مقدمة

١. الروح والكلمة — ٣١كانون الأول (ديسمبر) – ٦كانون الثاني (يناير) ٦

٢. الرُّوح القُدُس: يعمل من خلف الستار — ٧-١٣ كانون الثاني (يناير) ١٤

٣. ألوهية الرُّوح القُدُس — ١٤-٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٢

٤. أقنوم (شخصية) الرُّوح القُدُس — ٢١-٢٧ كانون الثاني (يناير) ٣٠

٥. معمودية وامتلاء الرُّوح القُدُس — ٢٨كانون الثاني (يناير) – ٣ شباط (فبراير) ٣٨

٦. الرُّوح القُدُس والحياة المقدّسة — ٤-١٠ شباط (فبراير) ٤٦

٧. الرُّوح القُدُس وثمر الروح — ١١-١٧ شباط (فبراير) ٥٤

٨. الرُّوح القُدُس ومواهب الروح — ١٨-٢٤ شباط (فبراير) ٦٢

٩. الرُّوح القُدُس والكنيسة — ٢٥ شباط (فبراير) – ٣ آذار (مارس) ٧٠

١٠. الرُّوح القُدُس والكلمة، والصلاة — ٤-١٠ آذار (مارس) ٧٨

١١. تكدير (إحزان) ومقاومة الرُّوح القُدُس — ١١-١٧ آذار (مارس) ٨٦

١٢. عمل الرُّوح القُدُس — ١٨-٢٤ آذار (مارس) ٩٤

Editorial Office: 12501 Old Columbia Pike, Silver Spring, MD 20904

Come visit us at our Web site: http://www.absg.adventist.org

Principal Contributor 
Frank M. Hasel

Editor
Clifford R. Goldstein

Associate Editor
Soraya Homayouni

Publication Manager
Lea Alexander Greve

Middle East and North Africa Union

Publishing Coordinator
Michael Eckert

Translation to Arabic
Samy Beshy

Arabic Layout and Design
Marisa Ferreira and Eilen Citalán

Editorial Assistant
Sharon Thomas-Crews

Pacific Press® Coordinator 
Wendy Marcum

Art Director and Illustrator
Lars Justinen

Design
Justinen Creative Group

© ٢٠١٦ المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. جميع الحقوق محفوظة. لا يمكن تعديل أو تغيير أو تبديل أو تحويل أو ترجمة أو إعادة إصدار أو نشر أي جزء من دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار دون الحصول على أذن خطي مسبق من المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. ومصرحٌ لمكاتب الأقسام الكنسية التابعة للمجمع العام للأدفنتست السبتيين ® العمل على الترتيب لترجمة دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس للكبار بموجب مبادئ توجيهية محددة. وتبقى ترجمة ونشر هذا الدليل حقاً محفوظاً للمجمع العام. إن اصطلاح "الأدفنتست السبتيون" وشعار الشعلة هما علامتان تجاريتان للمجمع العالم للأدفنتست السبتيين ® ولا يجوز استخدامها دون الحصول على إذن مسبق من المجمع العام.

إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو من إعداد مكتب دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للكبار التابع للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. والناشر والمشرف العام على إعداد هذا الدليل هو لجنة مدرسة السبت، وهي إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الإدارية للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المُقَدّس هو انعكاس لمساهمات اللجنة العالمية للتقييم، ويحظى بموافقة لجنة مدرسة السبت للنشر، وبالتالي فهو لا يعكس بالضرورة وجهة النظر المنفردة للمؤلف (أو المؤلفين).

Sabbath School Personal Ministries

الرُّوح القُدُس والحياة الرُّوحِيَّة

لقد سمع الكثير منا الكلمات التالية: «وأنا أعمدك باسم الآب، والابن والرُّوح القُدُس.» ولو أجريت لنا فريضة المعمودية، فسنكون قد سمعنا هذه الكلمات قبل أن يغمرنا القس في الماء (انظر متى ٢٨: ١٩).

معتمدين باسم الآب، والابن، والرُّوح القُدُس. نعم، فالروح مذكور في النَّص مع الآب والابن.

ولا عجب، فالمعتقد رقم ٥ في المعتقدات الأساسية لكنيسة الأدڤنتست السبتيين، الذي بعنوان «الله الرُّوح القُدُس»، يقول: الله الروحَ السرمدي نشط مع الآب والابن في الخلق والتجسد والفداء. وقد ألهم الكُّتاب الذين دوّنوا الكتاب المُقَدّس. وملأ حياة المسيح قوة. واجتذب وبكَّت الكائنات البشرية؛ وأولئك الذين استجابوا لدعوته جدَّدهم وحوّلهم صورة لله. أرسله الآب والابن ليكون دائماً مع أبنائه، فنشر عطاياه الروحية في الكنيسة، وقواها لتشهد للمسيح، وقادها بانسجام مع الكتاب المُقَدّس نحو الحقيقية الكاملة.»

مع أننا وإذ نحن نتصفح الكتاب المُقَدّس وبخاصة العهد القديم، نجد عمل «الآب» المباشر ونشاطه الذي ينتشر في كل مكان. وفي العهد الجديد، وخاصة الأناجيل، نطالع مراراً وتكراراً عمل الابن يسوع المسيح ونشاطه. وحياة المسيح، موته، وخدمته في الهيكل السماوي تملأ أسفار العهد الجديد.

على النقيض من عمل الآب والابن كليهما فنجد عمل الرُّوح القُدُس لا يُصوَّر بنفس العلانية والتفصيل في أي من العهدين.

ولكن هناك سبباً لهذا التباين: فإنَّ الرُّوح القُدُس لا يسعى بأن يكون هو مصدر الاهتمام. فهو لذلك يلعب دوراً متوارياً من وراء الستار. فالآب والابن معلنان بصورة أكبر مباشَرة في الكلمة المقدسة، وهذا يرجع لأن الرُّوح القُدُس لا يسترعي انتباهنا إلى ذاته بل إلى يسوع وما فعله لأجلنا.

وإذ نحن ندرس عمل الرُّوح القُدُس، سوف نرى مركزية وأهمية روح الله في اختبارنا المسيحي. فالرُّوح القُدُس، الذي هو بمثابة الله ذاته، يكشف أعماق الله أكثر من أي شخص آخر، وبذلك يستطيع أن يعلن اللهَ لنا بطريقة واثقة يمكن الاعتماد عليها. فإنّ الرُّوح القُدُس بادئ ذي بدءٍ ألهم كتبة الأسفار المقدسة وهو اليوم يقودنا في دراسة ما قد أوحى به إلى أولئك الكتبة ليوصّلوه بدورهم إلينا. والرُّوح القُدُس يعطينا تأكيد الخلاص عن طريق يسوع المسيح (رومية ٨: ١٦). وهو يشهد لعمل الله فينا (١يوحنا ٣: ٢٤). وأيضاً الرُّوح القُدُس يطهرنا من الخطية ويقدسنا. «لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا» (١كورنثوس ٦: ١١). يغرس الرُّوح القُدُس فينا على مدى الحياة نموّاً في القداسة نتاجه ثمر الروح «مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غلاطية ٥: ٢٢و ٢٣).

«كان الرُّوح القُدُس سيعطى كقوة مجددة، إذ بدونه لن تجدي ذبيحة المسيح فتيلا. لقد زادت قوة الشر وتفاقمت أجيالاً طويلة ، وكان خضوع الناس لعبودية الشيطان مذهلا ومحيرا. ولم يكن ممكنا مقاومة الخطية أو الانتصار عليها إلا بقوة الأقنوم الثالث من اللاهوت الذي لا يأتي بقوة ضعيفة بل في ملء القوة الإلهية. إن الروح هو الذي يجعل عمل فادي العالم ذا أثر فعال» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٨).

لضرورة دوره الريادي الهام في حياة المؤمنين، فلسوف تساعدنا دروس هذا الربع على استيعاب أفضل لهبة الرُّوح القُدُس العظمى.

في وقت كتابة درس هذا الربع، كان الاستاذ الدكتور فرانك م. هاسيل، يشغل منصب عميد قسم اللاهوت بكلية بيكونهوفن في النمسا بأوروبا، حيث كان يدير أيضاً مركز دراسة أعمال إلن هوايت كذلك. في سنة ٢٠٠٩ توفت زوجته إثر إصابتها بالسرطان. وتعلّم منذ ذلك الحين الثقة باللهوصلاحه بطرق شتى يومياً واختبر الراحة والسلام وقوة الرُّوح القُدُس المجدّدة في حياته.

دليلك في الطريق إلى وطنك السماوي

تواصل مع الله بفعالية أكثر!

إن مبادرة "آمنوا بأنبيائه" هي برنامج مدته خمس سنوات يأخذك في رحلة عبر الكتاب المُقَدّس وقراءات مختارة من مؤلفات الن ج. هوايت. قم بالحصول على قراءات يومية من الكتاب المُقَدّس، وقراءات تفاعلية مع غيرك من القراء، وكذلك بعض المقاطع من مؤلفات روح النبوة.

متحدون في الصلاة: هي مبادرة نلتزم فيها بالصلاة معاً مع الآخرين باستخدام طرق تقليدية أو مبتكرة. احصل على طلبات أسبوعية وشهادات أو أفكار متعلقة بالصلاة من أعضاء كنيستك حول العالم.

قم بالاشتراك في هاتين المبادرتين من خلال التسجيل على الموقع التالي:

http://www.RevivalandReformation.org

وشارك أفكارك والشهادات الخاصة بك.

حلقة عالمية للصلاة

برنامج عالمي لدراسة الكلمة المقدسة

صلاة يومية مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح حول العالم

دراسة يومية لكلمة الله ومؤلفات روح النبوة

قم بتحميل

نسختك الإلكترونية المجانية

من دليل دراسة الكتاب المُقَدّس عبر الموقع التالي:

www.menapa.com

اشترك في

رسالتنا الإخبارية

المجانية

تزوّد بآخر المعلومات المتعلقة بكل

إصداراتنا الجديدة!

+961 1 690290 | www.menapa.com

شارع الفردوس، السبتية، جديدة المتن، بيروت، لبنان ١٢٠٢٢٠٤٠

جمعية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للنشر

الدرس الأول

٣١كانون الأول - ٦(كانون الثاني)

الروح والكلمة

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: ٢بطرس ١: ١٩- ٢١؛ ١كورنثوس ٢: ٩-١٣؛ مزمور ١١٩: ١٦٠؛ يوحنا ١٧: ١٧.

آية الحفظ: «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦و١٧).

يدلي الكتاب المُقَدّس بالتالي عن ذاته: «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦و ١٧).

الكلمة الكتابية هي منوطة بهذا الدور لأنها كلمة الله، معلنة للبشرية بواسطة عمل الرُّوح القُدُس. ففي الكتاب المُقَدّس يعلن الرُّوح القُدُس مشيئة الله لنا مُبيّناً لنا كيف نعيش حياة مُرْضِيَّةً أمامه.

ولكن الرُّوح القُدُس لم يكن فاعلاً في الزمن الماضي فحسب، حيث أوحى بالكتاب المُقَدّس. فهو مشترك مع كلمة الله بطرق عديدة أخرى وهامة إلى يومنا هذا. ولربما من الأهمية بمكان قراءتنا للكلمة ورغبتنا في فهمها بطريقة صحيحة. هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه إلى الرُّوح القُدُس. فهذا الروح الإلهي يوقظ فينا الرغبة لاحتضان كلمة الله وتطبيقها عملياً في حياتنا باتّباع تعاليمها المقدسة. وهكذا، فالروح يعمل بالكلمة المكتوبة ومن خلالها لصياغتنا خليقة جديدة في المسيح.

وسنقتفي أثر عمل الرُّوح القُدُس، هذا الأسبوع، من خلال الكلمة المقدسة.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٧كانون الثاني (يناير).

الرُّوح القُدُس والرؤيا

كيف يضمن الله توصيل مشيئته بأمانة إلى بشر خطأة. إنه يفعل ذلك من خلال نشاطين رئيسيين متعلقين بهذا الأمر وهما الرؤيا والإلهام اللذين يقوم بهما الرُّوح القُدُس.

في حالة الرؤيا، البشر يعتمدون على مساعدة شخص خارجاً عن نطاقهم ليعلن لنا أموراً، لا نستطيع كمخلوقات ساقطة أن نعرفها من تلقاء أنفسنا. هذا معناه أنّ الرُّوح القُدُس يعلِّمنا حقائق نتلقنها (انظر مثلاً دانيال ٢: ١٩- ٢٣)، وإلا لما كان في مقدورنا أن نعرفها بوسائل طبيعية.

فالرؤيا هي عملية عن طريقها يُعلن الله عن ذاته ومشيئته للبشر. والفكرة الرئيسية المتضمنة في معنى الرؤيا هي كشف أو تعرية شيء كان مخبوءاً أو مستوراً. إننا نحتاج رؤيا كهذه لسبب أننا مخلوقات ضئيلة ساقطة ومنعزلة عن الله من جرّاء الخطية، فنحن تعترينا محدودية كبيرة فيما يمكن أن نتعلمه بأنفسنا. فلذا نحن نعتمد على الله إلى حد كبير لكي نعرف مشيئته. لهذا السبب فنحن نتكل على الرؤيا الإلهية حيث أننا لسنا في مقام الله، ومعرفتنا إياه قاصرة جداً.

اقرأ ٢بطرس ١: ١٩- ٢١. ماذا يقول هذا النص عن أصل رسالة النبوة الكتابية؟ ماذا تخبرنا حقيقة أن الكتاب المُقَدّس هو إلهي المصدر عن سلطة هذا الكتاب؟

بالنسبة للرسول بطرس، لم تكن رسالة الوحي في العهد القديم من صنع البشر. فالأنبياء تحركوا بإرشاد من الرُّوح القُدُس بطريقة مؤداها أن رسالتهم جاءت من الله. هؤلاء الناس لم يبتدعوا الرسالة بأنفسهم. كانوا فقط مجرد أواني تحمل فحوى الرسالة، ولم يكونوا مختلقيها. كان بطرس يقصد تماماً أن يؤكد على أن مصدر هذه الكتابات هو الوحي الإلهي للروح القدس. ومع أن هذه النصوص كُتبت بواسطة أناس، إلا أنه «لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ» (٢بطرس ١: ٢١). وهذا المصدر الإلهي هو ما يُعطي الكتاب المُقَدّس سلطته المُطْلقة على حياتنا.

الرُّوح القُدُس والوحي

الوحي هو تعبير يستخدم لوصف نفوذ الله عن طريق الروح القدس لتوصيل رسالته عن طريق الأواني البشري. إن عمل الرُّوح القُدُس في مسألة الوحي هو السبب في وجود وحدةٍ أساسية في كل كلام الله بالنسبة للحق. وكروح الحق (يوحنا ١٤: ١٧؛ ١٥: ٢٦؛ ١٦: ١٣)، فسوف يقتادنا الروح إلى جميع الحق.

اقرأ ٢بطرس ١: ٢١؛ تثنية ١٨: ١٨؛ ميخا ٣: ٨؛ ١كورنثوس ٢: ٩- ١٣. ماذا تخبرنا هذه المراجع الكتابية عن كتبة الوحي المقدَّس، وعن انخراط الله في مَنْشَأ الكتاب المُقَدّس؟

لكونهم «مسوقين من الرُّوح القُدُس» (٢بطرس ١: ٢١) فإن ذلك لتوكيد كبير لعمل الرُّوح القُدُس بالوحي. في الرسالة الأولى لأهل كورنثوس ٢: ٩- ١٣ يُرجع الرسول بولس مُهمتي الرؤيا والوحي إلى الرُّوح القُدُس، فيقول بالنسبة لنا نحن، قد أعلن الله الأمور الخفية التي لم تنظرها عين، كما ذكر في الآية ٩. الله قد أعلنها بواسطة الروح (١كورنثس ١٢: ١٠). لقد تسلم الرّسل هذا «الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ» (١كورنثوس ٢: ١٢). ثم يتابع في الآية ١٣ إلى عمل الوحي أو الإلهام، حيث يتحدث عن أمور «لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوح القُدُس، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ.» فبولس الرسول لم يكن لديه أدنى شك عن مصدر وسلطان ما كان ينادي به. فبينما يرجع الكثير من أجزاء الكتاب المُقَدّس إلى إعلان وحي الله المباشر العظيم، إلا أنه ليس كل ما قد ورد نصّه في الكلمة المقدسة قد وصلنا بهذه الكيفية أو اُسْتُعلن بنفس الطريقة. فأحياناً كان الرب يستخدم كتبة الوحي المقدّس باستفساراتهم الشخصية الدقيقة الواعية عن أمور أو باستخدامهم وثائق أخرى متواجدة (يشوع ١٠: ١٣؛ لوقا ١: ١- ٣) لإعلان وتوصيل الرسالة. وهكذا فكل أجزاء الكتاب المُقَدّس معلنة وموحى بها. (٢تيموثاوس ٣: ١٦). وهذا هو الداعي لقول الرسول بولس بأن «كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ» (رومية ١٥: ٤). فالإله المتكلم والذي خلق اللغة الإنسانية واللسان البشري سيُمكِّن المختارين من التواصل وتوصيل الأفكار الموحى بها بطريقة فعالة وموثوق بها. «لقد سُرّ الرب ليوصّل حقه إلى العالم عن طريق عملاء بشريين، وبذاته عن طريق روحه القدوس. وقد أهّل أناساً ومكّنهم من الاضطلاع بعمله المقدس. لقد احسن قيادة العقل في اختيار الكلام الذي يتفوه به أو يكتبه. لقد أودع الكنز في أواني طينية ترابية، ومع ذلك وبالرغم من ذلك فهو من مصدر سماوي» (روح النبوة، رسائل مختارة، مجلد ١، صفحة ٢٦).

الرُّوح القُدُس وصدق الكلمة المقدسة

بيمنا تُعزّز الرؤيا كعمل خارق بواسطته يعلن الله الحق لأناس مختارين، فإنّ الوحي هو عمل الرُّوح القُدُس لحفظ وحماية صدق ما يدوّنه الكتبة حتى تنال كلماتهم تأييد الله الكامل. إن الله يمقت شهادة الزور (خروج ٢٠: ١٦) ولا يمكن أن يُمارِس الكذب (عبرانيين ٦: ١٨). إنه يُدْعى إله الحق (مزمور ٣١: ٥؛ إشعياء ٦٥: ١٦). وكذلك يُدعى الرُّوح القُدُس بروح الحق بطريقة مشابهة (يوحنا ١٤: ١٧).

اقرأ مزمور ١١٩: ١٦٠. ماذا يعلّمنا هذا النص عن كل ما يعلنه الله لنا؟

اقرأ يوحنا ١٧: ١٧. ماذا يقول لنا المسيح هنا بخصوص كلمة الله؟

إنَّ كلمة الله جديرة بالثقة وتستحق القبول الكامل. ليس مهمتنا أن نجلس وندين الكلمة المقدسة. على نقيض ذلك، فكلمة الله لها كل الحق والسلطان لدينونتنا. «لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عبرانيين ٤: ١٢) مع أنه، بطبيعة الحال، قد كُتب الكتاب المُقَدّس بأناس عائشين في أزمنة معينة وفي أماكن وثقافات خاصة (هل كان يمكن أن يختلف الأمر عن ذلك؟)، فلا ينبغي أن نتخذ ذلك ذريعة أو سبباً لتمييع موقفنا حيال الحق الكتابي فنرفض الانصياع لرسالة الوحي المقدّس لنا. فمتى فتحنا المجال لذلك لصار الكتاب المُقَدّس محلّ نقد وتحت تصرّف البشر ولتقديرهم لماهية الحق. وتكون النتيجة أن كثيراً من الناس، بينما يَدّعون الإيمان بالكتاب المُقَدّس، فإنهم يرفضون فكرة الخليقة في ستة أيام مثلاً، والطوفان الذي اجتاح كل العالم، والولادة من عذراء، وصعود يسوع بالجسد، وحرفية المجيء الثاني للمسيح. هذه هي بعض من كثير من الحقائق الكتابية التي يقبع بعض المنحرفين المنحطين في مكمن ليدينوا كلمة الله وليبطلوها. هذا مسلك لا ينبغي لأحد فينا أن ينجرف إليه أو يغوص في مستنقعه الآسن.

لماذا هو من الضروري جداً أن نخضع أحكامنا وآراءنا لسلطان كلمة اللهبدلاً من إخضاعها لأهوائنا؟

الرُّوح القُدُس كمُعلِّم

ليس الرُّوح القُدُس ذا فاعلية في الإلهام بالكلمة المكتوبة فحسب، بل في مساعدتنا لفهمها بطريقة صحيحة أيضاً. فإنه يخيم على عقول البشر ظلام حول فهم الحق، فهم بالطبيعة منفصلون ومنعزلون عن الله (أفسس ٤: ١٨). هذا هو السبب بأن الروح ذاته الذي أعلن وأوحى بكلمة الله، سيمكننا من فهمها. المشكلة ليست في أن الكتاب المُقَدّس غامض ومبهم. فالمشكلة تكمن في تصرفنا الملوث بالخطية نحو الله، الذي يعلن ذاته على صفحات الكتاب المُقَدّس.

الرُّوح القُدُس هو معلّم يتوق لأن يقودنا إلى فهم أعمق للكلمة المقدسة ولتقدير مفرح للكتاب المقدس. فهو يلفت انتباهنا إلى حق الله الكتابي ويعطينا مفاهيم عميقة منتعشة لتلك الحقائق الكتابية حتى تتصف حياتنا بالأمانة والطاعة وبقلب محب لمشيئة الله. وهذا كله ليحدث فقط إذا انجذبنا إلى الكتاب المُقَدّس بقلب متضع قابل للتعليم.

اقرأ ١كورنثوس ٢: ١٣و ١٤. ماذا يكتب الرسول بولس عن حاجتنا لتفسير الأمور الروحية روحياً؟

نعتمد على الرُّوح القُدُس لفهمنا لكلمة الوحي المقدس. فبدون الرُّوح القُدُس لا يمكننا استيعاب المغزى الروحي لكلمات الكتاب المُقَدّس، ومن ثم لا يمكننا سوى فهم معناها اللغوي فقط. وأكثر من ذلك، فإننا كأناس خطأة، نضاد ونعارض حق الله في أغلب الأحيان، ليس لأننا لا نفهمه بل بالحري لأننا لا نريد الانصياع له. فبدون الرُّوح القُدُس لا يوجد ميل أو قبول لكلمة الله ورسالته. ليس من رجاء ولا ثقة ولا محبة مُستجِيبة. فإنَّ ما يستطيع الرُّوح القُدُس أن يحييه في حياة المرء يكون منسجماً مع الحق المعلن قبلاً في الكتاب المُقَدّس.

الرُّوح القُدُس والكلمة

إن الرُّوح القُدُس، الذي أعلن وأوحى بمحتويات الكتاب المُقَدّس للبشر، لن يقودنا بعكس كلمة الله بأي حال.

اقرأ يوحنا ٥: ٣٩، ٤٦، ٤٧؛ يوحنا ٧: ٣٨. لأي سلطان يشير المسيح في هذه الآيات؟ كيف يؤكد الكتاب المُقَدّس أن يسوع هو المسيّا؟

يدَّعي بعض الناس أنهم تسلّموا «رؤى وإعلانات» خاصة وإرشادات من الرُّوح القُدُس تناقض رسالة الكتاب المُقَدّس البيّنة. فالنسبة لهم أن الرُّوح القُدُس قد تبوّأ سلطة أعلى من كلمة الله. لكننا متى ألغينا مفعول كلمة الله الموحى بها والمكتوبة وطرحنا جانباً رسالتها الجلية، فإننا نسير إلى أرض خطرة ولا نتّبع قيادة إرشاد روح الله. الكتاب المُقَدّس هو وحده حامينا الروحي وهو ملاذنا الأمين للإيمان الذي نحياه ونمارسه.

«أما الرُّوح القُدُس فيخاطب الذهن بواسطة الكتب المقدسة ويطبع الحق ويكتبه في القلب. وهكذا هو يفضح الضلال ويطرده من النفس . فالمسيح يخضع لنفسه شعبه المختار بواسطة روح الحق العامل بكلمة الله» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٨).

لقد أوضحت إلن هوايت بما فيه الكفاية أنه «لم يُعطَ الرُّوح القُدُس ولا يمكن ان يُمنح لكي يلغي الكتاب المُقَدّس. فكلمة الله تقرر بكل صراحة أن الكتاب المُقَدّس هو المقياس الذي به يُمتحن كل تعليم وكل اختبار» (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ١١).

فالرُّوح القُدُس لم يُعط ليحلّ محلّ كلمة الله. فهو بالأحرى يعمل من خلال الكتاب المُقَدّس وبانسجام معه ليجذبنا نحو المسيح، وبذلك يجعل من الكتاب المُقَدّس المقياس الوحيد لِلْقِيَم الروحية الكتابية الحقيقية. ويمكننا أن نتأكد عندما يأتي أحدهم بإدّعاءات ومزاعم تناقض كلمة الله، من أن ذلك الإنسان قد جانبه الصواب. نحن لا نستطيع أن نحكم على القلب والدوافع. ولكننا باستطاعتنا أن نحكم على التعاليم. والمقياس الوحيد الذي نقيسها به هو كلمة الوحي المقدسة.

لمزيد من الدرس

اقرأ لروح النبوة، في كتاب الصراع العظيم، الفصل الذي بعنوان «الكتاب المُقَدّس خيرُ حافِظ»، صفحة ٦٤٢- ٦٥٣؛ والفصل الذي بعنوان «لا تضطرب قلوبكم»، صفحة ٦٣٠- ٦٤٨، في كتاب مشتهى الأجيال.

فكّر في الحق الذي نعرفه لأنه قد أُعلن لنا في الكتاب المُقَدّس. فكّر، مثلاً، في الخليقة. يا له من تناقض صارخ بين ما تعلّمه كلمة الله عن كيف خُلقنا وعمّا تعلّمه البشرية عن كيف خُلقنا – فنحن، وفقاً لتعاليم البشر، قد جئنا إلى الوجود جرّاء عمليّة ما يسمونه اليوم «الفرضية الجديدة لدارون.» انظر كيف أخطأ الإنسان في تصوّره! فكّر، أيضاً، في المجيء الثاني ليسوع المسيح وقيامة الأموات في نهاية الزمان. هذه حقائق ما كنا لنتعلّمها بأنفسنا. كان يلزم أن تُعلن لنا، وهذا بالضبط ما حدث، إذ نجدها في كلمة الله التي أوحى بها الرُّوح القُدُس. وفي الحقيقة، إن أهم الحقائق جميعها هي أنّ المسيح قد مات كفّارة عن خطايانا وأننا مخلّصون بالإيمان به وبأعماله لأجلنا، وهي حقيقة عظيمة ما كنّا لنعرفها من ذواتنا، والآن نعرفها لأنّها قد أُعلنت لنا. فكّر في حقائق وتعاليم أخرى قد حصلنا عليها فقط ونستوعبها تماماً لكونها قد ورد ذكرها في كلمة الله. ووجودها فقط في الكتاب المُقَدّس يبيّن الى أي مدى تصبح كلمة الوحي المقدس مركزيّة وتحتلّ حيّزاً كبيراً في حياتنا. فكم هو من الأهمية بمكان أن تهيمن كلمة الله المقدسة على حياتنا؟

الرُّوح القُدُس: يعمل خلف الستار

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: حزقيال ٣٧: ٥و ٩؛ تكوين ١: ٢؛ أيوب ٢٦: ١٣؛ خروج ٣١: ١- ٥؛ يوحنا ١٦: ١٣و ١٤؛ غلاطية ٥: ١٦- ٢٣.

آية الحفظ: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يوحنا ١٦: ١٤).

لا ينال الرُّوح القُدُس ذات الاهتمام الجلي في كلام الوحي المقدّس مثل الآب والابن. ولكن الكتاب المُقَدّس يخبرنا بأن الرُّوح القُدُس كان متواجداً في جميع الأوقات المهمة على مدى التاريخ المقدَّس. في البداية، عندما خلق الله هذا العالم، كان الروح يعمل ولكن من خلف الستار. كان ناشطاً في إعطاء الوحي لأنبياء الله، قائماً بعمل في غاية الأهمية في تدوين كلمة الله. كما أن يسوع المسيح قد حُبل به من الرُّوح الْقُدُس ووُلِدَ من العذراء مريم

ومع ذلك فإن الرُّوح الْقُدُس لم يحتل المركز المميز في سِجِلّ الكتاب المُقَدّس، ومن المدهش حقاً أننا نعلم عنه القليل. إنه يقبع متوارياً في الخلف وهذا لأن عمله ومهمته هي أن يسعى لتقديم عمل أقنوم آخر في اللاهوت- يسوع، ابن الله- وأن يعطي مجداً لله الآب. كل ذلك لكي ما ينجو البشر الساقطون في الخطية من الموت الأبدي الذي ينتظرهم إذا ما استمروا في العصيان.

فمِن شهادة الكلمة المقدَّسة نعلم أن الرُّوح القُدُس يتقبل دوراً داعماً، معيناً، حافظاً ومؤيداً، وأنه يقوم بذلك طواعية وعن طيبِ خاطر وبعيداً عن الأنظار. يستوي الأمر عنده في عمل الخلق أو الفداء أو العمل الكرازي، فإنه لا يقف في دائرة الضوء، بالرغم من أهمية الدور الذي يقوم به.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم، الموافق ١٤كانون الثاني (يناير).

