الإيمان: الإيمان هو الثقة في المسيح للخلاص (غلاطية ٣: ١١؛ عبرانيين ١٠: ٣٨).


الفضيلة: الفضيلة في الأصل اليوناني هي أي من الخصال الجيدة من أي نوع كانت، هذا ما كان ينادي به الفلاسفة، حتى الوثنيين منهم. نعم، الإيمان أساسي، لكنه يجب أن يقود إلى تغيير في الحياة، حياة تظهر في الفضيلة.


المعرفة: بالتأكيد لا يتكلم بطرس عن المعرفة في العموم. لكنه يتكلم عن المعرفة التي تأتي من علاقة الخلاص مع المسيح يسوع.


التعفف/التحكم في الذات: يستطيع المسيحي الناضج أن يتحكَّم في أحاسيسه، خاصة تلك الأحاسيس التي قد تقود إلى مضاعفات.


الصبر/الصمود أو الثبات: هو قوة التحمل الخاصة في مواجهة التجارب والاضطهاد.


التقوى: الكلمة التي تُرجمت هنا بـ «التقوى» كانت في العالم الوثني تعني السلوك الأخلاقي الذي يأتي نتيجة الإيمان بإله ما. أما في العهد الجديد فمفهوم السلوك الأخلاقي يأتي نتيجة الإيمان بالإله الواحد الحقيقي (١تيموثاوس ٢: ٢).


مودَّة أخوية: المسيحيون هم مثل عائلة، والتقوى تقود إلى مجتمع يكون فيه الناس لطفاء واحدهم نحو الآخر.


محبة: يصل بطرس بهذه القائمة إلى ذروتها بالمحبة. وكان يردد صدى ما قاله بولس أيضا: «أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ» (١كورنثوس ١٣: ١٣).






كن كما أنت


بعدما أعطانا القائمة التي يجب علينا أن نبذل كل جهد لكي نسعى إليها كمسيحيين، يعلن بطرس ما سينتج عن ذلك.


اقرأ ٢بطرس ١: ٨-١١. ما هي حلقة الوصل بين ما فعله المسيح لأجلنا وبين ما ينبغي أن تكون عليه حياة المسيحي؟


يحث بطرس قرّاءه لأن يحيوا حسب الواقع الجديد وهو حق لهم في المسيح. إن صفات الإيمان، الفضيلة، المعرفة، التعفف أو التحكم في الذات، الصبر أو الثبات، التقوى، المودة الأخوية، والمحبة هي «فِيكُمْ وَكَثُرَتْ» (٢بطرس ١: ٨).


المشكلة تكمن في أن ليس جميع المسيحيين يحيون حسب ذلك الواقع الجديد. البعض متكاسلون أو غير مثمرين في معرفة ربنا يسوع المسيح (٢بطرس ١: ٨). مثل هؤلاء الناس ينسون أنهم طُهِّروا من «خطاياهم السالفة» (٢بطرس ١: ٩). ولذلك، يقول بطرس، على المسيحيين أن يحيوا الواقع الجديد الذي هو حق لهم في يسوع المسيح. في المسيح نالوا المغفرة والتطهير والحق في الاشتراك في الطبيعة الإلهية. ولذلك يقول لهم: «اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ» (٢بطرس ١: ١٠). لا يوجد عذر لأن يعيشوا الحياة التي عاشوها من قبل، لا عذر لحياة «القفر» أو «عدم الثمار» للمسيحيين.


«نسمع الكثير عن الإيمان، ولكننا بحاجة لأن نسمع أكثر عن الأعمال. كثيرون يخدعون أنفسهم وهم يعيشون حياة روحية سهلة، هادئة، سوية لا تحمل صليبا» (روح النبوة – الإيمان والأعمال، صفحة ٥٠).


اقرأ رومية ٦: ١١. ماذا يقول بولس هنا مما يعكس ما كتبه بطرس في آية اليوم؟


بمعنى آخر، فإن كلاً من بطرس وبولس يقولان: «كن كما أنت». ونحن خليقة جديدة في المسيح، مُطهَّرين من الخطية وشركاء في الطبيعة الإلهية. لذلك نستطيع أن نحيا الحياة التي دُعِينا لأن نحياها. من المفترض أن نكون «مثل المسيح»، وهذا هو ما تعنيه كلمة «مسيحي».






خَلْع المسكن (الخيمة)


نعم، «ولكني أحسِبُهُ حقًا ما دُمتُ في هذا الَمسكَن أن أنهِضَكُم بالتَّذكِرة، عالمًا أنَّ خَلعَ مَسكَني قريبٌ، كما أعَلنَ لي ربُّنا يسوع المسيح أيضًا» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤).


كتب أوسكار كالمان سنة ١٩٥٦ دراسة قصيرة اسمها «خلود النفس أم قيامة الأموات؟: شهادة العهد الجديد»، مفترضا أن مفهوم القيامة لا يتناسق مع خلود النفس. بالإضافة إلى ذلك، قال إن العهد الجديد يميل كليا إلى مفهوم قيامة الأموات.


بعد ذلك قال: «ما مِن منشور كتبته غير هذا المنشور، أثار هذا القدر من الحماس وهذا العداء العنيف».


اقرأ ١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧. ما الذي يُلَمِّح إليه بولس على أنه يحدث عند الموت؟


أجريت دراسة عما يقوله العهد الجديد بخصوص الموت والقيامة أقنعت غالبية المتخصصين في دراسة العهد الجديد بصحَّة ما كتبه كولمان. إن العهد الجديد حقيقةً يتبنى مفهوم القيامة وليس مفهوم خلود الروح التي تبقى حية بعد موت الجسد. مثال ذلك في (١تسالونيكي ٤: ١٦-١٨) حيث يحث بولس أولئك الذين فقدوا أحباء لهم بالموت أن يتعزوا بمعرفة أنه عند عودة المسيح ثانية، سوف يقيم الموتى. في (١كورنثوس ١٥: ١٢-٥٧) يُقدِّم بولس وصفا موسعا عن القيامة. يبدأ بالإشارة إلى أن الإيمان المسيحي مؤسس على قيامة يسوع المسيح. إن لم يقم المسيح من الأموات، فإن أي إيمان به سوف يكون باطلا. ولكن المسيح قد قام حقاً من الأموات كباكورة الذين رقدوا، هكذا يقول بولس. وإن قيامة يسوع من الأموات تجعل من الإمكان أن يقوم مِن الأموات كل الذين هم في المسيح أيضًا.


يتحدث بولس عن قيامة الجسد في (١كورنثوس ١٥: ٣٥-٥٠). يقارن بين الأجساد الجديدة التي سوف نحصل عليها عند القيامة مع أجسادنا في الوقت الحاضر. أجسادنا التي نملكها الآن سوف تموت؛ أما الأجساد التي ستكون لنا عند القيامة فلن تموت أبدًا.


خلاصة القول، عندما يتحدَّث العهد الجديد عن الموت، فهو يفعل ذلك من ناحية القيامة، وليس خلود النفس. من المهم إدراك ذلك كخلفية لقراءة (٢بطرس ١: ١٢-١٤).




الإيمان في مواجهة الموت


اقرأ ٢بطرس ١: ١٢-١٥. ماذا يعني بطرس بقوله إنه سوف يخلع مسكنه/جسده قريبًا؟


تكشف الآيات الواردة في (٢بطرس ١: ١٢-١٤) ظروف كتابة هذه الرسالة. يعتقد بطرس أنه على وشك الموت، ورسالته تحتوي على شهادته الأخيرة.


كشف بطرس عن توقُّعه لموته قريبًا عندما قال» «مَا دُمْتُ فِي هذَا الْمَسْكَنِ... عَالِمًا أَنَّ خَلْعَ مَسْكَنِي قَرِيبٌ» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤). يُشبِّه بطرس الجسد بالمسكن أو الخيمة التي سوف يخلعها عند موته. من الواضح أن بطرس كان يقصد جسده عندما أشار إلى خلع مسكنه حتى أن الترجمة الحديثة تميل إلى استعمال عبارات مثل «ما دمت في هذا الجسد... لأنني أعرف أن موتي سوف يأتي قريبا» (٢بطرس ١: ١٣، ١٤). لا يوجد شيء في رسالة بطرس يوحي أنه عندما قال «خلع» مسكنه أو جسده، أن نفسه سوف تبقى حيَّة ككيان منفصل.


اقرأ ٢بطرس ١: ١٢-١٥ مرة أخرى. كيف يتعامل بطرس مع واقع حقيقة موته الوشيك، وماذا يعلمنا موقفه هذا عن الإيمان؟


الآيات في (٢بطرس ١: ١٢-١٥) تضيف هيبة ووقارًا لكلمات بطرس. فهو يكتب مع علمه أن حياته سوف تصل إلى نهايتها قريبا. يعلَم ذلك لأنه قال «كَمَا أَعْلَنَ لِي رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ». مع ذلك لم ينتابه خوف ولا قلق ولا انزعاج. بدلا من ذلك كان تركيزه سلامة وخير مَن سيتركهم وراءه. يريدهم أن يثبتوا في «الحق الحاضر»، وما دام هو على قيد الحياة فسوف يداوم على إرشادهم ليكونوا أمناء.


نستطيع أن نشاهد هنا حقيقة وعمق اختبار بطرس مع الرب. نعم، سوف يموت قريبا، ولن تكون ميتة سعيدة (انظر يوحنا ٢١: ١٨؛ روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٤٦٧، ٤٦٨)، ولكن اهتمامه غير الأناني كان مُنصبَّاً على فائدة وصالح الآخرين. حقا، كان بطرس رجلا يحيا حياة الإيمان الذي كان يعلِّمه وينادي به.






لمزيد من الدرس: كما رأينا، كان بطرس على عِلْم بأنه سوف يموت قريبا. وعَلِمَ أيضًا (ولفترة طويلة) كيف كان سيموت، ذلك لأن يسوع نفسه كان قد أخبره، «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ» (يوحنا ٢١: ١٨).


كيف كانت نهايته؟


«إن بطرس إذ كان يهوديا وغريبا، حُكم عليه بالجلد والصلب. وفي انتظار هذه الميتة المخيفة تذكر الرسول خطيئته العظيمة في إنكاره ليسوع ساعة محاكمته. كان قبلا غير مستعد للاعتراف بالصليب، أما الآن فها هو يحسبه فرحًا أن يبذل حياته لأجل الإنجيل، وهو يشعر بأن كونه، هو الذي أنكر سيده، يموت بالطريقة نفسها التي بها مات معلمه وربه هو شرف أعظم بكثير مما يستحق. كان بطرس قد تاب عن تلك الخطية توبة صادقة، وكان المسيح قد غفر له كما يظهر ذلك من المأمورية السامية التي أسندها له بأن يرعى خراف الرعية وحملانها. ولكن بطرس لم يستطع أن يغفر لنفسه أبدًا. وحتى تفكيره في آلام المشهد الأخير الرهيب لم يستطع أن يخفف من مرارة حزنه وتوبته. وقد طلب من جَلّاديه أن يسدوا إليه معروفًا أخيرًا بأن يصلبوه منكس الرأس. وقد أُجيب إلى طلبه. وفي هذا الوضع مات بطرس الرسول العظيم» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٤٦٨). ومع هذا، ومع مستقبل كهذا ماثلا أمامه، كان اهتمام بطرس منصبّا على صالح وخير الرعية الروحي.






