لعنةٌ بلا سبب؟






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: مزمور ١١٩: ٦٥- ٧٢؛ أيوب ٢: ١١- ١٣؛ أيوب ٤: ١- ٢١؛ رومية ٣: ١٩و ٢٠؛ ١كورنثوس ٣: ١٩؛ عبرانيين ١٢: ٥؛ متى ٧: ١.


آية الحفظ: " ‘أَالإِنْسَانُ أَبَرُّ مِنَ اللهِ؟ أَمِ الرَّجُلُ أَطْهَرُ مِنْ خَالِقِهِ؟’ " (أيوب ٤: ١٧).


أكدنا في الأسبوع الماضي على أهمية وضع أنفسنا في موقف أيوب، على الأقل إلى أي حد ما. فمن ناحية، لا ينبغي لهذا الأمر أن يكون صعباً لأننا جميعاً اختبرنا شيئاً مما اختبره أيوب؛ معنى هذا أننا جميعاً، وإلى حد ما، وجدنا أنفسنا غارقين في معاناة بدت في كثير من الأحيان لا معنى لها، والمؤكد أنها لم تبدو عادلة.


وفي حين أنه يجب علينا في بقية دروس هذا الربع محاولة الإبقاء في أذهاننا على وجهة النظر هذه، إلا أننا بحاجة أيضاً إلى إيجاد ومعرفة وجهة نظر الأشخاص الآخرين في القصة، الرجال الذين جاءوا لمواساة أيوب.


ولا ينبغي أن يكون من الصعب جداً عمل هذا الشيء أيضاً. فمَن منّا لم يشهد معاناة الآخرين؟ ومَن منّا لم يسعَ إلى مواساة الآخرين في آلامهم وفقدانهم لأحبائهم؟ مَن منّا لا يعرف ما يعنيه أن تحاول إيجاد الكلمات المناسبة التي تقولها لأولئك الذين تحزن قلوبنا وتتألم لأحزانهم كذلك؟


في الواقع، إن معظم سفر أيوب هو عبارة عن محادثات بينه وبين هؤلاء الرجال، حيث يحاول كل واحد منهم أن يجعل الأمر معقولاً ومقبولاً حينما يبدو أنه غير معقول. إنه استعراض لا ينتهي من المعاناة الإنسانية والمأساة في عالم خُلق مِن قِبل الله المحب والقدير والمهتم.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٥تشرين الثاني (نوفمبر).




الأسئلة العويصة


إن معظم الأحداث الواردة في سفر أيوب تحصل في الأصحاحين الأولين منه. وهنا نجد الحجاب الفاصل بين السماء والأرض يزاح فنحصل على لمحة عن جانب من جوانب الواقع، كان سيبقى مخفياً عنّا لو لم يتم الإعلان عنه في هذين الأصحاحين. فإنه على الرغم مما يمكن لتلسكوباتنا المُخْتَرعَة أن تصل إليه في الكون، إلا أنها لم تتمكن بأي شكل من الأشكال من أن تعلن لنا ما تم إعلانه في سفر أيوب، الذي كتب منذ آلاف السنين في الصحراء التي يرجّح أنها تقع في ما يعرف اليوم باسم المملكة العربية السعودية. يوضّح لنا سفر أيوب أيضاً مدى الارتباط الوثيق بين العالم الخارِق لِلطَّبِيعَة، عالم الله والملائكة، وبين العالم الطبيعي، أي الأرض ومَن يعيشون عليها.


وبعد الأصحاحين الأوّلين، نجد أن سفر أيوب هو عبارة عن مجرد حوار بين أيوب والرجال الذين جاءوا لمناقشة المسائل الكبرى في الحياة: الدين، الألم، الفلسفة، الإيمان، الحياة، والموت.


ولِمَ لا؟ فإنّ ما حدث لأيوب كان كفيلاً بإثارة كل أنواع التساؤلات والنقاشات. وإنه لمَن السهل جداً الانشغال بالأمور الدنيوية للحياة والمشاغل اليومية ونسيان ما هي المسائل الكبيرة والهامة. وليس هناك شيء يمكنه أن يهز سباتنا الروحي ويدفعنا إلى البدء في طرح الأسئلة الهامة سوى حدوث مأساة، إما في حياتنا أو في حياة الآخرين.


اقرأ مزمور ١١٩: ٦٥- ٧٢. ما الذي يقوله صاحب المزامير؟


لقد تمكن المرنم من رؤية الخير الذي ينتج عن المحن التي تصيبنا. في بعض الأحيان، يمكن للمحن والبلايا أن تكون بركات خَفِيّة، وذلك لأنها تُرْجِعنا إلى الرب أو تجلبنا إليه في المقام الأول. فمَن منّا لم يسمع قصصاً عن أشخاص اختبروا أزمات جعلتهم إما يعودون إلى الله بعد تركهم له، أو يخضعون إليه لأول مرة في حياتهم؟ أحياناً، يمكن للمحن والبلايا، رغم ما قد تكون عليه من بشاعة ومأساوية، أن تُستخدَم لتعود علينا بالخير الذي يمكننا أن نراه مع مرور الوقت. وفي بعض الأحيان، تبدو المحن والبلايا تعسفية وبلا مغزى.




مَنْ هَلَكَ وَهُوَ بَرِيءٌ؟


اقرأ أيوب ٢: ١١- ١٣. ماذا تخبرنا هذه الفقرة الكتابية عن كيف نظر أصدقاء أيوب إلى حالته والظروف التي كان يمر بها؟


عندما سمع أصدقاء أيوب عن ما حدث، قاموا بتحديد "موعد" (أيوب ٢: ١١)؛ معنى هذا أنهم خططوا لأن يأتوا معاً لرؤية صديقهم. وتعكس الآيات الواردة أعلاه أنهم صُعقوا مما رأوه، وبدأوا ينتحبون معه.


ووفقاً للنص الكتابي، جلس هؤلاء الأصدقاء بصمت ولم يتفوهوا بكلمة. فما الذي يمكنك أن تقوله لشخص في ظروف مثل الظروف التي كان يختبرها أيوب؟ مع ذلك، فإنّه بمجرد أن تحدث أيوب أولاً، كان لدى هؤلاء الرجال الكثير ليقولوه.


اقرأ أيوب ٤: ١- ١١. ما خُلاصة كلام أَلِيفَازُ إلى أيوب؟


ربما يصلح ما قاله أَلِيفَازُ هنا لأن يكون افتتاحية لكتاب حول كيفية مواساة الناس في أحزانهم. ويمكن للفصل الأول من هذا الكتاب أن يكون بعنوان "ما لا يجب قوله لشخص حزين ومغتم." فعلى الرغم من أنه قد بدا أن هؤلاء الرجال كانوا متعاطفين مع أيوب، إلا أن تعاطفهم قد انحرف عن مساره. فيبدو أن النقاء الديني بالنسبة لأليفاز كان أكثر أهمية من المواساة في حد ذاتها. فإنه يصعب تخيل شخص يذهب إلى شخص آخر يمر بظروف كتلك التي كان يمر بها أيوب ويقول له بأنه يستحق كل ما يحدث له، لأن الله عادل ولأن الأشرار فقط هم الذين يعانون معاناة من هذا القبيل.


وحتى لو فكر ذلك الشخص في أن آلام أيوب كان بسبب شروره، فما الاستفادة التي حصل عليها أيوب من سماع ذلك؟ لنفترض أن شخصاً كان يقود سيارته بسرعة فائقة فاصطدم بسيارة أخرى وفقد جميع أفراد أسرته في الحادث. هل يمكنك أن تتخيل أن شخصاً ما يذهب إليه على الفور، في خضم حزنه ومأساته، ويقول له أن الله يعاقبه بسبب تجاوزه للسرعة المقررة؟ إن المشكلة في كلام أليفاز لم تتعلق فقط بمفهومه الخاطئ للدين؛ وإنما المشكلة الأكبر هي عدم اكتراثه بأيوب وكل ما كان يعاني منه.






الإنسان وخالقه


لم يكن كلام أليفاز، في مستهل حديثه، يتسم بأية لباقة أو تعاطف. فإنَّ ما قاله في الأساس هو أنه كان من السهل على أيوب أن يكون نوراً وعزاءً للآخرين ما دامت الأمور تسير على ما يرام. وفي رأي أليفاز، فإنّ أيوب قد "تضايق" عندما أصابته البلايا، في حين أنه ما كان ينبغي لأيوب أن يتضايق ويشتكي، وذلك لأن الله عادل. ووفقاً لزعم أليفاز، يكون الشر الذي يصيبنا شراً نستحقه.


اقرأ أيوب ٤: ١٢- ٢١. ما هي الحجج الأخرى التي قدمها أليفاز لأيوب؟


هناك العديد من الأمور الرائعة التي يمكن أن ننظر إليها هنا، بما في ذلك الطريقة التي فهم بها أولئك طبيعة وصفات الإله الحقيقي، حتى قبل ظهور الأمة اليهودية. في الواقع، إن سِفر أيوب يُظهر لنا أنه كان هناك أشخاص آخرون، بالإضافة إلى الآباء [مثل آدم ونوح وإبراهيم وغيرهم] وبني إسرائيل لاحقاً، يعرفون شيئاً ما عن الرّب. في الحقيقة، إننا نجد هنا أن أليفاز يسعى إلى الدفاع عن صفات الله.


فإنّ ما سمعه أليفاز "فِي الْهَوَاجِسِ مِنْ رُؤَى اللَّيْلِ" كان من نَواحٍ كثيرة فكراً لاهوتياً سليماً (انظر مزمور ١٠٣: ١٤؛ إشعياء ٦٤: ٧؛ رومية ٣: ١٩و ٢٠). فإننا كبشر عبارة عن طين، زائلين، ويمكن لنا أن نُسْحَق بسهولة كالعثة (الفراشة). وبالطبع، هل يمكن لإنسان أن يكون أكثر بِرَّاً وصلاحاً من الله؟


ومن ناحية أخرى، كان كلام أليفاز مبتذلاً وخارجاً عن الموضوع. فإنَّ المسألة لم تكن تتعلق بما إذا كان أيوب أفضل من الله. هذه لم تكن شكوى أيوب. لقد كان كلام أيوب في معظم الوقت يدور حول كم كان بائساً، وكم كان يعاني، ولم تكن شكواه أنه أبرّ من الله.


ومع ذلك، يبدو أنَّ أليفاز قد قال كل هذا رداً على ما قاله أيوب. فعلى كل حال، إذا كان الله عادلاً، وإذا كان السوء يصيبنا نتيجة شرورنا، إِذَاً فلا بد وأن يكون أيوب قد فعل شيئاً ما جعله مستحقاً لكل ما كان يعاني منه من محن وبلايا. لذلك رأى أليفاز أن شكاوى أيوب كانت جائرة. وحرصاً من أليفاز على الدفاع عن الله، بدأ بتوبيخ أيوب. فبالإضافة إلى اقتناع أليفاز بأنه كان يعرف الكثير جداً عن الله، كان يعتقد أيضاً أن لديه إعلاناً خارقاً من نوع ما يدعم به موقفه. مع ذلك، فإن الموقف الذي اتخذه أليفاز كان مغلوطاً.






الْغَبِيُّ يَتَأَصَّلُ


في الأصحاح الخامس من سفر أيوب، يواصل أليفاز تقديم حجته. ومعظم ما يقوله في هذا الأصحاح هو نفس ما قاله في الأصحاح السابق، والتأكيد على أن المصائب والمحن تصيب فقط الأشرار. ولك أن تتخيل تأثير كلام أليفاز على أيوب، الذي كان يعرف أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون صحيحاً، وبأنه لم يكن يستحق أن يمر بالظروف الصعبة التي كان يمر بها.


مع ذلك، فقد كانت هناك مشكلة، وهي أنّ ليس كل ما قاله أليفاز كان خطأ. على العكس من ذلك، فإننا نجد نفس هذه الأفكار يتكرر ذِكرها في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس.


كيف تعكس النصوص الكتابية التالية المشاعر المُعْرَب عنها في أيوب ٥؟


مزمور ٣٧: ١٠


أمثال ٢٦: ٢


لوقا ١: ٥٢


١كورنثوس ٣: ١٩


مزمور ٣٤: ٦


عبرانيين ١٢: ٥


هوشع ٦: ١


مزمور ٣٣: ١٩




التسرّع في إصدار الأحكام


إنَّ جُزْءاً كبيراً مما قاله أليفاز لأيوب كان صحيحاً. معنى هذا أنه قدّم العديد من النقاط السليمة، وهي نقاط نجد أنه يتم الإعراب عنها في أسفار الكتاب المقدس الأخرى، التي كتبت في وقت لاحق. ومع ذلك، فقد كان لا يزال هناك خطأ شنيع في رده على أيوب. المشكلة لم تتعلق كثيراً بما قاله لأيوب؛ كانت المشكلة تتعلق أكثر بالسياق الذي فيه قال أليفاز هذا الكلام لأيوب. فإنّ ما قاله أليفاز، الحق الذي نطق به، لم يكن ينطبق على الحالة المعينة التي كان فيها أيوب. (انظر درس الأسبوع القادم.)


إنَّ عالمنا شديد التعقيد والتركيب، ومن السهل النظر إلى حالة معينة ومن ثم نتفوّه ببعض الأقوال، بل وبعض آيات الكتاب المقدس التي نعتقد أنها تتناسب مع الموقف. وربما هي تتناسب بالفعل. لكنها في كثير من الأحيان لا تكون كذلك. انظر إلى هذه الفقرة لروح النبوة حول كيف أننا في كثير من الأحيان نجلب على أنفسنا الأمور التي تحدث لنا. "ولا توجد حقيقة يعلمنا إياها الكتاب بأكثر وضوح من حقيقة كون أعمالنا هي نتيجة أخلاقنا. فاختبارات الحياة هي بدرجة كبيرة ثمرة أفكارنا وأعمالنا" (التربية الحقيقة، صفحة ١٧٠).


هذه حقيقة عميقة وهامة. ولكن، هل يمكنك أن تتخيل شخصاً تقياً حسن النِّيَّة يأتي إلى شخص ما يمر بظروف كتلك الظروف التي كان يمر بها أيوب ويقرأ له هذا الفقرة المأخوذة من روح النبوة أعلاه؟ (في بعض الحالات، للأسف، يمكننا أن نتصور حدوث ذلك.) لكن، كم كان سيكون أفضل بكثير لو أن هذا الشخص التقي حسن النِّيَّة قد اتبع المشورة التالية بدلاً من ذلك؟ "إنّ كثيرين يظنّون أنّهم إنّما يُمّثلون عدالة الله في حين أنّهم يخفقون إخفاقاً تاماً في تمثيل رقّته وحنانه وحبّه العظيم‏.‏ وفي الغالب ما يكون الذين يقابلونهم بالعبوسة والقسوة واقعين تحت ضغط التجربة‏.‏ إنّ الشيطان يصارع مع هذه النفوس ولذلك فالكلام القاسي الخالي من العطف يُثبّط عزائمهم ويجعلهم يسقطون فريسة لقوّة المجرّب" (روح النبوة، خدمة الشفاء، صفحة ١٥٩-١٦٠).


الحقيقة هي، كما هو الحال في كثير من الأحيان، أن الذي يحصل وراء الكواليس هو أكثر بكثير مما كان أليفاز وكل الآخرين يعرفونه، بما في ذلك أيوب. لذلك، فإنَّ تسرّع أليفاز في إصدار الأحكام، حتى في ضوء فهمه الصحيح للدين، لم يكن هو الشيء الصواب الذي كان يجب القيام به في هذه الحالة.