تَخَفّي الرُّوح القُدُس

اقرأ يوحنا ٣: ٣-٨؛ حزقيال ٣٧: ٥، ٩. لماذا يتماشى هبوب الريح مع عمل الرُّوح القُدُس المخفي؟

من خلال مقارنة أعمال الرُّوح القُدُس بنشاط الرياح، يصف الرب يسوع العمل الخفي للروح القدّس. فتحركات الرياح لها طابع خفيّ غير منظور. ليس من السهل أن تعرف من أين تهب الريح أو إلى أين تذهب. فمَن ذا الذي لم يحيّره هبوب الريح المفاجئ أحياناً من حيث لا يعرف؟

ومع هذا نستطيع أن نتعلم من تحركات الريح ونألف نشاطها وهبّاتها المفاجئة. بطريقة مشابهة فإن الرُّوح القُدُس يعمل كيفما أراد. لا أحد يقدر أن يسيطر عليه. وبالرغم من ذلك فباستطاعتنا أن نعرف ونحسّ نشاطه وعمله. الرُّوح القُدُس كالريح تماماً غير منظور ومع هذا يكون في أوج قوته. إننا، بالطبع، نشعر بوجود الريح وغالباً ما نرى تأثيرها، مع أننا لا نشاهدها بأعيننا. من النسيم العليل الخفيف إلى الإعصار القاتل يمكن للريح أن تصبح قوة هائلة. عندما يوصف الرُّوح القُدُس بالريح، فإن نشاطه قد ارتبط بفكرة إعطاء الحياة للموتى. وهذا الأمر يفترض بلوغ القوة إلى أقصى مداها، مدى لا يبلغ الوصول إليه إلا الله وحده.

كيف يتم إنجاز ذلك، إنه سرّ. فالله وأعماله من خلال الرُّوح القُدُس هي أعظم كثيراً مما نستوعب من أمور كثيرة جداً، دنيوية أو مقدّسة.

هذا ليس معناه أننا نعجز عن فهم ما ينجزه الرُّوح القُدُس. ولكننا علينا أن نتحقق ونقرّ بأن الفضيلة المناسبة عند التعامل مع الأسرار الإلهية هي التواضع. التواضع يقدّر ويعتز بعظمة المولى ويعرف محدودية المخلوق ويقبل كذلك ويقرّ بحاجته إلى الإعلان الإلهي.

لقد سطرت إلن هوايت بذكاء قولها: «وأسرار الكتاب المقدّس التي هي أسمى وأبعد من أن تتطاول الحجج المضادّة لها للنَّيل منها هي من أقوى البراهين على أنّه موحى به من الله. فإذا كان البيان الذي يورده عن الله ممّا يمكننا أن ندركه، وإذا أمكن للعقول المحدودة أن تدرك عظمته وجلاله فإنَّ الكتاب المقدّس لا يمكن أن يحمل البراهين التي لا تخطئ، على مصدره الإلهي كما هو الحال الآن. إنَّ عظمة مواضيعه وأبحاثه يجب أن تلهمنا الإيمان بأنّه كلمة الله» (التربية الحقيقية، صفحة ٢٠٠).

الرُّوح القُدُس وقت الخَلقِ

إن إنجاز الله الأكبر على هذا الكوكب هو الخليقة. وعند الحديث عن الخلق، يذكر الكتاب المُقَدّس بوضوح اسم الله (تكوين ١: ١) ويسوع المسيح (كولوسي ١: ١٦، ١٧) كخالق للسماء والأرض وكل ما فيها (يوحنا ١: ١-٣). ومع هذا يذكر الكتاب المُقَدّس أيضاً تواجد الرُّوح القُدُس في عمل الخليقة.

اقرأ تكوين ١: ٢؛ أيوب ٢٦: ١٣؛ ٣٣: ٤؛ مزمور ٣٣: ٦؛ ١٠٤: ٢٩، ٣٠. ماذا كان دور الرُّوح القُدُس في الخليقة؟ ما هي علاقة رُوحُ اللهِ بخلق الحياة؟

تذكر قصة الخلق الواردة في تكوين ١: ٢ حضور الرُّوح القُدُس عند إجراء الخلق. إن المراجع المأخوذة من أيوب ٢٦: ١٣؛ ٣٣: ٤؛ مزمور ١٠٤: ٢٩، ٣٠؛ ٣٣: ٦ جميعها تدعم دور الرُّوح القُدُس النشط في العمل المعجزي الخارق المتعلق بخلق الأرض. فبينما يذكر الكتاب المُقَدّس بجلاء اسم الآب السماوي وابنه السماوي يسوع المسيح مشتركين في خلق العالم (انظر إشعياء ٦٤: ٨؛ كولوسي ١: ١٦، ١٧)، فالرُّوح القُدُس متواجد كذلك وإن كان بطريقة خفية مبهمة.

إنه لا يبرز كعامل أو عنصر رئيسي فاعل في عملية الخلق، وبدلاً من ذلك فإنه «يرف» على وجه الأرض الخالية، وهكذا فإنه من خلال تحركاته هو متواجد عند بدء الحياة على الأرض.

الكلمة العبرية «merahepeth» المترجمة «يرف على» في تكوين ١: ٢، هي نفس الكلمة الواردة في تثنية ٣٢: ١١، حيث يشبّه اللهُ بنسر يرفرف فوق عشّ صغاره. إن الرُّوح القُدُس كان مشاركاً بشكل جوهري في عملية الخلق ووجود الحياة على هذه الأرض، وكان يعتني بالكائنات الحية حديثة الخلق كما يهتم النسر بصغاره. ويقترح سفر المزامير ١٠٤: ٣٠ بأن عمل الخلق كان فقط ممكنناً من خلال عمل الرُّوح القُدُس وبأنه اضطلع بدور نشط فعال في هذه المهمة.

الرُّوح القُدُس والمَقْدِس

«فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ» (خروج ٢٥: ٨).

بعد عمل الخَلق، تبرز خطة الله للخلاص في الكتاب المُقَدّس آخذة أهمية قصوى. في عالم ساقط في الخطية، ما فائدة عملية الخلق دون وجود خطة للفداء؟ كخطأة، نحن لا نحتاج مجرد خالق فحسب وإنما نحتاج فادياً. كم ينبغي أن نحمد الله لأن لنا فادياً بالفعل، يسوع المسيح. بدونه نكون بلا رجاء في العالم الذي فيه ومن ذاته لا يقدّم لنا شيئاً البتة.

في العهد القديم كان المَقدِس الأرضي وخدماته يعبّر عن غفران الله للخطية ويرمز إلى عمل يسوع فادينا. هنا أُعلن لإسرائيل القديم خطة الخلاص، (انظر عبرانيين ٤: ٢). وبينما اختص العديد من خدمات المقدِس بالإشارة إلى يسوع وموته لأجل غفران الخطايا، يُصَوَّرُ الرُّوحُ القُدُس منهمكاً في قيادة أشخاص معينين لبناء المقدِس على النمط الذي أعلنه الرب لموسى.

اقرأ خروج ٣١: ١- ٥. بأي شكل كان الرُّوح القُدُس مشتركاً في بناء المقدِس؟ كيف ساعد الرُّوح القُدُس أولئك الذين شيدوا مسكن الله؟

 

يخبرنا الكتاب المُقَدّس أن الرُّوح القُدُس كان متواجداً وقت بناء المقدِس أيضاً، المركز الرئيسي الذي تصالح فيه الله والناس، وفيه وتقابل الإله القدوس بأناس خطأة. لقد كلّف الله موسى، حسب خطة إلهية، أن يبني المقدِس الأرضي على نمط المقدِس السماوي الأصلي (خروج ٢٥: ٩، ٤٠).

كان المقدِس هو النموذج الإلهي لشرح خطة الخلاص. كان الله سيسكن وسط شعبه بطريقة معينة، وكان سيفعل ذلك في المقدِس الذي كلفهم ببنائه. ووقع على عاتق الرُّوح القُدُس تعضيد البشر ومساعدتهم حتى ينجزوا، بمهارة فائقة، ما طلب الله منهم، وبدون معونة الرُّوح القُدُس ما كان الإسرائيليون ليستطيعوا أن يتمموا هذا العمل المعماري الفني الرائع.

الرُّوح القُدُس في تمجيد يسوع المسيح

كان الرُّوح القُدُس ناشطاً إبّان أزمنة العصور القديمة. ومع ذلك فإنَّ نشاطه، على ما يبدو، لم يظهر بمقدار ما ظهر به في العهد الجديد. وبمجيء يسوع، المسيا الموعود به، تركزت خدمة الرُّوح القُدُس وازدادت وأخذ يهب العطايا الروحية إلى كل المؤمنين. وبينما يخبرنا كتاب العهد الجديد بأن الرُّوح القُدُس كان دائباً على العمل في مجالات عدة في حياتنا الروحية وفي حياة الكنيسة، فلربما يكون أعظم عمل يقوم به هو تمجيد الرب يسوع المسيح.

اقرأ يوحنا ١٦: ١٣، ١٤ ويوحنا ١٥: ٢٦. ما هو عمل الرُّوح القُدُس حسب قول يسوع المسيح؟ وكيف يتعلق أي عمل يقوم به الرُّوح القُدُس بهذا العمل الرئيسي؟

يخبرنا يسوع المسيح بأن الرُّوح القُدُس لا يتكلم من ذاته، وإنما لصالح يسوع المسيح. فيدور مجال كلامه حول إعلاء عمل المسيح الفدائي. فينزوي وراء الستار ويسلط الضوء على يسوع. لقد صدق القول فيه بأن «مرسلية الرُّوح القُدُس ومهمته إلينا لم تكن أبداً ‘انظروا إليّ، اصغوا إليّ، تعالوا إليّ، تعرفوا عليّ’، وإنما كانت دائماً وأبداً ‘انظروا إليه، وعاينوا مجده؛ اصغوا إليه واسمعوا كلامه؛ اذهبوا إليه، وخذوا الحياة؛ تعرّفوا عليه وذوقوا ثمرة فرحه وسلامه.’ ويمكننا أن نقول بأن الروح القدس هو العميل السماوي الموفّق والموثّق لقران المسيح بالكنيسة والحفاظ على هذا الرباط المقدَّس.» [ج. آي. بيكر، تناغموا مع الروح: الحصول على الامتلاء من خلال سيرنا مع الله، طبعة منقحة وموسَّعة (جراند رابيدز: مطبوعات بيكر، ٢٠٠٥)، صفحة ٥٧و ٥٨].

إنَّه لمِن الأهمية بمكان معرفة أنّ أي تكريم لعمل الرُّوح القُدُس ينقص مِن شخص وعمل يسوع المسيح هو ليس من الرُّوح القُدُس. وبمقدار ما للرُّوح القُدُس من أهمية لحياتنا الروحية، لا يجوز البتة أن يأخذ المكان المخصص ليسوع المسيح في حياتنا ولخلاصنا. حينما يتمجد المسيح يكون ذلك دليلاً على شهادة الرُّوح القُدُس بأنه يعمل. هذا هو سبب تسميتنا «مسيحيين» أي أتباع المسيح (قارن بأعمال ١١: ٢٦)، بدلاً من « ‘Pneumians’ أو ‘نيوميانز’ « التي تعني أَتْبَاع الرُّوح [انظر غراهام أ. كول، «هو الذي يعطي الحياة»: عقيدة الروح القدس (ويتون، إيل: كروس وايز للنشر، ٢٠٠٧)، صفحة ٢٨٤].

الرُّوح القُدُس والمسيح

لقد حقق الرُّوح القُدُس عملية تجسد المسيح (لوقا ١: ٣٤و ٣٥). إنه قد مَسَحَ المسيح تمهيداً لمرسليته (لوقا ٣: ٢١و ٢٢). فَإنّ مَسْحُ يسوع المسيح من قِبَل الروح القدس قد أيّده بقوة ليتم عمل ومهمة المسيا وأهّله لسكب الروح على تلاميذه. فالرُّوح القُدُس قاد يسوع وعضّده في تجربته من إبليس (مرقس ١: ١٢؛ متى ٤: ١؛ لوقا ٣: ١و ٢و ١٤) حتى يتمكن يسوع من أَنْ يُعِينَ الذين يُجرّبون (عبرانيين ٢: ١٨؛ قارن ذلك بما ورد في عبرانيين ٤: ١٥و ١٦). لقد أيّد الرُّوح القُدُس يسوع بقوة عظيمة لإنجاز العمل الفدائي، (عبرانيين ٩: ١٤) وجعل قيامة المسيح يسوع حقيقية (١بطرس ٣: ١٨). في كل هذه الأعمال والمهمات العظيمة، بقي الرُّوح القُدُس متوارياً منزوياً في الخلف، ورفع يسوع المسيح إلى مكان الصدارة.

اقرأ لوقا ٢٤: ٤٤-٤٩؛ غلاطية ٥: ١٦-٢٣؛ أفسس ٤: ٢٣و ٢٤. ماذا نعرف عن عمل الرُّوح القُدُس من هذه الفقرات؟ بأي كيفية يمجِّد الرُّوحُ القُدُس يسوعَ المسيح؟

إن الرُّوح القُدُس يمجّد المسيح، على الأقل بالطرق الآتية:

١. بالتعليم والتحدث عنه بطريقة موثوق بها ويُعتمَد عليها في الأسفار المقدسة. فليس من أمر يجب أن نعرفه عن يسوع ومهمته الخلاصية، غائب أو مبهم أو مضلل. إن كل شيء موجود وواضح في كلمة الله، لو أننا طالعناه بإيمان واتضاع.

٢. يربطنا رجالاً ونساءً في شركة خلاصية وعلاقة مقدَّسة مع المسيح. يعمل الرُّوح القُدُس بلطف رقيق في قلوب وعقول الناس. ينير عقولهم حتى يفهموا الأمور الروحية وكي يكونوا راغبين بثقة كاملة في قبول يسوع المسيح قائداً لهم وفادياً.

٣. بمساعدتنا لغرس أخلاق المسيح وسجاياه فينا. فيُحيي فضائل المسيح في حياتنا (غلاطية ٥: ٢٢و ٢٣). إننا نحرز النصرة على الخطية بواسطة دم يسوع. (قارن هذا برؤيا ١٢: ١١) ويمَكِّننا الرُّوح القُدُس من السير بأمانة حسب وصايا الله.

٤. بمساعدتنا كي نحيا على شاكلة المسيح، منكرين ذواتنا في محبة وخدمة صادقة للآخرين. فيحثُ الرجال والنساء على الانخراط في أنماط أعمال لمجد الله ويعيننا كي نتواصل مع الآخرين بروح المسيح الجذابة.

لمزيد من الدرس

ما مِن شك في أن عمل الرُّوح القُدُس هو في غاية الأهمية لنا في سيرنا مع الله. ومرة ثانية، نصرح بأنه لربما أننا لا نرى بأم أعيننا عمله واضحاً، ولكننا نستطيع أن نحسّ تأثيره على حياتنا وحياة الآخرين. فلو أن حياتك قد تغيرت بواسطة الإيمان بيسوع المسيح، فإنها تكون قد تغيرت، فقط، بفعل عمل الرُّوح القُدُس فيها. «ومع أن الريح لا ترى بالعين فإنها تحدث نتائج نراها ونحس بها . هكذا عمل الروح في النفس فهو يعلن عن نفسه في كل عمل يعمله من قد أحس بقوته المخلصة. عندما يملك روح الله على القلب يغير الحياة، فالأفكار الشريرة تطرد بعيدا والأعمال الخاطئة يبتعد الإنسان عنها . وفي موضع الحسد والغضب والخصام تملك المحبة والوداعة والسلام ، ويحل الفرح في مكان الحزن والكآبة ، وتسطع على الوجه أنوار السماء» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ١٥٠). هذه وعود عظيمة، ولقد بيّن العديد من الاختبارات الحياتية حقيقة هذه التغييرات والوعود. لكن عمل الرُّوح القُدُس ليس لحظياً طارئاً يجعلنا، بطريقة أتوماتيكية، كما ينبغي أن نكون. فحياة الإيمان والخضوع لله هي حياة جهاد وتسليم وتوبة عندما نسقط. الرُّوح القُدُس هو العميل العلوي الذي يعمل في حياتنا ليجعلنا خليقة جديدة في المسيح. على أنّ هذا الإجراء هو عمل يستمر على طول الحياة. مع أنّ أخطاءنا وضعفاتنا ينبغي أن تضعنا في رضوخ كامل لله فلا يجب أن نسمح للشيطان بأن يضعف عزيمتنا في حياتنا المسيحية، وهو يتحفز دائماً لأن يفعل ذلك. عندما تطاردنا معاصينا فيلزمنا دائماً أن نتذكر موت المسيح عوضاً عن الخطأة. ولأننا كما نحن عليه تماماً، خطأة نحتاج إلى النعمة، لذا مات المسيح عنّا مؤهلاً إيانا لنيل تلك النعمة.

أسئلة للنقاش

١. لماذا يُعتبر الكتاب المُقَدّس الدليل الآمن للردّ على الأسئلة الروحيّة أكثر من الانطباعات الوهميّة؟ ما هي النتائج المترتبة على عدم قبول الكتاب المُقَدّس كمقياس لكلّ التعاليم ولاختبارنا الروحي؟

٢. غالباً ما نسمع عن كلمة «الحقّ» تستعمل في نصوص عديدة. في الصفّ، تحدث عن مفهوم الحقّ وليس فقط عما هو صواب أو خطأ، وإنّما عّما نقصد بقولنا أن أمراً ما هو حقّ. فما معنى أن يكون الأمر «حقّاً»؟

٣. كيف يجب أن تتصرف كنيستك حيال شخص يدّعي الحصول على «نور جديد»؟

٤. وزان الاختلافات الجوهرية بين ما يعلّم به الكتاب المُقَدّس عن خلفيتنا وما تعلمه الحكمة الإنسانية، وهذا هو المفهوم الحديث لنظرية النشوء والارتقاء مناقضاً تماماً لتعاليم الكتاب المُقَدّس. لماذا يجب أن يجعلنا هذا التناقض نثق بسلطة الكتاب المُقَدّس أكثر من أي شيء آخر؟

 

الدرس الثاني

٧- ١٣كانون الثاني (يناير)

الدرس الثالث

١٤كانون الثاني (يناير)

ألوهية الرُّوح القُدُس

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: أعمال ٥: ١-٤؛ ١كورنثوس ٢: ١٠و ١١؛ إشعياء ٦٣: ١٠-١٤؛ تيطس ٣: ٤-٦؛ رومية ٨: ١١؛ ١بطرس ١: ٢.

آية الحفظ: «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوح القُدُس مَعَ جَمِيعِكُمْ» (٢كورنثوس ١٣: ١٤).

إن ألوهية الآب مسلّم بها في كلّ أجزاء الكتاب المُقَدّس طولاً وعرضاً بسهولة. ونجد هذه الحقيقة معبّر عنها في كلا العهدين القديم والجديد. إنها من أهم وأعظم الحقائق الكثيرة المعلنة في الكتاب المُقَدّس الذي هو كلمة الله.

وتؤكَد أيضاً ألوهية يسوع المسيح في أماكن عدة في الكلمة المقدّسة وخاصة، بالطبع، في العهد الجديد، في الأناجيل الأربعة والرسائل أيضاً.

ولكن ألوهية الرُّوح القُدُس تُعلَّم بطرق أكثر غموضاً وتعبيرات عويصة مبهمة. ويمكن استنباطها من عبارات كتابية بطريقة غير مباشرة. وهنا يلزمنا أن نقارن النصوص الكتابية ببعضها البعض حتى نستطيع أن ندرس بدقة ما يعلنه الله في كلمته المقدّسة عن الرُّوح القُدُس. بفعلنا ذلك لا ينبغي أن نؤكد بطريقة لا تقل عمّا تدونه الكلمة المقدسة. ولا يجب أن نزيد على ما هو مكتوب (١كورنثوس ٤: ٦). إن هذا الموضوع يتطلب روحاً متواضعاً قابلاً للتعلّم. فلا يجب أن يقودنا مفهومنا البشري عن كنه الله إلى كيفية فهم الرُّوح القُدُس. فبدلاً من ذلك، يجب أن نقبل ونؤيد ما يسطّره كلام الله المقدّس مهما صعبت علينا المفاهيم حتى نستوعبها تماماً.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢١كانون الثاني (يناير).

الرُّوح القُدُس والله

الكتاب المُقَدّس لا يعرض وصفاً منتظماً عن ألوهية الرُّوح القُدُس. ونجد بدلاً من ذلك آثاراً وإشارات هامّة تدلّ على أن كتبة الأسفار المقدْسة قد اعتبروا الرُّوح القُدُس معادلاً لله. هناك العديد من العبارات الكتابيّة ترجع بعض الأعمال إلى الله وكذلك إلى الرُّوح القُدُس.

اقرأ سفر الأعمال ٥: ١  ٤. ماذا يمكننا أن نعرف عن الله والرُّوح القُدُس من كلام الرسول بطرس إلى حنانيا؟

لو لم يكن الرُّوح القُدُس كالله، لكان بطرس هنا ينطق بكلام بغاية الاهمال وبطريقة خطيرةٍ ومضلّلة. فإنّ الطبيعة الإلهية للرُّوح القُدُس تتجلى من خلال حقيقة أن الرسول بطرس يضع الذات الإلهيّة والرُّوح القُدُس على مستوى واحد. يتحدث بطرس إلى حنانيا في العدد الثالث قائلاً: لماذا كذبت على الرُّوح القُدُس ويواصل قوله في الآية الرابعة: «أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى الله.» إنَّ بطرس الرسول يعادل بوضوح اللهَ بالرُّوح القُدُس. فلقد أشار بطرس إلى أن حنانيا لم يقتصر كذبه على الرسل بل كذب على الله ذاته. فالكذب على الرُّوح القُدُس هو كذب على الله. الرُّوح القُدُس هو الله، تتّضح هذه النقطة تماماً بهذه الكيفية.

فلماذا كان هذا العقاب الصارم لما فعله حنانيا وسفيرة؟

يجب أن نتذكّر بأنّ المؤمنين في الكنيسة الأولى، الوارد ذكرهم في سفر أعمال الرسل، كانوا قلباً واحداً ونفساً واحدة (انظر أعمال ٤: ٣٢ ). هذا الاتحاد كان نتاج عمل الرُّوح القُدُس، وهذا هو السبب في أنّهم تقاسموا طواعيةً وبكامل حريّتهم كل ما كانوا يمتلكونه. الكذب بالنسبة للمشاركة معناه التنكّر للوَحدة وتكذيب الروح الذي أسّس هذه الوَحدة وجعلها ممكنة.

هذا هو السبب في أنّ كذب حنانيا وسفيرة زوجته قد زوّر العمل الإلهي وحضور الرُّوح القُدُس وسط جماعة المؤمنين في الكنيسة الأولى. إنّ صفة عدم الأمانة نحو الله، كتلك التي لحنانيا وسفيرة، هي صفة مدمّرة وتعرقلْ دور الرُّوح القُدُس في أن يعمل بفاعلية في حياة المؤمنين. يودّ الله أن نقدّم له خدمةً كاملة غير منقسمة أو منقوصة. ولأنّ جماعة المؤمنين الحديثة آنئذٍ كانت في منعطف خطر، استعمل الله وسائل ذات نتائج خطيرة ليمكّن هذه الكنيسة الوليدة من العمل في وَحدةٍ وإخلاص لبعضهم البعض وليكونوا راغبين في قيادة الرُّوح القُدُس.

السجايا الإلهّية الحُسْنى للروح القدّس

في فقرات كتابّية كثيرة يوصف الرُّوح القُدُس بصفات وسجايا إلهّية.

ما هي بعض الصفات والأنشطة المدونة للروح القدّس في المراجع الكتابية الآتية؛ الصفات والأنشطة التي بخلاف ذلك لا تُنْسَب إلا للذات الإلهيّة فقط؟

١. ١كورنثوس ٢: ١٠ ، ١١ ؛ قارن مع إشعياء ٤٠: ١٣ ، ١٤

٢. مزمور ١٣٩: ٧

٣. عبرانيين ٩: ١٤ ؛ قارن مع ١تيموثاوس ٦: ١٦

٤. لوقا ١: ٣٥ ؛ رومية ١٥: ١٩ ؛ قارن مع مزمور ١٠٤: ٣٠

في اختباره لحكمة الله، يحاور بولس الرسول قائلاً بأنّ الرُّوح القُدُس هو الذي يُعلن هذه الحكمة لنا ويجعلها معروفة عندنا. وكان المبدأ الذي يطبّقه بولس الرسول بهذا الصدد هو أن فقط ذاك الذي يعادل الله يقدر أن يسبر غور الله ويعرف مكنوناته. (١كورنثوس ٢: ١٠ ، ١١). لا يوجد أحد يعرف الله كما يَعْرِفَه الرُّوح القُدُس، لأنّه يعرِف الله من العمق. وهو يعرِف بطريقة أعمق مّما يعرِفه أحد من الخارج. فالرُّوح القُدُس بحقّ كلّي المعرفة.

إنّ حضور الرُّوح القُدُس هو حضور الله. فإذا كنت لا أستطيع أن أهرب إلى مكان لا يتواجد فيه الرُّوح القُدُس، إذن هو موجود في كلّ مكان. قارن مع (مزمور ١٣٩: ٧).

ويقال أنّ الرُّوح القُدُس أزلي (عبرانيين ٩: ١٤). فكم شخص أزلي يوجد؟ الله وحده أزلي (١تيموثاوس ٦: ١٦). فلو دُعي الرُّوح القُدُس أزلياً، فلا بدّ أن يكون هو الله.

الرُّوح القُدُس هو أيضاً كليّ القدرة أي يقدر على كل شيء. في لوقا ١: ٣٥ العبارتان «الرُّوح القُدُس» و «قُوَّةُ الْعَلِيِّ» مترادفتان تركيباً. وهنا يشيران إلى معجزة من طراز فريد، حبل السيدة العذراء. وفي رومية ١٥: ١٩، يقرّ الرسول بولس بأن هذه الكرازة قد أُنجزت «بِقُوَّةِ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ، بِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ.» فحقيقة يستطيع الرُّوح القُدُس أن يصنع المعجزات الإلهيّة.

ويقول الربّ يسوع أيضاً بأن التجديف على الرُّوح القُدُس لن يُغتفر (متى ١٢: ٣١ ، ٣٢ ؛ مرقس ٣: ٢٨ ، ٢٩). هذا الأمر يصعب إدراكه ما لم يكن الرُّوح القُدُس إلهاً قديراً.

ولكن لربما يكون تغيير القلب والعقل هو أهم أعمال الرُّوح القُدُس. إنّ الروح القدس هو الذي يجري عمل الولادة الجديدة الروحيّة (يوحنا ٣: ٥ – ٨). فإنّ عنده المقدرة أن يعمل أمراً عظيماً لا يقدر أن يقوم به إلاّ الله وحده.

دلائل كتابية

توجد مراجع متنوعة تشير إلى الرُّوح القُدُس في الكتاب المُقَدّس تتبادل وتتناوب مع مراجع تشير إلى الله.

اقرأ إشعياء ٦٣: ١٠  ١٤ وقارنها مع سفر العدد ٣٢: ١٢ . إلى مَن يشير كاتبها في هذه الفقرات؟ وماذا يخبرنا ذلك عن ألوهية الرُّوح القُدُس؟

في إشعياء ٦٣: ١٠ ، تذمّر الشعب وَأَحْزَنُوا الرُّوح القُدُس. ومهما يكن من أمر، فالنصّ المرادف، كما يظهر في سفر العدد ١٤: ١١، يدوّنه قول الرب لموسى «حَتَّى مَتَى يُهِينُنِي هذَا الشَّعْبُ؟» وفي سفر التثنية ٣٢: ١٢، نُحاط علماً بأن «الرَّبُّ وَحْدَهُ اقْتَادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ أَجْنَبِيٌّ». من الواضح أنّ كتبة كلمة الله قد رأوا الله والرُّوح القُدُس معاً على منصّة واحدة.

في ٢صموئيل ٢٣: ٢ نقرأ النصّ «رُوحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي»، بينما يقول المرادف في الآية الثالثة: «قَالَ إِلهُ إِسْرَائِيلَ إِلَيّ.» مرّة ثانية نجد أنّ العبارتين المترادفتين تُختمان بأنّ الرُّوح القُدُس يُعتبر مساوياً لله.

قارن ١كورنثوس ٣: ١٦، ١٧ مع ١كورنثوس ٦: ١٩ ، ٢٠ وقارن ١كورنثوس ١٢: ١١ مع ١كورنثوس ١٢: ٢٨. كيف تستعمل المراجع التي تشير للروح القدس بالتبادل مع المراجع التي تشير للربّ الإله؟ ماذا يُنسب إلى الله والرُّوح القُدُس في ذات الوقت؟

في ١كورنثوس ٣: ١٦ ، ١٧ يستخدم الرسول بولس لغة مشابهة للتي في ١كورنثوس ٦: ١٩ ، ٢٠ فبالنسبة للرسول بولس، أن تمتلئ بالرُّوح القُدُس معناه أن يسكنك الله. وبمساواة التعبير «هيكل الله» بـ «معبد الرُّوح القُدُس» يشير بولس إلى أنّ الرُّوح القُدُس هو الله. في ١كورنثوس ١٢: ١١، يكتب الرسول بولس بأنّ الرُّوح القُدُس هو مَن يُقسّم المواهب الروحية للأعضاء المؤمنين وبعد بضع آيات نقرأ أنّ الله هو الذي يوزّع المواهب الروحّية. فالرسالة المتضّمنة واضحة: فالرُّوح القُدُس يقوم بنفس النشاط كالله تماماً، وهو دليل قويّ بأن الرُّوح القُدُس هو معادل لله.

العمل الربّاني للروح القدس

يقوم الرُّوح القُدُس بإجراء أعمال معيّنة، التي ينسبها الكتاب المُقَدّس إلى الله وحده، فهو نشط في العمل الربّاني الخلاّق، وهو نشيط بنفس القدر في تجديد الله للنفس وخلقها من جديد بلا خطيّة.