الدرس العاشر


٠٢٧ أيار (مايو) – ٢ حزيران (يونيو)


النبوة والإنجيل






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: إشعياء ٥٣: ١-١٢؛ دانيال ٧: ١٣، ١٤؛ ٢بطرس ١: ١٦-٢٠؛ متى ١٧؛ ١-٦؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٥-١٧.


آية الحفظ: «وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩).


بينما نحن نواصل دراسة رسالتي بطرس، هناك نقطة واحدة تبرز جليا: مدى ثقة بطرس ويقينه فيما كان يكتبه. نستطيع أن نرى ذلك أيضا في كتابات الرسول بولس. كان لدى الإثنين قناعة ثابتة وواضحة فيما كانا يبشران به عن يسوع المسيح والصليب.


خلال آيات هذا الأسبوع، سوف نرى المزيد من هذا اليقين لدى بطرس. ويخبرنا هو نفسه عن سبب اليقين الذي عنده فيقول: نحن «لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦) – كتلك التي أتت بها الديانات الوثنية في ذلك الزمان. بدلاً من ذلك، كان بطرس موقِنا بما آمن به وذلك بسبب الآتي:


أولا، لأنه كان شاهد عيان «لرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢بطرس ١: ١٨). وثانيا، وربما هو السبب الأهم، لأنَّ هناك «الْكَلِمَة النَّبَوِيَّة، وَهِيَ أَثْبَتُ» (٢بطرس ١: ١٩). يعود بطرس مرة أخرى إلى الكتاب المقدس مشيرا إلى الأسفار التي تثبت وتؤكد المسيح، خاصة تلك المقاطع من النبوة التي تتحدث عن المسيح. ولا شك أن بعض هذه المقاطع هي ذاتها التي أشار إليها المسيح والتي تخصه شخصيًا (متى ٢٦: ٥٤؛ لوقا ٢٤: ٢٧). وهكذا فإن كان كلا من المسيح وبطرس أخذا الكتاب المقدس بهذه الجدية، فكيف نجرؤ نحن لأن نفعل خلاف ذلك؟


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ٣ حزيران (يونيو).




يسوع في العهد القديم


كان بطرس يكتب رسائله بشعور من الثقة واليقين. فقد كان يعلم عَمَّا كان يتكلم لأنه كان يعلَم عَمَّن كان يتكلم. أحد أسباب ذلك أنه يعلَم أن يسوع هو ذاك الذي أشار إليه أنبياء العهد القديم. كانت ثقة بطرس في «الكلمة المكتوبة» هي التي ساعدته ليعرف «الكلمة الذي صار جسدا» (يوحنا ١: ١٤).


يوجه بطرس الرسول قارئيه في (١بطرس ١: ١٠-١٢) إلى التوراة، إلى أنبياء العهد القديم، وما علَّموا به عن يسوع. وبحسب بطرس، فإن الروح القدس كشف في العهد القديم حقيقتين أساسيتين عن المسيح: «الآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ»، «وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا» (١بطرس ١: ١١). تلك الحقيقتان تتخللان التوراة بأكملها.


ماذا تعلمنا الآيات التالية مجتمعة عن نبوات العهد القديم عن يسوع؟ مزمور ٢٢؛ إشعياء ٥٣: ١-١٢؛ زكريا ١٢: ١٠؛ ١٣: ٧؛ إرميا ٣٣: ١٤، ١٥؛ دانيال ٧: ١٣، ١٤.


يؤكد بطرس لقرائه في (١بطرس ١: ١٠-١٢) أن لهم مكانا خاصا جدا في تاريخ الفداء. وقد كُشف لهم الكثير جدا عما كان قد كُشف لأنبياء العهد القديم. بالحقيقة تكلم أنبياء العهد القديم ما هو لزمانهم، ولكن أجزاء أساسية من رسائلهم لم تكن لتتم حتى مجيء المسيح.


بعض ما تنبأ به الأنبياء تحقق فقط في الزمن الذي كان قرّاء بطرس يعيشون فيه. وكان هؤلاء القرّاء يستمعون من «الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ» عن الحقائق التي «تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا» (١بطرس ١: ١٢). وبما أن هؤلاء قد وصلتهم البشارة، فقد كانوا على عِلم بتفاصيل أكثر بكثير مما كان يعرفه أنبياء العهد القديم عن طبيعة وواقع الآلام والإهانات التي اختبرها الفادي. بالطبع كان عليهم أن ينتظروا، كما نحن أيضا، ليروا «الأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا» (١بطرس ١: ١١). مع تتمة الجزء الأول من النبوات، فإننا على يقين أن الجزء الثاني سوف يتحقق أيضا.






معاينين عظمته


اقرأ ٢بطرس ١: ١٦-١٨. أية دلائل أخرى يقول عنها بطرس أنها سبب إيمانه بيسوع؟


إلى جانب الكلمة النبوية، كان بطرس شاهد عيان لأشياء كثيرة بَشَّر بها. قال إن المسيحية لم تتأسس على «خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦)، بل على شواهد حقيقية وأحداث تاريخية – أحداث كان هو بنفسه مُعاينا لها.


نرى في الأناجيل بطرس وقد عايش كثيرًا من الأحداث المحورية في حياة وخدمة المسيح. كان موجودا عند الكرازة، وعند التعليم، وعند صنع المعجزات. من بدايات المعجزات الأولى في معجزة الأسماك (لوقا ٥: ٤-٦) حتى رؤية يسوع في الجليل بعد قيامته (يوحنا ٢١: ١٥)، كان بطرس شاهد عيان في كثير مما حدث.


في ٢بطرس ١: ١٧، ١٨، أي حدث ركَّز عليه بطرس بخصوص ما قد رآه هو شخصيا؟ ما هو المغزى الخاص لهذا الحدث؟


يُركِّز بطرس على حدث معين كان هو مُعاينًا له: تجلّي المسيح. كان يسوع قد أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا معه إلى الجبل لكي يصلوا (لوقا ٩: ٢٨). وبينما كان هناك، «تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ» (متى ١٧: ٢؛ لوقا ٩: ٢٩). انضمّ إليه موسى وإيليا، وسُمع صوت من السماء قائلا: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى ١٧: ٥).


رأى بطرس الكثير أثناء حياته مع المسيح، ومع ذلك فإن حدث التجلي يبرز ويمتاز عن غيره. فهو يكشف أن المسيح هو ابن الله، وأن حياته على الأرض قد انقضت حسب خطة الله، وإن علاقته مع الآب كانت علاقة خاصة جدا. مع كل ما شاهده بطرس وكل ما كان سيشاهده، كان هذا الحدث الذي تضمَّن «هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ» (٢بطرس ١: ١٨) هو الحدث الذي ركَّز عليه في هذه الرسالة.






كوكب الصبح في قلوبنا


«عِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩). اقرأ هذه الآية بتعمق. ماذا يقول بطرس أنه مهم لنا جدا حتى في أيامنا هذه؟


نجد هنا مفارقة بين النور والظلام كما نجدها في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس (تكوين ١: ٤؛ يوحنا ١: ٥؛ إشعياء ٥: ٢٠؛ أفسس ٥: ٨). بالنسبة لبطرس فإن كلمة الله أضاءت «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ». ولهذا أوضح أننا في حاجة لأن ننتبه إلى هذا النور «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِنا». نحن بشر ساقطون، نعيش في عالم ساقط ومظلم. إننا نحتاج إلى قوة الله التي هي فوق الطبيعة لتقودنا خارج هذا الظلام وتصل بنا إلى النور، وهذا النور هو يسوع.


يوجه بطرس قرّاءه إلى هدف. يعتقد البعض أن التعبير «إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ» يشير إلى المجيء الثاني للمسيح. ومع أن ذلك هو بالتأكيد رجاؤنا الأسمى، فإن فكرة «كَوْكَبُ الصُّبْحِ» الذي يشرق في قلوبنا يبدو بأنه يشير إلى وقت أكثر قربا وأكثر صلة بالإنسان. إنَّ «كَوْكَبُ الصُّبْحِ» يشير إلى المسيح (رؤيا ٢: ٢٨؛ ٢٢: ١٦). وشروقه في قلوبنا يبدو كأنه يشير إلى معرفة المسيح، والتمسُّك به بالكامل واختبار حقيقة يسوع الحي في حياتنا الشخصية. لا يجب أن يكون المسيح مجرد عقيدة ومبدأ، بل يجب أن يكون مركز وأساس وجودنا ومصدر رجائنا وإيماننا. وهكذا فإن بطرس يؤسس صلة واضحة بين دراسة كلمة الله وعلاقة خلاص مع يسوع «كَوْكَبُ الصُّبْحِ».


ومن الطبيعي، ومع النور المشع فينا، فإننا سننشره للآخرين. «لتشع الأرض كلها بنور مجد حق الله. ولينتشر نوره إلى كل الأمم والشعوب، وينبغي أن ينبثق ذلك النور من أولئك الذين نالوه. لقد طلع علينا كوكب الصبح وعلينا أن ننشر نوره في طريق من هم في الظلمة» (الاختبار المسيحي وتعاليم إلن هوايت، صفحة ٢٢٠).






الكلمة النبوية وهي أثبت


اقرأ ٢بطرس ١: ١٩-٢١. إلى أية نبوات يشير بطرس في هذه الآيات؟ ماذا يعني قوله «أنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ»؟


في تشديده على أن المسيحية ليست مؤسسة على «خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً» (٢بطرس ١: ١٦)، يُقدِّم بطرس دليلين: أولا، المعاينة أو شهود العيان (٢بطرس ١: ١٦-١٨)؛ ثانيا، نبوات الكتاب المقدس (٢بطرس ١: ١٩-٢١)، وهذه حجة استعملها قبلا (١بطرس ١: ١٠-١٢).