اقرأ متى ٧: ١و ٢؛ رومية ٢: ١- ٣؛ و١كورنثوس ٤: ٥. لماذا يجب أن نبقي هذه الآيات الكتابية في أذهاننا دائماً عندما نتعامل مع أي شخص، وخصوصاً أولئك الذين نعتقد أنهم أخطأوا؟


إنّه حتى لو كان أليفاز على صواب في أن أيوب قد جلب هذه المعاناة على نفسه، إلا أن كلام أليفاز لم يكن حكيماً ولا قيل في الوقت المناسب. إن أيوب يُعتبر رمزاً للبشرية جمعاء، لأننا جميعاً منغمسون في الصراع العظيم، وجميعنا نعاني منه. ونحن جميعاً، في مرحلة ما، نحتاج إلى الشفقة والعطف، وليس إلى المحاضرة والوعظ. من المؤكد أن للمحاضرات وقتها ومكانها. لكن عندما يجلس إنسان على الرَّماد ينتحب، وتكون حياته مدمرة وأبناءه قتلى وجسده مليء بالقروح، فعندها لا يكون الوقت مناسباً لإلقاء المحاضرات وإصدار الأحكام.




لمزيد من الدرس


كما رأينا، لم يخلو أليفاز من التعاطف مع أيوب. كل ما في الأمر هو أن تعاطفه جاء في المقام الثاني، بعد أن رأى أن عليه أولاً الدفاع عن صفات الله. فبالنسبة لأليفاز، لا بد وأن معاناة أيوب الرهيبة، في ظل عدالة الله، كانت بسبب قيام أيوب بشيء جعله مستحقاً لكل ما حدث له. وكان هذا هو ما استنتجه أليفاز فيما يتعلق بعدالة الله. ولهذا رأى أليفاز أن أيوب كان مخطئاً في شكواه.


بالتأكيد، اللهُ عادلٌ. لكنّ هذا لا يعني بالضرورة أننا نرى عدالته جَلِيّة في كل مَوْقِف يحدث في هذا العالم الساقط. فالحقيقة هي أننا لا نرى ذلك جليَّاً. إنَّ العدالة والدينونة سيتحققان، ولكن ليس الآن بالضرورة (رؤيا ٢٠: ١٢). فإنّ جزءاً مما يعنيه العيش بالإيمان هو الثقة بالله، وبأن العدالة التي نفتقر إليها هنا سوف تتضح وتتجلى في يوم من الأيام.


إنَّ موقف أليفاز من معاناة أيوب قد تجلى أيضاً في موقف بعض الكتبة والفريسيين من المسيح. فقد كان أولئك الأشخاص منشغلين جداً برغبتهم في أن يكونوا "أمينين" ومتدينين لدرجة أن غضبهم من قيام المسيح بشفاء المرضى في السبت (انظر متى ١٢) قد فاق ما كان ينبغي أن يكون مصدر سعادتهم، ألا وهو شفاء المرضى وتخليصهم من معاناتهم. ورغم أن كلام المسيح في الفقرة الكتابية التالية كان موجّهاً إلى مجموعة معينة من الناس، إلا أن المبدأ الكامن وراءه هو مبدأ ينبغي على أولئك الذين لديهم غيرة ومحبة للرب أن يتذكروه دائماً: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (متى ٢٣: ٢٣).


أسئلة للنقاش


١. كيف يمكننا أن نعرف الفرق بين الوقت الذي يحتاج فيه الشخص إلى الشفقة والتعاطف وبين الوقت الذي يحتاج فيه إلى أن يُحاضر، بل وربما إلى التوبيخ والتعنيف؟ لماذا هو من الأفضل عادة أن نخطئ على جانب الرحمة والتعاطف عند تعاملنا مع أولئك الذين يعانون، حتى ولو كانت معاناتهم هي بسبب خطاياهم وأعمالهم الشريرة؟


٢. اقرأ مجدداً كلام أليفاز في الأصحاحين ٤و ٥ من سفر أيوب. ما هو الموقف الذي كان يمكن لهذه الكلمات أن تكون فيه صائِبة أكثر من الموقف الذي استخدمت فيه هنا؟


٣. افترض أنك كنت صديقاً لأيوب وبأنك ذهبت لتراه بينما هو جالس على كومة الرماد. ما الذي كنت ستقوله له، ولماذا؟ ولو كنت أنت في مكانه، ما الذي كنت ترغب أن يقوله الناس لك؟


الدرس السابع


٥-١١ تشرين الثاني (نوفمبر)


العقوبة الجزائية






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ٨: ١- ٢٢؛ أيوب ١١: ١- ٢٠؛ إشعياء ٤٠: ١٢- ١٤؛ تكوين ٦: ٥- ٨؛ ٢بطرس ٣: ٥- ٧.


آية الحفظ: " ‘أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟’ " (أيوب ١١: ٧).


المؤكد هو أن المشكلة المتعلقة بالمعاناة الإنسانية لا تزال ترعب البشرية. فإننا نرى أناساً "صالحين" يعانون من مآسي هائلة، في حين يذهب الأشرار دون عقاب في هذه الحياة. منذ عدة سنوات، صدر كتاب بعنوان "لماذا تحدث الأمور الشريرة للأشخاص الصالحين؟" وقد كان هذا الكتاب واحداً من المحاولات العديدة على مدى آلاف السنين التي تحاول التوصّل إلى إجابة شافية لهذه المشكلة. مع ذلك، فإن هذا الكتاب لم يتمكن من الإجابة على السؤال المتعلق بالمعاناة الإنسانية. وقد كتب العديد من الكتّاب والمفكرين الآخرين عن محاولاتهم للتوصّل إلى فهم المعاناة الإنسانية. لكن لا يبدو أنهم وجدوا الأجوبة الصحيحة.


وبالطبع، فإن المعاناة الإنسانية هي موضوع سفر أيوب، وفيه نواصل إستكشاف الأسباب التي تجعل الأشخاص "الصالحين"، مثل أيوب، يعانون في هذا العالم. مع ذلك، فإنَّ الفرق الحاسم بين سِفر أيوب وغيره من الكتب هو أن سِفر أيوب لا يُبنى على وجهات النظر الإنسانية فيما يتعلق بالمعاناة والألم (على الرغم من أننا نجد الكثير من وجهات النظر هذه في سِفر أيوب) والسبب في ذلك هو أنَّ سفر أيوب هو جزء من الكتاب المقدس الذي نتمكن من خلاله على التعرّف على وجهة نظر الله ومفهومه لمعضلة المعاناة الإنسانية.


وسنقرأ في هذا الأسبوع المزيد من الخُطب من رجال جاءوا إلى أيوب لمواساته في شقائه وبؤسه. ما الذي يمكننا أن نتعلمه من هؤلاء الرجال، خاصة من أخطائهم بينما كانوا يحاولون، كما فعل غيرهم، التعامل مع معضلة الألم ومعرفة سبب المعاناة الإنسانية؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٢تشرين الثاني (نوفمبر).




المزيد من الاتهامات


وكأنّ تَلقّي محاضرة من أليفاز لم يكن أمراً سيئاً بما فيه الكفاية، تلقّى أيوب محاضرة أخرى من بلدد، الذي قال شيئاً مشابهاً لما قاله أليفاز. للأسف، كان بلدد أكثر فظاظة وأشد قسوة على أيوب حتى من أليفاز. تخيل أنك تذهب إلي شخص لقي جميع أبنائه حتفهم وتقول لذلك الشخص: " ‘إِذْ أَخْطَأَ إِلَيْهِ بَنُوكَ، دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ’ " (أيوب ٨: ٤).


وهذا يثير العجب، لأن الأصحاح الأول من سفر أيوب (أيوب ١: ٥) يبين بوضوح أن أيوب كان يقدم ذبائح نيابة عن أبنائه لهذا السبب بالذات، في حال كانوا قد أخطأوا. لذلك، فإننا نرى تناقضاً هنا بين فهم النعمة (كما يظهر في أعمال وتصرفات أيوب) وبين الكلمات الافتتاحية لبلدد التي يكشف من خلالها عن قسوة وتزمت عِقَابِيّ. والأسوأ من ذلك، هو أن بلدد كان يتكلم بهذه الطريقة في محاولة منه للدفاع عن صفات الله.


اقرأ أيوب ٨: ١- ٢٢. ما هي حجة بلدد، وما مدى ما يشتمل عليه قوله من الحقيقة؟ بمعنى، إذا كنت ستنسى السياق المباشر لكلامه، وتنظر إلى المشاعر المُعْرَب عنها هنا فما هو الخطأ، إن وُجد، الذي يمكنك أن تجده في كلام بلدد؟


مَنْ يمكنه إيجاد خطأ في الكثير مما يقوله بلدد هنا؟ " ‘لأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلاَ نَعْلَمُ، لأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الأَرْضِ ظِلٌّ’ " (أيوب ٨: ٩). إنّ ما يقوله بلدد هنا هو كلام قوي وصحيح وكتابي جداً (يعقوب ٤: ١٤). أو، ما هو الخطأ في التحذير الذي يقدمه بقوله أن الشخص الشرير الذي يضع أمله في الأمور الدنيوية الأرضية إنما يثق في شيء هو في واقع الأمر، ليس أكثر رسوخاً من "بَيْت الْعَنْكَبُوتِ" (أيوب ٨: ١٤)؟ إن هذه فكرة كتابية خالصة.


لعل المشكلة الأكبر هي أن بلدد كان يقدم جانباً واحداً فقط من جوانب صفات الله. إنّ ذلك مثال على كيف يمكن أن تكون ساقطاً في حفرة على هذا الجانب من الطريق أو الجانب الآخر. فإنه لا ينبغي لك أن تكون متواجداً في أي من الحفرتين. يمكن لشخص، على سبيل المثال، أن يركّز فقط على القانون والعدالة والطاعة، في حين يمكن لشخص آخر التركيز على النعمة والمغفرة والفداء. إنَّ التركيز المفرط على أي من هذين الجانبين عادة ما يؤدي إلى تكوين صورة مشوهة عن الله والحق. ونحن نرى مشكلة مماثلة هنا في كلام بلدد.






أقل مما يستحقه إثمك


" ‘أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ، أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، فَمَاذَا تَدْرِي؟ أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ، وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ.’ " (أيوب ١١: ٧- ٩؛ انظر أيضاً إشعياء ٤٠: ١٢- ١٤).


ما هو الحق المُعرب عنه هنا، ولماذا من المهم بالنسبة لنا تذكّر هذا الحق دائماً؟


إن الكلمات المذكورة هنا هي تعابير جميلة لحقيقة أن هناك الكثير الذي لا نعرفه عن الله، وبأن كل جهودنا لسبر غور الله بأنفسنا لا تقودنا سوى إلى معرفة القليل جداً عنه. من المثير للاهتمام أن واحداً من الفلاسفة الأكثر شهرة في القرن العشرين، الراحل ريتشارد رورتي، قال أننا سوف لن نتمكن أبداً من فهم الواقع أو الحقيقة، ولذا فإنه علينا التخلّي عن المحاولة. يقول رورتي إنه علينا محاولة التأقلم مع الواقع بدلاً من محاولة فهمه. من المثير للدهشة أن ٢٦٠٠ عاماً من الفلسفة الغربية التقليدية تُتوج بهذا التعبير الذي ينم عن الهزيمة. فإذا كان كل البحث يتركنا في الظلام، فيما يتعلق بالواقع الذي نعيش فيه، إذاً فمن يمكنه من خلال "البحث" أن يفهم الخالق- الذي خلق هذا الواقع في المقام الأول، وهو بذلك أعظم من الواقع؟ وهكذا أكد رورتي على ما قرأناه للتو من الكتاب المقدس.


ومع ذلك، فإن هذه النصوص، بكل ما فيها من عمق، مأخوذة من خطبة ألقاها صوفر الصديق الثالث لأيوب. وقد استخدم صوفر هذه الكلمات كجزء من حجته الخاطئة ضد أيوب.


اقرأ أيوب ١١: ١- ٢٠. ما هو الصواب فيما يقوله صوفر، ولكن ما هو الخطأ في حجته إجْمالاً؟


من الصعب جداً أن نفهم كيف يمكن لشخص أن يأتي إلى شخص يعاني مثل أيوب ويقول له بشكل أساسي أنه يحصل على ما يستحق. لا، في الواقع هو يقول له أنه يحصل على أقل مما يستحق. والأسوأ من ذلك هو أنه يفعل كل ذلك، كما في حالة الاثنين الآخرين، في محاولة منه للدفاع عن جُود وسجايا الله.






العِقَاب الإلهي


مما لا شك فيه هو أن أصدقاء أيوب الثلاثة كان لديهم بعض المعرفة عن الله. وقد كانوا صادِقين في جهودهم للدفاع عنه أيضاً. وكما رأينا أيضاً، فإن هؤلاء الرجال المُضَلَّلين، مثل كلامهم الذي قالوه إلى أيوب (خصوصاً بالنظر إلى السياق الذي قالوا فيه ما قالوه)، كانوا يعلنون بعض الحقائق الهامة.


وكانت النقطة الأساسية في حججهم هي الفكرة التي مفادها أن الله هو إله العدل، وبأن الخطية تجلب عقاباً إلهياً على الأشرار، وبركات خاصة على المستقيمين. وعلى الرغم من أننا لا نعرف الزمن المحدد الذي عاش فيه هؤلاء الرجال، لكن بما أننا نقبل بفكرة أن موسى قد كتب سفر أيوب بينما كان في مديان، فالمرجح هو أنهم عاشوا في الفترة الزمنية السابقة لخروج بني إسرائيل من مصر. والأمر الأكثر ترجيحاً أيضاً هو أنهم عاشوا بعد الطوفان.


اقرأ تكوين ٦: ٥- ٨. على الرغم من أننا لا نعرف مدى ما كان يعرفه هؤلاء الرجال (أليفاز وبلدد وصوفر) عن الطوفان، كيف يمكن أن تكون قصة الطوفان قد أثّرت في فكرهم اللاهوتي والديني؟


من الواضح أن قصة الطوفان هي مثال على العقاب الإلهي للخطية. فمن خلال الطوفان، جلب الله العقاب المباشر على أولئك الذين كانوا يستحقونه بشكل محدّد. لكننا نجد هنا أيضاً أن مفهوم النعمة معلن كما نرى في تكوين ٦: ٨. وقد كتبت روح النبوة أيضاً عن حقيقة أن "كل ضربة من ضربات المطارق في بناء الفلك كانت شهادة للناس" (الآباء والأنبياء، صفحة ٧٣). مع ذلك، فإنه يمكننا إلى حد ما أن نرى في هذه القصة مثالاً على ما كان أولئك الرجال يعظون به أيوب.


كيف نرى نفس الفكرة المتعلقة بالأحكام العقابية متجلية في تكوين ١٣: ١٣؛ ١٩: ٢٠- ٣٢؛ ١٩: ٢٤و٢٥؟


سواء عرف كلاً من أليفاز وبلدد وصوفر الكثير عن هذه الأحداث أو لم يعرفوا، إلا أنها تكشف لنا عن حقيقة العقاب المباشر الذي يجلبه الله على الشر. فإن الله لم يترك الخطأة لخطاياهم ويسمح لهذه الخطايا نفسها بأن تدمرهم. بل لقد كان الله هو العامل المباشر لعقابهم، كما هو الحال مع الطوفان. وقد عمل الله في هذه الحالة بوصفه القاضي والمدمِّر للإثم والشر.






إذا خَلَقَ الرب شيئاً (إِنِ ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً)


بعد موت كل الشخصيات الواردة بسفر أيوب بفترة طويلة، يدوّن الكتاب المقدس الكثير من حالات العقاب الإلهي المباشر على الشر، ومباركة الأمانة والاستقامة.


ما هو الوعد العظيم المقدَّم هنا والمتعلق بالطاعة؟ تثنية ٦: ٢٤و ٢٥.


إن العهد القديم مليء بالوعد تلو الوعد فيما يتعلق بالبركات والازدهار الذي يغدقه الله على شعبه في حال إطاعتهم له. لذلك، يمكننا أن نرى هنا أمثلة على ما قاله هؤلاء الرجال لأيوب فيما يتعلق بمباركة الله لأمانة أولئك الذين يسعون إلى إطاعته وإطاعة وصاياه وعيش حياة تقية ومستقيمة.