اقرأ تيطس ٣: ٤  ٦ كيف يصف بولس الرسول اشتراك الرُّوح القُدُس في عملية الخليقة الجديدة؟

يأتي ذكر الرُّوح القُدُس جنباً إلى جنب مع «الله مخلّصنا» (تيطس ٣: ٤) في محتوى غسل التجديد (المعمودية) وتجديدنا الروحي (تيطس ٣: ٥). فهو العامل في ولادتنا الجديدة. وهو يجدّد قلوبنا. ويوقظ فينا الرغبة للافتداء بيسوع المسيح واتّباعه. هو روح الحياة (رومية ٨: ٢) وهو مَن يقدّس الخطاة ويغيّر أخلاقهم. وهو يساعدنا على طاعة يسوع المسيح مخلّصنا. فقط إله سماوي يقدر أن يؤدي هذه الأعمال العجيبة الرائعة.

قارن بين إشعياء ٦: ٨  ١٠، أعمال ٢٨: ٢٥  ٢٧. لمَن ينْسِب مدوّنو الكتاب المقدّس هذا النصّ الإلهي؟

توجد عدة فقرات كتابيّة التي فيها، من ناحية، يُدَوَّنُ بأن الله يتكلّم، وتوجد فقرات أخرى يُدَوِّنُ فيها كتّاب آخرون بأنّ الرُّوح القُدُس هو المتكلّم. إن الرُّوح القُدُس هو الذي أوحى بالكلمة المقّدسة لنا (بطرس الثانية ١: ٢١)، ويُذْكَر في موضِع آخر أن «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ» (٢تيموثاوس ٣: ١٦). وهنا نجد أن تسليم الكلمة المقدسة هو عمل آخر من أعمال الرُّوح القُدُس وهو عمل إلهي.

ماذا تعلّمنا الآية في رومية ٨: ١١ بخصوص ألوهية الرُّوح القُدُس؟

يدّون الكتاب المقدّس بأنّ الرُّوح القُدُس أقام يسوع من بين الأموات وهو سوف يقيمنا نحن أيضاً. الله فقط لديه القدرة لإقامة الموتى من القبور. من ثمّ يكون الرُّوح القُدُس هو الله بلا مراء.

أهمية ألوهية الرُّوح القُدُس

ما الذي يُفقَد إذا لم يكن الرُّوح القُدُس إلهاً؟ لو لم يكن الرُّوح القُدُس الله تماما، لكانت مُقدَّرات خطوات الخلاص والعبادة في خطر. فالكتاب المُقَدّس يخبرنا بأن الرُّوح القُدُس يجدّد المؤمنين. يسكن فيهم ويملأهم. إنّه يُجدد أفكارنا ويغيّر أخلاقنا. وله القدرة أن يقيم من الموت. ويجعل تابعي يسوع قديسين. فلو لم يكن الرُّوح القُدُس هو الله، فكيف نتأكد بأنّه يستطيع أن يقوم بكلّ هذه المهام بطريقة ترضى الله؟

اقرأ ١بطرس ١: ٢؛ ٢كورنثوس ١٣: ١٤؛ ومتى ٢٨: ١٨ ، ١٩. حيث أنّ الرُّوح القُدُس يُذْكر جنباً إلى جنب مع الله الآب والابن يسوع المسيح  في المعمودية ومنح البركة، فما هو موضع الرُّوح القُدُس فيما يتعلق بتوقيرنا وعبادتنا لله؟

إنّ ألوهية الرُّوح القُدُس تساعدنا في التعامل معه بطريقة لائقة تكرمه وتقبله مُكرّماً في مكانه اللائق بجلاله. فإن حياتنا الروحية تستند إلى كونه الله. إنّ كنيسة العهد الجديد تضع، بلا تردّد، أقنوم الرُّوح القُدُس جنباً إلى جنب مع الأقنومين الآخرين للألوهية. ويحتلّ الرُّوح القُدُس نفس رتبة ودرجة الآب والابن في فريضة المعمودّية. وللمعمودية مغزى روحي عميق، فهي فريضة عبادة جليلة. وما يُمارس في فريضة المعمودية، يُمارس أيضاً في الختام الرسولَي. إنّها ابتهال تعبّدي حيث يمجّد فيه الرُّوح القُدُس تماماً كالآب والابن. فالثلاثة أقانيم يذكرون معا كوحدة واحدة مؤكّدة.

يتأكد موقع الرُّوح القُدُس كأقنوم جدير بالعبادة في العهد الجديد، ليس فقط في المعمودية وفي ختام الاجتماع الرسولي، ولكن من خلال المطلب الدائم المتعلق باعتمادنا عليه في حياتنا الروحّية ووجوب طاعته بوصفه معلَمنا السماوي ومُقدِّسنا. هل يهمّ كون الرُّوح القُدُس هو الله؟ نعم بكل تأكيد. فلو كنا نعرف مَن هو حقيقةً، ونتحَقّق ونعترف بألوهيته، فسوف نحترم عمله ونقدّس ربوبيّته ونعتمد عليه في نموّنا الذاتي وتكريسنا.

لمزيد من الدرس

كما رأينا من درس هذا الأسبوع، فإنّ دليل ألوهية الرُّوح القُدُس مقنع تماماً. الرُّوح القُدُس هو الله. ولكن تذكّر: بالتفكير في الرُّوح القُدُس نحن نتعامل مع سرّ إلهي. ومرة أخرى نعيد التأكيد على هذه النقطة: إنه بالقدر الذي نعجز فيه عن فهم كنه الله وطبيعته بشكل تام، فإننا يجب أن نقاوم التورّط في جعل مفهومنا البشري يكون هو المقياس لما ينبغي أن يكونه الله. فإنّ الحقّ يتعدّى الفهم والإدراك البشريين بدرجة كبيرة، وبخاصة عندما يتعامل هذا الحقّ مع طبيعة الله ذاته.

وفي نفس الوقت، الإيمان بألوهية الرُّوح القُدُس يعني أكثر من مجرّد قبول التعليم المختصّ بالأقانيم الثلاثة. إنّه يتضمّن الاعتماد على والثقة في عمل الله الخلاصي كما طلبه الآب ونفّذه الابن بقوّة الرُّوح القُدُس. «ولكنه ليس أمراً جوهرياً بالنسبة لنا أن نحدد ما هو الروح القدس بالضبط.... إن طبيعة الروح القدس هي سر. فليس في مقدور الناس أن يوضحوها لأن الرب لم يعلنها لهم. والناس ذوو الآراء الخيالية قد يقتبسون بعض الفصول الكتابية ويقيمون عليها بناء بشرياً، ولكن اعتناق هذه الآراء لا يقوي الكنيسة. ففيما يختص بمثل هذه الأسرار التي هي أعمق من أن يسبر غورها الإدراك البشري، يكون السكوت من ذهب» (روح النبوة، أعمال الرسل، صفحة ٣٦و ٣٧).

الدرس الرابع

٢١ – ٢٧ كانون الثاني (يناير)

أقنوم أو شخصّية الرُّوح القُدُس

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: يوحنا ١٦: ١٣ ، ١٤ ؛ رومية ٨: ١٤ – ١٦ ؛ رومية ١٥: ١٣ ؛ يوحنا ١٤: ٦ ؛ يوحنا ١٧: ١٧ ؛ رومية ٥: ٥.

آية الحفظ: «وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوح القُدُس، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يوحنا ١٤: ٢٦).

لأن الرُّوح القُدُس يُصوَّر في مناسبات متفاوتة بكيانات غير مشخّصة، مثل الرياح أو النار، فقد خلص البعض لجعله شيئاً بلا شخصيّة، أو نوعاً من قوّة إلهيّة. في رأيهم أنّه مثل تيّار كهربائي يشحننا بدلاً من كونه كائناً حيّاً. ولكن السؤال ليس في إمكانية إحضار فقرات تدلّ على أنشطة غير مشخّصة أو نفوذ وتأثير يقوم به الرُّوح القُدُس. فالمسألة هي إذا ما كان يوجد فقرات كتابية تبيّن شخصيّته إيجابيّاً.

هناك آيات، يجب أن نعتبر بها حتى نُكوِّن صورة أكمل عمّن يكون الرُّوح القُدُس. في هذا الأسبوع سنتعلّم المزيد عن شخصّية (أقنوم) الرُّوح القُدُس كما يوصف في الكلمة المقدّسة. هذا الحقّ الكتابي سيساعدنا على فهم أفضل لدور روح الله القدوس في حياتنا. ولسوف يساعدنا ذلك على الحصول فهم أعمق لأهميّة الإيمان بشخصية الرُّوح القُدُس لحياتنا الروحيّة. إنّه فقط عندما نمارس أفكاراً صحيحةً عن الروح القدس، عندها نتمكّن من إرجاع المحْبة والوقار والثقة والخضوع له كما يليق بجلاله.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٨ كانون الثاني (يناير).

وصف المسيح للرّوح القدُس

اقرأ يوحنا ١٦: ١٣ ، ١٤؛ يوحنا ١٥: ٢٦ ، ٢٧؛ يوحنا ١٤: ١٧ ، ٢٦. ماهي الصفات الشخصية الخاصّة جداً التي ينسبها يسوع إلى الرُّوح القُدُس في هذه الفقرات؟ ماذا يعني لك الأمر عندما يُسمّي المسيحُ الرُّوحَ القُدُس بالمعين أو المعزّي، «الباراقليط»؟

بالنسبة لكلام يسوع، الرُّوح القُدُس يقود، يتكلم ويسمع ويشرح ويمجّد (يوحنا١٦: ١٣ ، ١٤ ). أيضاً الرُّوح القُدُس يعلّم ويذكّر (يوحنا١٤: ٢٦). وهو يسكن فينا (يوحنا ١٤: ١٧)، ويشهد (يوحنا ١٥: ٢٤ ، ٢٦) ويبكّت (يوحنا ١٦: ٨). تظهر هذه الصفات والأنشطة لشخصية علوّية فائقة السلطان أكثر منها لقوى اعتبارية بلا شخصيّة محددّة.

اقرأ يوحنا ١٤: ١٦  ١٨ كيف سيتمّ وعد يسوع لتلاميذه؟ كيف لا يُترك التلاميذ وحدهم (يتامى)؟

إنّ يسوع ليهتمّ بتابعيه. فهو لا يترك تلاميذه يتامى. ووعد بأن يرسل لهم الرُّوح القُدُس. فيسوع يقول هنا بصورة خاصّة أنّه سيرسل «معيناً آخر» أو «معزّياً» والكلمات التي يستخدمها يسوع هنا لها مغزى كبير. إنّه يعد بإرسال معين أو مساعد آخر. ليس شخصاً مختلفاً. والكلمة «آخر» مدوّنة في اللغة اليونانية [allos] والتي تعني أنّه له شخصّيته الخاصة ولكن له نفس الصفات، وهذا معناه أنّه مشابه له (للمسيح) شخصياً. بمعنى أنّ المسيح وعد بأن يرسل شخصاً مثله، شخصاً يأخذ مكانه، شخصا يواصل عمله فينا وهو ممثّل له.

هذا العمل الذي يقوم به الرُّوح القُدُس هو عمل المساعد أو المعزّي. والكتاب المُقَدّس يستعمل بهذا الصدد الكلمة اليونانية parakletos (يوحنا ١٤: ١٦) ليصف شخصاً مطلوباً ليدعم، ليساعد؛ يصف شخصاً مدعّواً لمساندتنا. كما أنَّ يسوع شخْص، فهكذا الرُّوح القُدُس هو شخص أيضاً. هذه الفكرة تدعّم بحقيقة أنّ الصفات الشخصية المميِّزة تُنْسَب غالباً إلى الرُّوح القُدُس. (اقرأ يوحنا ١٤: ٢٦؛ ١٥: ٢٦ ؛ أعمال ١٥: ٢٨؛ رومية ٨: ٢٦؛ ١كورنثوس ١٢: ١١؛ ١تيموثاوس ٤: ١)

أوجه وملامح شخصية للروح القدس – الجزء الأول

عندما تقرأ الآيات التالية، اسأل نفسك إذا كان مضمونها يتحدّث عن مجرّد قوّة مبهمة أو عن شخصية إلهيّة ممّيزة. رومية ٨: ١٤  ١٦ ، ٢٧؛ رومية ١٥: ٣٠؛ ١كورنثوس ٢: ١٠؛ أعمال ٨: ٢٩ ؛ ١٠: ١٩ ، ٢٠؛ ٢٨: ٢٥ .

هل تستطيع قوّة بلا شخصيّة أن تتوسّط لنا؟ هل القوة، أو الروح التي ليست لها شخصية، قادرة على أن تعلن لنا أموراً تخصّ الله؟ هل النفوذ المجرّد من الشخصيّة له مقدرة على التكلّم؟ كل هذه العبارات الكتابية يكون لها معنى معقولاً إذا كان الرُّوح القُدُس شخصية وكائناً مرموقاً علوياً، لا مجردّ قوّة أو نفوذ.

اقرأ الآيات التالية. ماهي الصفات والسجايا الحُسنى المنسوبة للروح القدس في هذه الفقرات الكتابيّة؟ أفسس ٤: ٣٠؛ أعمال ٥: ٣ ، ٩؛ ١كورنثوس ١٢: ١١؛ رومية ١٥: ٣٠.

إن الخصائص المميِّزة للشخصية هي المعرفة (أو الفهم)، الشعور، والإرادة. فقط الكائن الشخصي هو الذي يمكن إحزانه وتضليله والكذب عليه. فقط الكائن الشخصي لديه القدرة على الاختيار كما يشاء، ولديه إرادة حرة. والإرادة ربما تكون عنصراً من أهم العناصر والخصائص المميّزة في أي شخصية. وفقط الكائن الشخصي لديه القدرة على المحبة. لا يمكن تصور وجود محبة حقيقية في تصرُّف ناجم عن قوة مجردة وغير شخصية. إنّ المحبة تأتي مع لمسة شخصية للغاية. إن هذه الصفات الشخصية تُشير إلى أن الروح القدس هو كائن شخصي الإدراك، شخصي المعرفة، شخصي الإرادة، وشخصي القرار، قادر على المحبة. فهو ليس إنْبِثَاقاً هُلامياً مبهماً، أو كِيَاناً غير شخصي. يتم الحديث عن الروح القدس بهذه الطرق الشخصية لأن الله نفسه هو إله شخصي.

«الرُّوح القُدُس له شخصيّة، وإلاّ ليعجز عن أن يشهد لأرواحنا ومع أرواحنا بأننا أولاد الله. وهو يتوجب أن يكون شخصاً إلهيّاً، وإلاّ ليعجز عن الإفصاح عن مكنونات قلب الله» (روح النبوة، الكرازة، صفحة ٦١٧).

أوجه وملامح شخصية للروح القدس – الجزء الثاني

التحدّي الذي يجابهنا في محاولة فهم كنه الرُّوح القُدُس هو أنه بمقدورنا أن نتصوّر الله كأب بطريقة ملموسة إلى حَدٍّ ما. والكثيرون أيضاً عندهم صورة مجسّمة ليسوع، كما هو موصوف في الأناجيل. لقد أخذ طبيعتنا البشريّة وظهر لنا في هيئة إنسان.

والرُّوح القُدُس، على النقيض، يُعْرض لنا بطريقة مختلفة تماماً. فهو يظهر بأنّه غير ملموس، فنجد صعوبة في فهمه بالقدر الذي نفهم به الآب والابن.

وبِسَبَبِ ذَلِكَ يخرج البعض بنتيجة أنّ الرُّوح القُدُس هو مجرّد قوّة بلا شخصية حيّة. وكما رأينا من خلال دراستنا لهذا الموضوع حتى الآن، فإنّ هذا التخيّل لا ينصف طبيعة الرُّوح القُدُس. وفي الحقيقة توجد فقرات في كلمة الله المقدّسة، لا يكون لها معنى إذا كان الرُّوح القُدُس مجرد شيء أو قوّة (إلهية) بلا شخصيّة قائمة بذاتها.

اقرأ بإمعان الفقرتين التاليتين وانظر إذا كان لهما معنى متى أحللت كلمة «قوّة»، «نفوذ» محل «الرُّوح القُدُس». لماذا يكون لهذين النصَّين فقط معنى لو أنّ الرُّوح القُدُس هو، حقيقةً، الله بالفعل؟

رومية ١٥: ١٣

١كورنثوس ٢: ٤

إن قَوْل الرسل «لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ» (أعمال ١٥: ٢٨) سيكون سخيفاً وعبثياً إذا كان الرُّوحُ الْقُدُسُ مجرد قوة أو تأثير غير شخصي. بدلاً من ذلك، يشير قولهم هذا إلى كائن شخصي آخر، تماماً كما أن كلاً من الآب والابن هما كائنان شخصيان.

بالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن للمؤمنين أن يعتمدوا «بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى ٢٨: ١٩)، إنْ كان الأول والثاني كائنين شخصيين بينما الثالث المذكور ليس كائناً شخصياً؟ إنَّ هذا لا يبدو معقولاً أو منطقياً. بدلاً من ذلك، يتم ذِكر ثلاثتهم بوصفهم جزء من نفس الاسم الواحد الذي به نعتمد.

وهكذا يُعلن عن الرُّوح القُدُس هنا بأنه على قدم المساواة مع الله الآب والله الابن.

لقد دوّنت روح النبوة بدقة متناهية «بأنّه يوجد ثلاث شخصيّات (أقانيم) حيّة للثلاثي السماوي. ... الآب، والابن، والرُّوح القُدُس» (روح النبوة، الكرازة، صفحة ٦١٥). وهي، أيضاً، واضحة وضوح الشمس بخصوص شخصية الرُّوح القُدُس القائمة.

روح الحقّ

اقرأ يوحنا ١٤: ٦ ؛ ١٧: ١٧ ما معنى كلمة «الحقّ» في هذه الفقرات؟

في انجيل يوحنا، كلمة «الحقّ» هي تعبير هام جدّاً. فمفهومنا الدارج للحقّ غالباً ما يكون جامداً ونظريّاً. وفي الغرب قد يُغلّف هذا المفهوم بالفلسفة اليونانيّة. ولكن، في الكتاب المقدّس وخصوصاً في إنجيل يوحنا، فكلمة الحقّ تحمل معنى شخصيّاً ومعنى خاصّاً: يسوع هو الحق (يوحنا ١٤: ٦). وبينما كلمة الله المكتوبة هي «حقّ» أي صادقة وصحيحة (قارن بما ورد في يوحنا ١٧: ١٧؛ مزمور ١١٩: ١٤٢)، فإنّ الحقّ الإلهي قد أُعِلن بطريقة فائقة في شخص يسوع المسيح الذي تتحدّث عنه الكلمة المقدسة لأنّ الله قد أعلن ذاته من خلاله.

اقرأ يوحنا ١٥: ٢٦؛ ١٦: ١٣. ما الإجراء الذي يقوم به الرُّوح القُدُس، كروح الحقّ؟

في يوحنا ١٦: ١٣ أُخبرنا بأنّ روح الحقّ سيرشدنا إلى جميع الحقّ، وهو يفعل ذلك بتوجيهنا إلى المسيح وبمساعدتنا لنتذكر ما قاله يسوع (يوحنا ١٥: ٢٦) وما فعله لأجلنا. فالحقّ الذي يرشدنا إليه الرُّوح القُدُس هو شخصّي جدّاً: إنّه يُعلي يسوع ويقودنا إلى علاقة مخلِصة أمينة معه. عندما تحدّث يسوع إلى المرأة السامرّية، قال إنّ الله ينبغي أن يُعبد بالروح والحقّ. (يوحنا ٤: ٢٤). عندما نطلب قيادة الرُّوح القُدُس، فسوف يقودنا إلى المسيح يسوع، الذي هو الطريق والحقّ والحياة. (يوحنا ١٤: ٦)

الحقّ في الكتاب المُقَدّس ليس شيئاً جامداً أو نظريّاً كالذي يُعرض لنا في الفلسفة. الحقّ يشتمل على علاقة شخصية متينة مخلِصة عميقة مع خالقنا، وفادينا، الذي يُدعي «إلهَ كلّ الحقّ» (قارن بما ورد في تثنية ٣٢: ٤؛ مزمور ٣١: ٥). وهكذا فالرُّوح القُدُس يُدعى على نحو ملائم «روح الحقّ» (يوحنا ١٤: ١٧)؛ (يوحنا ١٦: ١٣) المُرسَل لنا من الله الآب (يوحنا ١٥: ٢٦)، دلالة ليس فقط على صفاته الذاتية ولكن أيضاً على ألوهيته.

إنّنا نميل إلى التفكير في الحقّ من خلال فروض مثل المفهوم المعقول والمعروف بـ «modus ponens» أو القياس الاستثنائي وما شابه. إنَّ كثيراً مّما نظنّ أنّه الحقّ نأخذه من مجرد افتراضات. فكيف، إذن، يمكنك فهم فكرة الحقّ كشخص وليس كشيء؟ أحضر الإجابة معك الى الصف في يوم السبت.

لماذا يهم الأمر؟

اقرأ رومية ٣: ١- ٤. على الرغم من أن السياق المباشر لهذه الفترة هو عدم أمانة بعض الأشخاص من شعب الله للعهد، ما هي القضية الأكبر التي يتحدث عنها بولس هنا؟ ما الذي يقوله بولس عن الله؟

الاستفسار عن شخصيّة الرُّوح القُدُس هو أمر في غاية الأهميّة، وله مضامين ومعاني عمليّة سامية. «فلو هو شخصية إلهيّة ونحن نفكّر فيه كنفوذ بلا شخصيّة، نكون نسلب شخصية إلهيّة من الوقار والاحترام والحبّ الذي يستحقّه» (لي- روي ادوين فرووم، مجيء المعزّي، صفحة ٤٠).

لو أننّا نعتقد بأن الرُّوح القُدُس هو مجرّد قوّة إلهيّة غامضة، تصبح أفكارنا مهتمة بـ «كيف يمكننا أن نحصل على قسط وافر من الرُّوح القُدُس؟ ولكن إذا اعتقدنا بأنّه إله سماوي، فسوف نتساءل قائلين: كيف يحصل الرُّوح القُدُس على الكثير منّي؟ النقطة القاطعة هي: هل تريد أن تمتلك الرُّوح القُدُس؟ أو هل تريد الرُّوح القُدُس أن يمتلكك ويهيمن عليك؟ هل تقاوم نفوذه أو أنّك مستعدّ أن تتبعه في طاعة وحبور (انظر رومية ٨: ١٢ – ١٤؛ غلاطية ٥: ١٨ – ٢٤)؟ هل تريد أن تستخدم الرُّوح القُدُس حسب مخططاتك، أَمْ تتّكل عليه حتى يتمكّن من قيادتك لتصبح مشابهاَ ليسوع المسيح، ولتعمل ما يرسمه الربّ لحياتك؟ هل تقرّ بالحقيقة القائلة بأنّ جسدك هو هيكل للروح القدس، الذي فيك والذي لكَ من الله؟ (١كورنثوس ٦: ١٩) وهل أنت مستعدّ لأنّ تمجّد الله بالكيفيّة التي تحياها؟

اقرأ رومية ٥: ٥ ، أفسس ٢: ١٨ ، ١٩ كيف يرتبط الرُّوح القُدُس بمحبّة الله؟ ما مفعول ذلك عليك شخصياً وما مفعوله على الكنيسة ككلّ؟

فقط الأشخاص يستطيعون بوعي أن يتعاونوا مع بعضهم البعض. فنحن مدعوّون لنعمل مع الرُّوح القُدُس، بينما هو يقودنا ويجدّدنا فرداً فرداً، وككنيسة الله مجتمعةً. فإذا لم نقبل الرُّوح القُدُس كأحد أقانيم الثالوث الإلهي، يكون من السهل علينا تجاهله، وأن نصمّ آذاننا حتى لا نسمع دعوته، ونحجّر قلوبنا حيال نفوذه الذي يغيّر الحياة. ولأننا قد انزلقنا في الخطيّة كمخلوقات محطّمة في حاجة إلى نعمة الله المغيّرة، فآخر شيء يجب ألاّ نلجأ إليه هو عدم الانصياع لقيادة الرُّوح القُدُس لحياتنا. نحتاج أن نسلّم له حياتنا بالكامل. وهكذا بتسليمنا بألوهيّة الرُّوح القُدُس الذي يتوق بأن يستخدمنا، فالله يتوسّط اختبارنا المسيحي.

لمزيد من الدرس

لمزيد من الدرس: اقرأ لروح النبوة ، من كتاب مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٥ – ٦٣٩ حيث تتحدّث عن الرُّوح القُدُس.

«فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ،  فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوح القُدُس.  وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.» (متى ٢٨: ١٨ – ٢٠). لاحظ، بمجرّد ما أعطاهم الدعوة وواجب العمل، قال لهم أن يعمّدوا لهم تلاميذ باسم (مفرد) الآب والابن والرُّوح القُدُس. فلم يقل «بأسماء الآب والابن والرُّوح القُدُس ولكن «باسم» وهو في اليونانية onoma). وهذا برهان أكثر قوّةً لطبيعة إلهنا المثلّث الأقانيم، الواحد. «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية ٦: ٤). كما أوضح درسنا لهذا الأسبوع، لا أحد يسأل عن شخصية الله الآب أو شخصية الابن؛ فلماذا بالحقّ، يجرؤ أحد لكي يسأل عن شخصية الرُّوح القُدُس؟ وفقاً للكتاب المقدس، نحن لدينا حضور الله ذاته عاملاً فينا وبنا وهو المحّب الذي يهتمّ ويواسي. هذا بالضبط هو الرُّوح القُدُس وما يعمله. وما أحسن أن نعرف أنّ هذا الحضور بداخلنا هو للروح القدس كشخص تماماً كما الآب والابن يسوع المسيح. نعم، إنه ليس من السهل أن نفهم جيداً هذا الأمر. ولكن هذا لا يهمّ، فإذا تعذّر علينا فهم طبيعة شيء مُسَلّم به كالنور والرياح فليس من الغريب أن يتعّذر علينا فهم طبيعة الرُّوح القُدُس ذاته فهماً كاملاً.

الدرس الخامس

٢٨ كانون الثاني (يناير) – ٣ شباط (فبراير)

معمودية الرُّوح القُدُس والامتلاء بالروح

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: مرقس ١: ٨ ؛ أفسس ٥: ١٨؛ أعمال ١٣: ٥٢؛ لوقا ١١: ٨ - ١٠؛ أعمال ٥: ٣٢ ؛ غلاطية ٥: ١٦ – ٢٦

آية الحفظ: «اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا ١٠: ١٠).

كمسيحييّن – ينبغي أن نمتلئ من الرُّوح القُدُس. بدونه تكون شهادتنا بلا قوّة وتصبح حياتنا المسيحيّة كلا شيء وكحِمل ثقيل. لربما يكون لدينا التعليم والموهبة والفصاحة، ولكن بدون الرُّوح القُدُس لا نستطيع أن نختبر الحياة كما يريد لنا الرب، لن يكون لنا تأكيد الخلاص ولا نختبر الفرح الذي يواكب خدمة الله. سنكون مسيحييّن فقط بالاسم، والمسيحي الإسمي ليس في الحقيقة مسيحياً.

الربّ يسوع يريدنا أن نحيا الحياة بملئها. يودّ أن يمنحنا الحياة كما قصد لها أن تكون. حياةً تفي بالمطلوب وذات معنى لأنها غُرست في مصدر الحياة: يسوع المسيح. إنّه خالق لكلّ حياة وهو الطريق الأوحد للحياة الابّدية. لقد قال «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي» (يوحنا ١٤: ٦). هذا الامتلاء يصير ممكناً ممكن بالارتباط به وهذا يتأتِّى، فقط من خلال عمل الرُّوح القُدُس فينا.

سندرس هذا الأسبوع ما يقوله الكتاب المُقَدّس عن معمودية الرُّوح القُدُس. وما يعنيه الامتلاء بالروح. وسوف ننظر إلى دليل يشهد بأننّا، حقيقة، ممتلئون بالروح.

نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٤ شباط (فبراير).

معموديـة الرُّوح القُدُس

اقرأ مرقس ١: ٨ (قارن بما ورد في متى ٣: ١١ ؛ لوقا ٣: ١٦؛ يوحنا ١: ٣٣) ؛ أعمال ١: ٥؛ أعمال ١١: ١٦. ما هو الاتحاد الروحي الذي يبدأ مع المعمودية بالرُّوح القُدُس؟

توجد سبع فقرات فقط في العهد الجديد تـتحدّثْ عن معمودية الرُّوح القُدُس. أربعة منها تخصّ يوحنا المعمدان وتشير إلى يوم الخمسين. هنا أُعطيَ الرُّوح القُدُس ليعلن بدء «الأيام الأخيرة» من تاريخ الخلاص.

ولكنّ يوحنا، على النقيض من الأناجيل الأخرى، لا يستعمل صيغة المستقبل عندما يتحدّث عن معمودية الرُّوح القُدُس. فيستعمل بدلاً من ذلك صيغة الزمن المستمّر، مدلّلاً بأنّ معمودية الروح هي ذات صفة دائمة مستمرّة (انظر يوحنا ١: ٣٣). ونفس صيغة الزمن المستمّر قد استعملها يوحنا قبل بضع آيات في يوحنا ١: ٢٦ عندما يتحدّث عن عمل هام آخر من أعمال الرب يسوع المسيح: رفع خطايا العالم. فمرسلية يسوع تتخصّص في رفع الخطايا ومنحنا عطيّة الرُّوح القُدُس. هذا العمل المزدوج مدوّن كذلك في أعمال ٢: ٣٨. فبعد أن انفتحت أعين التلاميذ على المسيح حصلوا على غفران الخطايا وعطيّة الرُّوح القُدُس. نفس الاختبار قد حدث للتلاميذ في بيت كرنيليوس حسب أعمال ١٠: ٤٣ ، ٤٤ ولاحقاً حسب أعمال ١١: ١٦ معمودية الماء تُعرف بمعمودية التوبة (أعمال ١٩: ٤). عندما نتوب عن الخطيّة ونُعّمد باسم يسوع، أيضاً نستلم الرُّوح القُدُس (أعمال ٢: ٢٨ – ٣٩).