يقترح بطرس «أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ» (٢بطرس ١: ٢٠). إلا أن بطرس بقوله هذا لا يمنعنا من دراسة الكتاب المقدس لأنفسنا. فهذا أبعد ما يكون عن فكر الذي قال في (١بطرس ١: ١٣): «لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ» أو كما في تفسير آخر: «جهِّزوا عقولكم للعمل». كذلك لن يكون ذلك مطابقا لمن أثنى على أنبياء العهد القديم الذين جَدّوا في البحث عن تفسير النبوات التي أعطاها لهم الله (١بطرس ١: ١٠).


إذًا، ماذا كان قصد بطرس؟ إنَّ الكنيسة في العهد الجديد نمت وتقدَّمت وتدارست معا. كان المسيحيون جزءًا من جسد أوسع نطاقًا (١كورنثوس ١٢: ١٢-١٤). وكان بطرس هنا يُحذِّر من نوع الدراسة التي يرفض فيها فرد واحد نورًا أو رؤية تأتي من جماعة المؤمنين. في تفاعلنا مع الآخرين، نستطيع أن ننمو سوية كمجتمع. والروح القدس يعمل في المجتمعات أو المجموعات كما يعمل مع الأفراد الموجودين بها. يمكن للرؤى أو التفاسير أن يتم مشاركتها، تنقيحها، وتعميقها. أما الذي يعمل بمفرده، ويرفض أي مشاركة أو مساهمة من الآخرين، فإنه قد يصل إلى تفسير خاطئ، خاصة في مواضيع مثل النبوة.


في الآيات التالية نجد سببا وجيها لأن يُبدي بطرس هذه الملاحظة. فهو يكتب لمسيحيين كان يوجد بينهم أنبياء ومعلمين كذبة (٢بطرس ٢: ١). فهو يحثهم أن يقدّموا تفسيراتهم للإنجيل إلى قادة الكنيسة مجتمعة. كم من أناس انحرفوا إلى التّعصُّب والتزمُّت لأنهم رفضوا أن يصغوا إلى إرشاد جماعة المؤمنين التي يقودها الروح القدس؟ كان هذا الخطر ماثلا آنذاك، ولا يزال ماثلا اليوم.






الكلمة في حياتنا


كما رأينا، كان تركيز بطرس على الكتاب المقدس كبيرًا جدًا. إن (٢بطرس ١: ١٩-٢١) هي تثبيت وتأكيد قويان لأهمية الكتاب المقدس بالنسبة لاختبار حياتنا المسيحية وللوحي الإلهي للإنجيل. إن نقطة بطرس واضحة في (٢بطرس ١: ٢١). فالكتاب المقدس ليس نتاج إرادة بشرية، أو ابتكار بشري مثل الكتب الأخرى. إنه كتاب أتى مِن خلال قوَّة الروح القدس وبواسطة أناس الله القديسين مسوقين من الروح القدس.


اقرأ ٢تيموثاوس ٣: ١٥-١٧. كيف تساعدنا هذه الآيات على فهم دور الكتاب المقدس في حياتنا؟ وكيف تؤكد الحقائق الواردة في ٢بطرس ١: ١٩-٢١؟


بعد تحذيره لتيموثاوس عن الأخطار التي تُجابهه وتُجابه الكنيسة، يُقدِّم بولس ملخَّصا مقتضبا عن أهمية الإنجيل. «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦).


دعونا نتفحَّص تلك النقاط الثلاث.


العقيدة: العقيدة هي التعاليم التي تتبنّاها الكنيسة. فهي تُعبِّر عن معتقدات الكنيسة بخصوص مختلف المواضيع الكتابية التي تُعتبر ذات أهمية في كلمة الله. من الناحية المثالية، يجب أن يكون كل مُعتَقد محوره المسيح، وكل مُعتَقَد يجب أن يُعلِّمنا شيئا يساعدنا لنعرف كيف نعيش حياة تتفق مع «إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ» (رومية ١٢: ٢).


الإرشاد: يقول بولس لتيموثاوس أن: «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦). ويأتي بطرس بنقطة مُشابهة حين يقول: «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ» (٢بطرس ١: ١٩). بمعنى آخر، إن الكتاب المقدس يُقدِّم إرشادا حول كيف يجب أن نحيا حياتنا، وما هو السلوك الصائب والسلوك الخاطئ. وبما أنه موحى به من الروح القدس، فهو يُمثِّل إعلانا لإرادة الله.


«الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ»: عندما يقول إن الكتاب «يُحكِّمنا» أو يجعلنا «حكماء»، يعني بولس هنا أن الإنجيل يرشدنا إلى المسيح. فالخلاص أساسه الإيمان بأن المسيح قد مات من أجل خطايانا.


العقيدة، الإرشاد الروحي، ومعرفة الخلاص: لا عجب أن كلمة الله هي «كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بطرس ١: ١٩).




لمزيد من الدرس: «إنَّ أوَّل واجب وأعظمه على كل كائن عاقل هو أن يتعلَّم من الكتاب ما هو الحق، ثم يسير في النور ويُشجِّع الآخرين على التَّمثُّل به. علينا أن ندرس الكتاب باجتهاد يومًا بعد يوم، فنزن كل فكر، ونقارن بين آية وأخرى. وبمساعدة الله، نكوِّن آراءنا لأنفسنا إذ أن علينا أن نجيب عن أنفسنا أمام الله.


إنَّ الحقائق المُعلنة جليًا في الكتاب قد أحاطها العلماء بالشكوك والظلمات، فلكونهم يدَّعون ادعاءات عظيمة بأنهم علماء وحكماء فهم يُعلِّمون الناس بأنَّ للكتاب معنى غامضا خفيًّا وروحيًا لا يظهر في لغته الحالية. هؤلاء القوم مُعلِّمون كذبة. فلمثل تلك الفئة مِن الناس قال يسوع: «لا تعرفون الكتب ولا قوة الله» (مرقس ١٢: ٢٤). إنَّ لغة الكتاب ينبغي شرحها طبقًا لمعناها الواضح – ما لم يكن هنالك رمز أو استعارة. لقد أعطى المسيح هذا الوعد: «إن شاء أحد أن يعمل مشيئته، يعرف التعليم» (يوحنا ٧: ١٧). فلو أخذ الناس الكتاب كما يُقرأ ولم يكن هنالك مُعلِّمون كذبة يُضلِّلون عقولهم ويُربِكونها، لأمكن إنجاز عمل يُفرح قلوب الملائكة ويضم إلى حظيرة المسيح آلافًا فوق آلاف ممن يهيمون الآن في تيه الضلال» (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٦٤٨-٦٤٩).




الدرس الحادي عشر


٣-٩ حزيران (يونيو)


مُعلّمون كذبة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ٢: ١-٢٢؛ يوحنا ٨: ٣٤-٣٦؛ متى ١٢: ٤٣-٤٥؛ يهوذا ٤-١٩؛ تكوين ١٨: ١٦-٣٣.


آية الحفظ: «وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ. لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا!» (٢بطرس ٢ :١٩).


في رسالته الأولى، سعى بطرس باهتمام رعوي كبير لأن يُشجِّع قراءه بخصوص أخطار الاضطهاد. ومع إننا لا نعرف يقينا شكل الاضطهاد الذي كان يتناوله في رسالته، إلا إننا نعرف أن الكنيسة كانت ستُواجه تجارب هائلة إذ أن الإمبراطورية الرومانية الوثنية سعت لأن تمحو الحركة المتنامية لأناسٍ يُدعَونَ «مسيحيين».


لكن الشيطان أطلق هجوما ذات شِقّين. بالتأكيد كان الاضطهاد من الخارج – باستخدام القوة الغاشمة والعنف – وسيلة قوية. ولكن الكنيسة واجهت أيضا تهديدا آخر قد يكون أكثر خطرا من الاضطهاد الخارجي. وكان هذا التهديد من الداخل. فكما كان على الأمّة اليهودية في السابق أن تتعامل مع الأنبياء الكذبة، كان على أتباع المسيح في زمن بطرس أن يتعاملوا مع المُعلّمين الكذبة الذين «يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ» (٢ بطرس ٢: ١) إلى داخل الكنيسة نفسها. والأسوأ من ذلك، حذر بطرس قائلاً: «سَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ» (٢بطرس ٢: ٢).


ما هي بعض تلك التعاليم التي حذر بطرس منها؟ كيف واجهها بطرس، وأية دروس يمكننا أن نستخلصها من تحذيراته لأجل أنفسنا اليوم، إذ نحن أيضا نواجه تحديات من داخل الكنيسة اليوم؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعدادا لمناقشته يوم السبت القادم ١٠ حزيران (يونيو).




أنبياء ومُعلِّمون كذبة


من السهل أحيانا أن ننظر إلى الكنيسة الأولى على أنها الكنيسة المثالية، وأن نعتقد أن زمانها كان زمن سلام وانسجام بين المؤمنين بالمسيح.


إن ذلك اعتقاد خاطئ. فحتى في أيام المسيح، كانت الكنيسة تواجه صراعات، وغالبا ما كانت تلك الصراعات من الداخل (تذكَّر يهوذا). كانت المشكلات تأتي، حسب ما تظهره رسائل العهد الجديد، من التعاليم الخاطئة في وسطهم. فالكنيسة الأولى كانت تُعاني ليس من الاضطهاد الخارجي فحسب لكن من المشاكل في الداخل أيضا. في هذه الرسالة، يتناول بطرس بعض تلك التحديات الداخلية. ما هي تلك التحديات؟ «وَلكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ. الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. وَهُمْ فِي الطَّمَعِ يَتَّجِرُونَ بِكُمْ بِأَقْوَال مُصَنَّعَةٍ، الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ مُنْذُ الْقَدِيمِ لاَ تَتَوَانَى، وَهَلاَكُهُمْ لاَ يَنْعَسُ» (٢بطرس ٢: ١-٣). لا يبدو ذلك زمن سلام عظيم وانسجام داخلي بين الإخوة والأخوات، أليس كذلك؟


اقرأ ٢بطرس ٢: ١-٣؛ ١٠-٢٢. عَمَّا يحذر بطرس هنا؟ ما هي بعض الأكاذيب التي كان يتم ترويجها في الكنيسة؟


توضح الآية الواردة في (٢بطرس ٢ :١) السبب الذي من أجله أوحى الله لبطرس أن يكتب هذه الرسالة. فقد كان يحذرهم من أنه كما كان في الماضي أنبياء كذبه، فإنه سوف يكون هناك مُعلِّمون كذبة في المستقبل. يسرد بطرس قائمة من الاتهامات ضد هؤلاء المعلمين الكذبة، بدءًا من «بِدَعَ هَلاَكٍ» (٢بطرس ٢: ١) حتى يصل إلى «وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ» (٢بطرس ٢: ١٩) وأخطاء أخرى كثيرة أيضا. ومن كتابات بطرس، نرى أن تلك التعاليم كانت خطيرة جدًا، وذلك يُفسِّر ردَّة فعله القوية تجاههم.