وبالطبع، العهد القديم مليء أيضاً بالتحذير تلو الآخر بشأن العقاب الإلهي المباشر الذي سيأتي نتيجة المعصية. إننا نجد في الكثير من العهد القديم، وخصوصاً بعد العهد الذي قطعه الله مع بني إسرائيل في سيناء، أن الله يحذّر بني إسرائيل بشأن ما قد تجلبه عليهم معصيتهم. "وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَ الرَّبِّ بَلْ عَصَيْتُمْ قَوْلَ الرَّبِّ، تَكُنْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ كَمَا عَلَى آبَائِكُمْ" (١صموئيل ١٢: ١٥).


اقرأ سفر العدد ١٦: ١- ١٣. ماذا يعلّمنا هذا الحدث عن حقيقة العقاب والقصاص الإلهيين؟


نقرأ في الآيات الكتابية أعلاه أن العصاة قد أُبيدوا. وقد كان عقابهم رهيباً. لذلك فإنه من غير المنطقي الاعتقاد بفكرة أنَّ "عِصْيَانُكِ يُؤَدِّبُكِ." بل لقد واجه هؤلاء الناس العقاب الإلهي المباشر من الله بسبب خطيئتهم وعصيانهم. وفي هذه الحالة، نحن نرى الإعلان الخارق لقدرة الله؛ ويبدو أن قوانين الطبيعة ذاتها قد تغيرت.


" ‘وَلكِنْ إِنِ ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ، فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ، تَعْلَمُونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْقَوْمَ قَدِ ازْدَرَوْا بِالرَّبِّ.’ " (سفر العدد ١٦: ٣٠).


إن الفعل " ابْتَدَعَ " هنا مشتق من نفس الكلمة الأصل "خَلَقَ" المستخدمة في تكوين ١: ١. لقد أراد الرب أن يعرف الجميع أنه هو نفسه الذي قام بشكل فوري ومباشر بجلب هذه العقوبة على العصاة.




الموت الثاني


من المؤكد أن أعظم وأقوى إعلان للدينونة العقابية سيكون في زمن المنتهى، حين يتم هلاك الأشرار، وهو ما يسمى في الكتاب المقدس "الموت الثاني (رؤيا ٢٠: ١٤). وبالطبع، لا يجب علينا الخلط بين هذا الموت وبين الموت الشائع الذي يختبره كل نسل آدم. إن الموت الثاني هو الموت الذي سيعمل آدم الثاني، يسوع المسيح، على تجنيب الأبرار من اختباره في زمن المنتهى (١كورنثوس ١٥: ٢٦). وفي المقابل، فإن الموت الثاني، المشابه لبعض العقوبات التي شُوهدت في أزمنة العهد القديم، هو عقوبة الله المباشرة التي تنزل على الخطأة الذين لم يتوبوا ولم يقبلوا الخلاص بالمسيح.


اقرأ ٢بطرس ٣: ٥- ٧. ماذا تخبرنا كلمة الله عن مصير الهالكين؟


"إن النار تنزل من عند الله من السماء، والارض تتكسر والاسلحة المخفية في أعماقها تخرج. فتخرج من فجواتها نار محرقة ونفس الصخور تشتعل بالنار. لقد جاء اليوم المتقد كالتنور. والعناصر تذوب بحرارة متوقدة وتحترق أيضا الارض وكل المصنوعات التي فيها (ملاخي ٤: ١؛ ٢ بطرس ٣: ١٠ ). وسطح الارض يبدو كأنه كتلة واحدة ذائبة : بحيرة واسعة من النار تغلي. انه وقت الدينونة والهلاك للأشرار. ‘لان للرب يوم انتقام سنة جزاء من أجل دعوى صهيون’ ( إشعياء ٣٤: ٨) " [روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٧٢٦].


على الرغم من أنه يمكن للخطية أن تجلب تأديبها وعقابها على المذنب، إلا أنه من المؤكد هو أن هناك أوقاتاً يقوم فيها الله نفسه بشكل مباشر بمعاقبة الخطية والخطأة، تماماً كما قال أصدقاء أيوب. صحيح أن كل المعاناة في هذا العالم قد نجمت عن الخطية، لكنه ليس صحيحاً أن كل معاناة يعانيها الإنسان هي عقاب من الله على خطية اُرتكبت. والمؤكد أن أيوب لم يعاني بسبب خطاياه، وكذلك معظم الحالات الأخرى المتعلقة بأشخاص آخرين. الحقيقة هي أننا منخرطون في الصراع العظيم، ولدينا عدواً يحاول أذيتنا. لكن الأخبار السارة هي أنه، في خضم كل ذلك، يمكننا أن نعرف أن الله موجود لنجدتنا والدفاع عنا. وأياً كانت الأسباب وراء المحن والبلايا التي نواجهها، ومهما كانت النتائج الحالية لهذه المحن، نحن لدينا اليقين في محبة الله. وهي محبة عظيمة وفائقة تجلّت من خلال ذهاب المسيح إلى الصليب من أجلنا، وهو عمل فيه الوعد القاطع بوضع نهاية لكل معاناة وألم.






لمزيد من الدرس


كما ذُكر سابقاً في دروس هذا الربع، من المهم أن نحاول أن نضع أنفسنا في مكان شخصيات القصة لأن قيامنا بذلك يساعدنا على فهم دوافعهم وأفعالهم. فإنهم لم يروا المعركة الدائرة وراء الكواليس كما نراها نحن. فإذا نحن وضعنا أنفسنا في مكانهم، فإنه لا ينبغي أن يكون من الصعب بالنسبة لنا أن نرى الخطأ الذي ارتكبه كلاً من أليفاز وبلدد وصوفر فيما يتعلق بمعاناة أيوب. لقد كانوا يُصْدِرون أحكاماً هم في الحقيقة غير مؤهلين لإصدارها. "إنه لمن الطبيعي جداً بالنسبة للبشر الاعتقاد بأن المآسي الكبرى هي دليل مؤكد على أن مَن يُبلى بها قد ارتكب جرائم فادحة واقترف خطايا مهولة؛ لكن البشر غالباً ما يكونون مخطئين في حكمهم. فإننا لا نعيش في زمن دينونة الله. ولا يزال كلا من الشر والخير مختلطين، والأحداث الرهيبة تحل على الكل. وفي بعض الأحيان، يَعْبُر الناس الخط الفاصل الذي يضعهم خارج رعاية الله الواقية. وعندها يمارس الشيطان سلطته عليهم، والله لا يتدخل. ولقد ابتلى أيوب بشدة، وسعى أصدقاؤه إلى جعله يعترف بأن معاناته كانت نتيجة الخطية، وسعوا كذلك إلى دَفعه إلى الشعور بأنه مدان. وقد صوروا حالته وكما لو كان أيوب خاطئاً كبيراً؛ لكن الله وبّخهم على حكمهم على عبده المُخلِص الأمين" (تعليقات روح النبوة، موسوعة الأدفنتست السبتيين لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٣، صفحة ١١٤٠). إننا بحاجة إلى أن نكون حذرين بشأن كيفية تعاملنا مع مجمل مسألة المعاناة الإنسانية. من المؤكد أنه في بعض الأحيان يكون من السهل معرفة أسباب معاناة شخص ما. على سبيل المثال، إصابة شخص مدخّن للسجائر بسرطان الرئة. فهل يمكن للأمر أن يكون أكثر بساطة من ذلك؟ لكن ماذا عن أولئك الذين يدخنون طوال حياتهم ولا يصابون بسرطان الرئة أبداً؟ فهل يُعاقب الله أحد المدخنين بينما لا يعاقب الآخر؟ إننا، مثل أليفاز وبلدد وصوفر، قد لا نعرف دائماً لماذا يعاني الناس مما يعانون منه. وبمعنى ما، إنه تقريباً لا يهم إذا عرفنا سبب معاناة الشخص أَمْ لم نعرف. إن ما يهم هو ما نفعله استجابة لمعاناة الآخرين التي نراها. وفي هذه النقطة كان أصدقاء أيوب الثلاثة مخطئين تماماً.




الدرس الثامن


١٢-١٨ تشرين الثاني (نوفمبر)


دمٌ بريء






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ١٠؛ إشعياء ٥٣: ٦؛ رومية ٣: ١٠- ٢٠؛ أيوب ١٥: ١٤- ١٦؛ أيوب ١: ١٨- ٢٠؛ متى ٦: ٣٤.


آية الحفظ: "وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عبرانيين ١١: ١).


صارع الكاتب الجزائري، ألبير كامو، مع مسألة المعاناة الإنسانية. وفي كتابه الذي بعنوان "الطاعون"، استخدمَ الطاعونَ كرمز لكل العلل التي تجلب الألم والمعاناة للإنسانية. وقد صور مشهداً لصبي صغير يموت موتاً مروعاً نتيجة إصابته بوباء خطير. وبعد ذلك، قال أحد الكهنة الذين شهدوا المأساة للطبيب الذي كان متواجداً هناك أيضاً، "إنَّ هذا الذي يحدث مثير للاشمئزاز لأنه يتجاوز إدراكنا البشري. ولكن ربما يتعين علينا أن نحب ما لا نستطيع إدراكه." عندها قاطعه الطبيب بغضب قائلاً: "لا، أيها الأب الكاهن. أنا لديّ فكرة مختلفة جداً عن المحبة. فإنه إلى يوم وفاتي سأبقى أرفض محبة أية ظروف يتعرض فيها الأطفال للتعذيب" [ألبرت كامو، الطاعون (نيويورك: فينتاج الدولية للطبع والنشر، الطبعة الأولى، ١٩٩١)، صفحة ٢١٨].


يعكس هذا المشهد ما رأيناه في قصة أيوب: أجوبة سطحية ومنقوصة لما ليس له حل بسيط. فلقد عرف أيوب، كما فعل الطبيب هنا، أن الأجوبة التي قدمها أصدقاؤه لم تتناسب مع الواقع الذي كان يعيشه. ولذلك، فإن التحدي هو: كيف يمكننا إيجاد أجوبة منطقية ومعقولة لما يبدو في غالب الأحيان أنه بلا معنى؟ سنواصل في هذا الأسبوع سعينا وراء الحصول على أجوبة منطقية.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٩تشرين الثاني (نوفمبر).




احتجاج أيوب


كان كلاً من أليفاز وبلدد وصوفر مُحَقين في أن الله يعاقب الشر. لكن هذه النقطة، للأسف، لا تنطبق على موقف أيوب. فإن معاناة أيوب لم تكن مسألة عقاب جزائي. لم يكن الله يعاقب أيوب بسبب خطاياه، كما كان سيفعل لاحقاً مع كلا من قورح وداثان وأبيرام. كما أن أيوب لم يكن يجني ما قد زرعه، كما يمكن أن يكون هو الحال في كثير من الأحيان. لا، بل لقد كان أيوب رجلاً صالحاً وتقياً؛ فإنَّ الله نفسه قد قال ذلك عن أيوب (انظر أيوب ١: ٨)، ولذلك فإن أيوب لم يكن يستحق ما قد حدث له، وكان أيوب يعرف أنه لا يستحق ذلك. وهذا ما جعل شكواه قاسية ومريرة جداً.


ماذا أيوب ١٠. ما الذي يقوله أيوب لله هنا، ولماذا يبدو ما يقوله أيوب منطقياً جداً بالنظر إلى ظروفه؟


ألا يسأل المؤمنون بالله أسئلة مشابهة عندما تصيبهم مأساة كبيرة؟ ألا يقولون لماذا خلقتني يارب من الأساس؟ أو، لماذا تفعل هذا بي؟ أو، أ لم يكن من الأفضل لو لم أولد على أن أُخْلق وأواجه كل هذا؟


ومرة أخرى نقول أن ما صعّب الأمر على أيوب هو أنه كان يدرك أنه كان أميناً لله. وقد صرخ إليه قائلاً: " ‘فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ’ " (أيوب ١٠: ٧).


هناك مفارقة صعبة: فإنه على عكس مما قاله أصدقاؤه، لم يكن أيوب يعاني بسبب خطاياه. بل إن سِفر أيوب نفسه يُعلّم عكس ما كان ينادي به أصدقاء أيوب: لقد كان يعاني أيوب هنا على وجه التحديد لأنه كان أميناً جداً لله. ويؤكد الأصحاحان الأولان من سفر أيوب على هذه النقطة. لكن أيوب لم يكن لديه أدنى عِلم بأن هذا كان السبب، وحتى لو عَلِم، فعلى الأرجح أن ذلك كان سيجعل مرارته وإحباطه أسوأ.


وعلى الرغم من أن حالة أيوب كانت فريدة من نوعها، إلا أنها كونية الطابع أيضاً، من حيث أنها تتعامل مع المسألة الكونية المتعلقة بالمعاناة الإنسانية، وخاصة عندما تبدو المعاناة غير متناسبة مع الشر الذي ربما يكون الإنسان قد اقترفه. فهناك فرق شاسع بين أن تتجاوز الحد الأقصى للسرعة فتحصل على غرامة تجاوز السرعة وبين أن تتجاوز السرعة فتقتل شخصاً ما أثناء قيامك بذلك.






الدَّمُ الزَّكِيِّ


كثيراً ما نسمع عن معاناة "الأبرياء". بل إن الكتاب المقدس يستخدم عادة عبارة "الدَّم الزَّكِيِّ" أو "الدَّم البَرِيء" (إشعياء ٥٩: ٧؛ إرميا ٢٢: ١٧؛ يوئيل ٣: ١٩)، في سياق الاعتداء على شخص ما أو حتى قتله دون أن يكون ذلك الشخص مستحقاً لما يحدث له من ضرر وأذيَّة. وبالنظر إلى مفهوم " الدَّمُ الزَّكِيِّ" الوارد ذكره في الكتاب المقدس، سنجد أن عالمنا، وكما نعلم جميعاً، مليء بالعديد من الأمثلة على ذلك.


من ناحية أخرى، يتحدث الكتاب المقدس عن حقيقة الإثم والفساد البشريين، وهو الأمر الذي يجعلنا نسأل عن معنى البراءة، أو أن يكون المرء بريئاً. فإذا كان الجميع قد أخطأوا، وإذا كان الجميع قد انتهكوا شريعة الله، فمَن هو الشخص البريء حقاً؟ وكما قال أحدهم ذات مرة، "إن شهادة ميلادك هي دليل على ذنبك."


وعلى الرغم من أن اللاهوتيين وعلماء الكتاب المقدس قد تناقشوا وتجادلوا، لعدة مئات من السنين، حول طبيعة علاقة البشر بالإثم، إلا أن الكتاب المقدس واضح في الإشارة إلى أن الخطية قد أثّرت في البشرية جمعاء. إننا لا نجد فكرة الإثم البشري في العهد الجديد فقط. بدلاً من ذلك، نحن نجد أن العهد الجديد يستكشف ويضيف إلى ما تم الكتابة عنه بتوسع في العهد القديم.


ماذا تعلمنا الفقرات الكتابية التالية عن حقيقة الخطية؟ ١ملوك ٨: ٤٦؛ مزمور ٥١: ٥؛ أمثال ٢٠: ٩؛ إشعياء ٥٣: ٦؛ رومية ٣: ١٠- ٢٠.


الكتاب المقدس واضح جداً فيما يتعلق بموضوع الإثم. لكن أي شخص يَعْرِفِ اللهَ بصفة شخصية، وحصل على لمحة عن صلاح وقداسة الله، يعرف حقيقة الإثم البشري. وبهذا المعنى، مَن مِنَّا "بريء" حقا؟ (وسوف لا نتطرق الآن إلى مسألة براءة الرُّضّع والأطفال الصغار).


ولكن هذه ليست حقاً هي النقطة. فقد كان أيوب آثماً ككل البشر؛ وبهذا المعنى هو لم يكن بريئاً، كما أن أبناءه لم يكونوا أبرياء. ومع ذلك، ما الذي فعله أيوب أو فعله أبناؤه وبناته ليستحقوا المصير الذي لاقوه؟ أ ليس هذا هو السؤال الجوهري الذي تطرحه البشرية فيما يتعلق بالمعاناة والألم؟ أما أيوب، وعلى نقيض حجج ومرافعات أصدقائه التي كانت "حصون من طين" (أيوب ١٣: ١٢)، كان أيوب يعرف أن ما يحدث له لم يكن شيئاً يستحقه.