في العهد الجديد، استلام الرُّوح القُدُس والمعمودية لازمان معاً. فالفريضتان يعبّران عن حصولنا على الولادة الجديدة. ففي المعمودية نرتبط بيسوع المسيح الذي يمنحنا الرُّوح القُدُس حتى نستطيع أن نحيا في قوّته ونعلن الأخبار السارّة. فليست معمودية الروح بعملٍ ثانٍ لاحقٍ من أعمال النعمة في حياتنا كما يربطها بعضهم مع المواهب والأعاجيب المعجزيّة.

في ١كورنثوس ١٢: ١٣ ، لم يكن اختبار يوم الخمسين العظيم على بال بولس الرسول، ولكن كان يشغله اختبار كلّ المؤمنين بدلاً من ذلك. فيدوّن أننا جميعا قد اعتمدنا في جسد واحد وجميعنا شربنا من روح واحد. فالرسول بولس يؤكّد الوحدة. فكلمة الكل أو الجميع لازمة. لذا يربط الرسول بولس اتّحاد جميع المؤمنين في جسد المسيح بمعمودية الروح.

الامتلاء بالروح القُدُس

اقرأ أفسس ٥: ١٨؛ أعمال ١٣: ٥٢؛ رومية ٨: ٩. ما معنى الامتلاء بالرُّوح القُدُس؟ كيف يحدث الامتلاء بالروح في حياتنا؟

متى اعتمدنا وأصبحنا خاصّة المسيح، يجب أن نحيا في قوّة الرُّوح القُدُس. ولكي يحدث هذا الأمر يتحتّم علينا أن نمتلئ بالروح. توجد مراجع كثيرة في العهد الجديد لأناس امتلئوا بالروح (لوقا ١: ٤١ ، ٦٧؛ أعمال ٢: ٤؛ ٤: ٨ ، ٣١؛ ٩: ١٧؛ ١٣: ٩). يستعمل الرسول بولس كلمة «امتلاء» ليعني بأنّ الإنسان قد رضخ لسلطان الله وهو منفتح لقيادة وإرشاد الرُّوح القُدُس لكي يتسنّى له إنجاز عمل الله في حياته. فلو أذعنّا لسلطان الخمر مثلاً، فسوف يتأثّر سلبياً سيرنا وكلامنا وأفكارنا. وعندما نمتلئ بالرُّوح القُدُس، نسلّم كل جزءٍ من حياتنا لقوّته المغيّرة بحيث تصبح خطواتـنا وكلامنا وأفكارنا مرآة تعكس صورة يسوع. وحيث أنّ الروح يُعطى بِخَبَرِ الإِيمَانِ (غلاطية ٣: ٢) ويُسلّم بالإيمان (غلاطية ٣: ١٤) عند معموديّتنا (تيطس ٣: ٥ ، ٦)، نحتاج أن نطلب الامتلاء بالروح كلّ يوم. فلا يمكننا أن نعيش معتمدين على اختبار قوي من العام الماضي أو الشهر الماضي أو حتى من اليوم الفائت. فنحن في أمَس الحاجة إلى الامتلاء يوميا بروح الله القدوس، لأنّ كل يوم يمرّ له تحدّيات جسام.

في نصّ أعمال ١٣: ٥٢ باللغة اليونانية يظهر التعبير «ممتلئين بالروح» في زمن المضارع التام المستمر مبيّناً دوام الامتلاء. فعمليّة الامتلاء بالروح ليست عمل مرّةٍ واحدة. إنّه فعل يجب أن نسعى بهمّة وإيمان طالبينه كلّ يوم. وهذا الامتلاء يتوجّب إعادته حتى يمتلئ كل جزء في حياتنا بحضوره وهكذا نُشحن بقوّة لنحيا كما ينبغي.

وكوننا نمتلئ بالرُّوح القُدُس ليس معناه أنّنا نمتلك منه مقداراً أكبر، بل أن يمتلك هو مقداراً أكبر منّا. إنّه فقط عندما نسلّم للروح القدس كلّ صغيرة وكبيرة في حياتنا يومّياً، يستطيع أن يستخدمنا لمجد الله.

«أتمنّى أن أوطّد فيكم حقيقة أنّ أولئك الذين يعيش يسوع في قلوبهم بالإيمان، قد تسلّموا عطيّة الرُّوح القُدُس. كل شخص يستقبل يسوع مخلّصاً شخصياً له، فهو يستقبل بكل تأكيد الرُّوح القُدُس ليكون مرشده وناصحه ومقدّسه وشاهداً له.» روح النبوة، مخطوطات صادرة، مجلد ١٤، صفحة ٧١).

الشـروط : الجزء الأول

تُشـير كلمة الله الى استيفاء شروط خاصّة نحتاجها حتى يسكن الرُّوح القُدُس في دواخلنا. سوف نطّلع على بعض هذه الشروط الهامة في اليومين القادمين.

اقرأ أعمال ٢: ٣٧ ، ٣٨. ما هو الشرط الأول لاستلام الرُّوح القُدُس؟

أحد الشروط لاستلام الرُّوح القُدُس هو التوبة. إن سماع كلمة الله ليوقظ ضمائرنا وقد يقودنا لمعرفة حقيقة حالتنا الخاطئة الضائعة. التوبة الحقيقية هي أكثر من مجرد الشعور بالأسف لنتائج الخطيّة المزرية. إنها تغيير كلّي للقلب والعقل حتّى نرى الخطية على حقيقتها كشرّ قبيح وتمرد ضدّ الله. والطريقة الوحيدة التي تمكننا من اختبار التوبة الحقيقية هي ممكنة فقط بمحبّة الله: «أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟» (رومية ٢: ٤).

اقرأ غلاطية ٣: ١٤ ويعقوب ١: ٦  ٨. لماذا لا نقدر أن نستلم الرُّوح القُدُس دون الثقة في كلمة الله؟

 

وعد يسوع بإرسال الرُّوح القُدُس كممثّـل عنه. بالإيمان نتسلّم الهبة الموعود بها. ولكن إن كنّا نشكّ في وعد الله ولا نثق في كلمته فنحن نشبه إنسانا ذا عقلين ورأيين ولا نستطيع أن نتسلّم شيئاً من الله. الإيمان هو أكثر من القبول العقلاني. هو وضع حياتنا كلّها رهن إشارة الله واثـقين بأنّ الله سيحفظ وعده ولا يتخلى عنّا مهما حدث.

اقرأ لوقا ١١: ٨  ١٠، ١٣. ما الفرق الذي تُحْدِثه اللجاجةُ في الصلاة حين نطلب من الله أن يمنحنا الروح القدس؟

 

الله غير متردّد بخصوص منحنا الرُّوح القُدُس. إنّ الله كريم ومنعم، أكثر عطفاً ولطفاً منّا نحو أولادنا نحن. إنّ توسّلنا بإلحاح لا يغيّر عقل وتفكير الله. فصلاتنا تغيّرنا نحن وترفعنا إلى محضر الله. الصلاة لا تنحدر بالمولى إلينا وإنّما ترفعنا نحن إليه. صلواتنا تعلن ببساطة تصميمنا وتجهّزنا للحصول على الهبة والنعمة.

الشـروط: الجزء الثاني

اقرأ أعمال ٥: ٣٢. لماذا الطاعة لكلمة الله، شرط هام لاستلام الرُّوح القُدُس؟

إنّ الرُّوح القُدُس يُمنح لكلّ الذين يطيعون الله. بحسب الكتاب المُقَدّس نجد المحبّة والطاعة يسيران معاً. والإيمان الحقيقي يُعَبَّر عنه بالطاعة. فلو أنّـنا نثق في الله بكلّ قلوبنا، لسوف نطيع وصاياه. قال يسوع: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا ١٤: ٢٣). الطاعة هي اختيار يقود إلى نمط حياةٍ يتبع مشيئة الله المعلنة في ناموسه. فنحن يجب ان نستمّر في الطاعة إذا كنا نريد أن نعتبر يسوع إلهاً لنا وربّاً. (لوقا ٦: ٤٦). في ١يوحنا ٢: ٤ ، ٥ أُحطنا علماً بأنّ «مَنْ قَالَ: ‘قَدْ عَرَفْتُهُ’ وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ.  وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ.» تلك كلمات قويّة معبّرة. ونعرف أيضاً مِن يوحنا أنّ «مَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ الرُّوحِ الَّذِي أَعْطَانَا» (١ يوحنا ٣: ٢٤). عندما نفعل ما أمر به الربّ، لسوف نحظى بسلام العقل.

اقرأ يهوذا ١٨  ٢١ لماذا نحتاج أن نتجنّب النجاسة إذا أردنا أن نمتلئ بالرُّوح القُدُس؟

 

إن نار الرُّوح القُدُس لا تقدر أن تظلّ مشتعلةً في حياتنا بينما عقولنا متعلقة بالأرضيّات. فالرُّوح القُدُس له ردّ فعل بحساسية كبيرة حيال تواجد الخطيّة والاهتمامات العالميّة في حياتنا. لهذا السبب يلزمنا أن نحفظ أنفسنا في المحبّة الإلهية ونكون على اتصال دائم مع الله من خلال الصلاة حتى نستطيع أن نطرد كل نجاسة ونُظهر روح القوّة والمحبّة والتهذيب. (٢ تيموثاوس ١: ٦ ، ٧).

فقط من خلال إعلان حرب ضارية على النفس، نقدر أن نكون أناساً على نمط المسيح. بالطبع لن نستطيع بقوتنا الذاتية أن نفعل هذا: فالقرار هو لنا إمّا أن نُخْضِع مشيئتنا لتلقين وإرشاد الرُّوح القُدُس أو لسيطرة شهوة الجسد، ولنا الخيار.

الحياة التي يهيمن عليها حبّ الذات مقابل الحياة التي محورها المسيح

اقرأ غلاطية ٥: ١٦  ٢٦ وقارنها بما جاء في أفسس ٥: ١  ٩ ، ١٧  ٢٠. دوّن الفروق بين حياة محورها حبّ الذات بحياة يهيمن عليها الرُّوح القُدُس.

إن حياة المرء الذي لا يحيا بالروح تختلف اختلافاً جذرياً عن حياة وقيم المرء الذي قد امتلأ من الروح.

إنسان يهيمن عليه حبّ الذات

إنسان يهيمن عليه الروح

يرغب ما هو خاطئ ويغضب الله

يرغب ما هو روحي ومُرضي لله

تسيطر عليه الشهوات الشرّيرة

يهيمن عليه الرُّوح القُدُس

يسيء فهم واستخدام الحريّة ويُستَعْبَد للخطيّة

تحررّ من عبودية الخطية ونال الحرية في المسيح

عاصٍ لمشيئة الله

مطيع لمشيئة الله

منغمس في الملذّات

يضحّي بالذات

يحمل ثمار الخطيّـة

يحمل ثمار الروح

لا يقر بحاجته للغفران ويفتخر بذاته

يقرّ بحاجته للغفران ويشكر يسوع على ما فعل

إنّ حياة الإنسان المملوء بروح الله توصف بالطاعة من قلب مفعم بالمحبّة لناموس الله وبروح رأفة وشفقة نحو الآخرين (انظر ٢كورثوس ٥: ١٤). فلو اختبرنا تجديد أذهاننا (أي عقولنا) وتفكيرنا ولو امتلكنا قلباً جديداً ونظرةً جديدةً عن الحياة، لتغيرت قيمنا وسلوكنا. فلا نريد، بعد ذلك، أن نعيش حياتنا بقوّتنا الذاتّية وإنّما بخضوع للروح القدس (غلاطية ٣: ٣).

ليس بوسعنا تغيير أنفسنا لأنّ الخطيّة متغلغلة بعمقٍ فينا. إنّما القوّة المجدّدة ينبغي أن تأتي من فوق من عند الله. فالتغيير من الداخل ينجح فقط من خلال فاعليّة الرُّوح القُدُس المجدّدة بعمله فينا. ليس من مجرّد تغيير خارجي كأن تصحيح هذه العادة السيئة أو تلك، يمكن أن يصيرنا مسيحيّين.

فالتغيير يلزم أن يتأتّى من قلب قد تجدّد بفعل الرُّوح القُدُس. هذا العمل يستغرق الحياة بطولها ويتخلّله تعثّر ونهوض، ولكنّه عمل وعدنا الهنا الأمين أن يفعله فينا إذا رضخنا له وقبلنا مشيئته. «وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ٦).

لمزيد من الدرس

من الطبيعي جدّاً لأيّ إنسان أن يطلب السيطرة على حياته ومقدّراته. ومن الطبيعي أن نعتمد على مجهوداتنا الذاتية لنحصل على ما نصبو إليه. وبينما يقضي الكثيرون حياتهم طلباً للسيطرة، نجد غيرهم عندهم خوف مضني من ضياع السيطرة. هذه الورطة حلها يوجد فقط عند الله. يريدك أن تسلّم له حياتك. إنّه يعرفك ويحبّك أكثر من أي شخص آخر. وهذا يفتح له المجال حتى يعمل في حياتك. باختيارك لإخضاع مشيئتك لقيادة روح الله القدوّس، تحصل على سلامه الكامل الذي يفوق العقل وعلى فرص لا تُحصى لجعلك بركةً للآخرين. ولكننا نحتاج الرغبة للحصول على هذه القوّة في حياتنا. فالله لا يفرض نفسه قسراً على أحد فينا. لكي نكون أناساً روحانييّن نحتاج أن نكون كائنات متحررّة. وحتى نكون حقيقةً أحراراً في المسيح نحتاج روح الهجر والنزوح (وهذا معناه هجر طرقنا الخاطئة القديمة الساقطة)، ونحتاج إلى إحساسٍ بالانتماء (وهذا معناه الانتماء والاحتماء في قوّة الرُّوح القُدُس). ولنكون حقيقةً أحراراً، يجب أن نكون راضخين مُسَلِّمِين أنفسنا لهيمنة الرُّوح القُدُس. ليس من تناقض هنا. توجد حرّيتنا في التحرّر من إدانة وسلطان الخطيّة علينا، فهي التي دائماً ما تستعبدنا وتقتادنا إلى الهلاك. وبدلاً من ذلك، فإنه عند الرضوخ لله وافساح المجال لهيمنة الرُّوح القُدُس، فلن نكون بعد الآن تحت دينونة (انظر رومية ٨: ١)، وإنّما نحيا حياةً فيها لا نسلك حسب شهوة الجسد بل بحسب الروح. هذه هي الحرية التي توصف بالحرية الحقيقة والتي نفهمها، كخطاة ساقطين.

الدرس السادس

٤ – ١٠ شباط (فبراير)

الرُّوح القُدُس وعيش حياة قداسة

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: ١بطرس ١٤ – ١٦؛ اشعياء ٦: ٣؛ عبرانيين ١٢: ١٤؛ ١كورنثوس ٦: ١١؛ ١تيموثاوس ١: ٨؛ مزمور ١٥: ١ ، ٢.

آية الحفظ: «وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١تسالونيكي ٥: ٢٣).

من السهولة بمكان، أن نفقد حساسيتنا لقداسة الله وألاّ نفكّر كثيراً في عداوة الله للخطيّة والشرّ.

والقداسة، على أي حال، هي موضوع هام في الكتاب المُقَدّس. والاجتهاد في طلب القداسة لنصبح محبّين وأتقياء مثل يسوع، يجب أن يشغل مكان الأفضلية في حياة كلّ مسيحي. فنحن مشدوهون أو مأخوذون بشعور «أنا أقْدَس مِنكَ»، ولكنّنا ننسى بسهولة في الوقت ذاته معنى أن نعيش حياة طاهرة مقدّسّة.

محبّة الله وقداسته مترابطتان وغير منفصلتين. بدون قداسة الله، قد تفقد محّبته رونقها بتحولّها إلى مجّرد عاطفة؛ وبدون محّبته تصير قداسة الله مُتَشَدّدة وليست في متناول اليد. فكلتا الصفتين الحسنتين، محبته وقداسته جوهريتان لـِطبيعته.

الرُّوح القُدُس له علاقة متأصّلة مرتبطة بسعينا لطلب القداسة. أفليس اسمه الرُّوح القُدُس؟ ويدعى «روح القداسة» (رومية ١: ٤). فاسمه يذكّرنا بأنّ الله قدّوس وأنّه يتوق إلى أن يجعل الخطاة في هيئة قداسته.

في هذا الأسبوع ستكون لنا نظرة أعمق وأدقّ عّما يُقصد بالتعبير «أن نكون قديسين ونحيا حياة القداسة.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١١ شباط (فبراير)

قداسـة الله

اقرأ ١بطرس ١: ١٤  ١٦. لماذا يكون الدافع النهائي للقداسة هو عبارة عن حقيقة الله وطبيعته ذاتها؟ ما الذي يحدو بك أو يدفعك كي تحيا حياة القداسة؟ ما الذي يعنيه القول بأنّ الله قدوّسٌ؟

قد يكون محببّاً أن نركِّز على محبة الله ونتجاهل قداسته. فبينما الله هو محبّة، فإنّ فكرة القداسة مرتبطة غالباً باسم الله في كلمته المقدّسة أكثر من أي صفة أخرى (مزمور ٨٩: ١٨ ؛ إشعياء ٤٠ : ٢٥؛ إرميا ٥١: ٥؛ حزقيال ٣٩: ٧؛ رؤيا ٤: ٨)، القداسة تصف النقاوة والكمال الأدبي لطبيعة الله. وقداسة الله تعني أنّه حسن للغاية وبريء [خالٍ] كلّيةً من الخطيّة والشرّ. وقداسة الله معناها كمال كل الصفات الأخرى التي تُنسب إليه.

إن يكن الله بذاته كليّ القدرة (قوة متناهية) وكليّ المعرفة (معرفة كاملة) وموجود في كلّ مكان ولكنّه ليس كلّي القداسة، لأصبح بالنسبة لنا قوة غاشمة نخشاها وترتعب فرائصنا منها. وعلى النقيض، إنّه إله ينبغي علينا أن نحبّه.

إنّ قوّته هي قوّةٌ مقدّسة. ورحمته هي رحمةً مقدّسة، وحكمته هي حكمة مقدّسة، ومحبّته هي محبّة مقدّسة. بهذا المنطق تكون القداسة هي أكثر كلمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالألوهية لأنّها مرتبطة بطبيعة الله ذاتها. إنّ إنكار نقاوة قداسة الله، لهي ربما تكون أسوأ من إنكار وجوده. فإنكارنا لوجوده يجعلنا نظن أنه غير موجود، أما إنكار قداسته يعني أنّه إله غير مُحب وحقود، يتربّص بمخلوقاته ليوقِع بها.

قداسة الله تحمل المعنى أنّه منفصلٌ عن الخطيّة وهو مكرسٌ كليّةً لطلب الحُسن الكامن فيه والذي يمثّله. بكلام آخر، القداسة تدلّ على صفة التواصل بالإضافة الى الصفة الأدبيّة النبيلة. فهي تحوي الانفصال عن الخطيّة والتكريس الكامل لمجد الله.

في إشعياء ٦: ٣ وفي رؤيا ٤: ٨، يوصف الله بـ «قدّوس، قدّوس، قدّوس». عندما أراد كتِّاب كلمة الوحي الإلهي أن يؤكّدوا أمراً هاماً، كرّروا كتابة الكلمة عدّة مرات لاسترعاء انتباهنا لما يُقال. ويسترعي يسوع انتباهنا إلى عباراتٍ هامّة بتكرار كلمات «الحقَّ الحقَّ» (يوحنا ٥: ٢٤؛ ٦: ٤٧، إِلَخ)، أو «يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ» (متى ٢٣: ٣٧)، أو عن طريق تكرار ذكر اسم مثل «مَرْثَا، مَرْثَا» (لوقا ١٠: ٤١). من بين صفات الله الحُسنى، فقط تبرز قداسة الله مذكورة ثلاث مرّات مكررّة على التوالي. وهذا يدلّ على شيء في غاية الأهميّة: طبيعة الله هي، في الحقيقة، مقدّسة. إنّه طاهر وقدوس وطيّب القلب.

طبيعة القداسة

«إننا، كلا دنونا من يسوع ازددنا شعورا بما فينا من نقائص وعيوب، إذ نرى أنفسّنا على حقيقتها في ضوء الكمال الإلهي. وما الشعور بالنقص إلا الدليل على أن خدع الشيطان قد بدأت تفقد قوتها علينا، وأن الضمير قد بدأ يستيقظ من سباته ويُبعث من موته، بفعل الروح القدس» روح النبوة، طريق الحياة، صفحة ٤٤).

اقرأ أفسس ١: ٤؛ ٥: ٢٥  ٢٧؛ عبرانيين ١٢: ١٤. ما هو مقصد وترتيب الله لكلّ شعبه ولكنيسته؟

القداسة هي عطيّة الله، كما هي أيضاً وصيّته. من ثمّ، يجدر بنا أن نصلّي ونجتهد في طلبها ونتطلّع لأن نعلنها يومّياً. القداسة هي ثمر الروح معلنةً في حياتنا ونحن لنسلك بالروح مع المسيح كلّ يوم (غلاطية ٥: ١٦ ، ٢٢، ٢٥). القداسة تتبلور في عبارة واحدة لتعني «على شبه المسيح». وهي تعني أننّا خاصة المسيح وأولاده في طاعةٍ حبية والتزام. والمعنى الأساسي الملازم لكلمة ومفهوم القداسة يدلي بالانفصال والتكريس لخدمة خاصةً لله. ومن ناحيةٍ أخرى، القداسة تدلّ على حالة روحية داخليّة بأن نكون قديسين صالحين طاهرين أمام الله، وهاتان الصفتان يجدر أن تظّلا متضافرتين معاً.

يُدعى المؤمنون قديسين في العهد الجديد لعلاقتهم الفريدة بيسوع والتي تفرزهم لغرض مقدّس معين. كونهم مقدسين لا يجعلهم كاملين أخلاقيّاً بلا خطيّة. وإنّما هي تغيّرهم حتى يبدأوا حياة نقيةً مقدَّسة (قارن بما ورد في ١كورنثوس ١: ٢، حيث يدعو بولس الرسول الكورنثييّن مقدّسين، مع أنّهم ليسوا معصومين من الخطيّة أو كاملين). الدعوة للمؤمنين بأن يكونوا في القداسة التي بدونها لن يرى أحد الله (عبرانيين ١٢: ١٤). إنّ قبول الله لكلّ مؤمن هو قبول كاملٌ من البدء، ولكنّ نموّنا في القداسة هو عملية تدوم طيلة الحياة وهي تحتاج أن تمتدّ دائماً لمقاييس أبعد حتى نصبح أكثر فأكثر تغييرا إلى شكل ذاك الذي خلّصنا.

عامل القداسـة

ماذا تخبرنا ١كورنثوس ٦: ١١، تيطس ٣: ٥، وعبرانيين ١٣: ١٢ عن القداسة؟

قداستنا تُنجَز بالإيمان (عبرانيين ١١: ٦) بواسطة قوّة الرُّوح القُدُس (٢تسالونيكي ٢: ١٣؛ ١بطرس ١: ٢). يكتب الرسول بولس قائلاً «لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا» (١كورنثوس ٦: ١١). يزرع يسوع فينا نموّاً في القداسة طول الحياة مُعطياً ثمر الروح فينا. وتغييرنا كي نشبهه يأتينا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ (٢كورنثوس ٣: ١٨).

اقرأ غلاطية ٥: ١٦ ، ١٧ ماذا يخبرنا الرسول بولس في هذا النص؟

هناك حرب تحتدم في كلّ مؤمن. إنَّ الانشغال الذي يجابهنا جميعاً يتأتّى من الحقيقة التي مفادها أنّ الخطيّة تسكن في داخلنا (رومية ٧: ٢٠). لقد عرف الرسول بولس عن هذه الحرب عندما صرخ معلناً قرب نهاية حياته: «أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ،  أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي ٣: ١٣ ، ١٤).

اقرأ عبرانيين ١٢: ١ ، ٢. ماهي حرب الإيمان التي نشنّها ضدّ الخطيّة؟

«الحرب التي دُعينا لكي نخوضها هي أن نثبّت أنظارنا على المسيح يسوع، رئيس ايماننا، ومكّمله» (عبرانيين ١٢: ١). غالباً ما نكون مثبّتين أنظارنا على أنفسنا في ديانتنا. نبالغ في التركيز على انتصاراتنا وهزائمنا بدلاً من تركيزنا على الله، الذي يستطيع وحده أن يمكّننا من النصرة على الخطية. عندما يساعدنا الرُّوح القُدُس كي نثبّت أنظارنا على يسوع، فلا تظلّ فينا رغبة لارتكاب الخطيّة وكلّ ما يعرقل طريقنا يُطرح جانباً (عبرانيين ١٢: ١). ولكن عندما نركّز على خطايانا وتقصيراتنا، فنجد أننا قد حوّلنا أنظارنا عن يسوع ووجهناها على أنفسنا. وهذا يقود إلى الهزيمة بسهولة، لأنّنا بالنظر إلى سقطاتنا ينتابنا اليأس بسهولة، ولكن بالتطلّع إلى يسوع سوف نتشجّع ونستطيع العيش بانتصار.

أساس القداسة هو ناموس الله

نعلم جيداً أنّ الله يدعونا لكي نحفظ ناموس وصاياه. فيتبادر إلى ذهننا السؤال: لماذا يجب علينا حفظ ناموس الله إذا كنّا لا نخلص بواسطته؟ الإجابة تكمن في فكرة القداسة.

اقرأ رومية ٧: ١٢، ١تيموثاوس ١: ٨ . ما هي السمات الأساسية التي يستخدمها الرسول بولس لوصف الناموس؟ كيف يعكس الناموس صفات الله؟

الناموس مقدّس، عادل وصالح. هذه الصفات السيادية الحسنة يوصف بها الله دون غيره. لذا، فالناموس هو تعبير عن سجايا الله. لكي نعيش حياة ممتلئة بالرُّوح القُدُس يعني أننا نعيش بانسجام حسب مطالب ناموس الله. فالناموس هو قاعدة قداسة الله التي لا تتغيّر. فالمستوى الذي يطلبه الناموس لا يتبدّل أكثر من إمكانية تبدّل الله وتغييره. لقد أكد يسوع بقوّة عدم زوال الناموس، بل وأكد على وجوب أن يُتمّم ويطاع كلّ جزء فيه (متى ٥: ١٧ – ١٩). إنّ حفظ الناس ليس أمراً تعسّفياً، بل هو من دواعي الأمانة. الناموس لا يخلّصنا ولا يَستطيع. وما كان الناموس أبداً طريقنا للخلاص. وهذا هو السبب في أن يقول المسيح يسوع بطريقة ملفتة بأنّه «لِكَثْرَةِ الإِثْمِ (ومعناها عدم طاعة الناموس) تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ» (متى ٢٤: ١٢). فالمحبّة تتلاشى عندما لا يُقدَّر الناموس ويُطاع.

أقرأ رومية ١٣: ١٠، متى ٢٢: ٣٧  ٤٠. لماذا تكون المحبّة تكميلاً للناموس، أي تتميماً واستيفاءً لمطالب الناموس؟

 

بينما يبرز ناموس الله كقاعدة وأساس قداسة الله، فإنّ قلب وجوهر قداسته هو المحبّة. المحبّة هي الاستجابة لأعمال الله الخلاصيّة وتُستعلن بالأمانة والإخلاص. فلن تستطيع أن تكون تلميذاً ليسوع دون أن تكون حافظاً وطائعاً للناموس بمحبّة وضمير صالح. وحيث أنّه من الممكن أن تحفظ حرفية الناموس بدون محبّة، فإنه يتعذّر إظهار المحبّة الحقيقية بدون حفظ الناموس. المحّبة الحقيقية الخالصة تتوق لأن تكون أمينةً صادقة. فالمحبّة لا تنقض الناموس بل تتّممه، وتستوفي مطاليبه.

السعي في طلب القداسـة

اقرأ مزمور ١٥: ١، ٢؛ أفسس ٤: ٢٢  ٢٤؛ ٢تيموثاوس ٢: ٢١. ماذا تخبرنا هذه المراجع عن القداسة؟

القداسة هي الشرط الأساسي للتمتّع بسعادة العِشرة والشركة مع الله. وهي الشرط الأوّلي للفائدة المرجوّة منّا لله. إنّنا نستوعب حقيقة المثل القائل: «ازرع عملاً تحصد عادةً، لزرع عادةً تحصد خُلُقاً» ويجدر بنا أن نضيف بقولنا «الخُلُق هو المصير». الشيء الوحيد الذي سوف نأخذه معنا إلى السماء هو أخلاقنا.

تنمية عادات جديدة وأخلاق جديدة، بالتأكيد، ليست تكريس النفس وتقديسها بمجهود ذاتي. فتكوين العادة هو الطريق الطبيعي الذي فيه يقودنا الرُّوح القُدُس في القداسة. العادات جميعها هامّة في سيرنا المسيحي وبخاصة تلك العادات التي تنمو متأثّرة بالفضائل المسيحيّة الكتابية كالصبر والمحبة والأمانة واللطف والصلاح والرحمة وضبط النفس.