حرية في المسيح؟


«لأَنَّهُمْ إِذْ يَنْطِقُونَ بِعَظَائِمِ الْبُطْلِ، يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ فِي الدَّعَارَةِ، مَنْ هَرَبَ قَلِيلاً مِنَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الضَّلاَلِ» (٢بطرس ٢: ١٨). مما يحذر بطرس في هذه الآية؟ ماذا يقول في (٢بطرس ٢: ١٩) مما يوضح سبب انزعاجه؟ ما أهمية كلمة «الحرية» في الآية ١٩؟


بأقوى لهجة ممكنة، كان بطرس يحذر قراءه من خطر المعلمين الكذبة. حذر من أن هؤلاء المعلمين الكذبة يَعِدون الناس بالحرية، بينما يقودونهم إلى العبودية، كما ورد في (٢بطرس ٢: ١٨-٢١).


يا له من تحريف للإنجيل! فالحرية في المسيح يجب أن تعني الحرية من عبودية الخطية (رومية ٦: ٤-٦). فأي مفهوم «للحرية في المسيح» من شأنه أن يترك الإنسان في عبودية الخطية، هو الخطأ الذي يحذر منه بطرس. ومع أن المتخصصين في دراسة الإنجيل تجادلوا حول تحديد نوع التجديف الذي يتناوله بطرس هنا، إلا إنه من الواضح أنه مرتبط بمسألة الخطية ككل وكون الإنسان عبدا لها.


اقرأ يوحنا ٨: ٣٤-٣٦. كيف تساعدنا كلمات يسوع هنا على فهم ما يقوله بطرس؟


أيًا كان ما قدَّمه المعلمون الكذبة، فقد كانوا يقودون ضحاياهم – أي أولئك الذين آمنو بالمسيح حديثا – لِيُعيدُوهم إلى طرق حياتهم القديمة الخاطئة. من السهل أن نتخيَّل ثمة نوع من الإنجيل الذي تظهر فيه النعمة رخيصة، إذ تقلل من أهمية الحاجة إلى الطهارة والقداسة، الأمر الذي دفعهم لأن يكونوا محاصرين مرة أخرى في ذات «الفساد» (٢بطرس ٢: ١٩) الذي هربوا منه. فلا عجب أن يتكلَّم بطرس بِحِدَّة وقسوة ضد هؤلاء المعلِّمين ليُحذِّر السامعين مِن خطورة النتائج في حال اتِّباع تعاليمهم الباطلة.






كلب يعود إلى قيئه


اقرأ ٢بطرس ٢: ١٧-٢٢؛ متى ١٢: ٤٣-٤٥. ما هي مخاطر عودة المسيحي المتجدد إلى نظام حياته/حياتها القديمة قبل التجديد؟


كان اهتمام بطرس مُنصَّبًا خاصة على مصير أولئك الذين تم إغراؤهم من قِبَل المعلمين الكذبة للعودة إلى حياة الخطية السابقة (٢بطرس ٢: ١٨). المعلمون الكذبة يَعِدُون بالحرية، ولكن كما يشير بطرس، فالحرية التي يعدون بها تختلف اختلافا جذريا عن نوع الحرية التي يعد بها يسوع للذين يتبعونه.


انظر إلى ذلك الإنذار القوي الذي يقدمه بطرس: «لأَنَّهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْبِرِّ» (٢بطرس ٢: ٢١) «مِنْ أَنَّهُمْ بَعْدَمَا عَرَفُوا، يَرْتَدُّونَ» إلى حياتهم السابقة.


بالطبع لا يعني ذلك أن حالتهم ميؤوس منها. كلنا يعرف قصصا عن الذين حادوا عن طريق الرب ثم عادوا في وقت لاحق. ونعلم أيضا أن الرب يُسْعَد بقبولهم وعودتهم (انظر لوقا ١٥: ١١-٣٢). إنه يعني فقط أن الابتعاد عن الرب هو طريق خطر جدا، وليس طريقًا مُسِرَّا يسلكه الإنسان. «كلب يعود إلى قيئه» هو تعبير قاس وفظ في وصفه، ولكن بطرس يبدي رأيه بهذا التشبيه.


قد يكون صدى كلمات يسوع في (٢بطرس ٢: ٢٠) مقصوداً هنا، (انظر متى ١٢: ٤٥؛ لوقا ١١: ٢٦). يخبر يسوع مثلا عن رجل كان قد تحرر من روح نجس. يتجول الروح النجس في مكان ليس له، ثم يعود ليرى «بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ، فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغًا مَكْنُوسًا مُزَيَّنًا» (متى ١٢: ٤٤). عند ذلك يعود، ولكنه يُحضِر معه عددًا من الأرواح الشريرة أكثر شرًّا منه. وكما قال يسوع: «أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِه» (متى ١٢: ٤٥). إنَّ الخطر الذي يوضِّحه يسوع ويصفه بطرس هو خطر حقيقي. فالإنسان المؤمن حديثا عليه أن يتأكد من أن الأمور الروحية – الناتجة من عمل الروح في حياته – يجب أن تحل محل الأشياء التي كانت تُسيطر على حياته في الماضي. فإذا لم تَحِل نشاطات الكنيسة ومُشاركته الآخرين بإيمانه الجديد محل أو مكان نشاطاته الدنيوية السابقة، فسيكون من السهل جدا أن ينحرف عائداً إلى طرقه القديمة.






بطرس ويهوذا


لاحظ كثير من الناس أن (يهوذا ٤-١٩) يُكرِّر إلى حد كبير ما ورد في رسالة بطرس الثانية ٢: ١-٣: ٧. عندما يعيد الكتاب المقدس ذكر رسالة ما، علينا أن نعي أنَّ الله يريد أن يبلغنا شيئا مهما. في هذين المقطعين المتشابهين، يُسهِب بطرس ويهوذا القول لنا عن حقيقة هامة: الله يتحكَّم في مصير الأشرار. وكلاهما لا يَدَعَان لنا أي مجال للشك في أن الله يراقب الشر عن كثب. سواء كان الأشرار من البشر أو من الملائكة الساقطين، فالله يحفظ إثمهم إلى يوم الدينونة وسيُعاقبهم (٢بطرس ٢: ٩، ١٧؛ يهوذا ٦).


اقرأ ٢بطرس ٢: ١-٣: ٧. أية أمثلة يُعطيها بطرس ويهوذا عن انتقام الله في الماضي القديم يؤكد حقيقة أن الله يعني ما يقول في تعامله مع الخطية؟


يسجل بطرس ويهوذا ثلاثة أمثلة عن انتقام الله في الماضي. تشمل هذه الأمثلة: هلاك عالم ما قبل الطوفان، وحرق مدينتي سدوم وعمورة، وتقييد ملائكة بسلاسل لهلاكهم (٢بطرس ٢: ٤-٦؛ ٣: ٧؛ يهوذا ٦، ٧). كل هذه المشاهد تمتزج وتتداخل مع نسيج مشهد النهاية الآتية. مع إن الكتاب المقدس يتحدَّث كثيرا عن رحمة الله ونعمته، إلا أن عدالة الله أيضا تلعب دورا هاما في هلاك الخطية النهائي.


ما هي الخطايا التي أنشأت أو كانت سببا في هذه العقوبات القاسية؟ شملت هذه الخطايا دسَّ بدع الهلاك، الاستهانة بالسيادة، الاستعباد لكل من أو ما سادَ عليهم، تحريف نعمة الله لتُصبِح فُرصة لإشباع شهوات الجسد، إنكار سيادة وسلطة يسوع المسيح، تلويث وتنجيس الجسد، الكلام الباطل، الافتراء على ذوي الأمجاد، والنطق بعظائم البطل (٢بطرس ٢: ١، ١٠، ١٩؛ يهوذا ٤؛ يهوذا ٨؛ ٢بطرس ٢: ١٨؛ يهوذا ١٠).


مما يثير الاهتمام أن هذه الأوصاف لا تشمل أعمال العنف أو الأعمال الوحشية الشريرة الأخرى التي تثير غضبنا. بدلا من ذلك، فإنها تصف خطايا خادعة وناعمة ولها قواسم مُشتركة. منها خطايا يمكن أن يتم تبريرها أو التغاضي عنها في بعض الأحيان من داخل المجتمع الكنسي ذاته. يجب أن تنبِّهنا هذه الحقيقة إلى حاجتنا العظمى للتوبة الصادقة والإصلاح في الكنيسة.






المزيد من الدروس في العهد القديم


اقرأ ٢بطرس ٢: ٦-١٦. أية أمثلة أخرى يستخدمها بطرس ليعطي تحذيره لما سوف يؤدي إليه الشر؟


أول إشارة موضوعية عن سدوم في الكتاب المقدس وردت في (تكوين ١٣: ١٢، ١٣). قرر لوط وإبراهيم أن يفترقا لأسباب ماليّة. اختار لوط لنفسه وادي الأردن «وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ» (تكوين ١٣: ١٢). ويُعلِّق الكتاب المقدس قائلا: «وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا» (تكوين ١٣: ١٣). وعندما حذر الله إبراهيم لاحقا بأنه في صدَّد إهلاك سدوم، تفاوض إبراهيم مع الله ليصل إلى اتفاق أن الله لن يُهْلِكها إذا وَجَدَ فيها عشرة أشخاص أبرار (تكوين ١٨: ١٦-٣٣). إن عدم احتمال وجود حتى عشرة أشخاص أبرار في سدوم قد تجلَّى بوضوح من خلال ما حدث بالمُرسَلين اللذين أرسِلا لزيارة لوط. لقد دُمِّرت المدينة بالكامل، وهرب لوط وابنتاه فقط (تكوين ١٩: ١٢-٢٥).


يستنتج بطرس درسين من هذه القصة. أولًا، تُقدِّم هاتان المدينتان مثالا للعقاب الآتي على الأشرار (٢بطرس ٢: ٦). ثانيًا، تظهر أن الرب يعلم كيف يُنقِذ الأبرار من التجربة (٢بطرس ٢: ٧-٩). يلاحظ بطرس بعد ذلك صفات الذين هلكوا في سدوم وعمورة: غمروا أجسادهم في شهوات النجاسة، استهانوا بالسيادة، جسورون، معجبون بأنفسهم، لا يرتعبون أن يفتروا على الملائكة (٢بطرس ٢: ١٠، ١١). هذه الصفات تتشابه مع وصف بطرس للمعلمين الكذبة ومن يتبعونهم.