مصائر غير عادلة


اقرأ أيوب ١٥: ١٤- ١٦. ما هي الحقيقة التي يقدمها أليفاز لأيوب؟


في هذه المرة، كان أليفاز ينطق بالحقيقة (كما فعل الآخرون) فيما يتعلق بأن البشر جميعهم آثمون. إن الخطية هي حقيقة عالمية للحياة هنا على الأرض؛ وكذلك المعاناة والألم. وكما نعلم أيضاً، فإن كل معاناة البشر في نهاية المطاف تنتج عن الخطية. وليس هناك شك في أن الله يمكنه استخدام المعاناة ليعلّمنا دروساً هامة. "إن الله كثيراً ما يجيز شعبه في كور المشقة، وفي شدة حرارة الأتون يعزل الزغل من الذهب الحقيقي في الأخلاق المسيحية" (روح النبوة، الآباء والأنبياء، صفحة ١٠٦).


مع ذلك، هناك مشكلة أعمق متعلقة بالمعاناة. ماذا عن الأوقات التي لا نرى فيها خيراً يأتي من المعاناة والألم؟ ماذا عن معاناة أولئك الذين لم يتم فصل الزغل عن الذهب في أخلاقهم لأنهم يموتون على الفور؟ ماذا عن أولئك الذين يعانون ولا يعرفون أبداً الإله الحقيقي أو أي شيء عنه؟ ماذا عن أولئك الذي جعلتهم معاناتهم يشعرون بالمرارة والغضب والكراهية تجاه الله؟ نحن لا يمكننا تجاهل هذه الأمثلة أو محاولة وضعها في صيغة بسيطة؛ فإن قيامنا بذلك ربما يجعلنا مذنبين بارتكاب نفس الأخطاء التي اقترفها المشتكون على أيوب.


أيضاً، ما هو الشيء الجيد الذي ينشأ عن المصير الذي تلقاه الحيوانات في حرائق الغابات، حيث تحترق هذه الحيوانات ببطء وهي لا تزال على قيد الحياة، ومن ثم تموت موتاً فظيعاً ومروعاً؟ أو ماذا عن آلاف الناس الذين يقتلون في الكوارث الطبيعية؟ ما هي الدروس المحتملة التي يمكنهم هم أو عائلاتهم أن يتعلموها عندما يجتاحهم الموت جميعاً إثر الكوارث الطبيعية؟ كما يمكن للمرء أن يسأل أسئلة منطقية ليس حول مقتل أبناء أيوب العشرة فحسب، بل وحول الْغِلْمَان الذين قتلوا "بِحَدِّ السَّيْفِ" (أيوب ١: ١٥) أو أولئك الذين حُرقوا أحياء بواسطة "نَارُ اللهِ" (أيوب ١: ١٦) أو أولئك الْغِلْمَان الآخرين الذين قتلوا "بِحَدِّ السَّيْفِ" (أيوب ١: ١٧).


أياً كان الدروس الذي ربما يكون أيوب وأصدقاؤه قد تعلموها، وأياً كانت الهزيمة التي تلقاها الشيطان نتيجة أمانة أيوب، فمن المؤكد أن نهاية حياة الأشخاص الذين يعانون لا تبدو عادلة. الحقيقة هي أن هذه الأمور ليست عادلة. وهي ليست حسنة أو منصفة.


ونحن نواجه تحديات مماثلة اليوم. طفل يبلغ من العمر ستة أعوام يموت من السرطان، فهل هذا عدل؟ فتاة تبلغ من العمر ٢٠ عاماً تسحب من سيارتها ويتم الاعتداء عليها جنسياً، فهل هذا عدل؟ أم لديها ثلاثة أطفال تُقتل في حادث سيارة، فهل هذا عدل؟ ماذا عن الـ ١٩٠٠٠ ياباني الذين قتلوا في زلزال عام ٢٠١١؟ فهل كان الـ ١٩٠٠٠ شخصاً مذنبين باقتراف شيء جعل هذه العقوبة عادلة؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن موتهم لم يكن عادلاً أيضاً.


هذه هي الأسئلة الصعبة.




يكفي اليوم...


اقرأ الآيات الكتابية التالية وفكر في المصير الفوري لأولئك الذين تم وصفهم في النصوص الكتابية. ثم اسأل نفسك السؤال: ما مدى عدالة الحياة في تعاملها معهم؟


أيوب ١: ١٨- ٢٠


تكوين ٤: ٨


خروج ١٢: ٢٩و ٣٠


٢صموئيل ١١: ١٧


إرميا ٣٨: ٦


متى ١٤: ١٠


عبرانيين ١١: ٣٥- ٣٨


عكس الكتاب المقدس حقيقة قاسية عن الحياة في عالمنا الساقط: فالشر والمعاناة أمران حقيقيان وواقعيان. إن القراءة السطحية لكلمة الله، حيث يتم انتزاع بعض النصوص الكتابية من سياقها العام، يمكن أن تُعطي أي شخص الفكرة الخاطئة بأن الحياة هنا على الأرض عادلة ومنصفة وحسنة، وبأنه إذا بقينا أمناء لله فإنّ المعاناة والألم لن يصيباننا. من المؤكد أنه يمكن للأمانة لله أن يكون لها أجرها العظيم الآن، لكن هذا لا يعني أنها توفر حاجزاً تاماً يفصلنا عن اختبار المعاناة والألم. وإننا لنجد في قصة أيوب مثال على ذلك.


في الموعظة على الجبل، قدّم المسيح موعظة قوية عن سبب حاجتنا إلى الثقة بالله وعدم الانشغال والاهتمام بشأن ما سوف نأكل، أو نشرب، أو نرتدي. وقد استخدم المسيح أمثلة من الطبيعة لتكون بمثابة دروس حية توضح لنا لماذا يمكننا الثقة في صلاح الله لتلبية احتياجاتنا. ثم نطق المسيح بهذه الكلمات الشهيرة: "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ" (متى ٦: ٣٤).


لاحظ عبارة "يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ". فإنَّ المسيح لم ينكر وجود الشر، حتى بصفة يومية، في حياتنا. على العكس من ذلك، لقد اعترف المسيح بانتشار ووجود الشر في حياتنا اليومية. وكيف لا يفعل ذلك والشر منتشر هكذا في عالمنا؟ فإن المسيح، كونه الله متجسداً، كان يعرف عن الشر في العالم أكثر بكثير مما يمكن لأي شخص أن يعرفه، والمؤكد هو أننا جميعاً نعرف الكثير عن الشر بالفعل، فما بالك بالله الخالق؟






أمور غير منظورة


اقرأ أمثال ٣: ٥. على الرغم من أنها فقرة كتابية مشهورة، ما هي الرسالة الهامة التي تحملها هذه الفقرة لنا، خاصة في سياق ما كُنّا ندرسه في هذا الربع حتى الآن؟


على الرغم من أن حالة أيوب كانت قاسية إلى أقصى حد، إلا أنها تعكس الحقيقة المحزنة المتعلقة بالمعاناة الإنسانية في عالمنا الساقط. ونحن لسنا بحاجة إلى قصة أيوب أو حتى قصص أخرى يمكننا قراءاتها في الكتاب المقدس لنرى هذه الحقيقة. فإننا نرى المعاناة والألم من حولنا في كل مكان. في الواقع، نحن جميعاً، إلى حد ما، نعيش المعاناة والألم.


"اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا. يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ ثُمَّ يَنْحَسِمُ وَيَبْرَحُ كَالظِّلِّ وَلاَ يَقِفُ" (أيوب ١٤: ١و٢).


ومرة أخرى نجد أن السؤال الذي نتصارع معه هو: كيف يمكننا تفسير المعاناة، تلك المعاناة التي تبدو غير منطقية وبلا معنى بالنسبة لنا، المعاناة التي يُسفك فيها الدم البريء؟


وكما تظهر الأصحاحات الأولى من سفر أيوب، وكما يعلن الكتاب المقدس في أماكن أخرى، فإن الشيطان هو كائن حقيقي وهو السبب، المباشر أو غير المباشر، للكثير من المعاناة والألم. وكما رأينا في الدروس الأولى من هذا الربع (انظر درس ٢)، فإن نموذج الصراع العظيم يعمل بشكل جيد جداً في مساعدتنا على التعامل مع حقيقة الشر في عالمنا.


مع ذلك، فإنه من الصعب في بعض الأحيان أن نفهم لماذا تحدث الأمور. في بعض الأحيان، بل في كثير من الأوقات، تكون الأمور التي تحدث لا معنى لها. وفي مثل هذه الأوقات، حين تحدث أمور لا نفهمها، نحتاج إلى أن نتعلم الثقة في صلاح الله. نحتاج إلى أن نتعلم الثقة بالله حتى عندما لا تكون الأجوبة جلية واضحة، وعندما لا يمكننا أن نرى شيئاً جيداً يأتي من الشر والمعاناة من حولنا.






لمزيد من الدرس


بدأت مقدمة درس يوم السبت الماضي بألبير كامو الذي كتب الكثير عن صراعه بحثاً عن أجوبة، ليس فقط أجوبة بشأن مسألة المعاناة بل بشأن مسألة معنى الحياة بشكل عام، وهي الحياة التي جعلتها المعاناة والآلام أكثر صعوبة ومشقة. وكما هو الحال مع معظم الملحدين، لم يحرز كامو تقدماً كبيراً في معرفة أسباب المعاناة والألم. وتُظهر لنا أشهر أقواله مدى ضآلة ما عرفه: "الانتحار هو المشكلة الفلسفية الوحيدة. إن الحكم بشأن ما إذا كانت الحياة جديرة بأن تعاش أو غير جديرة يقودنا إلى الإجابة على السؤال الأساسي للفلسفة" [اسطورة سيسيفوس ومقالات أخرى (نيويورك: فيتناج للطبع والنشر، ١٩٥٥)، صفحة ٣]. من المؤكد أنه ليس من السهل الإجابة على مسألة المعاناة الإنسانية. لكن سفر أيوب يزيح الستار ويُظهر لنا صورة أكبر مما كنا لنراها لولا ذلك، لكن حتى عندما نقرأ سفر أيوب، فإننا نجد أنه لا تزال هناك العديد من الأسئلة دون أجوبة.


مع ذلك، هناك فارق حاسم بين أولئك الذين يصارعون للحصول على إجابات لمسألة المعاناة وهم لا يؤمنون بوجود الله، وبين أولئك الذين يحاولون الحصول على أجوبة طالبين مشورة الله لأنهم يؤمنون بوجوده. نعم، تصبح مشكلة الألم أكثر صعوبة عندما تؤمن بوجود الله، لأننا ندرك عندها أن ما نعاني منه ناجم عن مواجهة الله للشر وكل ما يجلبه علينا. من ناحية أخرى، نحن لدينا ما هو ليس لدى الملحدين أمثال كامو، لدينا إمْكانِيّة الحصول على أجوبة واتخاذ قرار. (هناك أدلة على أن كاموا قد أراد في وقت لاحق في حياته أن يعتمد ولكنه قُتل في حادث سيارة قبل أن يتمكن من المعمودية.) نحن لدينا الرجاء في أن المسيح "سَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ" (رؤيا ٢١٤). وحتى لو كان هناك شخص لا يصدق هذا الوعد أو العديد من الوعود الأخرى في الكتاب المقدس، إلا أنه يَجِبُ على هذا الشخص أَنْ يَعترفَ أن الحياة ستكون أحْسَن بكثير عندما يكون لدينا مثل هذا الرجاء، بدلاً من مجرد العيش هنا في خضم المشقة والألم، شاعرين أن الحياة لا معنى لها، وبأن كل شيء سينتهي بالموت الأبدي.




الدرس التاسع


١٩-٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر)


إعلان الرجاء






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أمثال ١٧: ٢٨؛ أيوب ١٣: ١- ١٥؛ يعقوب ٢: ٢٠- ٢٢؛ ١كورنثوس ١٥: ١١- ٢٠؛ ١بطرس ١: ١٨- ٢٠؛ تكوين ٢٢: ٨.


آية الحفظ: " ‘فَهذَا يَعُودُ إِلَى خَلاَصِي، أَنَّ الْفَاجِرَ لاَ يَأْتِي قُدَّامَهُ’ " (أيوب ١٣: ١٦).


كتب المؤلف البريطاني ويليام هازليت ما يلي: "الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك ويبكي؛ لأنه الحيوان الوحيد المتعجب من الفرق بين ما هي عليه الأمور وبين ما ينبغي للأمور أن تكون عليه."


من المؤكد أن الأمور ليست كما يجب أن تكون عليه. ومع ذلك، فإنه بالنسبة للمسيحي المتمسك بالوعد المتعلق بالمجيء الثاني للمسيح، هناك رجاء- رجاء عظيم فيما ستؤول إليه الأمور (٢بطرس ٣: ١٣). وستصبح الأمور رائعة للغاية لدرجة أننا لا يمكننا بواسطة أذهاننا التي أظلمتها الخطية (١كورنثوس ١٣: ١٢)، أن نتصور ذلك الآن. وهذا هو الرجاء الذي فقدته الأذهان الدُنْيَوِيّة منذ فترة طويلة بسبب ضيق أفق أصحابها وقصر نظرهم.


سنواصل في هذا الأسبوع استكشاف مسألة المعاناة في سفر أيوب. وسنجد أنه حتى في ظل المأساة الجائرة التي لحقت به، التي لم تكن منطقية أو مبررة، كان بمقدور أيوب أن ينطق بكلمات الرجاء.


ماذا كان هذا الرجاء، وماذا يخبرنا عن ما ينبغي أن نضع رجاءنا فيه نحن أيضاً؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٦تشرين الثاني (نوفمبر).




مُلَفِّقُو كَذِبٍ


"بَلِ الأَحْمَقُ إِذَا سَكَتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا، وَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ فَهِيمًا" (أمثال ١٧: ٢٨).


أياً كان ما يريد المرء أن يقوله عن الإنسان أيوب، فإنه لا يمكن أن نقول أنه كان ينبغي على أيوب أن يجلس في وسط أحزانه ويستمع بهدوء إلى ما كان أصدقاؤه يقذفونه به. على النقيض من ذلك، إننا نجد أن معظم سِفر أيوب يتألف من محاولات مستميتة مِن قِبل أيوب للرد على ما كان يعرف أنه خليط من الحقيقة والزيف. وكما رأينا، فإن هؤلاء الرجال لم يتسموا باللباقة والتعاطف؛ لقد كانوا يدعون أنهم يتحدثون باسم الله من خلال تبريرهم لما حدث لأيوب؛ وكان ما يقولونه في الأساس هو أن أيوب كان يحصل على ما يستحقه أو أنه كان يستحق ما هو أسوأ من ذلك! وقد كان كل نمط من أنماط التفكير هذه سيئاً بما فيه الكفاية؛ لكن أصدقاء أيوب الثلاثة (وغيرهم) كانوا شديدي القسوة، وهو ما دفع أيوب إلى الرد عليهم.


اقرأ أيوب ١٣: ١- ١٤. ما هو النهج الذي اتبعه أيوب حين شرع في الرد على ما كان يقال عنه؟


لقد رأينا في الأصحاح الثاني من سفر أيوب أن هؤلاء الرجال عندما جاءوا إلى أيوب ورأوه بهذه الحالة لم يقولوا شيئاً لمدة سبعة أيام. وبالنظر إلى ما نطقوا به لاحقاً، ربما كان الصمت هو أفضل أسلوب يتبعونه. ومن المؤكد أن هذا هو ما فكر فيه أيوب.