عندما يملأ الرُّوح القُدُس قلوبنا، فما من شكّ سنكون في نشاط وحماسة من أجل الرب. ولكن كثيراً ما ننسى بأن الله هو الذي يقدّسنا وهو الذي سينهي علمه الذي بدأه فينا من قبل (فيلبي ١: ٦). ونكون في بعض الأحيان منهمكين نقوم بشتي الأعمال لصالح الربّ لدرجة ننسى معها أن نستمتع بقضاء وقت معه في الصلاة. فعندما نكون مشغولين جدّاً عن الصلاة، نكون حقيقةً مشغولين جداً عن أن نكون مسيحيين. لربما تكون معرفتنا ونجاحنا قد جعلانا نعتمد على الذات ونثق بها ثقة كبيرة، وننهمك في مهاراتنا وبرامجنا الجميلة، وهكذا، ننسى أنّه من دون المسيح ومن غير الرُّوح القُدُس لا نستطيع أن ننجز شيئاً البتّة.

النشاط المحموم ليس قداسةً. سيكون هناك أناسٌ يعتقدون بأنّهم قد أدّوا أعمالاً جليلة للرب، وهم في الحقيقة لم يكونوا تابعين له بالمرّة. «كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ ٢٣ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!» (انظر متى ٧: ٢٢، ٢٣). هناك فرق كبير بين كونك تُدعى من الله أو تُدفع لتفعل أمراً لله. فإن لم نهدأ لنسمع دعوة الله، فإننا نقف في خطر الاندفاع الذاتي لنفّعل ما ألفناه. ولكن لن يكون هناك قوّة أو سلام ولا بركة دائمة من جرّاء عملنا إذا لم يكن حسب دعوة الله ومشيئته. فحاجتنا القصوى في قداستنا الذاتيّة هي تخصيص وقت ثمين للتواصل مع الله عندما نسمع صوته ونتسلّم قوّة جديدة من حكمته منقادين بالرُّوح القُدُس. إنّ هذا لسوف يطبع عملنا بكفاءة منقطعة النظير وقوّة إقناع.

لمزيد من الدرس

اقرأ من روح النبوة «مثل الخميرة» في كتاب «المعلم الأعظم»، صفحة ٨٢ – ٩٠.

كيف نبدأ لنستوعب قداسة الله عندما تكون طبيعتنا ساقطة وفاسدة وطبيعته هي قداسة بلا حدود؟ قداسته تجعله ينفرّد بها على عالم الخطية والموت الذي يختبره البشر. ومع ذلك، ها هو أكبر أمر مذهل! الله يقدّم لنا فرصة سانحة بأن نشترك في قداسته. هذا مجرّد جزء من علاقة العهد المقدَّس معه. «كَلِّمْ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ» (لاويين ١٩: ٢)، أو كما يقول سفر العبرانيّين: «لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لاَئِمًا: «هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا....  لأَنَّ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا» (عبرانيين ٨: ٨ – ١٠). في هذه المراجع الكتابية يمكننا أن نرى العلاقة بين القداسة والعهد والناموس. لا يمكننا أن نصير كاملين بدون طاعة ناموس الله، ونحن نطيع ناموسه، فقط، عندما يكتب الله شخصياً (الرُّوح القُدُس) ناموسه في قلوبنا وعقولنا. يا له من امتياز مقدّس نناله «لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ» (عبرانيين ١٢: ١٠)، التي نعبّر عنها بمحبّة طائعة لناموسه المقدس.

أسئلة للنقاش

١. راجع مع أعضاء الصف إجابتك على السؤال الوارد في نهاية الدرس ليوم الثلاثاء الذي يطلب منك فيه الردّ على سؤال أحدهم عن كيفية التأكد من الانتصار على الخطيّة بحسب وعد الله، فكيف تجيب؟

٢. ماذا تعني كتابة ناموس الله على ألواح قلوبنا وفي عقولنا؟ لماذا يختلف هذا الإجراء عن مجرّد كتابته على لوحي الحجر؟

٣. عندما تتناول موضوع قداسة الله، فعّما تفكّر؟ تحاور مع أعضاء الصف ودع كل فرد يتحدّث عن تخيّله عمّا تشبهه قداسة الله، وما الذي يعلنه يسوع لنا عن قداسة الله؟

٤. ما هو أساس قداستنا؟ ما هي كيفيّة الحصول على القداسة؟

٥. لقد ورد في درس يوم الأربعاء أنَّ «الناموس لا يخلّصنا. لا يستطيع أبداً- وما كان الناموس يوماً طريقنا للخلاص. وإنما هو مسلك المخلّصين». كيف يساعدنا هذا المفهوم على إدراك دور الناموس في حياة المسيحيين المقدّسين الذين يهيمن عليهم ويعمل فيهم الرُّوح القُدُس؟

الدرس السابع

١١ – ١٧ شباط (فبراير)

الرُّوح القُدُس وثمر الروح

السبت بعد الظهر

المراجع الأسبوعية: يوحنا ١٥: ١- ١١؛ غلاطية ٥: ٢٢؛ ١كورنثوس ١٣؛ رومية ١٤: ١٧؛ أفسس ٥: ٩؛ متى ٥: ٥.

آية الحفظ: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ ٢٣ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ» (غلاطية ٥: ٢٢ ، ٢٣)

إنّ ثمر الروح لهو جوهر الحياة المسيحيّة الحقيقي. إذ يسرد الرسول بولس تسع سِمات متنوعة لثمر الروح، إلاّ أنّها جميعاً ثمرة واحدة تُرى مكتملة. فثمر الروح لا يخبرنا بما يستطيع أي إنسان أن يفعله للربّ عن طريق المواهب والعطايا الروحيّة. فهي تبيّن، في المقام الأوّل، كيف يحيا الإنسان لله. وهي تدلّ على هويّة ذلك الإنسان، أي مَن يكون. كل الفضائل المدوّنة في غلاطية ٥: ٢٢ ، ٢٣ هي جليّة في شخص يسوع المسيح وحياته. ومن ثمّ فإن ثمر الروح هو حياة يسوع المسيح فينا بفعل الرُّوح القُدُس وقوّته.

إن ثمر الروح ليس أمراً نصل إليه بقدرتنا البشريّة المجرّدة ومجهودنا الذي نبذله. إنّه لمن الممكن أن ننتج ونظهر بعضاً من هذه الفضائل بتدريب قوّة الإرادة وتفعيلها. ولكنّ هذا لا يُقارن بما يفعله الرُّوح القُدُس فينا. فما ننتجه بأنفسنا يشبه الثمر المصنوع من الشمع مقارنة بالثمر الأصلي الحقيقي. فالفواكه المصنوعة من الشمع هي اصطناعية. قد تظهر جميلة من بعيدٍ كالثمر الحقيقي ولكنّ مذاقها هو أقلّ درجات. الثمر الحقيقي ليس مُصطنعاً. إنّه يتأتّى من العلاقة الروحيّة. فعندما يدمجنا الرُّوح القُدُس بيسوع، من خلال كلمته المكتوبة، تبدأ أخلاقه وصفاته تُستعلن في حياتنا.

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٨ شباط (فبراير).

شرط الإثمار

إقرأ يوحنا ١٥: ١- ١١ لماذا ينتج الثمر، فقط، من علاقة حياتيّة مع يسوع، الكرمة؟ ما أهمية الارتباط بيسوع؟ كيف نرتبط بيسوع (أي نتّحد معه)؟

السرّ الأولي لحمل الثمار المسيحيّة هو الارتباط والاتحاد بيسوع. بدون يسوع لا نستطيع أن نحمل ثمراً روحيّاً حقيقيّاً. إن ثمر الروح لا يُفرض علينا من خارج، وإنّما هو نتيجة عمل حياة المسيح في داخلنا. في يوحنا ١٥: ١- ١١، يخبرنا يسوع بأن حمل الثمار يتأتّى من حياة المسيح، الكرمة، متغلغلة في أفرع المؤمنين. فالثمار تترعرع بقوة الله من خلال يسوع المسيح.

إنّ مسئوليّة المؤمن هي الارتباط والاتّحاد بالمسيح. فعندما يتبلور المسيح في أفكارنا، فإنه يُستعلن في تصرّفاتنا. يسوع يعيش حياته في داخلنا، فالحياة التي يحياها المسيح تثمر في حياتنا، بمعنى أنّنا نعلن صفاته ونعكس أخلاقياته.

إن ثمر الروح هو أخلاق يسوع التي ينمّيها الرُّوح القُدُس في أتباع المسيح. عندما يسكن المسيح في داخلنا، فسوف «نحيا بالروح، ولا نكمّل شهوة الجسد» (غلاطية ٥: ١٦).

قال يسوع: «هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً،  لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً» (متى ٧: ١٧- ١٨). الثمر الجيّد هو الانتاج الطبيعي لاتحادنا المرتبط بيسوع عن طريق الرُّوح القُدُس. عندما نتجاوب مع تأثير الرُّوح القُدُس داخلياً على قلوبنا، يترعرع ثمر الروح ويتجلى في حياتنا. تتغيّر أخلاقنا لتعكس أخلاق يسوع المسيح في كل ما نقوله أو نفعله أو حتى نفكّر فيه. وسيعطينا الرُّوح القُدُس قوّة لنحيا حياة النصرة لكي ننمّي فضائل لما ينبغي أن تكون عليه صفات أولاد الله.

ثمر المحبّة

اقرأ غلاطية ٥: ٢٢ ، ١كورنثوس ١٣. لماذا كانت المحبّة هي أوّل وأهمّ جوانب ثمر الروح؟ كيف تؤثّر المحبّة على جوانب ثمر الروح الأخرى؟

المحبّة تتقدّم على مختلف مزايا ثمر الروح وتتغلغل فيها وتُلْبِسها رونقاً بهيّاً. وهذا معناه أن كل الصفات المدوّنة يمكن أن تُسرد كبنود للمحبّة. ولأن الله محبّة (١يوحنا ٤: ٨)، لذا فالفضيلة المسيحيّة الكبرى هي المحبّة. (١كورنثوس ١٣: ١٣). محبّة الله هي أساس ومصدر أي صلاح آخر. إنّ محبّة الله تغدق علينا في دواخل قلوبنا بواسطة الرُّوح القُدُس (رومية ٥: ٥). فالمحبّة هي الدليل على أنّنا أولاد الله.

هذه المحبّة هي أعمق بكثير من العاطفة البشرية المجرّدة. ولا يمكن إيجادها بمجهود بشري، بل هي تتحقّق من الاتحاد بالمسيح. هي تُغْدَق ولا تُكتسب. إنّها هي وحدها لها القوّة التّي تغيّر. إنّ المحبّة الإلهيّة (أغابي) بطبيعتها الرقيقة القويّة، تقود الخاطئ للتوبة وتوقظ التوق للأفضل. المحبّة لها فاعلية جبّارة لتوحّد حتّى أولئك الذين كانوا قبلاً أعداء (لوقا ٦: ٢٧، ٢٨؛ رومية ٥: ٨). وهكذا، بمحبّتنا لبعضنا البعض سيعرف العالم انّ المسيحيّين هم حقيقةً أتباع يسوع المسيح (يوحنا ١٣: ٣٥). إنّ ثمر المحبّة هذه لسوف يقود المسيحيّين أيضاً لإظهار التفاهم وحُسن التصرف برقّة تجاه الآخرين.

إنّه من الأهميّة بمكان، أن نلاحظ بأنّ أصحاح المحبّة (١كورنثوس ١٣) قد وقع بين الأصحاح ١٢و ١٤ اللذان يختصّان بمواهب الروح. أمّا اصحاح ١٣، فهو عن المحبّة: ثمر الروح. فإنّه حتى المواهب العُظمى ليست شيئاً بدون المحبّة. ومواهب الروح بلا ثمر للروح تكون ضعيفة ولا تنتج البركة التي يقصد الله أن يمنحها لمخلوقاته. فالمحبة هي بمثابة الغراء الذي يربط جميع الفضائل الأخرى في وحدة كاملة ويُعطي معنى وأصالة لكلّ ما نفعل.

فـرح، سـلام، طـول أنـاة

نقرأ في رومية ١٤: ١٧ قوله «لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوح القُدُس.» وهذا معناه أن، الفرح هو ردّ فعل المحبّة لبركات الله ورحمته العظمى وغفرانه.

والآن، غالباً ما يتركّز فرح الإنسان على الأمور الدنيويّة ويتأثّر بالأوضاع التي تحيط بنا. أمّا الفرح الذي يتأصّل في ثمر الروح، على النقيض، فهو يُرَكّز على الله وما فعله لأجلنا. وهو لا يتأثّر بالحالات المحيطة. وكخاصّة الله يجب أن نكون فرحين. إنّ هذا لا يعني أنه يتحتّم علينا أن نبتسم طوال الوقت، مع أنّ الابتسامة الوديّة تعني الكثير. ولكنّ ثقتنا بالله تعطينا أسباباً كثيرة بأن نبتهج متهلّلين بفرحٍ لا يُنطق به ومجيد، بسبب ما فعله الله لنا وفي داخلنا. الفرح الروحي هو نتيجة الإيمان العامل الحيّ.

اقرأ يوحنا ١٤: ٢٧ مع رومية ١٤: ١٧. ماهي علاقة السلام بعمل الرُّوح القُدُس؟

إنّ السلام أطول عمراً من الفرح. يأتينا السلام نتيجة لتبريرنا بالإيمان بربّنا يسوع المسيح. (رومية ٥: ١). عندما نكون في سلامٍ مع الله، فسوف يقتادنا الرُّوح القُدُس كي نكون مسالمين وصابرين بطول أناةٍ تجاه الآخرين. لأنّ إله السلام يكون معنا (فيلبي ٤: ٩) بواسطة الرُّوح القُدُس، فنكفّ عن العراك والانتقام من الآخرين. وبدلاً من ذلك، نسعى بأن نعيش في سلامٍ ما أمكن مع كلِّ واحِد (رومية ١٢: ١٨).

اقرأ ٢بطرس ٣: ٩. كيف يعكس الصبر وطول الأناة صورة سجايا الله؟

الصبر أو طول الأناة غير مُنْتَشِر بين البشر، فهو يعني احتمال الآخرين، واحتمال الظروف كذلك، حتى لو لم تسير الأمور حسب المرام. وحتّى في الصعاب نحن لسنا وحدنا. الله يعضّدنا بروحه القدوس ويؤسس فينا الصبر أو طول الأناة الذي هو من صفات المؤمنين في الأيّام الأخيرة (رؤيا ١٤: ١٢). فقط أولئك الذين يركّزون مرامهم على هدفٍ مرموق، هم من يمارسون طول الأناة ويمتلكونها.

لطف، صلاح، وإيمـان

اقرأ ١كورنثوس ١٣: ٤ لماذا يجد اللطف الحقيقي قبولاً ايجابياً عند الآخرين؟ أين ترى لطف الله في تعامله مع البشريّة؟

«اللطف» هي الكلمة المستعملة بتكرار في وصف تعامل الله مع شعبه. وتُستعمل كذلك لوصف تعاملنا مع الآخرين في مفشلاتهم وسقطاتهم. لقد كان بإمكان الله أن يكون جافّاً في تعامله مع أخطائنا. ومع هذا، فهو يعاملنا كما يعامل والد محّب طفله الذي يربّيه ويعلّمه (هوشع ١١: ١- ٤). لربّما لا يوجد أمر يقلّل من شهادتنا وكرازتنا أكثر من افتقارنا إلى اللطافة. إنّ تصَرفنا بلطفٍ لا يكلّفنا مالاً، ولكنّ اللطف يمكن أن يفتح قلب الآخر الذي تتعامل معه. ومهما كان حتميّاً أن نكون صارمين عند التوبيخ، فلا يلزم أن نكون غير لطفاء في معاملاتنا مع الآخرين مهما كانت أخطاؤهم وذنوبهم. إن توّبخ بلطفٍ، لربّما يكون أكبر دليلٍ على نبل الأخلاق.

اقرأ أفسس ٥: ٩. ما الصفة التي ترافق «الصلاح» في هذه العبارة؟

الصلاح هو محبّة فعلّية. الصلاح الذي ينمو كثمر للروح يتضمّن أعمال ونشاطات في مجال الصلاح أيضاً. إنّه الصلاح المقدّم للآخرين في أعمال محبّة عمليّة. عندما يسكن الرُّوح القُدُس فينا سيفيض منّا صلاح إيجابي للأشخاص الآخرين الذين نحتك بهم.

اقرأ غلاطية ٥: ٢٢. لماذا هو من الأهميّة بمكان أن نكون أهلاً للثقة وأمناء مخلصين في مسيرتنا المسيحيّة مع الله؟

 

يتّضح هنا أنّ الأمانّة الأخلاقية والسلوكّية توطدت بفعل الرُّوح القُدُس. الأمانة معناها أن تكون محلّ ثقة ويمكن الاعتماد عليك. الأمناء يوفون بما وعدوا به. والأمانة هي أيضاً من ألزم صفات المسيح الذي دُعي «الشاهد الأمين» (رؤيا ١: ٥)، وهي من صفات الله الآب، الذي يفي بوعوده وهو أمين في كلّ ما يفعل (١كورنثوس ١: ٩؛ ١٠: ١٣ ، ١تسالونيكي ٥: ٢٤؛ ٢تسالونيكي ٣: ٣). بأمانتنا نعكس صورة الله في حياتنا. «ليس النتائج العظمى، وإنّما الدوافع التي تدفعنا للعمل هي التي تكون ذات وزنٍ عند الله. إنّه يقدّر الصلاح والأمانة أكثر بكثير من العمل المنجز العظيم» روح النبوة، الشهادات للكنيسة، مجلّد ٢، صفحة ٥١٠ و ٥١١.

الوداعـة والتعفّف

اقرأ غلاطية ٥: ٢٣ ومتى ٥: ٥. لماذا تعد الوداعة، أو الرفق، مهمة جدا بالنسبة لأولئك الذين يأخذون المسيح قدوة لهم فيما يتعلق بالقيادة؟

التواضع أو الوداعة لا تعني الضعف. إنّها ليست جُبناً أو عجزاً عن القيادة. فعلى عكس ذلك، فقد نُعت موسى النبي بأنه كان حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض، (عدد ١٢: ٣)، ومع هذا فقد كان قائداً عظيماً لشعب الله. فالودعاء ليسوا عنيفين أو متصارعين أو متهورّين بأنانية. فخلافاً لذلك، تجدهم يخدمون بروح هادئة وديعة. فالوداعة يمكن أن تكون إعلاناً ظاهريّاً لإيمان داخلي وثقة، ليس في الذات بالطبع ولكن في قوّة الله التي تعمل في داخلنا. وغالباً ما يكون أولئك المزعجين والمشاكسين والمندفعين شاعرين بقلّة طمأنينة ومخاوف في أعماقهم.

اقرأ غلاطية ٥: ٢٣، أمثال ١٦: ٣٢. ما البؤس الذي يحلّ بنا عندما لا نمارس ضبط النفس؟ ما البركات التي نحصل عليها إذا كنا نتمتع بقوة ضبط النفس ونمارس الاعتدال في حياتّنا؟

 

السِّمة الأخيرة من سِمات ثمر الروح هي الاعتدال أو ضبط النفس. هنا نحن جميعاً بحاجة إلى أن نكون حذرين، لأن مَن مِنّا لا يصارع، في أحد المجالات أو الآخر، مع مسألة تَمَالُكُ النَّفْسِ أو الأَعْصاب؟ وقبل أن يتمكن المرء من أن يحكم مدينة أو مجتمعاً أو كنيسة، عليه أن يكون قادراً على أن يسيطر على روحه. إن الاعتدال الحقيقي هو ليس فقط السيطرة على ما يتعلق بما نأكل ونشرب، ولكن السيطرة على كل مرحلة من مراحل الحياة. إنَّ كلّ السّمات المذكورة أعلاه هي جزء من الثمر الواحد للروح القدس. عندما يصِف الكتاب المُقَدّس عمل الله في حياتنا، تكون الأهمية والأفْضَلِيّة للجوانب الأخلاقية للقداسة أكْثَر مِن المَلَكَاتِ الشخصية الكاريزمية الجذابة. إن التشبّه بالمسيح بكل جوانبه هو ما يهم حقاً في حياة المؤمن. ولأن ثمر الروح هو العلامة المميزة المشتركة لجميع المؤمنين في كل مكان، فإنه يُنْتج وحدة منظورة في كنيسته.

لمزيد من الدرس

«باللغة الحديثة، يمكن أن تُقرأ الفقرة المدوّنة في غلاطية ٥: ٢٢، ٢٣ كالآتي: ‘ثمر الروح هو حالة حبيّة حالمة، روح مبهجة مبهرة ومزاجّ منشرح، عقل في أوج راحته وحالة هّادئة، صبر وطول أناة في ظروف منغّصة وأناس متحاملين مجرّبِين، رؤية شاعرة عاطفية ومعونة رقيقة مهذّبة وحُكم كريم وعطاءٌ مفعم بالمحبّة، إخلاصٌ وشخصيّة يعتمد عليها في كلّ الظروف والأحوال، اتّضاع يتجاهل الذات لفرح الآخرين، ضبط النفس وكبح جماحها في كلّ الأمور التي هي ختام السعي إلى الكمال.’ إنّ كلّ هذا لهو نوع الخّلق المعبِّر عن ثمر الروح. الأمر برمّته يكمن في كلمة «ثمر». السرّ ليس بالجهاد بل بالاتّحاد؛ ليس بالهمّ والغمّ بل بالثقة الوطيدة، ليس بالأعمال بل بالإيمان» [س. تشادويك، في آرثر ولوينغتون بِنْك، الروح القدس (بيلينجهام، واشنطن: برمجيات شعارات الكتاب المُقَدّس، بدون تاريخ)، الفصل ٣٠]

«إذا كانت محبة الله في قلبك، ستتكلم كلام الحق. وتتكلم عن الرجاء المبارك الذي لك في الرب يسوع. وإذا كنت تملك المحبة في قلبك، ستسعى لبناء أخيك في إيمان مقدس. وإذا ما بدرت كلمة إساءة أضرت بصديق أو أخ لك، فلا تشجع هذا النمط من الكلام البذيء الذي هو عمل الشيطان، بل ذكّر المتكلم أن كلمة الله تحرّم هذا النوع من الحديث» (روح النبوة، ستنالون قوّةً، صفحة ٧٦).


١٨ – ٢٤ شباط (فبراير)


الرُّوح القُدُس ومواهب الروح






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ١كورنثوس ١٢: ٤- ٧، ١١؛ أفسس ٤: ٧ ؛ ١كورنثوس ١٢: ١٤- ٣١ ؛ رومية ١٢: ٣- ٨؛ ١يوحنا ٤: ١- ٣.


آية الحفظ: «فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.  وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ» (١كورنثوس ١٢: ٤- ٦).


قد حدث أنّ رجلاً كان ذاهباً إلى مهمّة تجارية، قد ترك ابنه بالبيت وأوكل إليه عملاً ليقوم به. ولكنّ الابن اكتشف أنّ والده لم يترك له الدعم والآلات التي يحتاج إليها بما فيه الكفاية لإنجاز ذلك العمل. ولشعوره بخيبة الأمل، اضطر الابن لترك تلك المهمّة دون انجاز.


وبنفس الكيفيّة، عندما ترك يسوع تلاميذه وذهب ليكون عند أبيه السماوي، أعطاهم عملاً يؤدّوه: وهو أن يحملوا أخبار الإنجيل السارّة إلى العالم. مع الفرق بأنّ يسوع لم يترك تلاميذه غير مدعّمين. فما أمرهم بالقيام بعمله قد مكّنهم من تأديته باسمه، وبقوّة وتعضيد الرُّوح القُدُس. في ١كورنثوس ١: ٤- ٧ يرفع بولس الرسول شكراً قائلاً «أَشْكُرُ إِلهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ،  أَنَّكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ اسْتَغْنَيْتُمْ فِيهِ .... حَتَّى إِنَّكُمْ لَسْتُمْ نَاقِصِينَ فِي مَوْهِبَةٍ مَا.» تعطى المواهب الروحية بواسطة الرُّوح القُدُس في المسيح لبناء كنيسته.


سندرس في هذا الأسبوع عن الرُّوح القُدُس كالسلطة العلوية التي تمنح هبات الله العظمى وسنعرف الفرق بين ثمر الروح ومواهب الروح.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٥ شباط (فبراير).




ثمر الروح ومواهب الروح


إنّ ثمر الروح ومواهب الروح لها مؤلّف واحد. ومع هذا فالإثنان مختلفان. لا أحد يُطلب منه استعلان موهبة روحيّة، ولكن يتوجّب على كلّ واحد أن يُظهر في حياته ثمر الروح. المواهب الروحيّة لا تدلّ بالضرورة على الحالة الروحية. إنّما ثمر الروح يدلّ دلالة كافية عن ذلك. في حين يوجد ثمر واحد فقط للروح، فإنّ مواهب الروح عديدة، وبعضها أعظم من بعض.


اقرأ ١كورنثوس ١٢: ٤- ٧ ، ١١. ما هو جوهر تعاليم بولس هنا؟


على الرغم من أن جميع خصائص ثمر الروح قد صمّمها الله لتُستعلن في حياة أتباعه، فلا يتمتّع كلّ مؤمنٍ بنفس الهبة أو الهبات. فليس من فرض على الجميع أن يحملوا هبة معيّنة، مثل التكلّم بألسنة. فبدلاً من ذلك، فالله بسلطان إلهيّ عظيم يمدّ المؤمنين بمواهب مختلفة تناسبهم حسب تقديره. تُوهَب مواهب الروح حتى نستطيع أن نخدم الآخرين ولبناء جسد المسيح، الكنيسة. هذه الهبات لا تُعطى لتُشبِع ملذّاتنا الخاصّة أو لتمجيدنا. إنّما تعطى فقط لإتمام قصد الله.


لذلك، المواهب الروحية هي غير مجدية بدون ثمر الروح. من المدهش حقاً أنّ من بين محتويات المواهب الروحية ومضمونها، تُذْكَر المحبّة كثيراً ويُشار إليها مرات عدة. فبعد كورنثوس الأولى الأصحاح ١٢، يأتي الأصحاح الثالث عشر ليشرح المحبّة بطريقة فائقة الروعة. كما أن الآيات في أفسس ٤: ١١- ١٣ متبوعة بالآيتين ١٥، ١٦ اللتين فيهما إشارة للمحبّة. والآيات التالية بعد رومية ١٢: ٣- ٨ والتي تذكر مواهب الروح، تتحدّث عن المحبّة كذلك (انظر رومية ١٢: ٩، ١٠).


والمواهب هي، قبل كل شيء، مواهب نعمة؛ وهذا معناه أنها هبات مَحبّة. ولقد أُعطيت بدافع المحبّة وتخدم محبّة الله للوصول إلى أناس آخرين. فعن طريق حبّنا للآخرين نعلن لهم محبّة الله. إن الله المُحِب وكلّي المعرفة يمدّنا بالإمكانيات التي تساعدنا على إنجاز ما طلب الله منّا أن نفعله. لربّما هذا هو السبب في كون المحبّة أعظم المواهب جميعها (١كورنثوس ١٣: ١٣).






الله الواهب العليّ الأسمى للمواهب الروحيّةِ


ليس الأمر بأيدينا أن نختار المواهب حسب رغبتنا. الكلمة اليونانية للمواهب هي «Charismata»، وهي مواهب النعمة المعطاة بواسطة الله نفسه. ونحن لا نربح هذه المواهب بمستوياتنا الاجتماعية أو وظيفتنا أو كرامتنا وشرفنا أو ثقافتنا أو حتى أدائنا الروحي. إنّها مواهب، تُعطي مجّانا بدافع المحبّة حتى نتمكن من إنجاز العمل الذي أوكله الله لنا.


اقرأ أفسس ٤: ٧. غالباً ما نفكّر بأن الرُّوح القُدُس هو المانح للمواهب الروحيّة. الرسول بولس يربط يسوع المسيح بمنح المواهب الروحيّة. فكيف يسهم المسيح في منح المواهب الروحية؟


يقول بولس الرسول بأنّ نعمة المسيح قد كفلت الحقّ في منحنا مواهب وعطايا. لكنّ الرُّوح القُدُس هو مَن يوزّع هذه المواهب على أعضاء الكنيسة. أولئك الذين قبلوا يسوع المسيح كمخلّص شخصي لهم ويؤمنون به، فسوف يُمنحون المواهب الروحيّة بواسطة الرُّوح القُدُس «حسب مشيئته» (١كورنثوس ١٢: ١١). إنّ منح هذه المواهب لهو أمر إلهيّ علوي وقرار سيادي.


إن المقدرة الطبيعية الملازمة لنا منذ ولادتنا ليست هبةً روحّية. المواهب الروحية ليست نفس الملكات الطبيعّية التي قد ينمّيها المرء من خلال التعليم والثقافة المركّزة. فكثير من غير المسيحيين قد نالوا بركة الملكات والتفوّق الطبيعي. فبينما كلّ عطية صالحة وكلّ موهبة حسنة هي من عند الله (يعقوب ١: ١٧)، فقد قرّر الربّ أن يمنح المؤمنين بمواهب خاصّة حتى يباركوا حياة مسيحّيين آخرين وحتى يبني كنيسته. فالله يستطيع أن يستخدم موهبة أو مَلَكة طبيعيّة لذلك الغرض عينه عندما يعرف الشخص ذاته بأنّ حتى هبة أو مَلَكة طبيعية كهذه مصدرها الله وحينئذ يكرّسها بخضوع وابتهال لخدمة عمل الله.