قصة بلعام وردت في سفر (العدد ٢٢: ١-٢٤: ٢٥). كان قد استأجره بالاق ملك موآب، ليلعن الإسرائيليين. كان مترددا في البداية، إلا أنه أقتنع أخيرًا أن يقوم بتلك المهمة لقاء مبلغ أكبر من المال (عدد ٢٢: ٧-٢١). في طريقه، اعترضه «ملاك الرب»، وقد اُنقِذَ مِن الموت نتيجة لِمَيَلان حِمارهِ عن الطريق. ضرب بلعام حماره، ولكنه لم يُدرك خطأه إلا بعد أن انفتحت عيناه ورأى بنفسه «ملاك الرب» (عدد ٢٢: ٢٢-٣٥). في نهاية الأمر، انتهى بلعام بمباركة إسرائيل (عدد ٢٣: ٤-٢٤: ٢٤). استخدم بطرس بلعام كمثال للذين يُخدعون بالفسق والطمع (٢بطرس ٢: ١٤، ١٥). أشخاص كهؤلاء يُشبهون بلعام، لأنهم تركوا الطريق الذي ينبغي أن يتبعوه.






لمزيد من الدرس: كثيرا ما نسمع المسيحيين يتكلمون عن «الحرية في المسيح»، وبالطبع هذا مفهوم صحيح. لنتحرر من مفهوم دينونة الناموس ويكون لنا الضمان للخلاص نتيجة لما فعله المسيح من أجلنا وليس من أجل أعمالنا الخاصة، نكون في الحقيقة أحرارًا. قصة مارتن لوثر والعبودية التي عانى منها قبل أن يفهم معنى النعمة هي مثال عظيم لما يُمكِن أن تعنيه الحرية. ومع ذلك، كما رأينا في رسائل بطرس، يُمكن تحريف ذلك الحق العظيم. «إن الحق العظيم لاعتمادنا الكلي على المسيح للخلاص يقترب كثيرا من خطيئة الافتراض. الآلاف من الناس يسيئون فهم الحرية في المسيح على أنها تعني الفوضى والخروج على القانون؛ ولأن المسيح قد جاء ليخلصنا من حكم الناموس فكثيرون يدعون أن الناموس نفسه قد أُلغي، وأن الذين يحفظونه ساقطون من النعمة. وهكذا فإذ يبدو أن الحق والضلال قريبان، بل يتشابهان، فإن العقول التي لا تخضع لقيادة الروح القدس سوف يغرر بها لقبول الضلال، وبفعلهم ذاك يضعون أنفسهم تحت خدع الشيطان. وهكذا يقود الناس لقبول الضلال بدلا من الحق. فإن الشيطان يعمل على جذب العالم البروتستانتي» (روح النبوة – المسيح المنتصر، ص. ٣٢٤).




الدرس الثاني عشر


١٠ حزيران (يونيو) – ١٦ حزيران (يونيو)


يوم الرب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ٣: ١، ٢؛ يوحنا ٢١: ١٥-١٧؛ ٢بطرس ٣: ٣-١٣؛ مزمور ٩٠: ٤؛ متى ٢٤: ٤٣-٥١؛ ٢بطرس ٣: ١٤-١٨.


آية الحفظ: فَبِما أنَّ هذه كُلّها تَنْحَلُّ، أيَّ أناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرةٍ مُقدَّسةٍ وتقوى.» (٢بطرس ٣: ١١).


في العصور القديمة، كان يُنظَر للناس الذين لا يؤمنون بالله على أنهم غير جديرين بالثقة، ويُحتمل أيضًا أن يكونوا خطرين. لماذا؟ كانت الفكرة أنهم إن لم يؤمنوا بالله إذًا فهم لا يؤمنون بأي دينونة مستقبلية ليُحاسبوا أمامه على أفعالهم. فبدون هذا الحافز، سيكون الناس أكثر ميلاً لفعل الخطأ.


ومع أنَّ هذا النوع من التفكير مضى عليه الزمن (وهو «خطأ من الناحية القانونية»)، فلا يُمكن للشخص أن يرفض المنطق والعقل المستند إليه. بالطبع لا يحتاج الكثيرون من الناس الخوف من الدينونة المستقبلية حتى يفعلوا الصواب. إلا أنه في نفس الوقت، فإن احتمال الوقوف أمام الله للدينونة يُمكن بالتأكيد أن يكون حافزًا للسلوك السَّوي.


كما رأينا، لم يكن بطرس مُتَخوِّفًا من تحذير الناس من هول الدينونة التي سيواجهها الأشرار أمام الله، لأن الكتاب المقدس واضح في أنَّ مثل هذه الدينونة ستأتي. وفي هذا السياق، يتكلم بطرس بما لا لبس فيه عن نهاية الزمان، الدينونة، المجيء الثاني، الوقت الذي «تنحلُّ العناصر مُحتَرِقة» (٢بطرس ٣: ١٠). كان بطرس يعلم أننا جميعًا خطاة، وهكذا وبمثل هذا أمامنا، فهو يسأل: «أيَّ اُناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرةٍ مُقدَّسة وتقوى» (٢بطرس ٣: ١١).


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٧ حزيران (يونيو).




تتابُع السلطة


حذَّر بطرس قُرَّاءَه مِن نوع التعاليم الخطيرة التي ستُواجهها الكنيسة. وحذَّر مِن أولئك الذين يَعِدون بالحرية بينما هم يقودون الناس للعودة إلى عبودية الخطية بعكس الحرية التي وُعِدْنا بها في المسيح.


للأسف، لم يكن هذا هو التعليم الكاذب الوحيد الذي قد يواجه الكنيسة. فخطر آخر خطير قد يأتي. مع ذلك، فقبل أن يتناول بطرس هذا التحذير، يقول شيئاً آخر أولاً.


«هذهِ أكتُبُها الآن إليكم رسالةً ثانيةً أيها الأحباء، فيهِما اُنهِضُ بالتَّذكِرَة ذِهنَكُم النَّقي، لِتَذكروا الأقوال التي قالها سابقاً الأنبياء القديسون، ووصيَّتَنَا نحنُ الرسل وصيَّة الرَّبِّ والمُخلِّص» (٢بطرس ٣: ١، ٢). أية نقطة يُشير إليها بطرس هنا ليحثَّ قُرَّاءه على أنَّهم يجب أن يستمعوا إلى ما يكتبه؟ (انظر أيضًا يوحنا ٢١: ١٥-١٧).


في ٢بطرس ٣: ١ و٢، يذكِّرهم بطرس بكلمات الوحي التي كانت قد أتت سابقًا مِن «الأنبياء القديسون». وهكذا فإنه يوجههم إلى الكتب المقدسة مرة أخرى، وإلى العهد القديم. كان يذكِّرهم بأنَّ لديهم «الكلمة النبوية وهي أثبَتْ» (٢بطرس ١: ١٩). أراد أن يكون واضحًا في أنَّ المعتقدات التي آمنوا بها كانت مُؤسَّسة على كلمة الله. لا يوجد شيء في العهد الجديد يُبرِّر الرأي بأنَّ العهد القديم لم يعد صالحًا أو قليل الأهمية. على العكس تمامًا، فشهادة العهد القديم هي التي تُساعد في تثبيت العهد الجديد وما كان يُبشِّر به بطرس عن المسيح.


ولكن هناك المزيد. يؤكِّد بطرس على خط تتابُعٍ واضح بَدَأ مِن «الأنبياء القديسون» في العهد القديم حتى سُلطَتِهِ هو شخصياً كواحدٍ من «رُسُل الرب والمُخلِّص». كان واضحاً حول الدعوة التي نالها من الرب للقيام بالعمل الذي كان يقوم به. فلا عجب في أن يتكلَّم بهذه القناعة واليقين. فقد كان يعلم مصدر رسالته.






المُستهزئون


بعدما سعى بطرس ليُذكِّر قُرَّاءَه بـ»الأقوال التي قالها سابقًا الأنبياء القديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمُخلِّص» (٢بطرس ٣: ٢)، يأتي بطرس إلى نقطة تحذيره المُحدَّدة. ربما لمعرفته بمدى خطورة هذا التعليم، سعى بطرس ليشدِّد على السلطة التي كان يكتب بها.


اقرأ ٢بطرس ٣: ٣؛ ٤. أيَّة حجج يسوقها المتشكِّكون مِن مجيء المسيح الثاني؟


هناك وجه تشابُه مهم بين أولئك الذين يُروِّجون للحُرّيّة الكاذبة وهؤلاء الذين يُعبِّرون عن شُكوكهم حول مجيء المسيح الثاني. الفريق الأول «يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة» (٢بطرس ٢: ١٠). في حين كان الذين ينكرون عودة المسيح «سالكين بحسب شهوات أنفُسِهِم» (٢بطرس ٣: ٣).


(إنها ليست مُجرَّد مُصادفة أنَّ الشهوات الخاطئة يُمكن أن تقود إلى تعاليم كاذبة، أليس كذلك؟).


سيسأل المُستهزئون سؤالهم مُجدَّدًا، «أين هو موعد مجيئه؟ (٢بطرس ٣: ٤). بسؤالهم هذا فهم يتحدُّون إيمان المسيحيين القائم منذ أمد بعيد بأنَّ يسوع سوف يعود إلى هذه الأرض، وفي وقت قريب. ولأنه يتحدَّث عن الأيام الأخيرة بالخصوص، فإن المستهزئين سوف يَطرحون تلك الحقيقة التي لا يُمكِن إنكارُها وهي أن كثيرين مِن المسيحيين قد ماتوا، وأن الأشياء فعلاً تسير كما كانت دائمًا.


سطحيَّاً، يبدو السؤال منطقيًا. كتبت إلِن ج هوايت تقول أنه حتى أخنوخ رأى أن الأبرار والأشرار «سيضمهم التراب معًا، وتكون هذه نهايتهم جميعًا» (الآباء والأنبياء، صفحة ٦٥) وقد أزعجه ذلك. فإذا كان أخنوخ الذي عاش قبل الطوفان كان يُعاني من ذلك السؤال، فكم بالحري يكون الأمر أكثر بكثير بالنسبة لأولئك الذين عاشوا آلاف السنين من بعده وإلى حين «الأيام الأخيرة»؟


وماذا عنَّا اليوم كأدفنتست سبتيين؟ فإن اسمنا ذاته يتبنَّى مبدأ المجيء الثاني للمسيح، ومع ذلك فإنه لم يأتِ بعد. ونعم، نحن نواجه مستهزئين، تمامًا كما تنبأ بطرس بحدوثه.