لاحظ كذلك قول أيوب أن أولئك الرجال لم ينطقوا بالكذب فحسب بل كانوا يتحدثون بالكذب عن الله. (ويبدو هذا الأمر مثيراً للاهتمام في ضوء ما يحدث في نهاية سفر أيوب نفسه [انظر أيوب ٤٢: ٧]. من المؤكد أن عدم الكلام أفضل من قول أمور زائفة وخاطئة. (مَن منّا لم يختبر مدى صحة ذلك؟) لكن يبدو أن قول أمور خاطئة عن الله هو مسألة أسوأ بكثير. وكانت المفارقة بالطبع هي أن أولئك الرجال اعتقدوا في واقع الأمر أنهم كانوا يدافعون عن الله وعن صفاته ضد شكاوى أيوب شديدة المرارة بشأن ما حدث. وعلى الرغم من أن أيوب لم يكن يعرف سبب حدوث هذه الأمور له، إلا أنه عرف ما فيه الكفاية ليدرك أن ما كان هؤلاء الرجال يقولونه قد جعلهم "مُلَفِّقُو كَذِبٍ" (أيوب ١٣: ٤).






هُوَذَا يَقْتُلُنِي


عندما بدأنا دراسة هذا الربع، ذهبنا إلى نهاية سفر أيوب مباشرة ورأينا ما آلت إليه الأمور في نهاية المطاف بالنسبة لأيوب. وقد رأينا أنه حتى في ظل آلام ومعاناة أيوب الرهيبة، كان لديه حقاً ما يأمل فيه ويرجوه. في الواقع، يمكننا الآن، بعد إطلاعنا على الكتاب المقدس بأكمله، أن نرى أنه كان لدى أيوب الكثير جداً الذي يرجوه، بل وحتى أكثر مما كان يمكن له أن يتصوره في ذلك الوقت.


لكن عندما مات أبناؤه وفقد ممتلكاته وتدمرت صحته، فإنه لم يكن لدى أيوب ميزة معرفة ما ستؤول إليه الأمور. بدلاً من ذلك، كان ما عرفه أيوب هو أن الحياة قد أصبحت قاسية وسيئة وشريرة بصورة مفاجئة.


وفي الوقت نفسه، وحتى في ظل الرثاء المرير لنفسه وتمنيه لو أنه لم يولد أو تمنيه لو أنه لم يصوّر في الرحم، نجد أن أيوب لا يزال يعرب عن رجائه- وكان هذا الرجاء في الله – وهو نفس الإله الذي كان يعتقد أيوب أنه كان يتعامل معه بشكل غير عادل، عندما ألمت به المحن والبلايا.


اقرأ أيوب ١٣: ١٥. ما هو الرجاء المُقدّم هنا في هذه الآية؟ ما الذي يقوله أيوب؟


"هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ." يا لها من شهادة قوية للإيمان! فإنه في ظل كل ما حدث له، كان أيوب يعرف أن الشيء الوحيد المتبقي والذي يمكن حدوثه هو أن يموت. وقد عرف أيوب أن الله يمكنه أن يفعل ذلك أيضاً. وكان أيوب متقبلاً لذلك الأمر حال حدوثه، وكان سيموت واثقاً في الرب على أية حال.


"يجب أن يبقى غنى نعمة المسيح أمام الذهن. علينا الاعتزاز بالدروس التي توفرها لنا محبته. ليكن إيمانك مثل أيوب، كي ما تصرخ قائلاً، ‘هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ.’ تشبث بوعود أبيك السماوي، وتذكّر تعاملاته السابقة معك ومع غيرك من عباده؛ لأن ‘كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ’ " (روح النبوة، مجلة الأدفنت ريفيو آند ساباث هيرالد، ٢٠تشرين الأول/أكتوبر، ١٩١٠).


من منظور إنساني بحت، لم يكن لدى أيوب أي سبب ليرجوه في أي شيء. غير أن الحقيقة كانت تتمثل في أن أيوب لم يكن ينظر من منظور إنساني. وإذا كان فعل ذلك، فأي رجاء يكون له؟ بدلاً من ذلك، أعلن أيوب عن هذا التأكيد المدهش للإيمان والرجاء في سياق معرفته وثقته بالله.






علامات الرجاء


" ‘فَهذَا يَعُودُ إِلَى خَلاَصِي، أَنَّ الْفَاجِرَ لاَ يَأْتِي قُدَّامَهُ’ " (أيوب ١٣: ١٦). إن هذه الآية تلي مباشرة الآية التي قرأناها في درس الأمس. كيف تؤكد هذه الآية بشكل أكثر على أن أيوب كان لديه رجاء، على الرغم من كل شيء، وأن هذا الرجاء كان في الله؟


يا لروعة ما يقوله أيوب هنا في ضوء ما جاء قبله مباشرة. فإنه حتى لو مات أيوب، لو أن الله قتله، كان أيوب سيبقى واثقاً في إلهه للخلاص. فبطريقة ما، هذا أمر غريب؛ غير أنه بطريقة أخرى منطقي تماماً. فعلى كل حال، أ ليس ما يعنيه الخلاص هو التحرر من الموت؟ وبالنسبة للمخلّصين، أليس الموت هو لا شيء أكثر من مجرد لحظة سريعة من الراحة، لحظة من الرقاد، تليها القيامة إلى الحياة الأبدية؟ أ وليس الرجاء في القيامة للحياة الأبدية هو الرجاء العظيم لكل شعب الله عبر آلاف السنين؟ وقد كان ذلك هو رجاء أيوب، أيضاً.


اقرأ ١كورنثوس ١٥: ١١- ٢٠. ما هو الرجاء المُقدّم لنا هنا؟ وبدون هذا الرجاء، لماذا لن يكون لنا رجاء على الإطلاق؟


أيضاً، بعد هذا التأكيد القوي على الخلاص، يقول أيوب أن "أَنَّ الْفَاجِرَ لاَ يَأْتِي قُدَّامَهُ." وأصل هذه الكلمة يعني "الدنس" أو "الكافر،" وهي كلمة ذات دلالة سلبية في اللغة العبرية. لقد عرف أيوب أن خلاصه موجود فقط في الله، وفقط من خلال حياة خاضعة بطاعة مُخلِّصة لله. ولهذا ليس هناك رجاء للشخص الشرير والكافر، أي "الفاجر". الأرجح هو أن أيوب كان يعبّر عما عرف أنه "يقين الخلاص" الخاص به. وعلى الرغم من أن أيوب كان يقوم بكل أمانة وإخلاص بتقديم ذبائح حيوانية عن خطيته، إلا أننا لا نعرف مدى ما عرفه أيوب عن دلالة وأهمية تلك الذبائح. فإنه قبل الصليب، لم يكن لدى معظم أتباع الرب المخلِصين، أمثال أيوب، إدراكاً تاماً للخلاص كإدراكنا نحن الذين نعيش بعد حدث صلب المسيح. ومع ذلك، فإن أيوب كان يعرف بما فيه الكفاية ليدرك أن رجاءه في الخلاص لا يوجد سوى في الرب فقط، وأن تلك الذبائح كانت مجرد تعبير عن كيف يمكن الحصول على هذا الخلاص؟




رجاءٌ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ


مَن منّا، لو اختبر ما اختبره أيوب، يمكنه أن ينطق بكلمات الرجاء القوية التي نطق بها أيوب؟ فإن كلماته هي شهادة أبدية لحياة الإيمان والطاعة التي عاشها أيوب.


لقد كان لدى أيوب رجاء لأنه كان يخدم إله الرجاء. فإنه حتى في خضم كل القصص البائسة المتعلقة بالآثام البشرية، بدءاً من سقوط آدم وحواء في جنة عدن (تكوين ٣) وصولاً إلى سقوط بابل في زمن المنتهى (رؤيا ١٤: ٨)، نجد أن الكتاب المقدس هو كتاب زاخر بالرجاء والتطلّع إلى شيء يتجاوز ما يقدمه هذا العالم في حد ذاته.


"ولقد سلم العالم للمسيح، وعن طريقه تنحدر كل البركات من الله إلى الجنس البشري الساقط. إنه كان فادياً قبل تجسده كما صار بعدما تجسد. فحالما وُجِدت الخطية وُجِد المخلص" (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ١٨٨). ومَن هو المخلّص سوى المسيح المَصْدَرُ العظيم للرجاء؟


كيف تؤكد النصوص الكتابية التالية على الرجاء الرائع المعرب عنه في اقتباس روح النبوة الوارد بدرس اليوم؟ أفسس ١: ٤؛ تيطس ١: ٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٨و ٩؛ ١بطرس ١: ١٨- ٢٠.


تُعلّم هذه النصوص الحقيقة المدهشة بأن الله، بعلمه المسبق، قد عرف حتى قبل خلق العالم أن البشرية سوف تسقط في الخطية. نقرأ في ٢تيموثاوس ١: ٩ أننا قد دُعينا بالنعمة المعطاة لنا في المسيح "قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ." ولم نعطَ هذه النعمة "بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا" (لأنه كيف يمكن أن تكون النعمة "بمقتضى أعمالنا" ونحن لم نكن قد جئنا إلى الوجود حينها؟) وإنما من خلال يسوع المسيح. وقبل أن نأتي إلى الوجود، قام الله بوضع خطة توفر للبشرية الرجاء في الحياة الأبدية. ولم يظهر هذا الرجاء بعد أن كنا بحاجة إليه؛ بدلاً من ذلك، كان هذا الرجاء موجوداً ومُعداً لنا عندما احتجنا إليه.


وكمسيحيين، نحن لدينا الكثير الذي نرجوه ونأمل فيه. إننا موجودون في كون خُلق مِن قِبل الله الذي يحبنا (يوحنا ٣: ١٦)، الله الذي فدانا (تيطس ٢: ١٤)، الذي يصغي لصلواتنا (متى ٦: ٦)، الله الذي يشفع فينا (عبرانيين ٧: ٢٥)، الله الذي يَعد بأن لا ينسانا أبداً (عبرانيين ١٣: ٥)، الله الذي يَعد بأن يقيم أجسادنا من الموت (إشعياء ٢٦: ١٩)، وأن يمنحنا حياة أبدية معه (يوحنا ١٤: ٢و ٣).






صورٌ من الرجاء


اقرأ الفقرات الكتابية التالية. ما هو الرجاء الذي تعلنه كل فقرة من هذه الفقرات؟


تكوين ٣: ١٥


تكوين ٢٢: ٨


لاويين ١٧: ١١


يوحنا ١: ٢٩


غلاطية ٢: ١٦


فيلبي ١: ٦


١كورنثوس ١٠: ١٣


دانيال ٧: ٢٢


دانيال ١٢: ١و ٢


متى ٢٤: ٢٧


دانيال ٢: ٤٤






لمزيد من الدرس


إن الكتاب المقدس، من الغلاف إلى الغلاف، مليء بالكلمات الرائعة التي تُعبّر عن الرجاء. " ‘قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ’ " (يوحنا ١٦: ٣٣). " ‘وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ’ " (متى ٢٨: ٢٠). "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" (غلاطية ٣: ١٣). "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا" (مزمور ١٠٣: ١٢). "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية ٨: ٣٨و ٣٩). " ‘فَمَتَى كَانَتِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ مِيثَاقًا أَبَدِيًّا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى الأَرْضِ’ " (تكوين ٩: ١٦). "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ" (١يوحنا ٣: ١). "اعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ. هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ" (مزمور ١٠٠: ٣). هذه الآيات هي ليست سوى جزء صغير مما هو معلن لنا في الكلمة المقدسة عن صفات الله وعن ما يقدّمه لنا. وهل ستكون لدينا أسباباً للرجاء لو لم يُعلن الكتاب المقدس لنا هذا الرجاء؟




الدرس العاشر


٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) - ٢ كانون الأول (ديسمبر)


غضب إليهو






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ١٣: ٢٨؛ أيوب ٢٨: ٢٨؛ أيوب ٣٢: ١- ٥؛ أيوب ٣٤: ١٠- ١٥؛ حزقيال ٢٨: ١٢- ١٧؛ أيوب ١- ٢: ١٠.


آية الحفظ: " ‘لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ’ " (إشعياء ٥٥: ٩).


وهكذا تستمر معركة الكلمات بين أيوب وأولئك الرجال الثلاثة. وهي كلمات تبدو في بعض الأحيان بليغة وجميلة وعميقة وصائبة. وفي كثير من الأحيان، يقتبس الناس مقولات من سفر أيوب، بل وحتى عبارات مما نطق بها كل من أليفاز وبلدد وصوفر. والسبب في ذلك، كما رأينا مراراً وتكراراً هو أن هؤلاء الرجال كان لديهم الكثير من الأمور الجيدة ليقولوها. كل ما في الأمر هو أنهم لم يقولوا كلامهم في المكان المناسب، أو الوقت المناسب، أو الظروف المناسبة. وينبغي لهذا الأمر أن يذكّرنا بالحقيقة القوية الموجودة في أمثال ٢٥: ١١- ١٣، والتي تقول:


"تُفَّاحٌ مِنْ ذَهَبٍ


فِي مَصُوغٍ مِنْ فِضَّةٍ،


كَلِمَةٌ مَقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا. قُرْطٌ مِنْ ذَهَبٍ


وَحُلِيٌّ مِنْ إِبْرِيزٍ، الْمُوَبِّخُ الْحَكِيمُ لأُذُنٍ سَامِعَةٍ."


للأسف، لم تكن هذه هي الكلمات التي كان يسمعها أيوب من أصدقائه. في الواقع، إن المشكلة كانت ستزداد سوءاً، لأنه بدلاً من وجود ثلاثة أشخاص يخبرون أيوب بأنه كان مخطئاً، ظهرت شخصية أخرى على الساحة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٣كانون الأول (ديسمبر).




مواسون بائسون


إنه حتى بعد أن أعرب أيوب عن قوة إيمانه (أيوب ١٣: ١٥و ١٦)، استمر الجدال اللفظي بينه وبين أصدقائه. فإننا نجد خلال عدد من الأصحاحات أن أولئك الرجال كانوا يتحاجون ويتجادلون كثيراً بشأن العديد من الأسئلة العميقة والهامة المتعلقة بالله والخطية والعدالة والأشرار والحكمة وطبيعة الإنسان الزائلة.


ما هي الحقائق التي يتم الإعراب عنها في الفقرات الكتابية التالية:


أيوب ١٣: ٢٨


أيوب ١٥: ١٤- ١٦


أيوب ١٩: ٢٥- ٢٧


أيوب ٢٨: ٢٨


خلال الأصحاحات المذكورة أعلاه، تستمر المجادلات دون أن يتنازل أياً من الطرفين عن موقفه. وكان لدى كل واحد من أصدقاء أيوب الثلاثة، أليفاز وبلدد وصوفر، وجهة نظره الخاصة التي لم يرغب في التخلي عنها فيما يتعلق بكيف أن الناس يحصلون على ما يستحقونه في الحياة؛ وهكذا اعتبروا أن ما حلّ بأيوب كان عقاباً عادلاً على آثامه وذنوبه. وفي الوقت نفسه، استمر أيوب في رثاء نفسه إزاء ما أصابه من محن ومعاناة، وهو متأكد من أنه لم يكن يستحق المعاناة والألم. وهكذا طال الجدال بينهم، حيث قام كل واحد من أولئك الذين جاءوا لـ "مواساة" أيوب باتهامه بأنه ينطق بكلمات باطلة وعديمة الجدوى، هذا في حين اتهمهم أيوب بالشيء ذاته.


وفي نهاية الأمر، فإنَّ أياً منهم، بما في ذلك أيوب، لم يفهم كل ما كان يحدث. وكيف لهم أن يفهموا؟ فقد كانوا يتكلمون من وجهة نظر محدودة جداً، وهي وجهة النظر التي يشاركهم فيها كل البشر. ولو كان هناك درس نستخلصه من سفر أيوب (الدرس الذي ينبغي أن يكون واضحاً الآن، خاصة بعد كل هذه الخطب التي نطق بها هؤلاء الرجال)، فهو أننا نحتاج كبشر إلى الاتضاع عندما نزعم أننا نتكلم عن الله، وعن عمل الله. إننا قد نعرف بعض الحقائق، بل وربما نعرف الكثير من الحقائق. ولكننا، وكما رأينا في حالة هؤلاء الرجال، قد لا نعرف بالضرورة ما هي أفضل طريقة لاستخدام الحقائق التي نعرفها.