ماذا يخبر بولس الرسول قرّاءه في ١كورنثوس ١٢: ١٤- ٣١ بخصوص توزيع المواهب؟ لماذا يكون هذا المنظور هاماً لكيفيّة توظيف المواهب الروحيّة في الكنيسة؟


إنّ الرُّوح القُدُس هو مَن يقوم بتوزيع المواهب الروحيّة حسب حكمته ومشيئته. حيث أنّه يحّبنا ويعرف جيّداً كيف يمكننا أن نخدمه بكفاءة عالية فلا يلزم أن نحسد الآخرين على مواهبهم. فحسدنا الآخرين لهو دليل على عدم تقديرنا للعلّي القدير وعلى الشك في حكمته عند توزيع هباته وعطاياه.






الغرض من المواهب الروحية


اقرأ رومية ١٢: ٣- ٨؛ أفسس ٤: ٨- ١٢. ما هو الغرض من إعطائنا المواهب الروحّية من قِبل الله؟


المواهب الروحيّة قد مُنحت فقط للخدمة وليست لتكريسنا. فهي ليست حِيَل معجزيّة لكي تشبع فضولنا. ولا تُعطى كعقار ضدّ الملل. فكثيراً ما نفكّر بأنّ المواهب الروحيّة من منظور ملء الفراغ الروحي وإشباع حاجتنا الروحيّة، أو جرعات تقوّينا في سيرنا مع الله. وعندها تكون النتيجة أنّ المواهب الروحية مركِّزة على المسيحيّة وليست على المسيح. فهي مُتَمَرْكِزة بالأكثر علينا وليس على الله. عندما نحاول أن نكشف عن المواهب الروحيّة من منظور الله نعرف أنّ الله يمنح هذه المواهب الروحية ليتّمم عدّة أغراض علويّة: إنّها تُعطى لترسخ وحدة الكنيسة ولبنائها (أفسس ٤: ١٢- ١٦). إنّها تُعطى لإتمام رسالة الكنيسة التي أوكلها الله لها (أفسس ٤: ١١، ١٢). وفوق كلّ اعتبار فهي تُعطى لتمجيد الله (١بطرس ٤: ١٠- ١١).


هذا هو السبب في أن المواهب الروحيّة لا تُعطى لترضيتنا. إنّها تُغدق لتساعد الآخرين على التقدّم روحيّاً (١بطرس ٤: ١٠ ؛ ١كورنثوس ١٤: ١٢، ٢٦). إنّها تُعطى لجلب فائدة روحيّة وتقدّم لكنيسة الله برّمتها. إنّها لمأساة حين تُستخدم المواهب الروحية من قِبل أشخاص معّينين ليرتفعوا بها على أكتاف غيرهم بدل أن تكون دعائم توحّد الكنيسة. وعندما يحدث هذا، يتبوأ بعض الأعضاء مراكز لا يستحقّونها. وهذا في حدّ ذاته يعمل على الانقسام ويفسح المجال للخلاف والانشقاق. كثيرا ما تفكّر في المواهب الروحيّة على أنّها المقدرة والملكات التي نكتسبها. وبينما أنّ الملكات هي متضمّنة في المواهب الروحيّة، يجب ألاّ يغيب عن بالنا بأنّ الرُّوح القُدُس عندما يوزّع موهبة روحيّة فإنه عادة ما يكّلف صاحبها بأداء عمل أو رسالة كرازية تستخدم فيها هذه الموهبة (١بطرس ٤: ١٠). وهكذا، يمكن أن تقول بأنّ المواهب الروحيّة هي قدرات معيّنة تُمنح بغزارة من قِبل الله بواسطة الرُّوح القُدُس. هذه المواهب تؤهّل الشخص الممنوحة له لأداء خدمة معّينة تساعد على بناء الكنيسة. ولكي نصل إلى هذا المستوى فيحتاج الأمر إلى وجود مواهب متعدّدة ومختلفة في الكنيسة لنصل إلى الهدف المنشود.






الموهبة الروحية قديمّـاً وحديثـاً


اقرأ ١كورنثوس ١٤: ١ وقارن بين قوائم المواهب الروحية في ١كورنثوس ١٤: ١ وقارن القوائم المختلفة في ١كورنثوس ١٢: ٧- ١١، ٢٧- ٣١؛ رومية ١٢: ٣- ٨؛ وأفسس ٤: ١١، ١٢. هل أُعطيت هذه المواهب لمؤمني العهد الجديد فقط؟ ولماذا توجد هذه المواهب في يومنا هذا؟


يوجد مسيحيّون يعتقدون بأنّ المواهب الروحيّة المذكورة في العهد الجديد كانت مقصورةً على زمن المسيح والرسل. وهم يجادلون بقولهم أنّه بموت الرسل الأَوَّلُين، فالمواهب التي مُنحت لهم خصيصاً قد ذهبت إلى غير رجعة ولم يتكّرر ظهورها بعد ذلك في الكنيسة. ولتأييد هذا الرأي يقتبسون من ١كورنثوس ١٣: ١٠ وحيث يسجّل بولس الرسول قوله « وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ.» نعم سيأتي الوقت عندما تنتهي المواهب. ولكنّها ستنتهي فقط عندما يكون الكامل قد أتى فعلاً، وهذا، لمّا ينتفي النظر كما في مرآة داكنة ولكن وجهاً لوجه، وقت مجيء المسيح ثانيةً. الكتاب المُقَدّس يخبرنا بأنّ المواهب الروحية أعطيت لبنيان الكنيسة (١كورنثوس ١٢: ٢٨). يهيب بولس الرسول بالمؤمنين أن «يجِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ،»(١كورنثوس ١٤: ١) فهي ضروريّة لصحّة الجسد. وفي غياب البرهان الكتابي بأن الله ألغاها، فإنّنا نفترض بأنّ الله قصد لها أن تبقى في الكنيسة إلى أن تنتهي من رسالتها ويكون المسيح قد أتى فعلاً.


إنّ عمل الله سيكمّل في آخر الزمان بقوة وسلطان يفوق بكثير العمل الأوّلي. طالما تُدعى الكنيسة لأن تجهّز العالم لمجيء المسيح الثاني، فالله لن يترك أعضاء الكنيسة بدون مساعدة لإنجاز مهمتهم الموكلة إليهم. ولكنّ هذه المواهب لا تُبطل أبداً سلطة الكتاب المقدّس، ولا تحلّ محلّه. وهي إنّما عبارة عن إتمام وعد الكتاب المُقَدّس بإمداد المؤمنين وتسليحهم حتى يتمكّنوا من بناء جسد المسيح (الكنيسة) وتجهيز العالم أجمع لمجيء يسوع الذي أصبح قريباً على الأبواب.






الرُّوح القُدُس وهبة تمييز الأرواح


اقرأ ١كورنثوس ١٢: ١٠ ، ١٤: ٢٩؛ ١يوحنا ٤: ١- ٣ لماذا كانت هبة تمييز الأرواح مهمّة؟


بينما يوجد في الكنيسة مواهب روحيّة حقيقية، يحذّرنا الكتاب المُقَدّس من تصديق كلّ الأرواح بل أن نختبر مدى صدقها بمقدار توافقها مع كلمة الله المقدّسة، وعدم تناقض أقوالهم وإذا كانوا يرفعون يسوع ربّاً وإلهاً. إنّ الأمر هام جداً وضروري أن تميّز بين مختلف الأرواح (١كورنثوس ١٢: ١٠). لأنّ ليس كلّ من يّدعِي انّه مرسل من الله هو كذلك، لقد حذّرنا الوحي المقدّس بأنّ هناك قوى شيطانية تسعى لتضليل الكنيسة وأنّ انتاج مواهب مزوّرة يسير على قدمٍ وساق لتحلّ محلّ المواهب الحقيقية، كالتعاليم المضللة ونبوّات مضلّة ورؤى كاذبة وتضارب التكلم بألسنة، وقوّات شفاء غامضة، علامات وأعاجيب مفتعلة مضلّة، وما إلى ذلك مما ليس له أي سند كتابي


والبعض ممّن يقبلون صّحة المواهب الروحيّة، حتى يومنا هذا، قد وضعوا أهميّة خاصة على بعض المواهب، وقد أُعطوا مركزا مرموقاً لبعضها دون مبّرر إلى درجة وجود علامات وعجائب خاصة. من المهمّ جدّاً أن نعرف بأن الرسول بولس يذكر هبة تمييز الأرواح بعد هبة «عَمَل قُوَّاتٍ « مباشرةً وهبة «روح النبوّة» وقبل أن يذكر هبة التكلُم بألسنة (١كورنثوس ١٢: ١٠).


ولكي يحفظ الله الكنيسة في الحقّ متّحدةً ولأجل حماية الأعضاء من اتّباع الأنبياء الكذبة وحفظهم من العلامات والمعجزات الخادعة الملفّقة، يمنح الربّ هبة «تمييز الأرواح» ، وهي عبارة عن نضوج كتابي ومعرفة متبحرة وإخلاص وأمانة لكلمة الله بإيمان وتدريب لازمين للخروج بتجارب ممحّصة مبرهنة لا يرقى إليها أدنى شكّ. وأساس هذا «التمييز» ، بالطبع، هو كلمة الله المقدّسة. وباختبار كلّ شيء بمقياس الحقّ (الكلمة المقدّسة) وحدها نستطيع أن نفحص ما نسمعه بالأذن أو ما نشاهده بالعين لنعرف مدى صحّته، هل هو مِن الله، أو بعكس ذلك، هو مِن مصدر آخر.


«المرء الذي يأخذ صنع المعجزات أساس إيمانه سيكتشف أن الشيطان يستطيع، من خلال نماذج مخادعة، أن يجري معجزات كاذبة تظهر وكأنّها معجزات حقيقية. , , , لا يجب أن نرى الأيام تمّر أمامنا ضائعةً بينما تضيع الفرص الثمينة التي ينبغي أن نقضيها طالبين الربّ بكلّ قلوبنا وعقولنا وأرواحنا. فنحن ما لم نقبل الحقّ بحبّ طاهر، فقد ننزلق مع أولئك الذين يعينون الأعاجيب الشيطانية في هذه الأيام الأخيرة ويصدّقوها. إنّ أموراً كثيرةً غريبة ستظهر وكأنّها معجزات حقيقية رائعة، والتي يجب أن نعتبرها خدعاً من صنع مُبدع الأكاذيب . . . . رجال تحت نفوذ الأرواح الشرّيرة سوف يصنعون معجزات» روح النبوة ، رسائل مختارة، مجلد ٢، صفحة ٥٢، ٥٣).




لمزيد من الدرس


اقرأ لروح النبوة ، من كتاب «الصراع العظيم» صفحة ٥٥٦- ٥٦٣ ، ٦٤٢ – ٦٥٣.


لقد سأل البعض، «لماذا لا نرى ذات المعجزات، كمعجزات الشفاء، اليوم كما كانت تحدث قديماً زمن الكتاب المُقَدّس؟» أولاً، إنّنا نسمع قصصاً عن معجزات تُجري. وقد رآها البعض رؤى العيان بالتأكيد. ثانياً، عند قراءة الكتاب المقدّس، نأخذ انطباعاً بأنّ المعجزات كانت تحدث باستمرار. ولكننا عندنا هذا الانطباع فقط لأنّ الرُّوح القُدُس قد أوحى للكتبة كي يدّونوا أحداثاً هامّة للغاية في تأسيس الكنيسة الأولى، وهذه الأحداث كانت تتضمّن إجراء معجزات. ويمكننا أن نتصوّر أنّ في معظم الحالات وفي معظم الأحيان، كانت الأمور حينئذ كما هي عليه اليوم: الناس يتعلّمون كلمة الله ويستجيبون لنداء الرُّوح القُدُس وأخيراً كتبت روح النبوة: «الطريقة التي عمل بها المسيح كانت الكرازة بالكلمة والشفاء من المعاناة من خلال أعمال الشفاء المعجزيّة. ولكنّي أُخبرت بأننا لا نقدر الآن أن نعمل بنفس الكيفيّة، لأن الشيطان سيمارس قوّته الغاشمة بإجراء معجزات. فخدّام الله لا يقدرون أن يعملوا اليوم عن طريق المعجزات، لأنّ معجزات شفاء كاذبة ستُجرى، مدّعيةً بأنّها من عند الله. لهذا السبب فقط خطّ الرب طريقةً يقوم شعبه فيها بعمل الشفاء الجسدي، مصحوباً بتعليم كلمة الله. تؤسّس مصحّات ومع هذه المؤسسات ينضمّ عمال يقومون بعمل طبيّ حقيقي تبشيري. فيكون هناك تأثير حافظ للذين يتردّدون على هذه المصحّات طلباً للعلاج» روح النبوة، رسائل مختارة، المجلد ٢، صفحة ٥٤ ).




الدرس التاسع


٢٥ شباط (فبراير) - ٣ آذار (مارس)


الرُّوح القُدُس والكنيسة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أفسس ١: ٢٢ ، ٢٣؛ ١كورنثوس ١٢: ١٣؛ رومية ٦: ٣- ٧؛ أعمال ١٧: ١١ ؛ أفسس ٤: ٥ ، ٦؛ أعمال ٢: ٤- ١١.


آية الحفظ:  «مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.  جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ.  رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،» (أفسس ٤: ٣- ٥).


كثيراً ما نفكّر بأن الرُّوح القُدُس يعمل فقط في حياة الأشخاص كلّ بمفرده. ولكن العمل في هؤلاء الأشخاص هو تأسيس لجماعة روحية (الكنيسة). فالرُّوح القُدُس هو مسئول كليّةً في تواجد كنيسة المسيح.


وكم نجرّب فنفكّر بأن الكنيسة توجد وتنمو بسبب نشاطاتنا التبشيرية والكرازية المتنوعة. نعم، إنّ الله يريد أن ينجز خططه الممجِّدة لكنيسته، ويفعل ذلك بمعونتنا. ولكن السبب الحقيقي لوجود ونجاح الكنيسة لا يتوقّف على ما نعمله نحن؛ ولا هو نتيجة الكفاءة الإدارية، بالرغم من أهميّة كل هذه العوامل. فالكنيسة موجودة بسبب ما فعله الله لها قبلاً وما يفعله الآن بقوّة وإرشاد روحه القدوس. إنّ الرُّوح القُدُس هو مَن يخلق مجتمعاً مسيحيّاً روحّياً وعقيدة أساسها كلمة الله المقدسة التي أوحى بها الرُّوح القُدُس كمصدر للإيمان والتدريب. إنّ الكتاب المُقَدّس الموحى به بواسطة الرُّوح القُدُس هو أساس الوحدة اللاهوتية للكنيسة. فبدون عمل الروح لا توجد كنيسة ولا تكمل مهمتها المتحدة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٤ اذار (مارس).




الرُّوح القُدُس يوحّدنا مع المسيح


الرُّوح القُدُس يوحدّنا بطرقٍ عديدة. لا يبقى لنا كيانٌ ككنيسة ما لم يوحّدنا الروح القدس بالمسيح أولاً. المسيح هو رأس الكنيسة (انظر أفسس ١: ٢٢، ٢٣؛ ٥: ٢٣). إنّنا نتّحد مع المسيح نفسه عن طريق الرُّوح القُدُس. واتحادنا بالمسيح هو أساس بركات الخلاص، لأنّ كلّ ما نملك يأتينا من عند الربّ. بنوّتنا كأبناء وبنات لله، تبريرنا وكذلك تقديسنا، وحياتنا المنتصرة على الخطيّة وتمجيدنا في النهاية، كلها نتسلّمها من اتحادنا بالمسيح. وهكذا، ينبغي أن يكون المسيح أساس اختبارنا المسيحي برمّته.


اقرأ أفسس ٢: ١٨ ، ٢٠- ٢٢؛ ١بطرس ٢: ٦ ، ٧. ماذا تخبرنا هذه المراجع عن دور المسيح والرُّوح القُدُس في خلق الكنيسة؟


بواسطة الرُّوح القُدُس نصل إلى الآب السماوي. يسوع هو الصخرة، أساس خلاصنا، وعليه تشيّد جميع أطراف البناء كلّه.


يعمل الرُّوح القُدُس على الأعضاء على مستوى فردي، وحينئذ يتوحّد في جماعة المؤمنين أو جماعة الإيمان: الكنيسة. عندما نكون قد اختبرنا الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح وحده، ولمستنا محبّة الله، يكون هناك «شركة الرُّوح القُدُس» (٢كورنثوس ١٣: ١٤) في الكنيسة. ينضم المؤمنون الفرادى مبنيّين في بيت روحي جديد هو بيت الله «بالرُّوح القُدُس» (أفسس ٢: ٢٢). وكأتباع للمسيح يجب أن نكون «مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ» (أفسس ٤: ٣). في كلّ مسار ممكن، دون المساومة فيما لا تجوز فيه أي تنازلات، يتحتّم علينا أن نسعى للاتحاد في شركة المؤمنين.






الرُّوح القُدُس يوحّدنا بالمعمودية


اقرأ: ١كورنثوس ١٢: ١٣. كيف توحّدنا المعمودية مع المسيح والرُّوح القُدُس؟


إنّ الرُّوح القُدُس هو الذي يوحّدنا كمؤمنين في جسد واحد. إنّ البّوابة الرئيسية المؤدية إلى ملكوت المسيح الروحي هي المعموديّة. وهكذا، فالمعمودية لها بُعد جماعي مميّز ولها انطباعات جماعية هامة لأننا نعتمد في جسد كنيسة خاصّة. كتابعين للمسيح، لا نستطيع أن نحيا بأنفسنا منعزلين. فإننّا جميعاً نحتاج إلى مساندة، وتشجيع ومساعدة الآخرين. وبالتأكيد، لا نستطيع أن ننفّذ المهمّة الربّانية بمفردنا. هذا هو السبب الذي من أجله خُلقت الكنيسة. أن نتبع المسيح معناه السير معه في شركة المؤمنين الآخرين. لذا فالمعمودية والكنيسة لهما عامل منظور مشترك.


اقرأ رومية ٦: ٣- ٧. ما الذي تمثّله المعمودية حسب النص الكتابي؟


إن عملية الدفن مع يسوع المسيح بالمعمودية للموت في القبر المائي وعملية القيامة إلى حياة جديدة في شركة مع يسوع المسيح الهنا ومخلّصنا ترمز إلى صلب الحياة العتيقة والاعتراف العلني بقبول المسيح مخلّصاً لنا.


«المعمودية هي أسْمَى وأعْظَم إعلان لرفض العالم. والنفس ميّتة عن الخطيّة بالاعتراف والتسليم. تغطّي المياه الإنسان المعتمد ويُعلن العهد الودّي المشترك في حضور المجد الكوني ... باسم الآب والابن والرُّوح القُدُس. يُسجّن المعتمد في قبره المائي، مدفوناً مع المسيح بالمعموديّة ومقاماً من الماء ليحيا حياة جديدة في ولاء لله» (تعليقات روح النبوة، موسوعة الكتاب المقدّس للأدڤنتست السبتيين، مجلد٦، صفحة ١٠٧٤ ).


المعمودية هي خطوة ايجابية، يجب أن يذعن لها ويسلّم بها ويطلبها كل الذين يريدون أن يُعْتَرَف بخضوعهم لسلطة الآب والابن والرُّوح القُدُس. بمعنى آخر، المعمودية تتلخّص في التوبة الحقيقية، صَلْب الحياة العتيقة وهي استهلال للولادة الجديدة أو عملية التجديد. وهي تتضمّن التزامات عهدٍ متبادلة. يتعهّد المؤمن أن يكون أميناً لله ولوصاياه، والله يعطي ضماناً لكي نعتمد عليه ونحظى بمساعدته عند الحاجة.






الرُّوح القُدُس يوحّد الكنيسة من خلال كلمة الله


اقرأ: أعمال ١٧: ١١؛ يوحنا ٥: ٣٩ ، ٤٦ ، ٤٧؛ ٨: ٣١ ، ٣٢. ما هي العلامة المميّزة لتلميذ المسيح الحقيقي؟ لماذا كان الكتاب المُقَدّس ضرورياً، لا غنى عنه، لاقتيادنا إلى المسيح ولمساعدتنا في اتّباعه بأمانة؟


الوسيلة الرئيسيّة التي يوحدّنا بها الرُّوح القُدُس مع المسيح هي كلمة الله المكتوبة. الكتاب المقدّس هو مصدر موثوق فيه لمعرفة يسوع ومشيئة الله. هذا هو السبب في أنّ قراءة الكلمة المقدّسة وحفظ محتواها عن ظهر قلب لهو في غاية الأهميّة. الكتاب المقدّس هو مصدر ذو سلطان عريض لاستيعاب الحقّ الروحي والخطأ. لقد مدح بولس الرسول أهل بيريّة كأصحاب عقول نبيلة نيّرة (أعمال ١٧: ١١) لأنهم فتّشوا الكتب ودرسوها فاحصين كي يتأكّدوا من صحّة ما كانوا يسمعون.


أي نهضة أو انتعاش روحي- ولا يهمّ إذا كان له تأثير علينا شخصياً أو كمجتمع كنسي – يجب أن يتأسّس على كلمة الله. الكتاب المقدّس هو الأساس الذي يُبنى عليه إيماننا. ولذا فالمحبّة المسيحيّة والمحبّة لكلمته المكتوبة هي الرباط الذي يحصرنا معاً.


اقرأ يوحنا ١٧: ١٧- ٢١. هنا يتحدث المسيح عن الوحدة بوصفها علامة مميزة للتلمذة المسيحية. وفقاً ليوحنا ١٧: ١٧، ما هو الأساس لهذه الوحدة؟


كلمة الله هي حقّ (يوحنا ١٧: ١٧؛ مزمور ١١٩: ١٦٠). إنّ وحدة الكنيسة هي مهّمة الرُّوح القُدُس مع كلمة الله المكتوبة ومن خلالها. والرُّوح القُدُس لن يقتادنا إلى الشكّ والانتقاد والزيادة أو انتقاص تعاليم الكتاب المقدّس. وبدلاً من ذلك فهو يهيب بنا أن نقدّر سلطان الكلمة الإلهية- والرُّوح القُدُس لا يقتادنا بعيداً عن الكلمة المكتوبة أو كلمة الله الحيّة (يسوع المسيح). فعلى النقيض من ذلك، يحفظنا في خضوع لكليهما بوعي كاملٍ وإرادة حرّة. والكتاب المُقَدّس هو المورد الأساسي لأي اتحاد لاهوتي على وجه البسيطة. فلو أننا قلّلنا من ثقتنا في الكتاب المقدّس أو أضعفناها ككلمة الحقّ الإلهي المرسلة إلينا، فلسوف تُدمّر وحدة الكنيسة.






الرُّوح القُدُس يوحّد الكنيسة في الحقّ والتعليم


«رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ٦ إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ.» (أفسس ٤: ٥ ، ٦). ماذا يخبرنا بولس عن الاتحاد هنا ومن أين يأتي؟


الاتحاد بالإيمان وفي التعليم يتحقق فقط بالثقة المطلقة في كلمة الله. الربّ، هو ذاته بالأمس واليوم وإلى الأبد، يكوّن رباطاً روحّياً مع كلّ مؤمن. إن نفس الولادة الجديدة، الحاصلة بقوة الرُّوح القُدُس، ونفس الطاعة لكلمة الله المُمكَّنة بإرشاد الرُّوح القُدُس، تقود إلى وحدة الإيمان التي تتخطى وتتجاوز الاختلافات البشريّة والثقافيّة.


في الوقت الذي فيه نُدعى للرضوخ لكلمة الله وبذل كل شيء لتوطيد السلام مع كل واحد (رومية ١٢: ١٨)، فإننا في نهاية المطاف لا نقدر أن نتمّم وحدة الغرض، الوحدة اللاهوتّية كجسد كنسي. لأنّ الاتحاد ليس عملاً نحصل عليه بمجهود وإنّما هو هبة من الرُّوح القُدُس، الذي يعمل مع كلّ عضو بمفرده ومع الكنيسة مجتمعة.


الأساس اللاهوتي لهذه الوحدة هو كلمة الله. فأي التماس مُقدّم للروح القدّس بدون اتّساق مع كلمة الله المكتوبة يمكن أن يفضي إلى مبادئ وممارسات مشكوك في صحتها. وبنفس الكيفية، فأي توظيف لكلمة الله دون الرجوع إلى قوّة الرُّوح القُدُس سيجعلها جافّة بلا ثمر. ولأنّ لنا ربّ واحد، ولنا إيمان واحد يؤدي بنا إلى معمودية واحدة، فإنّه فقط من خلال الأمانة بإخلاص وفرح بكلمة الله يمكننا أن نهنأ بوحدة في الكنيسة. وإذ انعدمت الوحدة في الايمان والتعاليم، فلن يكون هناك اتحاد في المرسلية المقدّسة.


«لنا إله واحد أي ربّ واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة. وإنجيل المسيح لا بدّ أن يصل إلى جميع الطبقات وكلّ الأمم وكلّ لسانٍ وشعب. إنّ نفوذ الإنجيل هو اتحاد أخوي عظيم. لنا نموذج فريد نحتذي به في بناء الأخلاق، وعندئذ يكون لدينا قالب واحد هو قالب المسيح؛ سنكون في انسجام تام؛ وسوف تتبلور الجنسيات وتتآلف في شخص يسوع المسيح، بفكر واحد وحكم واحدٍ معبّرين بلسانٍ واحد وفمٍ واحدٍ يمجدّون الله» روح النبوة، دعوتنا العليا، صفحة ١٧١).






الرُّوح القُدُس يوحّد الكنيسة في مرسلية الكرازة والخدمة


اقرأ أعمال ٢: ٤- ١١، ١٦- ٢١. ماذا كانت نتيجة انسكاب الرُّوح القُدُس على مؤمني العهد الجديد؟


كان الرُّوح القُدُس مسئولاً وفاعلاً في أعظم مهمّات تبشيريّة عرفها التاريخ إلى تلك اللحظة. يستطيع الربّ أن يعمل من خلال مجموعة صغيرة مكرّسة لاسمه ومتّحدة أكثر مما يعمله من خلال مجموعة كبيرة منقسمة في ولائها لله وللقصد المقدّس. ولكنّ الله باستطاعته أن يعمل أكثر من ذلك عندما نكرّس حياتنا وجهودنا، مواهبنا ومصادرنا خالصةً له.


لقد انبثق عن اتحاد المؤمنين في الحياة والمهمّة الكرازيّة، كنيسة العهد الجديد، جماعة قليلة العدد هيّابة خجولة من المؤمنين قد تغيّرت إلى فرقة جبّارة أصبحت أداةً فعّالةً وصلت إلى أناس من ثقافات مختلفة ولغات متباينة. لقد كانوا متّحدين في إعلان «عَظَائِمِ اللهِ» (أعمال٢: ١١). إنّ نفس الإله الذي كان نشيطاً في أزمنة العهد الجديد سيكون هكذا نشيطاً في آخر الأيام، عندما يتوّجب إتمام العمل قبل مجيئه الثاني.


اقرأ أعمال ٢: ٤٢- ٤٧. في أية أمور أخرى كان مؤمنو العهد الجديد متّحدين؟


إنّ مهمَة الكرازة التبشيريّة الجبّارة في يوم الخمسين قد تحقّقت بفضل عدّة أسباب أخرى حيث وقفت الكنيسة متّحدة صلبة. لقد كانوا متّحدين في دراسة الكتاب المُقَدّس وكرّسوا حياتهم لتعاليم الرسل (أعمال ٢: ٤٢). كانوا متّحدين في الشركة وكسر الخبز، ولربّما دلّ ذلك على تعبّد موحّد. كانوا متّحدين في الصلاة (أعمال ٢: ٤٢) وفي تسبيح الله وتمجيده (أعمال ٢: ٤٧). كانوا متّحدين في خدمة أولئك المحتاجين لمّا قسموا لهم ما كان بأيديهم وكان كلّ شيء عندهم مشتركاً (أعمال ٢: ٤٤ ، ٤٥). إنّ الاتحاد في دراسة الكتاب المقدّس والشركة سيكون نتيجته الرغبة في مشاركتنا الآخرين لسماع الأخبار السارّة ولمساعدة الآخرين بطرق عمليّة. إنّ الرُّوح القُدُس سيفتح عيوننا لنرى احتياجات مَن هم حولنا.






لمزيد من الدرس


هذا هو العمل الذي يجب أن ننخرط فيه. فبدلاً من قضاء حياتنا في انتظار موسم حماسة معيّن، يلزم أن نحسّن بحكمة الفرص الحاضرة المُتاحة لنا، عاملين ما يلزم حتى يمكن تخليص نفوس كثيرة. بدلاً من إنهاك قوانا العقلية بافتراضات تتعلّق بالأوقات والمواسم التي هي من اختصاص الله وقد أَقصيت عن الإنسان. فوجب علينا أن نضع أنفسنا في خضوع لعمل الرُّوح القُدُس، لنؤدي فروضنا اليومّية بتقديم خبز الحياة نقياً وغير ملوّث بالآراء البشريّة إلى الأنفس التي تتضوّر جوعاً إلى الحقّ» روح النبوة، الشهادات، المجلد الأول، صفحة ١٨٦).


«كلّ فردٍ يجاهد ليصبح صاحب مركزِ نفوذٍ، ولكن إلى أن يعمل الله في شعبه، فإنهم لن يروا بأنّ الرضوخ لله هو الأمان الوحيد لأي نفس. إنّ نعمته المغيّرة للقلوب البشريّة ستقود إلى الوحدة التي لم يتوقعها أحدٌ بعد، لأنّ كلّ الذين ينتمون إلى المسيح سوف يكونون في انسجام واحدهم الآخر. فالرُّوح القُدُس سيخلق الوحدة» روح النبوة، الشهادات، المجلد الثالث صفحة ٢٠، ٢١).