ألف سنة كيوم واحد


في ٢بطرس ٣: ٨-١٠، كيف يستجيب بطرس للحجَّة التي سوف يُقدِّمها المُستهزئون؟ ماذا الذي يقوله حتى أن قوله هذا إلى يومنا هذا يُمكن أن يساعدنا لنفهم لماذا لم يَعُدْ المسيح إلى الآن؟


يستجيب بطرس لمسألة طبيعة العالم الثابتة التي لا تتغيَّر. يذكِّر مستمعيه أنه ليس صحيحًا بأنَّ العالم استمر دون تغيير منذ الخليقة. (لاحظ كيف يعود مُجدداً إلى كلمة الله كمصدر وكسلطان.) كان هناك وقت عَظُمَ فيه الشر، بعد ذلك أهلك الله العالم بالطوفان (٢بطرس ٣: ٦). وقد جلب ذلك الطوفان تغييرًا عظيمًا على العالم، تغييرًا تأثيره باق حتى يومنا هذا. ثم يقول بطرس أن الهلاك التالي سوف يكون بواسطة النار وليس الماء (٢بطرس ٣: ١٠).


كتب بطرس أيضًا «يومًا واحدًا عند الرب كألف سنةٍ وألفَ سنةٍ كيومٍ واحدٍ» (٢بطرس ٣: ٨). بقوله هذا، قد يكون بطرس عاكساً لما ورد في مزمور ٩٠: ٤ «لأنَّ ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عَبَرَ وكَهَزيعٍ مِن الليل». بتعبير آخر، إنَّ تصورنا للوقت ليس كما هو لله. لذلك علينا أن نتوخَّى الحذر في الأحكام التي نُطلقها بخصوص الوقت.


من المنظور البشري، يبدو وكأنَّ هناك تأخير في عودة المسيح. إلا أننا ننظر إلى الأمور من منظور بشري فقط. ولكن لا يوجد تأخير من المنظور الإلهي. وفي الحقيقة، يقول بطرس بأن ذلك الوقت الإضافي قد اُعطي لأنَّ الله يتأنَّى علينا «وهُوَ لا يشاء أنْ يَهْلِكَ اُناس» (٢بطرس ٣: ٩). فالوقت الإضافي إذا قد سُمِحَ بهِ لتتوافر فرصة للتوبة لكثيرين.


ومع ذلك، يُحذر بطرس بأنْ لا يُؤخَذ صبر الله على أنه فُرصة لتأجيل اتخاذنا قرار بشأن يسوع. إنَّ يوم الرب سيأتي بغتة كلص في الليل، واللص الذي يأتي ليلاً يتوقَّع أن سيتسلَّل خارجاً دون أن ينتبه إليه أحد. ولكن، بينما مجيء المسيح الثاني سيأتي بغتة كلص في الليل، إلا أنه سيكون ملحوظًا بالتأكيد. وكما يقول بطرس: «تزول السموات بضجيج وتنحلُّ العناصر مُحترقة» (٢بطرس ٣: ١٠). وهكذا فإنَّ رسالة بطرس تُشبه رسالة بولس: «هوذا الآن وقت مقبول. هوذا الآن يوم خلاص» (٢كورنثوس ٦: ٢).




فماذا إذًا؟


حاول شاب أن يشهد لأمه، فأخبرها عن موت يسوع وعن الوعد بعودته. كان يشعر بنوع من الاعتزاز بنفسه، معتقدًا أنه قد أدَّى مهمته ببلاغة. وعندما انتهى من عظته الصغيرة عن يسوع والمجيء الثاني، نظرت إليه والدته وقالت: «وما شأن ذلك بي الآن؟».


اقرأ ٢بطرس ٣: ١١-١٣. كيف أجاب بطرس عن السؤال «وما شأن ذلك بي الآن؟» (انظر متى ٢٤: ٤٣-٥١).


كما قلنا سابقًا أنَّ اسمنا (أو لقبنا بذاته) الأدفنتست السبتيون يُظهر مُعتقدنا بحقيقة عودة المسيح. هذا التعليم أساسي؛ فإيماننا المسيحي كله كان سيصبح بلا أي معنى بدون عودة المسيح وكل ما يتعلَّق به من مواعيد.


ولكن ألسنا في خطر لأن نُصبح مثل العبد الشرير في المثل الوارد في متى ٢٤: ٤٣-٥١؟ قد لا نرتكب نفس نوع الشر الذي وصفه المثل، فلا أهمية لذلك (فذلك مَثَل فقط). ولكن ما يُحذِّر منه المثل هو أن يُصبِح الأمر أكثر سهولة من ناحية التراخي في مستوى مبادئنا خصوصاً فيما يتعلَّق بتعاملنا مع الآخرين ونصير أكثر فأكثر مثل العالم وأقل حماسًا في إيماننا بعودة الرب.


من المُؤكَّد بأننا نتواجه بين الحين والآخر مع أولئك الذين يحملون المخططات والعمليات الحسابية النبوية ويدَّعون أنَّ لديهم التاريخ لعودة المسيح. ولكن الجزء الأكبر من المشكلة بالنسبة للأدفنتست السبتيين ليست تحديد تواريخ لعودة المسيح قريبًا، إنَّما الخطر يكمن في أنه بمرور السنين يبدأ الوعد بمجيء المسيح في لعب دور أقل بكثير في أذهاننا.


نعم، فكلما طال بقاؤنا على هذه الأرض، كلما اقتربنا أكثر من مجيء المسيح الثاني. ومن ناحية أخرى، فكلما طال بقاؤنا هنا، يُصبح من السهل علينا أن نتخيَّل عودته بأنها بعيدة جداً إلى درجة أنها تؤثِّر تأثيرًا حقيقيًا على حياتنا اليومية. يُحذر الكتاب المقدس من هذا النوع من الاستكانة. وكما قال بطرس، إذا كان للمسيح أن يعود، وعلينا نحن أن نواجه الدينونة، فعلى المسيحيين أن يعيشوا حياة القداسة والتقوى (٢بطرس ٣: ١١). إن حقيقة مجيء المسيح ثانية، في أي وقت كان، يجب أن يكون لها وقعها الآن في حياتنا.






مُناشدة أخيرة


يختم بطرس رسالته بشعار تخللها منذ البداية؛ العيش عيشة القداسة والحرص من أن ينقادوا «بضلال الأردياء» (٢بطرس ٣: ١٧).


اقرأ ٢بطرس ٣: ١٤-١٨. لمن يوجِّه بطرس مُناشدته، ومن أي شيء يُحذر في هذه المُناشدة؟


كم هو ممتع أن يختم بطرس رسالته بمُناشدة لكتابات «أخونا الحبيب بولس» (٢بطرس ٣: ١٥). كتب بطرس أيضاً عن الحاجة للعيش بسلام إلى حين مجيء يسوع الثاني واستغلال الوقت لتنمية حياة القداسة (انظر رومية ٢: ٤؛ رومية ١٢: ١٨؛ فيلبي ٢: ١٢).


لاحظ أيضًا أنَّ الطريقة التي أشار بها بطرس إلى كتابات بولس تُظهر أنَّ كتابات بولس كانت موضع تقدير كبير في التاريخ المسيحي. سواء كان بطرس يُشير إلى مُجمل كتابات بولس في العهد الجديد أم إلى الفرعيَّة المُتَّصلة بذلك الزمان فذلك لا يمكن تحديده. مع ذلك فإن تعليقات بطرس تُظهر أن رسائل بولس كانت تحظى بتقدير كبير.


أخيرًا يقول بطرس أنَّ كتابات بولس يُمكن أن يُساء فهمها، كما في أسفار أخرى أيضًا. الكلمة اليونانية «جرافا» (grapha) تعني حرفيًا «كتابات»، ولكن في هذا السياق تعني بوضوح «كتابات مُقدَّسة» كما هو الحال مع أسفار موسى والأنبياء. يوجد هنا دليل أو برهان مبكر جدًا على أنَّ كتابات بولس تتبنى سلطة مثل سلطة إنجيل العبرانيين.


وإذا أخذنا في الاعتبار ما قرأناه سابقاً حول المُعلِّمين الكذبة الذين يَعِدُون بالحرية، فلا توجد صعوبة في تصوُّر الناس واستخدامهم لكتابات بولس عن الحرية والنعمة كعذر للسلوك الخاطئ. شدَّد بولس بقوَّة على البِرّ بالإيمان (رومية ٣: ٢١، ٢٢)، ولكن لا يوجد في كتاباته ما يُجيز للناس أو يُعطيهم الحرية لفعل الخطية (انظر رومية ٦: ١-١٤). كان على بولس نفسه أن يتعامل مع ذلك الخطأ فيما يتعلَّق بما كان يُبشِّر به ويُعلِّمه حول البِرِّ بالإيمان، ومع ذلك فإنَّ بطرس يُحذِّر من الذين يُحرِّفون كتاباته أنَّهم يفعلون ذلك «لهلاك أنفسهم» (٢بطرس ٣: ١٦).






لمزيد من الدرس: من منظورنا الخاص، قد يظهر وكأنَّ مجيء المسيح ثانية تأخَّر كثيرًا. من الواضح أنَّ يسوع عَلِمَ أنه سينتابنا ذلك الشعور، وفي بعض أمثاله حذَّر مما قد يحدث إن لم نبقَ حريصين وساهرين خلال ذلك الوقت. خذ مثل الخادمَين في متى ٢٤: ٤٥-٥١ (الذي ذُكِر في درس يوم الأربعاء). كلاهما عَلِمَ أنَّ سيِّدهما سيعود، ولكنهما توصَّلا إلى استنتاجين مختلفين حول عودته. واحدهما قرر أن يكون مستعدًا لعودة سيِّده في أي وقت. أما الآخر فقال بأن سيده يُبطيء قدومه، وعليه انتهز الفرصة للقيام بعمل شرير. «ولكوننا لا نعلم الوقت المضبوط لمجيئه فقد أمرنا بأن نسهر. ’طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين‘ (لوقا ١٢: ٣٧). إن أولئك الساهرين إلى يوم مجيء الرب لن يكون انتظارهم باطلاً أو عاطلاً. إن انتظار الناس لمجيء المسيح يجعلهم يخشون الرب ويخافون من أحكامه ودينونته على العصيان والعصاة. وهو يوقظهم ليتحفظوا من خطية رفض هبات رحمة الرب. وأولئك الذين ينتظرون الرب إنما يُطهِّرون أنفسهم بإطاعة الحق» (مشتهى الأجيال، صفحة ٦٠١).




الدرس الثالث عشر


١٧–٢٣ حزيران (يونيو)


المواضيع الأساسية في رسالتي


بطرس الأولى وبطرس الثانية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: إشعياء ٥٣: ٥، ٦، ٩؛ لاويين ١٦: ١٦-١٩؛ لاويين ١١: ٤٤؛ رومية ١٣: ١-٧؛ ١كورنثوس ١٤: ٤٠؛ ٢تيموثاوس ٣: ١٦.