دخول إليهو


في الأصحاحات ٢٦- ٣١ من سفر أيوب، ألقى أيوب، البطل البائِس الحَزِين في هذه القصة، خطابه الأخير للرجال الثلاثة. وعلى الرغم من بلاغته وحماسته، إلا أننا نجد أنه يكرر نفس الحجة التي استخدمها قبلاً بأنه لم يكن مستحقاً لما كان يحدث له.


ومرة أخرى نُشير إلى أنّ أيوب يمثّل الكثيرين من البشر من حيث أنهم يعانون من أمور لا يستحقونها. والسؤال الذي يعد من أصعب الأسئلة على الإطلاق هو لماذا يُعاني بعض الناس من أمور لا يستحقونها؟ وفي بعض الحالات، تكون الإجابة على مسألة المعاناة سهلة نسبياً. فمِن الواضح أنَّ الناس يجلبون المشاكل على أنفسهم. لكن، في كثير من الأحيان، وخاصة في حالة أيوب، لم يكن الأمر كذلك. وهكذا يبقى السؤال المتعلق بالمعاناة عالقاً دون إجابة واضحة.


وفي ختام الأصحاح ٣١ من سفر أيوب، يتحدث أيوب عن الحياة التي عاشها، وكيف أنه لم يفعل في حياته أي شيء يبرر ما كان يحدث له. ثم نقرأ في الآية الأخيرة من الأصحاح الكلمات التالية: "تَمَّتْ أَقْوَالُ أَيُّوبَ" (أيوب ٣١: ٤٠).


اقرأ أيوب ٣٢: ١-٥. ما الذي يحدث هنا، وما هي التهمة الذي وجهها إليهو لأيوب والرجال الآخرين؟


هذه هي المرة الأولى التي يَرِد فيها ذكر اسم هذا الرجل، إليهو، في سفر أيوب. ومن الواضح أنه سمع بعضاً من المناقشات الطويلة، هذا على الرغم من أننا لم نُخْبر بوقت ظهوره على مسرح الأحداث. لكن لا بد وأنه قد جاء في وقت لاحق لأنه لم يُذْكر أنه كان مع الثلاثة الآخرين عندما جاءوا في البداية. مع ذلك، فإنَّ ما نعرفه هو أنه لم يكن راضياً عن الأجوبة التي سمعها عندما جاء وسمع جزءاً من الحوار الذي كان دائراً. في الواقع، إننا نُخْبَر أربع مرات في هذه الآيات الخمس أن "غضب" إليهو قد استعر نتيجة ما قد سمعه. ولهذا فإننا نجد أن هذا الرجل، إليهو، يسعى خلال الأصحاحات الستة التالية، إلى تقديم مفهومه وتفسيره للأمور التي كان يواجهها هؤلاء الرجال، بسبب الكارثة التي انتابت أيوب.






دفاع إليهو عن الله


على مر العصور، كُتب الكثير من التعليقات والتفسيرات حول إليهو وكلامه. البعض يرى أن كلامه كان نقطة تحوّل في اتجاه الحوار. ومع ذلك، فإنه ليس من السهل أن نرى أين قام إليهو بإضافة أي شيء جديد لدرجة أنه يغيّر من مجرى الحوار. بدلاً من ذلك، يبدو أن إليهو كان، إلى حد كبير، يقدم نفس الحجج التي قدمها الأصدقاء الثلاثة الآخرين، عندما حاولوا الدفاع عن الله ضد تهمة الظلم والإجحاف فيما يتعلق بمعاناة أيوب.


اقرأ أيوب ٣٤: ١٠- ١٥. ما هي الحقائق التي يُعرب عنها إليهو هنا؟ كيف تتشابه مع ما قاله الرجال الآخرون من قبل؟ ورغم أن أقواله صحيحة، لماذا كانت غير مناسبة للحالة التي قيلت فيها؟


ولعل ما يمكننا أن نراه في أقوال إليهو والرجال الثلاثة الآخرين هو الخوف مِن أن الله هو ليس كما نعتقد أنه عليه. لقد أرادوا أن يؤمنوا في صلاح وعدالة وقوة الله؛ وهكذا، فإن ما قام به إليهو هو النطق بالحقائق المتعلقة بصلاح وعدالة وقوة الله.


" ‘لأَنَّ عَيْنَيْهِ عَلَى طُرُقِ الإِنْسَانِ، وَهُوَ يَرَى كُلَّ خَطَوَاتِهِ. لاَ ظَلاَمَ وَلاَ ظِلَّ مَوْتٍ حَيْثُ تَخْتَفِي عُمَّالُ الإِثْمِ’ " (أيوب ٣٤: ٢١و ٢٢).


" ‘هُوَذَا اللهُ عَزِيزٌ، وَلكِنَّهُ لاَ يَرْذُلُ أَحَدًا. عَزِيزُ قُدْرَةِ الْقَلْبِ. لاَ يُحْيي الشِّرِّيرَ، بَلْ يُجْرِي قَضَاءَ الْبَائِسِينَ. لاَ يُحَوِّلُ عَيْنَيْهِ عَنِ الْبَارِّ، بَلْ مَعَ الْمُلُوكِ يُجْلِسُهُمْ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَبَدًا، فَيَرْتَفِعُونَ’ " (أيوب ٣٦: ٥-٧).


" ‘الْقَدِيرُ لاَ نُدْرِكُهُ. عَظِيمُ الْقُوَّةِ وَالْحَقِّ، وَكَثِيرُ الْبِرِّ. لاَ يُجَاوِبُ. لِذلِكَ فَلْتَخَفْهُ النَّاسُ. كُلَّ حَكِيمِ الْقَلْبِ لاَ يُرَاعِي’ " (أيوب ٣٧: ٢٣و ٢٤).


إذا كان كل هذا صحيحاً، فإن الاستنتاج المنطقي الوحيد الذي يجب على المرء أن يستنتجه هو أن أيوب كان يحصل على ما يستحقه. وهل يمكن أن يكون شيئاً آخر؟ إذن، كان إليهو يحاول حماية فهمه لله في مواجهة مثل هذا الشر الرهيب الذي أصاب رجلاً صالحاً مثل أيوب.






الشَّر أمر غير منطقي


إنّ هؤلاء الرجال الأربعة، المؤمنين بالله، إله العدالة، وجدوا أنفسهم في مأزق، وهذا المأزق هو: كيف يمكن تفسير حالة أيوب بطريقة عقلانية ومنطقية تتماشى مع فهمهم لطبيعة وصفات الله. للأسف، انتهى بهم الأمر وهم يأخذون موقفاً ثَبُت أنه موقف خطأ فيما يتعلق بمحاولاتهم لفهم الشر، أو على الأقل فهم الشّر الذي لحق بأيوب.


تقدم روح النبوة تعليقاً قوياً في هذا الصدد. "من المستحيل علينا أن نوضّح أصل الخطيئة بحيث نقدم سببا لوجودها.... الخطيئة دخيلة ولا يمكن تعليل وجودها. فتبريرها هو دفاع عنها. ولو وُجد عذر لها او سبب لوجودها لما اعتُبرت خطيئة. إن الخطيئة هي نتيجة مبدأ يحارب شريعة المحبة العظيمة التي هي أساس حكم الله" (الصراع العظيم، صفحة ٥٣٦و ٥٣٧).


وعلى الرغم من أن إلن هوايت تستخدم كلمة "خطيّة"، دعونا نفترض أننا استبدلنا هذه الكلمة بكلمة أخرى، كلمة لها معنى مُشابه وهي كلمة "الشّر". وعندها يُقرأ الاقتباس كالتالي: من المستحيل علينا أن نوضّح أصل الشر بحيث نقدم سببا لوجوده.... الشر دخيل ولا يمكن تعليل وجوده. فتبريره هو دفاع عنه. ولو وُجد عذر له أو سبب لوجوده لما اعتُبر شراً.


في كثير من الأحيان، عندما تصيب الناس مأساة تجدهم يقولون أو يفكرون في الآتي: "أنا لا أفهم ذلك." أو " هذا لا يبدو منطقياً." وهذه تحديداً كانت هي شكوى أيوب الدائمة، عندما ألمت به المصائب والمحن.


وهناك سبب وجيه في أن أيوب وأصدقاءه لم يفهموا سبب مداهمة الشر لنا: إنَّ الشر ليس معقولاً أو منطقياً. وإذا استطعنا فهمه، وإذا كان منطقيا، وإذا كان بالإمكان إدراجه في صيغة منطقية وعقلانية، فإنه لن يكون شراً ومأساة، لأنه سيكون عندها حدثاً يتم لغرض منطقي.


انظر إلى هذه الآيات الكتابية المتعلقة بسقوط الشيطان وأصل الشر. إلى أي مدى يبدو سقوط الشيطان معقولاً؟ (حزقيال ٢٨: ١٢- ١٧).


لقد كان الشيطان قبل سقوطه كائناً كاملاً خُلق مِن قِبل إله كامل في بيئة كاملة. وكان يحظى بمكانة رفيعة، "مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ". ولأنه كان "الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ" "عَلَى جَبَلِ اللهِ الْمُقَدَّسِ"، فقد كان "كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ" ستارته. ومع ذلك، وحتى في ظل الكثير جداً الذي أُعْطي للشيطان، فقد عمل هذا الكائن على إفساد نفسه، وسمح للشر بأن يسيطر عليه ويتملكه. فهل يمكن أن يكون هناك شيء غير معقول وغير منطقي أكثر من الشّر الذي أصاب الشيطان؟






التحدي المتمثّل في الإيمان


مِن المؤكد أن الشخصيات الرئيسية في سفر أيوب، بوصفهم بشر زائلين ينظرون "الآنَ فِي مِرْآةٍ" (١كورنثوس ١٣: ١٢)، كانوا يتصرفون من وجهة نظر محدودة جداً، وكان فهمهم لطبيعة العالم المادي محدوداً، فَمَا بالك بالعالم الروحي! ومن المثير للاهتمام أيضاً، أنه في كل هذه المجادلات والنقاشات حول الشّر الذي أصاب أيوب، فإنَّ أي واحد منهم، بما في ذلك أيوب، لم يبحث في الدور قام به الشّيطان في كل ذلك؛ فقد كان الشيطان هو السبب المباشر والواضِح لكل عِلل أيوب. ومع ذلك، وعلى الرغم من ثقتهم بشأن مدى كونهم على صواب، خاصة إليهو (انظر أيوب ٣٦: ١- ٤)، إلا أن كل محاولاتهم لتفسير معاناة أيوب بشكل عقلاني كانت ناقصة. وبالطبع، عرف أيوب أن محاولاتهم لتفسير سبب معاناته قد باءت بالفشل.


حتى في ضوء فهمنا لخلفية قصة الصراع العظيم، ما مدى قدرتنا على عقلنة وتفسير الشر الذي حل بأيوب؟ اقرأ أيوب ١-٢: ١٠ مرة أخرى. ما هي الأسئلة الأخرى التي تبقى دون جواب، حتى في ضوء كل ما أعلن لنا في هذه الفقرات الكتابية حول أسباب معاناة أيوب؟


إننا نتعرف في الأصحاحات الأولى من سفر أيوب على أمور لم يعرفها أياً من أولئك الرجال. ومع ذلك، فإنه حتى الآن لا تزال هذه الأمور صعبة الفهم. وكما رأينا، فإنه لم يكن الشّر هو الذي جلب المعاناة على أيوب، بل إن الصَّلاح الذي كان يتحلى به أيوب هو بالتحديد الذي تسبب في جعل الله يسمح للشيطان بأن يختبره. إذاً، فإنَّ تقوى أيوب ورغبته في أن يكون أميناً لله هما ما أدّيا إلى حدوث كل هذا له. كيف لنا أن نفهم هذا؟ وحتى لو كان أيوب يعرف ما كان يحدث وراء الكواليس، أفما كان يصرخ قائلاً، "من فضلك يارب، استخدم شخصاً آخر غيري. أعد إليَّ أبنائي وصحتي وثرائي!" إن أيوب لم يتطوع ليكون حقلاً للتجارب، أو شخصاً تُجرّب عليه أساليب معينة لإثبات أمر ما. ومَن مِنّا يرغب في ذلك؟ إذاً، فما مدى عدالة ما حدث لأيوب وعائلته؟ وفي الوقت نفسه، فإنه على الرغم من أن الله قد انتصر في مواجهته مع الشيطان، فيما يتعلق بأيوب، إلا أننا نعرف أن الشيطان لم يُقر بهزيمته (رؤيا ١٢: ١٢)؛ فماذا كان الغرض إذاً؟ أيضاً، وأياً كانت الأمور الجيدة التي نجمت في نهاية المطاف عن كل ما حدث لأيوب، هل كان الأمر يستحق موت كل هؤلاء الأشخاص وكل المعاناة التي مر بها أيوب؟ فإذا كانت كل هذه الأسئلة لا تزال دون إجابة بالنسبة لنا (على الرغم من أن هناك المزيد من الأجوبة ستأتي في سفر أيوب) فَلَكَ أن تتخيل الأسئلة التي كانت تدور بذهن أيوب!


ومع ذلك، فإنّ أحد الدروس الهامة التي يمكننا استخلاصها من سفر أيوب هو العيش بالإيمان وليس وفقاً لما نبصره بأعيننا وندركه بحواسنا. علينا الثقة بالله والبقاء أمينين له حتى عندما نكون، مثل أيوب، غير قادرين على تفسير سبب حدوث الأمور بالطريقة التي تحدث بها. نحن لا نعيش بالإيمان عندما يكون كل شيء عقلاني ويمكن تفسيره. إننا نعيش بالإيمان عندما نثق ونطيع الرب، كما فعل أيوب، حتى عندما لا نستطيع فهم وإدراك ما يحدث من حولنا.






لمزيد من الدرس


في مناقشة بشأن مسألة الإيمان والمنطق، كتب المؤلف جون هيدلي بروك عن الفيلسوف الألماني إيمانويل كَانْت (١٧٢٤-١٨٠٤) وعن محاولاته لفهم حدود المعرفة الإنسانية، خصوصاً فيما يتعلق بأعمال الله. فبالنسبة لكَانْت، "كانت مسألة تبرير طرق الله للإنسان، أمراً يتطلب الإيمان وليس المعرفة. وكمثالٍ على الوقوف الثابت في وجه الشدائد، قام كَانْت باختيار أيوب، الذي جُرِّدَ من كل شيء فيما عدا الضمير اليقظ. ففي ضوء خضوعه لمشيئة الله، كان أيوب على صواب في رفضه القبول بنصيحة أصدقائه الذين حاولوا تفسير كل الأمور الرهيبة التي حدثت له. كان مصدر قوة موقف أيوب يكمن في إيمانه بأن الله هو الذي سمح بأن يعاني [أيوب] كل هذه الأمور الرهيبة. كل ما في الأمر هو أن أيوب كان فقط يتساءل عن قصد الله من السماح له بأن يعاني كل هذه الأمور الرهيبة" [العلوم والدين (نيويورك: دار جامعة كامبريدج للنشر، ٢٠٠٦)، صفحة ٢٠٧و ٢٠٨]. أعتقد كلاً من صوفر وبلدد وأليفاز، والآن إليهو، أنَّ بمقدورهم تفسير ما حدث لأيوب بالمنظور البسيط للعلاقة بين السبب والنتيجة. ففي نظرهم، كانت خطية أيوب هي السبب؛ وكانت المعاناة التي اختبرها أيوب هي النتيجة. وقد رأوا أنه لا يمكن أن يكون الأمر أكثر وضوحاً من ذلك، بل واعتقدوا أنه صحيح لاهوتياً ومنطقياً. ومع ذلك، فقد كان تحليلهم المنطقي خطأ، وهو مثال قوي على أنه لا يمكن لعقولنا البشرية فهم الكيفية التي يعمل بها الله في العالم الذي خلقه.