الدرس العاشر


٤- ١٠اذار (مارس)


الرُّوح القُدُس، الكلمة والصلاة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: يوحنا ١٥: ٧؛ متى ٧: ٧؛ مزمور ٦٦: ١٨؛ يعقوب ١: ٦- ٨؛ ١يوحنا ٥: ١٤، ١٥؛ أعمال ٢: ٣٨.


آية الحفظ: «وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا.  وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ» (رومية ٨: ٢٦، ٢٧).


الحياة الروحية الحقّة والصلاة يسيران معاً. لا توجد حياة روحيّة حقيقيّة بدون صلاة حارّة. بعد الحاجة إلى التوبة، فلربّما تأتي الحاجة إلى نهضة في حياة الصلاة الخاصة بنا. والخبر السار هو أنّه حتى أثناء صلاتنا لا نُترك دون معونة الرُّوح القُدُس. الصلاة تقرّبنا من الله، إنّها ترفعنا إلى حضرته. فصلاة الإيمان تمكّننا من الحياة مستجيبين لوعود الله الكريمة السابقة الفائضة. تتبدّل حياتنا عندما نطالب بتنفيذ وعود الله الثمينة لنا في الكتاب المقدّس. فالله قادر تماماً أن يسدّد احتياجاتنا حسب غناه (فيلبي ٤: ١٩). الصلاة الخالصة والحياة الروحية الصادقة تضع الله دائماً في بؤرة اهتمامها. وكلاهما مدوّنتان في كلمته المقدسة.


يجب ألاّ نرسي حياتنا الروحيّة على اختبارنا المتذبذب ومشاعرنا السلبيّة ولا نركْز صلواتنا على ممارسات وتأمّلات الشكّ. بل يجب أن تُقاد أمورنا الروحية بالكتاب المقدّس وتهتدي بمشيئة الله كما هي مُعلنة في كلمته المقدسة. إنّ الرُّوح القُدُس هو مَن يوقظ فينا الرغبة لطلب حضور الربّ معنا في الصلاة وأن نرفع بعضنا بعضاً في توسّلاتنا.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١١ آذار (مارس).




الصلاة التي ترضي الله


كثير من الصلوات تتغلّف وتوجّه بدوافع الشك بالرغم من كونها بلباس التقوى. فقد نصلّي حتى ينقذ الربّ حياة إنسان معنا بالبيت لأنّنا لا نحّب أن نعيش بمفردنا. ويجوز أن نصلي لنجاح عمل الله لأن لنا دور هام فيه. وقد يصل بنا الأمر أن نصلّي لتجديد إنسان لأنه سيهوّن علينا الطريق. فغالباً ما نركّز صلواتنا على ما نريده نحن وليس على ما يريده الله. أما الصلاة المُرضيّة عند الله لها اتجاه آخر.


اقرأ يوحنا ١٥: ٧. لماذا هو مهمّ في صلواتنا أن نحيا في يسوع وأن تحيا كلماته فينا؟ كيف يكون لصلاتنا اتجاه مخالف إذا لم نحيا متّحدين مع يسوع؟


كوننا نطلب الله أولاً ونتمتع بالعشرة معه لهو أعظم أهميّة من أي شيء آخر يمكن أن يمنحه لنا. فلو كان الله له مكان الصدارة في حياتنا، لسوف نتوق أن نعمل ما يريده؛ أفكاره سوف تشكّل رغباتنا. فمتى تمركز الربّ في صلواتنا نبدأ نصلّي من منظوره هو. ونبدأ نرى كل حياتنا برمّتها بعينيه. فمنظوره يرقى بصلواتنا ويجعلها نبيلة القصد.


الله مفعمٌ بمحّبتنا ويهمّه أمرنا. إنّه يتوق لأن يكون جزءاً في جميع مناحي حياتنا: همومنا، مخاوفنا، طلباتنا، أمانينا، رغباتنا، نجاحنا، أفراحنا، زلاّتنا- كلّ شيء. ونستطيع أن نتناول كلّ هذه الأمور معه في الصلاة كما نتحدّث مع صديق. وننظر الى كلّ هذه الأمور من خلال عينيه.


الصلاة لا تغيّر الله؛ إنّها تغيّرنا لأننا قد صرنا الآن في حضرة الله التي تغيّر الحياة.


«الصلاة هي فتح القلب لله كما لو كنا نكلّم صديقاً حميماً. وليست هي ضرورية لنُعلِم الله بما نحن عليه، ولكنها ضرورية لأنها تمكّننا نحن من قبول نعمته، إذ إنها لا تُنزِل الله إلينا ولكنها ترفعها إليه تعالى» (روح النبوة، طريق الحياة، صفحة ٦٣).


يا له من اقتباس عظيم! إنه يقدم تصويراً جلياً لقوّة الصلاة وما تفعله فينا ولأجلنا. وحدها الصلاة تجعلنا منفتحين لاستقبال النعمة والقّوة والحضور الإلهي في حياتنا. فمن منّا لم يختبر حقيقة فاعلية الصلاة فهي تجذبنا نحو المسيح وتقرّبه منّا.






أساس الصلاة الكتابية: اطلب من الله


اقرأ متى ٧: ٧. قبل أن نتمكّن من استلام شيء من الله، علينا أن نجدّ في طلبه. لماذا كان سؤالنا أو طلبنا مهمّاً، ما دام الله يعرف كلّ شيء على أي حال؟


سؤالنا يعلن عن رغبتنا ويعبّر عن ثقتنا بالله. في الصلاة نقترب ممّن نطلب منه دعماً ومساندة. عندما نسأل، فنحن نخوّله علانيةً أن ينشط لصالحنا. فالله يرغب في أن يُسْأَل. وهو يودّ أن نقدّم له طلبتنا. فإذا لم نسأله لن نتسلّم العطايا التي وعدنا بها. قال يسوع: «اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ.  لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ» (لوقا ١١: ٩، ١٠).


اقرأ مرقس ١١: ٢٤؛ ١يوحنا ٥: ١٤، ١٥؛ مزمور ٦٦: ١٨. لماذا لا تستعصي أي طلبة في الصلاة، مهما كانت، على الله؟ لماذا هو جيّدٌ أن نعرف بأنّ الله كريم ويحبّ أن يوزّع نِعَمه وخيراته على عباده؟ ما هو الشرط الأساسي الذي يطلبه الله ليلبّي طلباتنا ويسمع صلواتنا؟


بالحقيقة يمكننا أن نسأل الله في أي أمر. فليس من طلبٍ يُعتبر صغيراً أو تافهاً حقيراً عنده. ولا طلب يُعتبر عظيماً يخرج عن قدرة وطاقة الله. إنّه كلّي القدرة. فبالإيمان نستطيع أن نطالب بتلبية كل وعد في الكتاب المقدّس ونتسلّم الهبة الموعود بها من يديه الطاهرتين حسب مشيئته (٢كورنثوس ١: ٢٠).


لكن توجد شروط يجب أن تُستوفى حتى نستلم ما نطلبه. فلو أننا لا ننوي أن نسلّم لله أنفسنا أو نخضع بالكامل لإرادته، ولو أنّ طلباتنا تعبّر فقط عن رغباتنا الأنانية الخاطئة، فالله لن يستجيب لصلواتنا (انظر إشعياء ٥٩: ١، ٢). يوجد شرط هام لاستجابة صلواتنا هو استعدادنا أن نتبع مشيئة الله وأن نكون طائعين. «فكل عطاياه قد وعد بأن يعطيها لمن يتممون شرط الطاعة» (روح النبوة، المعلم الأعظم صفحة ١٣٣). لكوننا نعرف يقينا بأنّ الله سخيّ، يمكننا أن نقترب منه بجرأة. (إن الله لا يتمجّد بالخنوع والخضوع الذليل الضعيف في الصلاة كأنّ صاحبها لا يتوقع استجابة لها. إنّه يرغب في أنّ كلّ مؤمن يتقدّم إلى عرش النعمة بإخلاص وتأكيد» (روح النبوة، علامات الأزمنة، ٧ آب/أغسطس ١٩٠١).




أساس الصلاة الكتابية: آمـن


اقرأ مرقس ١١: ٢٤. بالإضافة إلى «اسأل أو اطلب»، ما هو الشرط الذي يذكره المسيح بالنسبة للصلاة؟


ليس كافياً أن نسأل فقط. هناك بند ثانٍ هام يجب أن يتوفّر فينا عندما نصلّي: الإيمان. تخبرنا الرسالة إلى العبرانييّن «بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ،» (عبرانيين ١١: ٦). عندما نركع أمام الله ونفتح الكتاب المُقَدّس على أيّ من وعود الله التي تربو على ثلاثة آلاف، وعندئذ نسأل الله، ببساطة تشبه بساطة طفل صغير، أن يتمّم وعده لنا، فلزام علينا أن نؤمن بأنّ الله سيفعل ما هو أفضل لنا في وقته المحدّد، حسب حكمته التي لا تخطيء.


اقرأ يعقوب ١: ٦- ٨. كيف تصف هذه الآية الشخص الذي ينقصه الإيمان؟ لماذا يكون الإيمان شرطاً أساسياً يسبق تسلّم الهبات الموعود بها؟


عندما نأتي إلى الله، يجب أن نؤمن بأنّه موجود ويجازي الذين يطلبونه. الصلاة ذات الفعل ينبغي أن يرافقها الإيمان ليس فقط بأن الله يستطيع أن يلبّي طلبتنا، ولكنّه سيفعل ذلك بحسب مشيئته الربّانية.


في الكتاب المُقَدّس، الايمان له علاقة بالثقة. إنّنا نستطيع أن نثق في شخص عندما نعرف بأنّه جدير بالثقة. عندما يراودنا شكوك بخصوص احترام الله لوعوده، ساعتها نتأرجح ولا نقدر أن نتوقع أن نتسلّم أي شيء منه. أن تؤمن معناها أن تثق في كلام وعود الله. إنّها تعني أننا نعتمد على الله وعلى وعوده، حتّى لو أنبأتنا مشاعرنا بخلاف ذلك. لأنّ «الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى» (عبرانيين ١١: ١). الايمان يتشبث ويتمسّك بوعود الله لأننا نثق تماما فيما قاله (عبرانيين ١١: ١١). الإيمان يعرف يقيناً أنه «لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ» (عبرانيين ٦: ١٨). «يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ» (عبرانيين ١٣: ٨).الايمان يعرف «أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ»(لوقا ١: ٣٧).


الإيمان يفتح باب مخزن الكنوز السماوي. يحّرك الله قلوب الرجال والنساء ليثقوا بكلمة الله ومن خلال الإيمان تحّرك صلواتّنا ذراع كلّي القدرة.






أساس الصلاة الكتابيّة: المطالبة بوعود الله


الإيمان كلّه بلا جدوى إذا لم نطالب بالأشياء التي صلينا من أجلها.


اقرأ ١يوحنا ٥: ١٤، ١٥. ما هو السبب الذي يجعلنا واثقين من أنّ الله يسمع لنا وأنّنا نتسلّم ما قد طلبناه منه؟


البند الثالث للصلاة الكتابية هو الاستلام. بعد سؤال الله وتصديق وعوده، نحتاج لأن نطالب بما قد وَعَد. نحن نطالب بإتمام وعد الله، وبالإيمان، نشكره على ذلك، حتى قبل أن ننال الوعد. وبذلك تكون استجابة مطالبنا قد وصلت إلى داخل القلب. قالت روح النبوة «وأية عطية اخرى وعد بها، وحينئذ فلنؤمن اننا ننال، ونتعلم أن نشكر الله لأننا قد نلنا» روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ٣٠٤ ).


في لوقا ٨: ١١ يشبّه يسوع كلمة الله بحبّة. بنفس الكيفيّة فإنّ شجرة التفاح برمّتها محتواةٌ في حبّة تفّاح، هبة الله متضمّنة في وعوده. عندما نطالب بالوعد ونشكر الله عليها، نكون قد امتلكنا الهبة التي وعدنا بها الله. إننّا نأخذ الهديّة الموعود بها بالإيمان حتى قبل أن نلمسها أو نراها.


إنّ مثل إقامة لعازر الواردة في يوحنا ١١ تبيّن أن يسوع صلّى بهذه الطريقة. لقد عرف يسوع مشيئة الله الآب تماماً. فيوحنا ١١: ١١ يخبرنا بأنّ يسوع كان راغباً في إتمام مشيئة الله وأنّه كان طائعاً. في يوحنا ١١: ٣٩- ٤١، نقرأ بأنّ يسوع قد شكر الآب مقدّماً بأنه سيقيم لعازر، مع أنّ لعازر كان لا يزال في القبر. عندما شكر يسوع الله، فقد استلم الاستجابة على طلبه. كأولاد الله علينا أن نعيش على وعود الله وليس على شروحاته وتفسيراته حول كيف سيتمم هذه الوعود. حتى لو أننا لا نستطيع شرح كل شيء، فإننا باستطاعتنا أن نثق في وعود الله.


«يقول الرب، وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ» مزمور ٥٠: ١٥. وهو يدعونا لأن نتقدم اليه بمشكلاتنا واحتياجاتنا وحاجاتنا الى العون الالهي. انه يأمرنا بأن نواظب على الصلاة. فحالما تبرز أمامنا الصعوبات علينا ان نقدم له طلباتنا الخالصة الجّدية، اذ بصلواتنا اللجوجة نبرهن على ثقتنا القوية بالله. إن الشعور بحاجتنا يسوقنا الى الصلاة بلجاجة وغيرة. وأبونا السماوي يتأثر بتضرعاتنا» (روح النبوة، المعلم الأعظم، صفحة ١٦٣).






الصلاة من أجل استلام الرُّوح القُدُس


اقرأ أفسس ٣: ١٦؛ أعمال ٢: ٣٨. ماذا تخبرنا هذه المراجع بخصوص استلام الرُّوح القُدُس في حياتنا؟


توجد أشياء كثيرة يمكن أن نصلي لأجلها. ولكن هناك حاجة ماسّة في هذا الزمان الخطير الذي نعيش فيه: إنها عطيّة الرُّوح القُدُس. هذه أعظم عطيّة يمكن أن يعطينا إيّاها يسوع. بإعطائنا الرُّوح القُدُس، ليس في استطاعة الله أن يعطينا أكثر من ذلك. لا شيء يمكن أن يُضاف إلى هذه العطيّة، (وبجميع المقاييس، هل من شيء يمكن أن يضاف إلى الألوهية ذاتها؟). إنه بالروح القدس ومن خلال عمله في حياتنا، نحصل على كلّ احتياجاتنا. فبركة الرُّوح القُدُس سوف تجلب معها كل البركات الأخرى .


لكن. على كل حال، يوجد عائق رئيسي، وهو أنفسنا، لأننا غالباً ما نكون غير جاهزين لاستلام عطية الرُّوح القُدُس.


كما كان أيام كنيسة العهد الجديد، علينا أن نعرف بأنّنا نحتاج لأن نتوب ونسلّم حياتنا بجملتها ليسوع. نعم، إنّ حثّ الرُّوح القُدُس لنا هو وحده الذي يسمح لنا بفعل ذلك ويمكّننا من التوبة.


ولكن، عندما نتجاوب لإرشاد وتوجيه الرُّوح القُدُس، فحينئذ تكون التوبة هي أول ثمر الرُّوح القُدُس فينا. بتواضع وإيمان نحتاج أن نعترف حتى يستطيع أن يغسلنا من أدران الخطية. نحتاج أن نعرف إلى أي مدى قد تمرّغنا في وحل الخطّية وإلى أي درجة نحتاج الله ونعمته في حياتنا. فبدونه، نحن هالكون، أموات في خطايانا ومهددون بالهلاك الأبدي.


وهكذا بصلوات حارّة سنتمم الشروط التي بموجبها يستجيب الله لصلواتنا ويمنحنا عطية الرُّوح القُدُس. وحينئذ فكلّ ما علينا عمله هو أن نسأل الله وهو سيمنحنا روحه القدوس. «إن الآب السماوي شديد الرغبة لمنح الرُّوح القُدُس للذين يسألونه أكثر مما يمنح الآباء الأرضيون عطايا حسنة لأولادهم» (روح النبوة، ستناولون قوة، صفحة ٢٨٤).


كما هو الحال في الأمور الروحيّة الأخرى، فعطيّة الرُّوح القُدُس ليست نهاية في حدّ ذاتها. إنّ الرُّوح القُدُس يُمنح لينتج أخلاق المسيح في حياتنا وليمكّننا من خدمة الآخرين لبناء جسد المسيح، الكنيسة. لذا. فأي ممارسة تعبّدية، علنيّة أو خاصّة، التي ترفع الرُّوح القُدُس فوق يسوع المسيح لخاطئة. «لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ» (أفسس ٢: ١٨).






لمزيد من الدرس


اقرأ لروح النبوة الفصل الذي بعنوان «اطلبوا لتُعطُوا»، صفحة ١٢٦- ١٣٩، من كتاب المعلم الأعظم.


بدون الصلاة، ينبغي ألاّ تكون لدينا قوّة روحيّة في حياتنا، لأنّ الصلاة تربطنا بمنبع هذه القوّة. وبدون الصلاة لا تكون لنا رابطة حيوّية مع الله. نصبح أواني فارغة لنا صورة التقوى ولكننا منكرون قوّتها. سنكون محرومين من القوّة والوعد بالعطايا من الأعالي. ولا سؤال، كما رأينا طيلة هذا الأسبوع، لقد أُعطينا وعوداً ثمينة عن إجابة الله للصلاة. ولكن ماذا عن المرّات التي لا نستلم فيها ما نصلّي لأجله، حتى عندما حاولنا أن نتمّم شروط استجابة الصلاة بقدر استطاعتنا؟ «لكن لا تخوروا إذا ظهر لكم بأنّ صلواتكم لا تحصل على إجابة. فالله يرى هذه الصلوات مختلطة بالأرضيّات. فالناس يصلوّن من أجل إشباع رغباتهم الأنانية، والله لا يجيب تلك الصلوات كما هم يتوقّون. أنّه يأخذهم في امتحانات وتجارب، ويمررّهم في اختبارات مذلّة إلى أن يروا بوضوح الضروريات التي يحتاجونها. إنّ الله لا يمنح الأشياء التي تنمّي شهيّة الطعام الحيوانية التي تضرّ بالإنسان وتجعل منه عاراً في نظر الله. وهو لا يعطي شيئاً يمجد الذات ويزيد الطموح. عندما نأتي إلى الله يجب أن نكون متواضعين خاضعين وملقين كلّ أمورنا حسب مشيئته» (روح النبوة، في الأماكن السماوية، صفحة ٨٩ ).




الدرس الحادي عشر


١١- ١٧ اذار (مارس)


تكدير (إحزان) ومقاومة الرُّوح القُدُس






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أعمال ٧: ٥١؛ عبرانيين ١٠: ٢٤، ٢٥؛ أفسس ٤: ٢٥- ٥: ٢؛ ١تسالونيكي ٥: ١٩- ٢١؛ مرقس ٣: ٢٨، ٢٩.


آية الحفظ: «وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ» (أفسس ٤: ٣٠)


للروح القدس القوة العلوية والقدرة الفريدة ليقود الخطاة إلى إدراك حقيقة حالتهم الخاطئة. وهو يوقظ فينا الرغبة لقبول يسوع وغفرانه لخطايانا. للروح القدس قوّة لا مثيل لها لتمكّننا من النصرة ولعكس أخلاق يسوع المسيح الجميلة.


وفي نفس الوقت، فإن هذا الروح الجبّار العظيم يمكن أن يقاومه الخطاة الضعفاء. فهو لا يفرض نفسه علينا.


الخطية مخادعة جدّاً ومغرية وجذّابة. ولكنها مخادعة تقود للهلاك. إنّها معادية لله عداوة سافرة، ضدّ قداسته وصلاحه. والرُّوح القُدُس يعكس هذه القداسة الطاهرة الربّانية. وهو يضاد الخطية في جميع صورها ويحزن عندما يرانا نخطئ ولا نريد أن نتخلّص من الخطيّة. وبالرغم من قوّة الرُّوح القُدُس العلويّة فإننا نستطيع أن نطفئ تأثيره الإيجابي الفعّال ونستطيع أن نقاومه عندما نستمر في حياة الشرّ والخطّية. ويخبرنا الكتاب المُقَدّس عن خطية لا تغتفر وهي التجديف على الرُّوح القُدُس (متى ١٢: ٣٢ ، ٣٢).


في هذا الاسبوع سندرس الكتاب المُقَدّس لنعرف الممارسات التي تحزن الرُّوح القُدُس وتطفئه، وندرس عن مقاومة الرُّوح القُدُس وارتكاب الخطية التي لا تغتفر وهي التجديف على الرُّوح القُدُس.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٨ آذار (مارس ).




مقاومة الرُّوح القُدُس


اقرأ أعمال ٧: ٥١. ما التحذير الذي أُعطي في تلك الآونة وكيف ينطبق علينا نحن اليوم كذلك؟


يوجد العديد من الخطايا المحددة التي ذُكرت في الكتاب المُقَدّس بوصفها خطايا ضد الرُّوح القُدُس. والكثير من هذه الخطايا تُقترف على المستوى الفردي. ولكن يوجد تعدٍّ جماعي متضمّن أيضاً، كما نستنتج من أعمال ٧: ٥١. يُظهر استفانوس بأنّ الذي يتّهمونه هم قساة الرقاب، كما كان اليهود الثائرون عندما عبدوا عجل الذهب (خروج ٣٣: ٣). إنّهم قد قاوموا الرُّوح القُدُس لأنهم رفضوا أن يسمعوا لصوت الرُّوح القُدُس الذي أودعه في النبييّن موسى وهارون. فهؤلاء الناس أيضاً بدلاً من اتّباع يسوع، تبنّوا العبادة الظاهريّة واتّخذوها بديلاً عن كلمة الله الحيّة.


يا لها من فكرة شيطانية، أناس ضعفاء خلقهم الله واتكالهم عليه، في إمكانهم أن يقاوموا سلطان الرُّوح القُدُس ونعمة المسيح في النهاية. بالرغم من قوّة الله غير المحدودة، فإنه لنزاهته لا يفرض سلطته على عزيمتنا الحرّة. فهو يحترم اختيارنا.


كان بالأولى، لو رغب الله في إجبارنا على طاعته، أن يفعل هذا الأمر في جنّة عدن، مع آدم وحوّاء، وبذا كان يوفّر على كلّ العالم مأساة للخطية، أليس كذلك؟ لقد خلقنا الله مخلوقات حرّة، بقوّة تتّخذ قرارات أدبيّة إمّا للحياة أو للموت، إمّا للخير أو للشرّ. يا لها مِن عطيّة مقدّسة ومكلفة تلك التي منحنا إيّاها الله، لكل واحد فينا.


فبينما يكون كلّ واحد مسؤولاً عن قراراته الفردية، فعلينا أيضا مسؤوليةً جماعية: يجب أن يشجّع واحدنا الآخر على الأمانة، أن نطيع كلمة الله، وأن نمكث قريبين من يسوع (عبرانيين١٠: ٢٤ ، ٢٥). إنّنا نقاوم، اليوم، الرُّوح القُدُس عندما نقاوم كلمة الله، وعندما لا نعزّز رسالة الوحي.


من السهل أن ننظر إلى الإسرائيلييّن القدماء ونحكم عليهم وننتقدهم في كل أخطائهم. ولكن ماذا عن اختياراتنا الضعيفة المُتَدَنية؟ كيف تشعرون لو اذيعت علناً كما أذيعت أخطاء اسرائيل القديم؟






تكدير (إحزان) الرُّوح القُدُس: الجزء الأول


اقرأ أفسس ٤: ٣٠. هنا يستعمل الرسول بولس الصيغة الآمرة المباشرة ويحضّنا ألاّ نُحزِن روح الله القدّوس. ما معنى أن نُحْزِن أو نُكدّر الرُّوح القُدُس؟


الرُّوح القُدُس هو شخصٌ كائن، وليس مجّرد قوّة إلهيّة. لهذا يمكن تكديره وادخال الحزن على قلبه. ولكن كيف نُحزن الرُّوح القُدُس؟ لربما يجدر بنا أن نتذكّر بأنّ إحدى مهام الرُّوح القُدُس هو أن يفتح عيوننا على الخطيّة (يوحنا١٦: ٨). إنّه يقودنا إلى يسوع الذي يغفر خطايانا ويقدّسنا. وقبل كلّ شيء، فالروح يُدعى «قدوساً» وهذا يعني أنّه يمقت الخطيّة. لكنّه يتهلّل عندما نكون طائعين لله في كل الأمور ونفكر ونتكلّم بكلّ طاهر مقدّس. ومن ناحية أخرى، هذا أيضاً يعني أنّه يحزن عندما نحتفظ بأي أمر غير جدير بدعوتنا العلويّة. إنّ أي تصميم من جانبنا للتمسّك بالخطيّة أو للتقليل من خطورتها يحزنه. فتكدير الرُّوح القُدُس وإدخال الحزن على قلبه لهو أمر خطير.


إنّ فحوى عبارة بولس الرسول في أفسس ٤: ٣٠ بخصوص تكدير الرُّوح القُدُس وتوشيحه بالحزن، يتناول أسلوب حياة الإنسان قبل الرجوع عن الخطيّة والتجديد بقوة المسيح وما حدث بعد هذا التجديد. وكمخلوقات جديدة في المسيح يجب علينا أن نتحلّى بالصبر وطول الأناة واللطف مع بعضنا البعض، محتملين واحدنا الآخر في المحبّة مثابرين للحفاظ على وحدتنا في رباط السلام (أفسس ٤: ٢ ، ٣). ولكوننا قد تجدّدنا بالروح (أفسس ٤: ٢٣)، نحن الآن نتبع المسيح، رئيسنا الجديد (أفسس ٤: ١٥) وهكذا لا نسلك بغرور النفس كما تفعل الأمم (أفسس ٤: ١٧). وعلى النقيض من ذلك، نعيش حياةً مرضيةً أمام الله (أفسس ٤: ٢٤- ٣١).


عندما نسمح لأي من الأمور السلبية المذكورة في هذه الآيات في الأصحاح الرابع أن تتربّع على قلوبنا، وعندما تُعلِن عن ذاتها في كلماتنا وأفعالنا، حينئذ يحلّ الحزن والأسى على الرُّوح القُدُس. إنّ تكدير الرُّوح القُدُس وجلب الحزن والأسى على قلبه يعني رفض حضوره المفعّل للتقديس وقوّته المغيّرة للحياة، لأننا نواصل ارتكاب الخطيّة بمحض إرادتنا.






تكدير (إحزان) الرُّوح القُدُس: الجزء الثاني


إنّ إمكانية تكدير الرُّوح القُدُس وجلب الحزن على قلبه تبيّن لنا أنّ الله يبالي بحالنا وبما نعمل. ويتأثّر المولى بما نقررّ وكيف نعيش.


اقرأ أفسس ٤: ٢٥- ٥: ٢. ماذا يلزم أن نفعل هنا وكيف تكون حياتنا مختلفة لو اتّبعنا هذه الأوامر الكتابيّة؟


بتعبير إيجابي: إننّا نبهج الرُّوح القُدُس عندما نقول الحق في محبة دون رياء؛ عندما نغضب بشأن فعل الخطيّة ولكننّا لا نقع في الخطية أثناء غضبنا؛ عندما نشتغل بأيدينا ونستخدم انتاجنا من العمل لنصنع خيراً للمحتاجين؛ عندما نتكلم بطريقة ايجابيّة بنّاءة ونقدّم النعمة لسامعينا؛ وعندما نكون شفوقين لطفاء غافرين.


لو ادّعينا بأننّا مسيحيّون. ومع ذلك نحيا وكأن المسيح لم يأت بعد وحياتنا لا تتأثّر بقيادته ومحبّته، فحينئذ نحزن الرُّوح القُدُس. عندما نعترف بأننا نؤمن بالحق، ولكن طريقة حياتنا وسلوكنا تناقض هذا الاعتراف، ساعتها نجلب الحزن على قلب الروح القدس. إنّ ضآلة التقوى الروحية تُحزِن الروح أيضاً. إن جهادنا للوصول إلى النفوس الضالّة لا يجب أن يتنافى مع سلوكنا الأخلاقي والأدبي. فلو أننا نعيش بطريقة يقرأها الآخرون فيعرفون بأننا أولاد الله حقّاً ونعكس صورة يسوع، فعندئذ نجلب الفرح لقلب الله.


اقرأ أفسس ٤: ٣ ، ٤ ، ١٥ ، ١٦ ، ٣٢. ماذا تُعلن هذه المراجع عن عيشنا بالروح كمجتمع من المؤمنين؟ كيف تعلن حياة مملوءة بالروح عن نفسها مع المؤمنين الآخرين في المجتمع؟


إنّ من الملفت أنّه توجد خاصيّة جماعيّة مميّزة مدّونة في أفسس ٤. لقد ذُكرت فكرة الوَحدة عدّة مرات. فالرسول بولس كان مشغولاً بارتباطنا في اتّحاد بالروح لأننّا نعيش حياة الله في مضمون «الواحد للآخر» (أفسس ٤: ٣٢). كيف نرتبط بواحدنا الآخر في الكنيسة «مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ» (أفسس ٤: ٣). هذا أداء هام فيه لا يحزن روح الله القدوس. إنّ كيف نعامل بعضنا البعض في الكنيسة، التي هي هيكل الرُّوح القُدُس (١كورنثوس ٣: ١٦ ، ١٧)، يهمّ الله حقيقةً. كما أن كيف نعتبر بوضع كل فرد في جسد المسيح لهو في غاية اهتمام الرُّوح القُدُس.