آية الحفظ: «الذي حَمَل هو نفسه خطايانا في جسدِهِ على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بِجَلدَتِهِ شُفِيتُم» (١بطرس ٢: ٢٤).


كُتِبَت رسالتي بطرس من أجل أهداف عملية. في الرسالة الأولى، كانت القضية الكبرى التي واجهها بطرس هي الاضطهاد الذي كان المسيحيون يُواجهونه. وفي الرسالة الثانية كانت القضية العظمى هي المُعلِّمون الكذبة. كَتَبَ بطرس بقوَّة وبسلطان إذ كان يسعى لتشجيع قُرَّائِه ويُحذِّرهم بخصوص التحديات التي كانت أمامهم.


الأمر الهام في ذلك هو أن بطرس كان يتجاوب مع كل من المسألتين بأسلوب لاهوتي. فالآلام التي نتجت عن الاضطهاد، جَعَلَت بطرس يتأمَّل في آلام وموت يسوع، والتي بسببها نلنا الخلاص. المُعلِّمون الكذبة سوف يواجهون الدينونة. وستجري هذه الدينونة بعد عودة المسيح إلى هذه الأرض مع المُخَلّصين، بعد انقضاء الألف سنة في السماء. هذه هي بعض المواضيع التي يتناولها بطرس في رسالتيه.


في درس هذا الأسبوع الأخير، سوف نتفحَّص بتفصيل أكثر خمسة مواضيع كَتَبَ عنها بطرس: آلام يسوع التي أدَّت إلى خلاصنا، استجابتنا العملية على معرفتنا بأنَّ الله سيحكم على أفعالنا في الدينونة الأخيرة، الرجاء الذي لنا في سرعة عودة يسوع، النظام في المجتمع والكنيسة، ودور الإنجيل في توفير الإرشاد لحياتنا.


* نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٤ حزيران (يونيو).




الآلام، يسوع، والخلاص


اقرأ ولاحظ ما تكشفه الآيات التالية بخصوص الخلاص:


١بطرس ١: ٢


١بطرس ١: ٨، ٩


١بطرس ١: ١٨، ١٩


١بطرس ٢: ٢٢-٢٥


١بطرس ٣: ١٨


عندما يذكر بطرس الخلاص، فإنَّ ذلك عادة ما يكون في سياق آلام المسيح كبديل عن الخطاة. مثال ذلك موجود في ١بطرس ٢: ٢٢-٢٤. فعندما يكتب بطرس عن آلام يسوع، فإنه يستعمل تعابيرًا تعكس ما ورد في إشعياء ٥٣: ٥، ٦، ٩. «(المسيح) حَمَل هو نفسه خطايانا في جسده» على الصليب، والذي «بجَلْدَتِهِ شُفيتم» (١بطرس ٢: ٢٤) يكشف عن فكرة البديل والضحية.


في كثير من الذبائح التي ورد ذكرها في الأسفار العبرية [العهد القديم]، كان الخطاة يأتون بتقدماتهم إلى الهيكل ويضعون أيديهم عليها. هذا الفعل يرمز إلى انتقال الخطية من الخاطيء إلى الحيوان – الذي يموت بعد ذلك عوضاً عن الإنسان الخاطيء (لاويين ٣: ٢٩، ٣٠، ٣٣، ٣٤؛ ١٤: ١٠-١٣). إن نجاسة الخطية التي تجمَّعت على المذبح كانت تتطهَّر وتُزال في يوم الكفَّارة (لاويين ١٦: ١٦-١٩).


كان لدم التقدمة دور هام في التكفير عن الخطية. وقد تمَّ افتداء المسيحيين بدمٍ كريم، دم المسيح (١بطرس ١: ١٨، ١٩). بولس أيضًا عبَّر عن فكرة البديل: يسوع، الذي لم يعرف خطية، جُعِلَ خطية لأجلنا (٢كورنثوس ٥: ٢١). وكما يقول بطرس في (١بطرس ٣: ١٨)، تألم المسيح من أجل الخطايا، البار (يسوع) مِن أجل الأثمة (نحن).


كما فعل بولس (رومية ٣: ٢١، ٢٢)، كذلك أكَّد بطرس على الحاجة إلى الإيمان، كما يقول لقرّائه: «الذي وإن لم تروه، تحبونه... نائلين غاية إيمانكم، خلاص النفوس» (١بطرس ١: ٨، ٩). إنَّ الخلاص لا يُكتسب نتيجة السلوك الصالح، ولكنه يُمنَح لنا عندما نؤمن بما فعله يسوع من أجلنا ونقبله كمُخلص شخصي لنا. ثقتنا في الخلاص موجودة في المسيح وليست في أنفسنا. ولو كانت في أنفسنا، فأيَّة ثقة حقيقية يمكن أن تكون لنا؟






كيف ينبغي أن نعيش؟


أحد المواضيع التي كان بطرس يعود إليها أكثر من أي موضوع آخر، طُرح من خلال سؤال سأله في ٢بطرس ٣: ١١ والذي يقول: «فبِما أنَّ هذه كلها تنحل، أي أناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدَّسة وتقوى؟»


اقرأ الآيات التالية. ماذا يقول بطرس عن السلوك المسيحي؟ ١بطرس ١: ١٥-١٧، ٢٢؛ ١بطرس ٢: ١؛ ١بطرس ٣: ٨، ٩؛ ١بطرس ٤: ٧-١١؛ ٢بطرس ٣: ١١.


يتناول بطرس موضوع السلوك المسيحي من خلال عدَّة نقاط في رسالتيه، كما أنَّ عددًا من المواضيع الأخرى تظل تظهر تكرارًا.


أولاً: يُشدِّد بطرس، مرتين، على الصِّلة بين دينونة الله والسلوك المسيحي (١بطرس ١: ١٧ و٢بطرس ٣: ١١). سيُحاسب الله كل شخص على أفعاله، وعليه فإنَّ على المسيحيين أن يحيوا حياة القداسة.


ثانياً: يذكر بطرس عدَّة مرات أنه على المسيحيين أن يكونوا قدِّيسين. في الأسفار العبرية [العهد القديم]، تُفرَز الأشياء المُقدَّسة لاستخدامها في الهيكل (خروج ٢٦: ٣٤؛ ٢٨: ٣٦؛ ٢٩: ٦، ٣٧) أو من أجل الرب (مثلاً، السبت في تكوين ٢: ٣). في الحقيقة، إن خطة الله كانت تهدف لأن يكون شعبه قديسين، كما هو قدوس، وهذا موضوع ألمح إليه بطرس أيضاً (لاويين ١١: ٤٤؛ ١٩: ٢؛ ١بطرس ١: ١٥، ١٦). إنَّ عملية فرز شيء لأنه مُقدَّس يُدعى «التَّقديس»، ورغبة بطرس هي أن يُصبح قُرَّاءه مُقدَّسين بالروح ولطاعة يسوع (١بطرس ١: ٢).


ثالثاً: حدَّد بطرس بعض التفاصيل عن نوع السلوك الذي يُلائم أولئك المُقدَّسين. فعليهم أن يُطهِّروا أنفسهم من الخُبث، المكر، الرِّياء، الحسد، والمذمَّة (١بطرس ٢: ١). عليهم أن يكونوا متُّحدي الرأي وبِحِسٍّ واحد، يحبون بعضهم بعضًا محبة أخوية، مُشفقين، لطفاء، وذوي عقول متواضعة (١بطرس ٣: ٨، ٩). يجب أن يكون لديهم الفضيلة والتقوى والمودَّة (١بطرس ١: ٥-٧). بالتأكيد، يجب أن يكون لديهم محبة ثابتة وشديدة (١بطرس ٤: ٧-١١). وأخيرًا، يحثُّ بطرس سامعيه على أن يُلقوا كل همَّهم على يسوع (١بطرس ٥: ٧).






رجاء في المجيء الثاني


اقرأ الآيات التالية ولاحظ ما الذي تقوله عن الأحداث المُستقبلية:


١بطرس ١: ٤


١بطرس ١: ١٧


١بطرس ٤: ٥، ٦


١بطرس ٤: ١٧


١بطرس ٣: ١-١٠


أحد المواضيع الأساسية التي تواجه أولئك الذين قرأوا وسمعوا رسالة بطرس الأولى للمرة الأولى هو موضوع الاضطهاد. يُشجِّع بطرس قراءه بذكر أنه وإن كانوا يتألمون بسبب الاضطهاد، إلا أنه يوجد ميراث ينتظرهم في السماء، ميراث لا يُمكن أن يُنتَزَع منهم. في بداية الرسالة الأولى، يذكر أن المسيحيين لهم ميراث لا يفنى محفوظ في السموات لأجلهم (١بطرس ١: ٤).


يُسلِّط بطرس الضوء على شيئين سيحدثان في المستقبل: الدينونة الأخيرة، وهلاك الشر بالنار. بمعنى آخر، فهو يُظِهر أنه على الرغم من وجود الاضطهاد الآن، إلا أنَّ العدالة والدينونة سوف تتم، وأن المؤمنين سوف ينالون مُكافأتهم الأبدية.


يذكر بطرس الدينونة في ثلاث مناسبات منفصلة (١بطرس ١: ١٧؛ ٤: ٥، ٦، ١٧). يقول أن الله الآب يدين جميع البشر بغير محاباة حسب أفعالهم (١بطرس ١: ١٧). ويشير إلى أن يسوع نفسه هو على استعداد لأن يدين الأحياء والأموات (١بطرس ٤: ٥). ويبدي أيضًا ملاحظة مثيرة للاهتمام، وهي أنَّ القضاء سوف يبدأ من بيت الله (١بطرس ٤: ١٧).


يؤكد بطرس أيضًا أن «الناس الفُجَّار» سوف يهلكون بعاصفة من النيران تلف العالم بأسره (٢بطرس ٣: ٧).


يمضي بطرس بعض الوقت ليتعامل مع المشاكل التي طرأت حول ما إذا كان يسوع سوف يأتي حقيقة أم لا (٢بطرس ٣: ١-١٠). ويشير إلى أن التأجيل في موعد مجيء المسيح ثانية هو لكي يُعطي فرصة للمزيد من الناس كي يتوبوا ويخلصوا. ويشير أيضًا إلى أن حقيقة الدينونة القادمة يجب أن تُقنِع الجميع لأن يعيشوا عيشة مقدسة بلا لوم.


وهكذا، فبقدر تركيزه على الحياة المسيحية العملية الحالية، إلا أنه يواصل لفت انتباه قرائه إلى الرجاء في المستقبل الذي ينتظرهم. باختصار، أيًا كانت الظروف في الوقت الراهن، فعليهم أن يواصلوا تقدمهم بالإيمان والطاعة.