الدرس الحادي عشر


٣-٩ كانون الأول (ديسمبر)


مِن العاصفة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ٣٨ – ٣٩ ؛ يوحنا ١: ٢٩ ، متى ١٦: ١٣ ؛ ١كورنثوس ١: ١٨ – ٢٧ ؛ أيوب ٤٠: ١- ٤؛ ٤٢: ١- ٦ ؛ لوقا ٥: ١- ٨


آية الحفظ: " ‘أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ.’ " (أيوب ٣٨: ٤).


أياً كانت خلافاتهم، فقد كان شيء واحد يُجمع عليه الأشخاص الوارد ذكرهم في سفر أيوب. كان لدى كل منهم الكثير مما يمكن أن يقوله عن الله، أو على الأقل عن مفهومهم الشخصي عن الله. وكما رأينا، فإننا نستطيع أن نوافق على كثير مما قالوه. وعلى أي حال، من يستطيع أن يجادل في هذا: "فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. أَوْ كَلِّمِ الأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ، وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ الْبَحْرِ. مَنْ لاَ يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هؤُلاَءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هذَا؟ الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ" (أيوب ١٢: ٧- ١٠). أَمْ الجدل في هذا: هَلِ اللهُ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ، أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟


ومع أن محتوى ومضمون سفر أيوب هو عن آلام أيوب، إلا أن موضوع النقاش الأساسي يتركز حول الله. باستثناء الإصحاحين الأولين، فإنّ الله ظل متوارياً خلف الستار كلما تقدمنا في سفر أيوب.


على كل حال، فإن كل ذلك كان على وشك أن يتغير. فالله نفسه وهو موضوع النقاش والجدال في سفر أيوب سوف يتكلم الآن عن نفسه.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٠كانون الأول (ديسمبر).




من العاصفة


اقرأ أيوب ٣٨: ١. ما الذي يحدث هنا ويختلف عن كل شيء آخر في كل الحوارات الأخرى؟


فجأة وبدون توقع يظهر الرب الآن في سفر أيوب لأول مرة منذ أيوب ٢: ٦، حين قال الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَه."


حقيقةً لا يوجد شيء يجعل القاريء مستعداً لهذا الظهور المفاجيء لله. يُختتم اصحاح ٣٧ من سفر أيوب بخطاب أليهو . بعد ذلك مباشرة نجد ما يلي: "فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَة" (أيوب ٣٨: ١). وعلى الفور نجد الله وحده مع أيوب وكأن الأشخاص الآخرين غير معنيين، على الأقل في الوقت الراهن.


كلمة العاصفة تأتي من الكلمة العبرية ومعناها الزوبعة أو الريح الشديدة. وقد استعملت هذه الكلمة في سياق ظهور الله للبشر (أنظر إشعياء ٢٩: ٦؛ زكريا ٩: ١٤). واستُعملت أيضاً في مناسبة إصعاد إيليا للسماء "كَانَ عِنْدَ إِصْعَادِ الرَّبِّ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَنَّ إِيلِيَّا وَأَلِيشَعَ ذَهَبَا مِنَ الْجِلْجَال". (٢ ملوك ٢: ١).


بالرغم من عدم وجود أية تفاصيل مادية عن هذا الظهور المرئي لله إلا أنه من الواضح هنا أن الله لم يتكلم إلى أيوب عن طريق "صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ" (١ ملوك ١٩: ١٢). ولكن الرب يعلن نفسه بطريقة قوية جداً. طريقة لفتت بالتأكيد إنتباه أيوب.


بالطبع لم تكن هذه المرة الأولى التي يعلن فيها الله نفسه للبشرية الساقطة. مراراً وتكراراً تُظهر الأسفار المقدسة قُرب الله من البشر.


ماذا تعلمنا هذه الآيات عن قُرب الله مِنَّا؟ تكوين ١٥: ١- ٦؛ تكوين ٣٢: ٢٤ – ٣٢ ؛ يوحنا ١: ٢٩ .


يعلمنا الكتاب المقدس الحقيقة العظمى والهامة وهي أن إلهنا ليس الإله المتنائي أو المبتعد الذي خلق عالمنا ثم تركه لنا، إنما هو الإله الذي يتفاعل معنا عن قرب. مهما كانت أحزاننا أو مشاكلنا، أو مهما لاقينا في هذه الحياة فإنه يمكننا أن نتأكد أن الله قريب منا، وأننا نستطيع أن نثق به.






الله يسأل


بعدما بدا لأيوب أنه صمت طويل، أخيراً تكلم الله معه. حتى وإن كان ما استهل به قوله لم يكن ما أراد أيوب أن يسمعه.


ما هو أول سؤال سأله الله لأيوب وماذا كان يقصد من هذا السؤال؟ (أيوب ٣٨: ٢).


خلال أسفار الكتاب المقدس كله نجد الله يوجّه أسئلة إلى البشر. لم يكن هذا لعدم معرفته بالإجابة مسبقاً، ولكنه يقوم بعمل ما يقوم به المعلم الجيد. الله يسأل الأسئلة لأنها وسيلة فعالة تجعلنا نجابه أنفسنا ولنتأمل في أوضاعنا، لتعيننا على التعامل مع الأمور لنصل إلى التعاليم الصحيحة. إذاً فالأسئلة التي يسألها الله ليست بهدف أن تُعلِم الله بأشياء لم يكن على عِلم بها أو يدركها. ولكنها كثيراً ما تُطرح لكي تُعين الناس ليتعلموا أشياء قد يكونوا في حاجة إلى أن يتعلموها بشكل أفضل. أسئلة الله جاءت بشكل خطابي، وهذه وسيلة الهدف منها توصيل الحق للناس.


اقرأ الأسئلة التالية التي سألها الله. ماذا في إعتقادك الهدف من طرح هذه الأسئلة، ما هو القصد بها؟


تكوين ٣: ١١


تكوين ٤: ٩


١ملوك ١٩: ٩


أعمال ٩: ٤


متى ١٦: ١٣


كان لدى أيوب الكثير من الكلام عن الله. وفي الواقع أن الله أراد لأيوب أن يرى أن هناك الكثير من الأمور التي لا يعرفها ولا يفهمها أيوب عن الرب خالقه. إن السؤال الذي بدأ به الرب كلامه مع أيوب يتوازى مع بعض الكلمات التي قالها هؤلاء الرجال له (لأيوب) أيضاً. (إقرأ أيوب ٨: ١و ٢؛ أيوب ١١: ١-٣؛ أيوب ١٥: ١- ٣).






الرب الخالق


اقرأ أيوب ٣٨: ٤- ٤١. ما هي الأسئلة التي يسألها الله لأيوب؟ وما هو الغرض من هذه الأسئلة؟


لو كان أيوب ينتظر تفسيراً مفصلاً عن كل هذه الكوارث التي المت به، فإنه لم يحصل على ما انتظره في المقابل. ما حصل عليه هو فيض من الأسئلة بأسلوب خطابي بلاغي مقارناً قوة الله وجبروته في خليقته مع جهالة وطبيعة أيوب الفانية.


يقول الرب: "أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ. " (أيوب ٣٨: ٤). بعد أن ردد ما كان من أعمال الخليقة الأولى في سفر التكوين، مثل أساس الأرض والبحر والنور والظلام، يقول الله لأيوب (في الأساس) أنك طبعاً تعلم كل هذه الأشياء لأَنَّكَ "حِينَئِذٍ كُنْتَ قَدْ وُلِدْتَ، وَعَدَدُ أَيَّامِكَ كَثِيرٌ!" (أيوب ٣٨: ٢١).


بعد ذلك يشير الرب إلى عجائب وأسرار الخليقة. ومجدداً يفعل الله ذلك بطرح سلسلة من الأسئلة بالإسلوب الخطابي البلاغي والتي تشمل ليس فقط أسس الأرض بل أيضاً أسرار الجو والنجوم أيضاً: "هَلْ تَرْبِطُ أَنْتَ عُقْدَ الثُّرَيَّا، أَوْ تَفُكُّ رُبُطَ الْجَبَّارِ؟ (أيوب ٣٨: ٣١). بعد ذلك يدير إنتباه أيوب مرة أخرى إلى الأرض، إلى كل شيء من فطنة الإنسان (أيوب ٣٨: ٣٦)، إلى حياة الحيوانات البرية (أيوب ٣٨: ٣٩- ٤١). وهو مسار يزداد وضوحاً بتقديم تفاصيل أكثر خلال كل آيات أصحاح ٣٩. لو كان لسفر أيوب أن يُكتب اليوم لكان الله يقول "مَن كان يربط جزيئات البروتينات والنيوترونات؟ أين كنت حين قمت بقياس الكتلة؟ وهل بحكمتك تطوي الجاذبية الفضاء والزمان؟"


الجواب عن كل هذه الأسئلة هو نفسه: بالطبع لا. فلم يكن أيوب موجوداً في زمن أي من هذه الأحداث. ولم يكن له سوى القليل من المعرفة لأي من الظواهر التي أشار إليها الرب. كان قصد الله أن يُظهر لأيوب أنه مع كل حكمته ومعرفته، حتى ولو كان ما قاله عن الله صواب (أيوب ٤٢: ٧) مقارنة مع هؤلاء الرجال الآخرين، فما يزال ما يعرفه أيوب قليلاً جداً. وإنّ افتقاره للمعرفة تَوَضّحَ في جهله بخليقة العالم.


إذا كانت معرفة أيوب بالخليقة بهذه الضآلة فكم كان فهمه وإدراكه عن الخالق؟ يا لها من مفارقة قوية بين الخالق والمخلوق. فماذا نحن مقارنة بالله؟ ومع ذلك، انظر إلى ما قام به الله ليخلّصنا وليقدم لنا الرجاء والشركة الأبدية معه.




حكمة الحكماء


من وجهة نظرنا اليوم، فإنه من السهل النظر إلى الأسئلة التي وجهها الله لأيوب لندرك مدى ما كان لرجل مثل أيوب، الذي عاش منذ آلاف السنين، أن يفهمه عن العالَم المخلوق. على سبيل المثال، قبل القرن السادس عشر، لم يكن البشر يدركون (على الأقل البعض منهم) أن حركة الشمس في الفضاء هي نتيجة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس. هذا في حين كان يُعتقد في السابق أن الشمس تدور في سماء الأرض، [مع أن ما يحدث في الواقع هو أن الأرض تدور حول الشمس. وتتحرك الشمس في دائرة من الكرة السماوية يقسمها نصفين: ويكيبيديا الموسوعة الحرة].


الفضل يعود إلى العلوم الحديثة. نحن نعيش اليوم ولدينا معرفة عن طبيعة العالم، وهي معرفة لم يكن للبشر في عصور الكتاب المقدس أن يتصوروها أو يستوعبوها. لقد كانت فوق مستوى إدراكهم. ومع ذلك، ومع كل تلك المعرفة، فإننا كبشر ما زلنا محدودين جداً في فهمنا للعالم الطبيعي ومبادئه.


اقرأ مجدداً الأسئلة التي سألها الله لأيوب في إصحاح ٣٨و ٣٩. إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يجيب عليها بشكل أفضل اليوم؟


لا شك أن العلم قد كشف لنا جوانب كثيرة من الواقع والتي كانت غائبة في الماضي. ومع ذلك فمازال علينا الكثير لنتعلمه في نواحي كثيرة. وبعيداً عن كشف جلال وأسرار الخليقة فإن العِلم جعل الخليقة أكثر جاذبية وروعة، كاشفاً عمق وتعقيدات العالم الطبيعي التي لم يكن للأجيال السابقة أي علم بها.


" ‘السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ، لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ’ (تثنية ٢٩: ٢٩). إن الله لم يعلن قط للناس كيف أتم عملية الخلق، والعلوم البشرية لا يمكنها فهم أسرار العلي، وقوته الخالقة لا يمكن إدراكها كما لا يمكن إدراك وجوده." (روح النبوة، الآباء والأنبياء، صفحة ٩٣).


ومع ذلك، ما هو التحذير الذي علينا إتخاذه من الآيات التالية بخصوص معرفة الإنسان المحدودة جداً؟ (١كورنثوس ٣: ١٩، ١كورنثوس ١٨: ٢٧).






التوبة في التراب والرماد


اقرأ أيوب ٤٠: ١- ٤؛ أيوب ٤٢: ١-٦. ماذا كانت إستجابة أيوب عندما أعلن الله ذاته له؟


من الواضح أن أيوب انبهر بما أظهره الله له. في أيوب ٤٢: ٣، عندما يقول "فمن ذا الذي يخفي القضاء بلا معرفة" كان في الواقع وببساطة يردد أول سؤال سأله الله له، الآن يعرف أيوب إجابة السؤال، فإن أيوب ذاته هو الذي تكلم عما لم يعرفه حقاً.


لاحظ أيضاً ما قاله أيوب، في أيوب ٤٢: ٥. كان أيوب قد عرف الله فقط بسمع الأذن أما الآن إذ قد رأى الله- أي أنه الآن قد أصبح عنده رؤيا أفضل عن الله- رأى نفسه على حقيقتها. ولهذا السبب كانت ردة فعله كما يلي: "لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ"


اقرأ اشعياء ٦: ١- ٥، لوقا ٥: ١- ٨. كيف تتوازى ردات الفعل هذه مع تلك التي كانت لأيوب؟


ما نراه في كل هذه الحالات هي اعلانات عن حقيقة أساسية في الكتاب المقدس وهي إثم ومعصية الجنس البشري. كان أيوب رجلاً كاملاً ومستقيماً، يتقي الله ويحيد عن الشر (أيوب ١: ١) وبالرغم من كل محاولات الشيطان ليرده عن الله، فإن أيوب ظل أميناً أمام كل المحاولات. نحن هنا أمام إنسان مؤمن بالرب ويتميز بالتمسك والأمانة.


وبالرغم من ذلك، وكما كان الأمر مع اشعياء وبطرس، فإن لمحة من قداسة الله وقوته كانت كافية لتجعل أيوب يتضائل وينكمش مع إحساسه بخطيته وعجزه. ذلك لأننا جميعنا كائنات ساقطة دمرتها الخطية. كائنات جعلتها طبيعتها في صراع مع الله. ولهذا السبب، لا أحد يستطيع أن يخلّص نفسه في النهاية. لا أحد يستطيع أن يأتي بأعمال صالحة كافية ليستحق أي إحسان أو معروف من الله. ولهذا السبب أيضاً نحن جميعنا - وحتى الأفضل بيننا، بما في ذلك أولئك الذين مثل أيوب كاملين ومستقيمين، يتقون الله ويحيدون عن الشر- في حاجة إلى شخص ما يستطيع أن يفعل من أجلنا ما لا يمكن أن نفعله نحن لأنفسنا. والجيد في الأمر هو أنّ لنا كل ذلك وأكثر في شخص يسوع المسيح.






لمزيد من الدرس


"لقد سمح الله أن يسطع نور على العالم نور العلوم والفنون، ولكن إذا كان محترفو العلم يتناولون هذه المواضيع من وجهة نظر البشرية وحدها فلابد من أن يحصلوا على إستنتاجات خاطئة، وقد يكون أمراً بريئاً أن يتفكر الإنسان في شيء أبعد مما أعلنته كلمة الله إذا لم تتعارض نظرياته مع الحقائق المدونة في كتاب الله ولكن الذين يتركون كلمة الله ويحاولون تعليل خليقته بمباديء علمية فانما يسيرون مع التيار في خضم البحر العظيم بدون خريطة أو بوصلة في أماكن يجهلونها تماماً. إن أقوى العقول الجبارة إذا لم تسر على هدى كلمة الله في أبحاثها فلا بد من أن يصيبها الإرتباك عندما تحاول تتبع علاقة العلم بالمعلنات الإلهية. فلكون الخالق وأعماله أسمى جداً من إدراكهم بحيث لا يمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية لذلك يعتبرون أن تاريخ الكتاب المقدس لا يصلح سنداً يركن إليه. والذين يشكون في صدق وثبات ما ورد في العهدين القديم والجديد لا بد من أن ينحدروا إلى أبعد من ذلك فيشكون في وجود الله، فحيث قد أفلتت منهم المرساة لا بد أن تتحطم سفينتهم على صخور الإلحاد" روح النبوة، الآباء والأنبياء صفحة ٩٢و ٩٣).