إطفاء الرُّوح القُدُس


اقرأ ١تسالونيكي ٥: ١٩- ٢١. كيف يتسنّى إطفاء الرُّوح القُدُس؟


إنّ كلمة «تطفئوا» تعطي فكرة عن النار. فالكلمة في الأساس اليوناني تستعمل في ١تسالونيكي ٥: ١٩ وفي أفسس ٦: ١٦. هذا يقترح بأن شيئاً ما عن الرُّوح القُدُس هو بمثابة النار التي نطفئها نحن. يجب أن نتذكّر شيئين هامين يؤديهما الرُّوح القُدُس لنا: إنّه يعطينا فكرةً عن الخطيّة ويعطينا قوةً للتغلّب عليها. وكلاهما مرتبطان بالتقديس.


ويخبرنا الرُّوح القُدُس من خلال كلمة الله ما نحتاج أن نعرفه لنحيا حياة القداسة، ومن خلال قوّته المتغلغلة فينا يمكّننا من تغيير نمط حياتنا بناءً على هذه المعرفة. إنّ إحدى الطرق التي بها نتفادى إطفاء الروح هي ألاّ نزدري بالنبوات (١تسالونيكي ٥: ٢٠). بولس يعلّم أهل تسالونيكي ألاّ يحتقروا النبوّات. ومع هذا فهو يطلب منهم أن يمتحنوا كل شيء (١تسالونيكي ٥: ٢١). بينما يجب أن نكون واضحين منفتحين للروح في حياتنا الجماعية والاّ نطفئ عمل الرُّوح القُدُس، فإننا نحتاج أن ندرك ونختبر الأرواح، لأنّ تعاليم مغلوطة وأنبياء كذبة سوف يواصلون الهجوم بضراوة على الكنيسة.


ليس كلّ الأرواح عطوفة لطيفة. وكلمة الله المقدّسة الموحى بها من الرُّوح القُدُس، هي سراج لأرجلنا ونور لسبيلنا (مزمور ١١٩: ١٠٥). بواسطتها يكون لدينا مستوى نقيس به الإصدارات النبويّة حتى الجديد منها. في أزمنة الكتاب المُقَدّس كان المصباح له فتيل يشع نوراً لأقدام العسس السائرين ليلاً. ويرشدنا الكتاب المُقَدّس كي «نسلك بالروح» (غلاطية ٥: ٢٥). ونحن نفعل ذلك بإخضاع انفسنا لتعاليم كلمة الله وطاعة توجيهات الرُّوح القُدُس إذ أنّه يشير لنا على الطريق التي نسلكها والطريقة التي يجب أن نحيا بها.


كثيرون من الذين يؤمنون رسميّاً بأن الكتاب المُقَدّس هو كلمة الله، يفسّرونه بطرقٍ يجردّون فيها الكلمة من أي سلطان حقيقي، سالبين منها كلّ قوّة حقيقية لحياتهم. أيضاً، عندما نحتقر كلمة الله ولا نتناولها باحترام ووقار لائق أو نهمل تطبيقها في حياتنا، فإننا ننفخ بعملنا هذا في لهب المصباح فنطفئه، وهو الذي يرشدنا في طريقنا ليوجّه ضمائرنا صوب الأعمال الصالحة.






التجديف على الرُّوح القُدُس


اقرأ مرقس ٣: ٢٨ ، ٢٩؛ لوقا ١٢: ١٠؛ متى ١٢: ٣١ ، ٣٢. إذا أمكن غفران كلّ الخطايا والتجاديف، ما هو التعدّي أو التجديف الذي لا يمكن غفرانه؟


لربما لا توجد خطيّة قد سببّت الشكوك والضيق بين الأوساط المسيحيّة وقد سيء فهمها أكثر من خطيّة التجديف على الرُّوح القُدُس. يعتقد البعض بأن المسيح قد اعتبر بعض الخطايا وحدها بأنها فظيعة وشنيعة. فيجدر بنا أن نذكّر أنفسنا بأن كلّ الخطايا هي عداوة لله وممقوتة، حتى لو كان لبعض هذه الخطايا نتائج أفظع من غيرها. ولكن ماذا كان يسوع يعني عندما تحدّث عن الخطية التي لا تُغتفر؟


وحقيقةً، لا يقول أيّ من هذه المراجع الكتابية بأن هذه الخطيّة لا يمكن غفرانها؛ بل يقول النصّ «فلن تُغفر». لنتذكّر بأن عمل الرُّوح القُدُس هو توعية الخطاة بخطاياهم وإيقاظ رغبتهم لقبول يسوع، الذي وحده يغفر الخطايا. فالتجديف على الرُّوح القُدُس، لذلك، يجب أن يفهم بأنّه الرفض المُصرّ، المتواصل لتبكيت الرُّوح القُدُس وتعطيل عمل المسيح الخلاصي. وهو يحدث عندما يقاوم شخص، بمحض إرادته وبإصرار، شهادة الرُّوح القُدُس للمسيح وخلاصه ونعمته.


فيسوع لم يكن يتحدّث عن كلمات نابية بذيئة ُوجّهت لشخص الرُّوح القُدُس. التجديف على الرُّوح القُدُس يُرتكب فقط في إنكار الإيمان بصلافة وعداوة صريحة ليسوع. التجديف على الرُّوح القُدُس ليس هو مجرد عمل فردي بل هو أسلوب حياة متعمد.


«بدلاً من قبول الدليل المقدّم لهم، وبدلاً من التعرّف على أعمال النعمة السماوية المتجلية في أعمال المسيح، تمادوا في طرقهم الشريّرة وأغراضهم الأنانّية، وقالوا، إنّه قد عمل هذا العمل العظيم بمعونة الشيطان. هذه كانت الخطية التي اقترفوها ضد الرُّوح القُدُس» (روح النبوة، رسائل لوما لندا، صفحة ١٥٦).


عندما يكون القلب البشري قد ارتكن على عداوة عنيدة متصلّفة ضد الله وهكذا، يرفض بوعيٍ وتَعَمُّد أن يمجّد يسوع بما يستحقّه، فحينئذ يتحجّر القلب ويفشل في معرفة الحق في شهادة الرُّوح القُدُس لقوّة الله المخلّصة عن طريق تضحية يسوع المسيح. هذه الخطية تتعدّى إمكانية الغفران، ليس لأنّ الله عاجز عن الغفران ولا لأنه غير راغبٍ فيه بل بالحري لأن هذا الإنسان غير قادر على الإقرار بخطيته، لذلك فلا يقبل الغفران من يسوع. وهذا الشعور له، بالطبع، نتائج أبديّة وخيمة.






لمزيد من الدرس


حقيقة كون الناس يسألون قلقين عمّا إذا كانوا قد ارتكبوا الخطية التي لا تغتفر تُعلن بأنهم لم يفعلوا ذلك بكلّ تأكيد. فلو كانوا قد ارتكبوها لما كانوا ينشغلون بصددها. فانشغالهم هو الدليل الكافي الذي يحتاجونه، بأنّهم حقيقة، لا زالوا منفتحين وقابلين لقيادة الرُّوح القُدُس. وما يجب على المرء عمله هو التمسّك باستحقاقات المسيح وبرّه، والسير للأمام في إيمان وطاعة. فقط تحت مظلّة برّ المسيح، التي هي مظلّة برّ الله ذاته (رومية ١٠: ٣). يمكنهم أن ينالوا السلام والتأكيد الذي ينقصهم الآن.


في الحقيقة، يوجد إنسان واحد لا يستطيع الله أن يغفر له، وهذا هو الإنسان الذي يرفض بإصرار أن يأتي إلى المسيح لنيل الغفران. «إنّ خطية التجديف على الرُّوح القُدُس لا تقتصر على كلمة أو عمل طارئ؛ إنّها رفض مُتَعمّد للحقّ والدليل» (تعليقات روح النبوة، موسوعة الكتاب المُقَدّس للأدڤنتست، مجلد ٥، صفحة ١٠٩٣).


«لا أحد يحتاج أن يعتبر الخطية ضد الرُّوح القُدُس كأمر غامض خفيّ يستعصي على الفهم. فالخطية ضد الرُّوح القُدُس هي خطّية الرفض بإصرار الانصياع للدعوة إلى التوبة» (المرجع نفسه، صفحة ١٠٩٣).




الدرس الثاني عشر


١٨- ٢٤ آذار (مارس)


عمل الرُّوح القُدُس






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: يوحنا ١٦: ٨- ١١؛ رومية ٥: ١٠؛ عبرانيين ٤: ١٥- ١٦؛ ١بطرس ٥: ٨، ٩؛ ١يوحنا ٥: ١٢، ١٣؛ مزمور ٣١: ٢٤ .


آية الحفظ: «وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوح القُدُس» (رومية ١٥: ١٣).


إذ نأتي إلى نهاية دراسة هذا الربع بخصوص الرُّوح القُدُس والحياة الروحية، سوف نركّز على عمل آخر هامّ وحاسم للروح القدس لم نتناوله بعد.


عندما أعلن يسوع لتلاميذه أنّه ذاهب إلى الآب، وعد بأن يرسل لهم الرُّوح القُدُس. «وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوح القُدُس، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.» (يوحنا ١٤: ٢٦)


بالنسبة ليسوع، الرُّوح القُدُس هو «الباراقليط» أي «المعزّي» أو «المساند» أو «الشفيع» الذي يتوسّط لنا. وأعلن يسوع العمل الذي سيقوم به هذا الشفيع: «يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يوحنا ١٦: ٨).


وسندرس في خلال أسبوعنا الأخير، الموضوع المتعلق بعمل الرُّوح القُدُس بمزيد من التفصيل، وسوف نتعّلم كيف يرتبط هذا العمل بناحيتين هامتّين أخريين من اهتمامات الرُّوح القُدُس وخدمته لنا: تأكُّدنا من خلاصنا والرجاء المُمجِّد الذي يهيمن على حياتنا كتلاميذ ليسوع المسيح.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٥ آذار (مارس)




التبكيت على الخطية


اقرأ يوحنا ١٦: ٨ ، ٩. أي عمل حاسم يقوم به الروح القدس من أجلنا، ولماذا هو عمل غاية في الأهمية؟


قد دعا يسوع الرُّوح القُدُس «الباراقليط»، كلمة غنيّة في المعنى، وتتضمّن فكرة المعين، الشفيع، والمعزّي. الرُّوح القُدُس لا يدخل في هذا العمل الهام، عمل التبكيت، كمشتكي على الأخوة أو كالمدّعي علينا. إنّه لم يُرسَل بواسطة يسوع ليديننا وإنّما، بالأحرى، ليساعدنا حتى نرى حاجتنا إلى النعمة.


المعزّي فقط هو الذي يُقْبَل معاوناً أو معيناً. إنّها لمأساة كبرى، أن يتعامل المسيحيّون مع الخطاة بروح الإتّهام والإدانة بدلاً من روح العون والمساندة. فإذا نحن تجولنا نُشير إلى خطايا الآخرين في حياتهم، حينئذ نكون نؤدّي عملاً لم يطلبه مِنَّا المسيح. فمَن نكون نحن حتى نخوّل لأنفسنا بأن نبيّن ونفضح خطايا الآخرين بينما نحن أنفسنا لا نزال متمرّغين فيها؟


اقرأ رومية ٢: ١؛ متى ٧: ٣. ما الرسالة التي نأخذها من هذه الآيات؟


إنّنا شهود للمسيح ولسنا مدّعين نكيل الاتهامات للخطاة. لقد دُعينا لنكون شهوداً لقوتّه الفادية المخلّصة، لا أن ندين الآخرين على أخطائهم. في محاولتنا تبكيت الآخرين على أخطائهم، ننتحل عملاً لا يخصّنا؛ إنّه عمل الرُّوح القُدُس. إنّه المعزّي وليس نحن، الذي سيبكّت (يوحنا ١٦: ٨) يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى الخطية. فإنَّ الأشخاص الذين لم يكرسوا حياتهم ليسوع لا يدركون في كثير من الأحيان طبيعة الخطية وإلى أي درجة هي مدمّرة.


فالفكرة هنا ليست بأنّ الرُّوح القُدُس يجول ليسجّل أعمالاً خاطئة معيّنة. فبدلاً من ذلك يركّز على التحذير من ارتكاب الخطية الرئيسيّة: عدم الإيمان بيسوع المسيح (يوحنا ١٦: ٩). إنّ تعاستنا المتردّية العويصة ومعاداتنا للقداسة القصوى لا تكمن في عدم طهارتنا الأدبيّة بل في بُعدنا وانفصالنا عن الله ورفضنا قبول المُخلِّص الذي أرسله الله لينتشلنا من هذه الحالة المتردّية.


إنّ المشكلة الرئيسية لكلّ شكل من أشكال الخطية هي أنّنا لا نؤمن بيسوع. وهكذا، نرفض الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يخلّصنا من الخطيّة والذنب. هذه هي الخطية التي تضع النفس في مركز الاهتمام، وترفض أن تؤمن بكلمة الله. إنّ الرُّوح القُدُس وحده يستطيع أن يفتح قلوبنا وعقولنا على حاجتنا القصوى للتوبة والفداء المتاح لنا من خلال موت المسيح عوضا عنّا.




الحاجة إلى البرّ


يقول النصّ الكتابي في يوحنا ٦: ٨ بأنّ الرُّوح القُدُس سيبكّت العالم، ليس فقط على الخطيّة ولكن أيضا على برّ. بمعنى أن العالم الذي لا يعرف تماماً كُنه الخطيّة، لا يعرف أيضاً مضمون البرّ الحقيقي. والناس غير المتجددّين يتوهّمون بأن التقوى الظاهرية تكفي. فَهُم لا يريدون برّ الله ولكن برّهم الذاتي. يريدون برّاً يحصلون عليه بعمل خارجّي كالطاعة لناموس الله. ولكن أعمالنا المترتّبة على طاعة الناموس لا يمكنها أن تبررّنا أمام الله.


في إشعياء ٦٤: ٦ يصف النبي أعمال البرّ المصنوعة مِن قِبل شعبه آنذاك «كَثَوْبِ عِدَّةٍ». حتى أفضل برّ يتحلى به المتديّنون هو في الحقيقة عكس ذلك: أي برّ معدوم. لكنّ برّ المسيح فيه الكفاية لنا. إنّه يوفِي بجميع مطاليب الناموس الربّاني الكامل. إنّ الأمر يتعلّق بالآب السماوي. ونحن يمكننا أن نطالب به في يسوع المسيح وحده.


اقرأ رمية ٥: ١٠؛ عبرانيين ٤: ١٥، ١٦. كيف تتعلّق قداستنا بخدمة المسيح الدائمة في حضور الآب في السماء؟


البرّ الذي يطلبه الناموس قد تمّ بواسطة حياة المسيح الكاملة. لقد مات عوضاً عنّا. مع أنّه كان مرفوضاً من الذين قتلوه هنا على هذه الأرض، نال ترحيباً من الآب في السماء. عن طريق القيامة قد وضع الآب خَتْم موافقته على حياة المسيح وعمله الفدائي. الآن يسوع يحيا ليتوسّط لنا (عبرانيين ٤: ١٥، ١٦). إنّه يضع استحقاق موته لصالحنا لأننا لا نمتلك البرّ المطلوب للخلاص.


هكذا نستطيع أن نحيا لأنّه يحيا في داخلنا «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي» (غلاطية ٢: ٢٠). عندما يعيش يسوع فينا، نسلك بالروح (رومية ٨: ٤) ونستلم حياة روحيّة جديدة بواسطة قوّة الرُّوح القُدُس (قارن بما جاء في غلاطية ٣: ٢- ٥؛ ٥: ١٦، ١٨).


إنّ تمجيد الآب للمسيح في السماء يتضح ويتجلى من خلال حضوره معنا بالروح. ولكونه كان مؤيداً بالروح، فتلاميذه يحيون في وفاق مع المسيح.






التبكيت على الدينونة


اقرأ يوحنا ١٦: ٨ ، ١١. ما الدينونة التي يشير إليها يسوع؟ لماذا تكون هذه الدينونة أخباراً سارّة؟


يبقى هناك تبكيت عظيم أخير الذي هو جزء من عمل الروح: تبكيت على دينونة. فيما يبدو، هنا يذهب الكثير من وعظنا عن هذه الآية في اتجاه ضار وخطير. غالباً ما تقود مناقشة بخصوص الخطيّة والبرّ الكثيرين من المسيحيين إلى إعلان تحذير بدينونة أولئك الذين يرفضون المسيح. بفعلهم هذا، يريدون أن يحذّروا الخطاة، غالباً بأسلوب قاسٍ مخيف من الدينونة القادمة التي تنتظرهم.


وبالرغم من أنّ تلك الدينونة هي حقيقّية، فهذا ليس ما يتحدّث عنه يسوع في يوحنا ١٦: ١١. فالأسلوب يدلّ على أنّ يسوع لا يتحدث عن دينونة مستقبليّة، كما فعل في يوحنا ١٢: ٤٨. بدلاً من ذلك، فإنَّ جانب الدينونة الذي يشير إليه المسيح هنا هو الأخبار السارة بأنّ الشيطان كان قريباً سَيُحَاكَمُ عند الجلجثة. فإن إبليس، عدو الحق الأكبر، يعيش الآن في وقت مستعار. ستأتي الدينونة، ولكن التركيز هنا هو على إدراك أن رئيس هذا العالم الآن يقف مُداناً (يوحنا ١٢: ٣١).


اقرأ ١بطرس ٥: ٨ ، ٩. كيف يوصف الشيطان بواسطة بطرس الرسول؟ كيف يمكننا أن نقاومه؟


برغم معرفة الشيطان وإدراكه بأن وقته قد قصير وأنّه نال هزيمةً منكرة عند الجلجثة، إلاّ أنّه لا يزال حيّاً. إنه يشتعل غضباً محاولاً أن يبتلع أكبر عدد من المؤمنين. ولكنّه عدو مهزوم. لقد أحرز يسوع النصرة. دم المسيح يجعلنا أحراراً.


عندما نالت الفرق النازية، أثناء الحرب العالميّة الثانية، ضربةً قاصمة باجتياح قوات الحلفاء لفرنسا في ٦ حزيران (يونيو) ١٩٤٤، كان واضحاً بأنّ ادولف هتلر قد هُزم. ومع هذا فإن الشهور الإحدى عشر التالية، بين الـ «D-DaY» (عندما بدأ الهجوم) والـ «VE-Day» (في ٨ أيار/مايو ١٩٤٥،عندما انتهت الحرب في أوربا)، كانت ملطخة بالدم أكثر من جميع سني الحرب. شبيهاً بذلك، الشيطان يعرف بأنه قد نزلت به هزيمة نكراء على الصليب، ومع ذلك، فهو يحارب بعناد محاولاً أن يبتلع كلّ ما أمكن. في أيامنا العصيبة هذه المليئة بالتحديات، مطلوب منّا أن نكون متعقلين يقظين، وأن نلقي كل قلقنا وانشغالنا على يسوع، لأنه يهتّم بنا (١بطرس ٥: ٧، ٨).






تأكيد (يقين) الخلاص


اقرأ ١يوحنا ٥: ١٢، ١٣؛ رومية ٨: ١٥- ١٧؛ ٢كورنثوس ٥: ٥. متى قبلنا المسيح مخلّصاً لنا، لماذا يكون لنا التأكيد بنوال الحياة الأبديّة؟ ما هو أساس هذا التأكيد؟


الرُّوح القُدُس هو الشخص الذي يقود الخطاة إلى المسيح. إنّ موت يسوع كبديل عنّا قد صالحنا مع أبينا السماوي. إنّ غفران يسوع يحررّنا لنحيا حياة جديدةً كأبناء قد تبناهم الآب السماوي. فنحن لم نعد أعداء (رومية ٥: ١٠)، ولكنّا نسير بإرشاد الروح (رومية ٨: ٤) ونرسي أفكارنا ونثبتّها على ما للروح (رومية ٨: ٥). لو لم يكن لنا روح المسيح، فلن نكون أولاده، ولن نكون خاصته (رومية ٨: ٩). ولكننا الآن لنا شهادة داخلية من الرُّوح القُدُس الذي يسكن فينا. وهو يشهد بأننا خاصة يسوع وأننا ورثة لله وورثة مع المسيح (رومية ٨: ١٧). وحياة القوة التي أقامت المسيح من الموت هي تعمل فينا الآن وتجعلنا أحياء بعد أن كنا أمواتاً روحيّاً (رومية ٨: ١٠). وأكثر من ذلك، فهو يطبع في قلوبنا التأكيد بأننا مِلْك لله حقيقةً. لأننا سمعنا وصدّقنا إنجيل خلاصنا، فخُتِمْنا مع المسيح بقوّة الرُّوح القُدُس، الذي أُعطي كعربون ميراثنا (أفسس ١: ١٣، ١٤). كلّ مؤمن يمكنه أن يحظى بهذا التأكيد (١يوحنا ٥: ١٢، ١٣).


اقرأ أفسس ١: ١٣، ١٤. ما معنى أن نُختم بواسطة الرُّوح القُدُس؟


أولئك الذين يقبلون المسيح هم مولودون ثانيةً، أي «مولودين من الروح» (يوحنا ٣: ٣- ٥). الرُّوح القُدُس يختم على هذه الحقيقة في قلوبنا حتى يكون لدينا تأكيد الخلاص واختبار الفرح الذي يصاحب كوننا أولاد الله. ويعرّفنا الرُّوح القُدُس بأنّنا خاصّة المسيح. «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ» (رومية ٨: ٩). نحن الآن لدينا وعي بأنّنا أولاد الله وأنه هو أبونا المحّب. الرُّوح القُدُس هو العربون لعطية الحياة الأبدية وعدم الموت التي ستُعطى لنا عند مجيء المسيح الثاني (١كورنثوس ١٥: ٥١ - ٥٤)، وهذه هي سمة الايمان الحقيقي الصادق. إنّه من الصعب أن نرى كيف يستطيع المسيحيون أن يشهدوا بقوّة إقناع بدون الحصول على هذا التأكيد.


«تحدّث بشجاعة، تحدّث بإيمان ورجاء، وستكون مضيئاً تماماً للربّ. واظب على التفكير في الباب المفتوح الذي أرساه المسيح أمامك ولا يستطيع أن يقفله أحد. الله سيقفل الباب على كلّ شرّ، لو أعطيته فرصة ليعمل ذلك. عندما يأتي العدو كطوفان، فإن روح الله سيرفع لك سدّاً وقاعدة صدٍّ أمامه.» (الأدفنتست ريفيو آند ساباث هيرالد، ١٦ نيسان/أبريل، ١٨٨٩).




الرُّوح القُدُس والرجاء


اقرأ رومية ٥: ٤، ٥ ؛ ١٥: ١٣، ١كورنثوس ١٣: ١٣. كيف يرتبط المحبّة والرجاء معاً؟ ما فاعلية الرُّوح القُدُس في منحنا المحبة والرجاء؟


الرُّوح القُدُس هو الذي سكب محبّة الآب في قلوبنا. إنه يربطنا بالله ويجعل محبة الله تسكن فينا. إن محبّة الله الدائمة الراسخة هي سبب وصخرة رجائنا. بدون المحبّة لا يوجد رجاء. المحبّة فقط هي التي تولّد الرجاء. لأنّ محبّة الله مرتبطة بأمانته، فلنا الرجاء العظيم بأنّه سيأتي ثانية ويأخذنا معه حيثما يكون.


اقرأ مزمور ٣١: ٢٤. ما التأثير الذي يطبعه الرجاء فينا؟


الرجاء يفعّل مثير للهمة والتشجيع. الرجاء يعطي قوّة جديدة. الرجاء يجعلنا نهتف ونرنّم بفرح. الرجاء ضروري للحياة. بدون الرجاء، ماذا يكون الغرض من الحياة؟


أن يكون لك رجاء بالطبع يختلف عن التفاؤل. المتفاءل يعتقد بأنّ كلّ شيء سيكون على ما يُرام: الطقس، الاقتصاد، التحصيل الدراسي، الأوضاع المالية، وما إلى ذلك. بخلاف ذلك، الرجاء ليس تفاؤلاً أعمى. بل إنّه مؤسّس في أمانة الله وفي العهود التي قطعها في الماضي. الرجاء يؤمن أنّ الله سيتمُم ما وعد به لأنه أمين وصادق. والله قد أثبت أنّه يمكن الاعتماد عليه وهو لا يتردّد أو يخفق. ثباته وأمانته وصدقه هي أساسات رجائنا فيه.


لا شك، أيضاً، في أن أساس رجائنا يتوطّد في يسوع على الصليب. عندما نتطلّع إلى الصليب نرى أروع برهان على محبّة الله لنا. إنَّ الصليب، حيث يسوع وقد زُهِقت روحه لأجلنا وبسبب خطايانا، يُعطينا والكون كلّه إعلاناً لا يُعلى عليه ولا يُبارى عن حقيقة الله المذهلة. وهكذا، فنحن كمخلوقات ضئيلة وساقطة ومحدودة في كون فسيح لا يُقاس، نستطيع أن نجد رجاءً، ليس في أنفسنا أو في ما ننجزه مهما كان عظيماً، ولكن في إلهنا، الإله الذي أعلن عن ذاته لنا على الصليب.






لمزيد من الدرس


اقرأ تأملات روح النبوة في كتاب «ستنالون قوة»، خاصة قسم تشرين أول/أكتوبر، بعنوان «مستعدين للروح.»


نستطيع أنّ نلخّص أعمال الرُّوح القُدُس بالقول بأنّ الربّ الروح يعمل بانسجام تام مع الله الآب والله الابن لإنجاز خلاصنا. الرُّوح القُدُس يقيمنا من موتنا الروحي. وهو يقودنا إلى وعي بحالتنا الخاطئة ويفتح عيوننا على حقيقة أننا ضائعون من ذواتنا. ويؤجّج فينا الرغبة للتغيير ويقتادنا إلى يسوع المسيح الذي يستطيع وحده أن يلبي احتياجاتنا. وهو يعطينا تأكيد الخلاص لأنه دائما يوجّهنا ليسوع وإلى فعله من أجلنا، إنّه يحفظنا في سيرنا بأمانة مع الله. إنّه يمكننا من اتمام مشيئة الله والانخراط في حمل رسالة الخلاص للآخرين. وهو يُفَعّل كلمة الله المكتوبة كمرشدنا الأمين وكمقياس لحياتنا المسيحيّة ولعبادتنا. فأين سنكون بدون الرُّوح القُدُس؟


بدونه كنّا تعسين ضائعين وعاجزين عن عمل أي شيء ذي قيمة. شكراً للرب يسوع لوعده بإرسال الرُّوح القُدُس وأمانته في الوفاء بالوعد. «كان الرُّوح القُدُس أعلى وأغلى عطية يهبها الله لرفعة شعبه» (روح النبوة، ستنالون قوّة، صفحة ١٣ ).




دليل دراسة الكتاب المُقَدّس للربع الثاني ٢٠١٧


دراستنا هذا الربع هي رسالتي بطرس الأولى وبطرس الثانية. ونحن نقرأ هنا كلمات شخص كان يلازم المسيح في معظم اللحظات الهامة إبّان خدمته على الأرض. وكان بطرس أيضًا قائدًا مميزًا بين المسيحيين الأوائل. هذه الحقائق منفردة تكفي لتجعل من من رسالتيه مادة تستحق القراءة. ولكن هاتين الرسالتين تكتسبان أهمية إضافية لكونهما كُتبتا لكنائس كانت تعيش تحت وطأة أزمنة مضطربة واجهوا فيها الإضطهاد من خارج الكنائس وكذلك الخطر المتمثل في وجود معلمين كذبة في الداخل.


لدى بطرس كلمات عميقة حول كيف يجب على المسيحي أن يعيش. أولاً وقبل كل شيء على المسيحيين أن يحبوا بعضهم بعضاً (١بطرس ٤: ٨). ويجمل نظرته بقوله: "وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ" (١بطرس ٣: ٨).


إن رسالتي بطرس هما إعلان صارخ عن الإنجيل. إنهما الرسالة المحورية لمجمل الكتاب المُقَدّس. على أي حال فإن كان لأحد أن يدرك نعمة الله المُخلّصة فإنه بطرس. فهذا هو بطرس الذي أنكر سيده "فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!" (متى ٢٦: ٧٤). وهو بطرس ذاته الذي قال له المسيح لاحقاً: "ارْعَ غَنَمِي" (يوحنا ٢١: ١٧). إن رسالتي بطرس هاتين هما نموذجان لتحقيق هذا الهدف. رعاية رعية الرب، وبالطبع فإن أي جزء أو عمل في هذه الرعاية سوف يشمل ذلك الحق العظيم وهو الخلاص بالإيمان بالرب يسوع المسيح.


«ارْعَ غَنَمِي»: رسالتا بطرس الأولى والثانية


المحتويات


١. شخصية بطرس ٢٥ - ٣١ آذار (مارس).


٢. ميراث لا يفنى ١- ٧ نيسان (أبريل).


٣. كهنوت ملوكي ٨ - ١٤ نيسان (أبريل).


٤. العلاقات الإجتماعية ١٥ - ٢١ نيسان (أبريل).


٥. أن نعيش لله ٢٢ - ٢٨ نيسان (أبريل)


٦. نتألم مع المسيح ٢٩ نيسان (أبريل) - ٥ آيار (مايو).


٧. القيادة بروح الخدمة ٦ - ١٢ آيار (مايو).


٨. يسوع في كتابات بطرس ١٣ - ١٩ آيار (مايو).


٩. كن كما أنت ٢٠ - ٢٦ آيار (مايو).


١٠. النبوات والإنجيل ٢٧ آيار (مايو) - ٢ حزيران (يونيو).


١١. معلمون كذبه ٣ - ٩ حزيران (يونيو).


١٢. يوم الرب ١٠ - ١٦ حزيران (يونيو).


١٣. مواضيع أساسية في بطرس الأولى وبطرس الثانية ١٧ - ٢٣ حزيران (يونيو).