النظام في المجتمع وفي الكنيسة


اقرأ الفقرات التالية. ماذا يقول بطرس في هذه الآيات حول أهمية كل من الحكومة وقيادة الكنيسة، وكيف يجب على المسيحيين أن يتجاوبوا مع كل منهما؟ وكيف يجب أن تُطبَّق كلماته على وضعنا اليوم، بغض النظر عن الأماكن التي نعيش فيها؟


١بطرس ٢: ١١-٢١


١بطرس ٥: ١-٥


عاش بطرس في عصر كان المسيحيون فيه يتعرضون أحيانًا للاضطهاد مِن قِبَل الحكومة أو السلطات الدينية. هذا الأمر يُكسِبْ ما قاله بطرس وبولس حول الدور الصحيح للسلطات الحكومية أهمية فائقة (١بطرس ٢: ١٣-١٧؛ رومية ١٣: ١-٧). بالنسبة لكل من بطرس وبولس، فإن كليهما يؤمن بأن السلطات الحكومية أتت بترتيب من الله نفسه للانتقام من فاعلي الشر. هناك بالطبع أوقات تكون فيها السلطات الحكومية هي المشكلة ذاتها. وقد واجه المسيحيون ذلك في أيام بطرس، وذلك الأمر سوف يزداد سوءًا لسنوات كثيرة.


ولكن عمومًا، المقصود هو أن الحكومات الصالحة تحافظ على القانون والنظام والأمن. هناك أمثلة كثيرة اليوم يُنتهك فيها القانون والنظام والأمن، ويمكنك أن ترى جليًا الحاجة الماسَّة إلى حكومات معتدلة. في الحقيقة، الحكومة الصالحة هي إحدى بركات الله التي أعطاها للبشر.


لا شك أن بطرس يُشارك بولس في قناعته بأهمية السلطة الحكيمة في الكنيسة أيضًا. يُشدِّد بولس قائلاً: «وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب» (١كورنثوس ١٤: ٤٠) في خدمة العبادة بالكنيسة. ومثله يطلب بطرس من قادة الكنيسة أن يَرعوا «رعيَّة الله التي بينكم نُظّارًا» (١بطرس ٥: ٢). عليهم أن يفعلوا ذلك بتواضع وعناية. يجب أن تتم قيادة الكنائس المحلية لها بصورة جيدة. القادة الصالحون يوفرون الرؤية والترابط، ويُمكِّنون الآخرين من ممارسة مواهبهم الروحية لمجد الرب.






صدارة الإنجيل


ما الذي تقوله الفقرات التالية عن الكتاب المقدس فيما يمكن أن يساعدنا في فهم الدور الذي يجب أن يكون له اليوم في حياتنا وإيماننا؟


١بطرس ١: ١٠-١٢


٢بطرس ١: ١٦-٢٠


٢بطرس ٣: ٢


٢بطرس ٣: ١٦


في رسالته الثانية، يُجابه بطرس المعلمين الكذبة، ويوجِّه قرَّاءه إلى مصدرين للسلطة عندما يقول: «لتذكروا الأقوال التي قالها سابقًا الأنبياء القديسون، ووصيتنا نحن الرسل، وصية الرب المخلص» (٢بطرس ٣: ٢). اليوم يمكننا أن نلجأ إلى ذات المرجع، إلى كلمات «الأنبياء القديسين» الذي هو العهد القديم. الرسل الأحباء غير متوافرين لدينا بالطبع، ولكن بشكل ما، لدينا ما هو أفضل: شهادتهم الموحى بها كما ظهرت في العهد الجديد. ترك لنا متى، مرقس، لوقا، ويوحنا القصة الكاملة لحياة وموت وقيامة يسوع المسيح. وفي سفر أعمال الرسل، هناك تقارير عن الأعمال التي قام بها الرسل. ويمكننا أن نقرأ الكلمات الموحى بها التي قالها الرسل أنفسهم. يتحدَّث بولس بقوة عن سلطة كلمة الله (٢تيموثاوس ٣: ١٦). وهكذا فإن بطرس يُوجِّه قرَّاءه إلى الإنجيل كمصدر للسلطة الروحية والأدبية.


في (٢بطرس ٣: ١٦)، يُحذِّر بطرس قراءه ومستمعيه من أنه وبالرغم من أن الإنجيل هو مصدر الحق، فبدون الانتباه الشديد للرسالة التي يرغب الروح القدس أن نفهمها، فإنَّ مصدر الحق نفسه يمكن أن يُساء فهمه. وذلك يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.


يجب أن تذكرنا كلماته اليوم بالمبادئ الأساسية في دراسة الكتاب المقدس. علينا أن نقرأ فقرة من الكتاب المقدس بروح الصلاة. علينا قراءتها في سياق ما يتعلق بها ضمن الأصحاح، والسفر ومجمل الكتاب المقدس ذاته. ماذا كان يتحدث عنه المؤلف بالتحديد حين كتبها؟ علينا أن نقرأها في ضوء الظروف التاريخية التي كُتِبَت حينها (في حالة رسالتي بطرس الأولى والثانية، سيكون ذلك في عهد الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي.) يجب أن نقرأها سعياً للوعي الروحي، ومُدركين أن الخلاص الذي جلبه موت المسيح الكفاري هو محور رسالة الكتاب المقدس كله (١بطرس ١: ١٠-١٢). ختاما، يجب علينا أن نقرأ الكتاب المقدس في سياق حياتنا الخاصة. أي حق يرغب الله أن نحصل عليه؟ كيف يمكننا أن نُطبِّق الكلمة المكتوبة في حياتنا بطريقة تسهم إيجابيًا لملكوت الله؟




لمزيد من الدرس: حتى في خضم اللاهوت العميق، فإنَّ رسائل بطرس تُركِّز بقوَّة على الحياة المسيحية والطريقة التي يتوجَّب علينا إتباعها في معاملة واحدنا الآخر. بمعنى آخر، نعم، نحتاج أن نعرف الحق كما هو في يسوع، ولكن الأكثر أهمية هو أن نعيش ذلك الحق في حياتنا أيضًا. في بدايات رسالته، يُخبرنا بطرس بهذه الكلمات الرائعة: «طهِّروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضاً من قلب طاهر بشدَّة» (١بطرس ١: ٢٢). لاحظ كيف يربط بين تطهير نفوسنا والطاعة للحق. الحق يُغيِّرنا، يصنع منا شعبًا يُحب واحدهم الآخر محبة شديدة «وبلقب طاهر». الطاعة، والقلب الطاهر، والمحبة ترتبط واحدة بالأخرى. هذا هو المثل الأعلى الذي يجب أن نصبوا إليه. هل تتخيل كم ستكون حياتنا وكنائسنا مختلفة لو أننا اتبعنا ذلك التحدي؟ تأمل فيما يمكن أن يفعله ذلك في مفهوم وحدة الكنيسة، إن لم يكن أي شيء آخر.


«أيها الأخوة، هل تحملون روح المسيح معكم، إذ تعودون إلى بيوتكم وكنائسكم؟ هل تطرحون عنكم الشك والانتقاد؟ وصلنا إلى وقت نحتاج فيه إلى أن نتضامن معا أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل متحدين. في الوحدة قوة. وفي الفرقة وعدم الوحدة هناك دائما الضعف» (روح النبوة، رسائل مختارة، صفحة ٣٧٤، ٣٧٥).




دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للربع الثالث ٢٠١٧


يستعدّ العالم البروتستانتي للاحتفال بالذكرى الخمسمائة للإصلاح البروتستانتي عندما كشف مارتن لوثر— مسوقاً من الروح القدس — النقاب عن حقائق كتابية جوهرية للملايين. حقائق كانت مطمورةً قروناً طويلةً تحت الخرافات والتقاليد. وقد يذهب البعض إلى القول بأنّ البروتستانتية برمّتها قد وُلِدت وظهرت إلى الوجود، منذ نصف ألف سنة مضت، من خلال صفحات الرسالة إلى الغلاطييّن (بالإضافة إلى الرسالة إلى أهل رومية). فإنّه من خلال مطالعة الرسالة إلى أهل غلاطية نجد أَنّ مارتن لوثر قد بهرته الأخبار السارّة العظيمة، الخاصّة بالتبرير بالإيمان. هذه الحقيقة المجيدة التي أنجبت حركة الإصلاح البروتستانتي، هي التي ساهمت في تحرير الملايين من أخطاء لاهوتية مسكونيّة لقرون عديدة. فما قرأه مارتن لوثر في الرسالة إلى أهل غلاطية قد غيّر العالم رأساً على عقب، ولم يعد كما كان قبلاً. فما هو مضمون الرسالة إلى غلاطية الذي يجعل منها أساساً متيناً للإصلاح البروتستانتي؟ وكيف تمكّنت هذه الرسالة من التأثير على قلوب الكثيرين أمثال مارتن لوثر؟ إن دليل دراسة الكتاب المقدس للربع القادم، الذي بعنوان «بشارة الإنجيل في سِفر غلاطية»، من تأليف كارل كوسيرت، يدعونا للتجوال مع الرسول بولس، إذ يهيب بالغلاطييّن أن يظلوّا أمناء للمسيح. هذه الدراسة تعطينا فرصة في ذات الوقت لإنارة مفهومنا الشخصي بالحقائق التي فتحت الطريق أمام المصلح مارتن لوثر للانفصال الحتمي عن روما وإرساء سلطة إنجيل الخلاص الكتابي.




بشارة الإنجيل في سِفر غلاطية


١. بولس رسول الأمم — حزيران (يونيو) ٢٤-٣٠


٢. سلطة بولس والإنجيل — تموز (يوليو) ١-٧


٣. وحدة الإنجيل — تموز (يوليو) ٨- ١٤


٤. التبرير بالإيمان وحده — تموز (يوليو) ١٥-٢١


٥. إيمان العهد القديم — تموز (يوليو) ٢٢-٢٨


٦. أفضليّة الوعد — ٢٩ تموز (يوليو) - ٤ آب (أغسطس)


٧. الطريق إلى الإيمان — ٥-١١ آب (أغسطس)


٨. من عبيد إلى وَرَثَة — ١٢-١٨ آب (أغسطس)


٩. تضرعات بولس الرعوية — ١٩-٢٥ آب (أغسطس)


١٠. العهدان — ٢٦ آب (أغسطس) - ١ أيلول (سبتمبر)


١١. الحريّة في المسيح — ٢-٨ أيلول (سبتمبر)


١٢. الحياة بالروح — ٩-١٥ أيلول (سبتمبر)


١٣. بشارة الإنجيل والكنيسة — ١٦-٢٢ أيلول (سبتمبر)


١٤. الافتخار بالصليب — ٢٣-٢٩ أيلول (سبتمبر)