الدرس الثاني عشر


١٠-١٦ كانون الأول (ديسمبر)


فادي (مُخلّص) أيوب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ١٩: ٢٥- ٢٧؛ يوحنا ١: ١- ١٤؛ أيوب ١٠: ٤- ٥؛ لوقا ٢: ١١؛ غلاطية ٤: ١٩؛ لوقا ٩: ٢٢؛ اشعياء ٥٣: ١- ٦.


آية الحفظ: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولا" (اشعياء ٥٣: ٤).


مع الظهور المفاجيء للرب نفسه بدءاً من أصحاح ٣٨، وصل سفر أيوب إلى ذروته حيث أعلن الرب نفسه لأيوب بطريقة قوية وعجائبية. وكانت نتيجة ذلك إعتراف أيوب وتوبته وندمه. بعد ذلك انتهر الرب أصدقاء أيوب الثلاثة لأنهم لم يقولوا الصواب، وصلى أيوب من أجلهم "وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ" (أيوب ٤٢: ١٠) وعاش أيوب بعد ذلك عمراً جديداً.


مع ذلك فهناك ما يثير نوعاً من عدم الرضا وشيئاً من القلق في هذه القصة وعن النهاية التي إنتهت بها. فإنَّ الله والشيطان يتجادلان في السماء وتنتقل المعركة إلى هنا إلي الأرض وتصب في حياة وجسد ذلك المسكين أيوب. لا يبدو هذا عدلاً، لا يبدو صواباً أن يتحمل أيوب وطأة هذا الصراع بين الله والشيطان، بينما يظل الرب هناك في السماء يراقب فقط.


لابد وأن يكون هناك المزيد في هذه القصة. نعم، هناك المزيد. وقد كُشف عنه بعد قرون كثيرة تلت، في موت يسوع المسيح على الصليب. في يسوع وحده نجد الإجابة المذهلة والشافية للأسئلة التي لم يوضحها سفر أيوب بطريقة كاملة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٧كانون الأول (ديسمبر).




وَلِيِّي حَيٌّ


عندما تراءى الرب لأيوب في إصحاح ٣٨ أعلن الرب نفسه لأيوب بوصفه الخالق فهو "مَنْ فَرَّعَ قَنَوَاتٍ لِلْهَطْلِ، وَطَرِيقًا لِلصَّوَاعِقِ، لِيَمْطُرَ عَلَى أَرْضٍ حَيْثُ لاَ إِنْسَانَ، عَلَى قَفْرٍ لاَ أَحَدَ فِيهِ" (أيوب ٣٨: ٢٥، ٢٦). ولكن الله ليس فقط الخالق ولكنه يحمل أيضاً لقباً جوهرياً آخر ودوراً آخر أيضاً.


اقرأ : أيوب ١٩: ٢٥- ٢٧ ماذا تبين لنا هذه الكلمات عن رجاء أيوب للخلاص؟


تبين هذه الآيات المعروفة والشهيرة أنه كان لأيوب بعض المعرفة عن الفادي. وهذه المعرفة أنه ولو أن الإنسان يموت فإن هناك رجاء فيما وراء القبر. وهذا الرجاء وُجد في الفادي. ذلك الفادي الذي كان متوقعاً مجيئه إلى العالم يوماً ما.


كلمات أيوب هذه تشير إلى أهم حق مصيري في الكتاب المقدس: الله فادينا، نعم الله هو خالقنا. ولكن في عالم ساقط، في عالم الأشرار الذين فيه مَقضيٌ عليهم بالموت الأبدي في خطاياهم، نحن بحاجة إلى أكثر من خالق. نحن بحاجة إلى فادي أيضاً. وتحديداً، هذا الفادي هو الله. فهو خالقنا وفادينا أيضاً (إقرأ اشعياء ٤٨: ١٣- ١٧)، كون الله خالقنا وفادينا نحن ننال الرجاء العظيم للحياة الأبدية.


اقرأ يوحنا ١: ١- ١٤، في هذه الفقرة، كيف يربط يوحنا دور يسوع بين خالق وفادي؟


إن التلميح إلى تكوين ١: ١، الله كخالق، يظهر جليا في يوحنا ١: ١. وإن لم يكن ذلك كافياً، فإن هذه الكلمات "كان في العالم وكوَن العالم به...وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين بإسمه" (يوحنا ١: ١٠- ١٢) تجعل الصلة بيسوع كخالق وكفادي حلقة لا تنقطع. وحقيقة الأمر فكون المسيح هو الخالق، فإنه بذلك يمكنه أن يكون فادينا أيضاً.






ابن الإنسان


في الإصحاحات الأولى من سفر أيوب كانت لنا لمحة لحقيقة الصراع العظيم بين المسيح والشيطان. وكما نعلم فإن المعركة بدأت في السماء ولكنها في النهاية نزلت إلى الأرض (أنظر رؤيا ١٢: ٧- ١٢). في سفر أيوب نرى نفس المسار: صراع في السماء يأتي إلى الأرض، ولكن للأسف تركّز هذا الصراع على أيوب.


اقرأ أيوب ١٠: ٤، ٥، ماذا كانت شكوى أيوب؟ ألم يكن له سبب للشكوى؟


كانت شكوى أيوب بسيطة، أنت الله ملك الكون، الخالق. كيف لك أن تعرف كيف يكون حال البشر، والأمور التي يعانون منها؟


كيف تستجيب الآيات التالية لشكوى أيوب؟ لوقا ٢: ١١، يوحنا ١: ١٤، لوقا ١٩: ١٠، متى ٤: ٢، ١تيموثاوس ٢: ٥، عبرانيين ٤: ١٥.


إن شكوى أيوب على أن الله لم يكن بشراً ولهذا لا يمكنه أن يعرف ويلات البشر، لاقت الرد عليها بشكل كامل. فبمجيء المسيح بالصورة البشرية مع عدم التخلي أبداً عن الوهيته، كان المسيح بشراً كاملاً. وبهذه البشرية عرف المسيح معنى المعاناة والصراع، كما عانى أيوب وجميع البشر. وفي الواقع، ففي خلال كل الأناجيل نرى حقيقة بشرية يسوع والمعاناة التي تحملها خلال أخذه بشريتنا. نعم لقد أجاب يسوع على شكوى أيوب.


"لم تكن البشرية التي أخذها يسوع على نفسه إدعاءً أو ايهاماً فقد أخذ الطبيعة البشرية وعاشها. لم يتجسد المسيح فحسب، ولكنه جُعل على شكل جسد الخطية" (روح النبوة، موسوعة الأدفنتست السبتيين لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٥، صفحة ١١٢٤).






موت المسيح


ماذا تخبرنا الآيات التالية عن يسوع وكيف ينبغي أن ننظر إليه؟


١يوحنا ٢: ٦


غلاطية ٤: ١٩


بلا شك، يسوع هو الرجل المثالي. حياته وصفاته هما المثال الذي يجب على كل الذين يتبعونه أن يسعوا بنعمة الله أن يتمثلوا به. المسيح هو المثال الوحيد الكامل من ناحية العيش بالطريقة التي يطلبها الله منا؟


لكن المسيح لم يأتِ إلى الأرض فقط ليعطينا مثالاً. فإن حالنا كخطاة تَطَلَّبَ أكثر من مجرد التنمية الأخلاقية، وكأن إصلاح أخلاقنا وتشكيلنا على صورته هو كل ما يتطلبه عمله كفادي. كَلّا نحن نحتاج إلى أكثر من ذلك. نحن بحاجة إلى بديل، شخص يدفع عنا جزاء خطايانا. لم يأتِ المسيح ليعيش حياة الكمال كمثال لنا فحسب، ولكنه جاء أيضاً ليموت الموت الذي نستحقه نحن حتى تُحسب حياته الكاملة لصالحنا.


ماذا تعلمنا الآيات التالية عن ضرورة موت المسيح لأجلنا؟ مرقس ٨: ٣١؛ لوقا ٩: ٢٢؛ لوقا ٢٤: ٧؛ غلاطية ٢: ٢١.


كان على المسيح أن يموت من أجلنا لأن طاعة الناموس على الرغم من كونها أساسية للحياة المسيحية إلا أنها لا تخلّص الساقطين. "فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ؟ حَاشَا! لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ" (غلاطية ٣: ٢١). لو كان لأي ناموس أن يخلّص الخاطيء فإن ذلك الناموس يكون هو ناموس الله، ولكن حتى ذلك الناموس لا يمكنه أن يخلّصنا. هي فقط الحياة الكاملة لمثالنا الكامل يسوع المسيح الذي يستطيع أن يخلصنا. وهكذا جاء المسيح "وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً... إِلَى الأَبَدِ..." (عبرانيين ١٠: ١٢).






آلام ابن الإنسان


اقرأ اشعياء ٥٣: ١- ٦ ماذا تقول لنا هذه الآيات عن آلام الرب على الصليب؟


تقول الآية في إشعياء ٥٣: ٤ أن يسوع حمل أحزاننا وأوجاعنا. وبالطبع، فإن ذلك يشمل أيضاً أحزان وأوجاع أيوب. وليس فقط أيوب بل أحزان وأوجاع العالم. فانه من أجل خطايا جميع البشر مات المسيح على الصليب.


وهكذا فإنه فقط عند الصليب يمكن لسفر أيوب أن يوضع في سياقه الصحيح. فهنا نجد نفس الإله الذي أعلن ذاته لأيوب. الله الذي يعلّم النسر أن يحلق ويعلّى وكره؛ الله الذي يربط عقد الجسيمات "التي تؤلف نواة الذرة"، يتألم ويقاسي أكثر من أي من البشر، بما في ذلك أيوب على الرغم من كل ما قاساه. فإن الأحزان والأوجاع التي نعلمها شخصياً أو فردياً قد قاساها هو عنا جميعنا. فلا يمكن لأحد إذاً أن يزايد على الله في الألم والأحزان. ففي بشريته تحمل كل الأحزان التي إنتشرت في كل العالم. نحن ندرك فقط أحزاننا وأوجاعنا الشخصية. على الصليب أختبر يسوع كل أحزاننا وأوجاعنا.


إن الله الذي سأل أيوب "هَلْ عَرَفْتَ سُنَنَ السَّمَاوَاتِ، أَوْ جَعَلْتَ تَسَلُّطَهَا عَلَى الأَرْضِ؟" (أيوب ٣٨: ٣٣) يصبح أكثر عجباً عندما ندرك أنه مع كونه هو الذي خلق "سنن السماوات" هو نفسه الذي أخذ على نفسه جسداً أرضياً. وفي هذا الجسد مات لكي "...يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" (عبرانيين ٢: ١٤).


عندما ننظر إلى سفر أيوب من خلال الصليب فإنه يكتسب معنى أكثر من النظر إليه بغير الصليب. لأن الصليب يجيب عن أسئلة كثيرة لا جواب عنها في سفر أيوب. والسؤال الأكبر هو ما مدى عدالة الله أن يبقى هو في السماء بينما يكون أيوب هنا على الأرض يقاسي الآلام التي تحملها؟


كل ذلك ليدحض إتهامات الشيطان. يُظهر الصليب أنه مهما كانت معاناة أيوب أو أي إنسان آخر من هذا العالم، فإن الرب قاسى وتألم طوعياً أكثر مما يمكن لأي منا أن يقاسيه . كل ذلك لكي يعطينا الرجاء والوعد بالخلاص.


رأى أيوبُ الله كخالق. بعد الصليب نراه نحن كخالق وكفادي. أو بشكل خاص، نراه كخالق أصبح فادياً (فيلبي ٢: ٦- ٨). ولإتمام ذلك كان عليه أن يقاسي الآلام بسبب الخطية، بطرق لا يمكن لأي إنسان، وهذا يشمل أيوب أيضاً ،أن يتألم ويقاسي بمثلها. وهكذا ولكن بقدر أكبر، ماذا يمكننا أن نفعل أمام ذلك المشهد سوى أن نصرخ قائلين "لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ" (أيوب ٤٢: ٦).




كشف قناع الشيطان


إقرأ يوحنا ١٢: ٣٠- ٣٢ ماذا يقول المسيح هنا عن الشيطان في سياق أو مضمون الصليب والصراع العظيم؟


بعد الحديث عن موت يسوع المسيح على الصليب، كتبت إلن هوايت عن التأثير القوي في السماء وعلى الكون وهو ينظر موت المسيح على الصليب. "وظهرت اتهامات الشيطان الكاذبة ضد صفات الله وحكمه على حقيقتها. لقد اتهم الله بأنه انما يطلب مجد نفسه فقط حين يطلب من خلائقه أن يقدموا اليه الخضوع والطاعة، كما أعلن أنه في حين فرض الخالق على الجميع أن ينكروا ذواتهم فانه هو نفسه لم يمارس انكار الذات ولم يُقدم أي تضحية. وقد رؤي الآن أنه في سبيل خلاص الجنس الساقط الخاطئ أقدم حاكم الكون على أعظم تضحية يمكن للمحبة أن تقوم بها : ‘لان الله كان في المسيح مصالحا العالم لنفسه’ ( ٢كورنثوس ٥: ١٩ ). كما رؤي أيضا أنه في حين فتح لوسيفر الباب لدخول الخطيئة بتلهفه على الكرامة والسيادة فان المسيح لكي يبيد الخطيئة وضع نفسه وأطاع حتى الموت. " (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٥٤٧).


اقرأ ٢كورنثوس ٥: ١٩. كيف كان موت المسيح مصالحاً العالم الساقط لنفسه؟


سقط العالم في الخطية وفي العصيان، ترك العالم نفسه مفتوحاً أمام مكائد إبليس كما يبدو في سفر أيوب مثلاً. شكّل يسوع رباطاً لا ينفصم بين الأرض والسماء عندما أمسك بالطبيعة البشرية دون أن يتخلى أبداً عن ألوهيته. وبموته ضمن المسيحُ زوال الشيطان والخطية. على الصليب دفع يسوع ثمن العقوبة الشرعية عن الخطية وبهذا صالح العالم الساقط مع الله. مع أننا خطاة محكوم علينا بالموت إلا أننا بالإيمان نستطيع أن ننال الوعد بالحياة الأبدية في المسيح.






لمزيد من الدرس


" ‘اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ. قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ.’ (يوحنا ١٢: ٣١- ٣٣). وكأنما هو يقول هذه هي أزمة العالم فإذا صرت أنا كفارة لأجل خطايا الناس فالعالم سيستنير وستتحطم قبضة الشيطان على نفوس الناس. وصورة الله المشوهة ستعود إلى البشرية كما كانت، وسترث الوطن السماوي أخيراً أسرة من القديسين المؤمنين. هذه هي نتيجة موت المسيح. إن المخلص غارق في التأمل في مشهد النصرة الماثل أمامه. فهو يرى الصليب المشين القاسي بكل ما يصاحبه من أهوال، متوهجاً بالمجد.


"ولكن عمل فداء البشرية ليس هو كل ما تم على الصليب. إن محبة الله تعلن للكون، ورئيس هذا العالم يطرح خارجاً، وكل الإتهامات التي قدمها الشيطان ضد الله قد ضاعت ودُحضت، والعار الذي ألقي به على السماء قد زال أبد الدهر، والملائكة والناس يجتذبون إلى الفادي. فلقد قال ‘وأنا إن إرتفعت عن الأرض أجذب إليَ الجميع.’ " (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٩٢).




الدرس الثالث عشر


١٧-٢٣ كانون الأول (ديسمبر)


شخصية أيوب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: أيوب ١: ١-٨؛ أيوب ٢٩: ٨- ١٧؛ أيوب ٣١: ١-٢٣؛ خروج ٢٠: ١٧ ؛ متى ٧: ٢٢-٢٧؛ متى ٥: ١٦؛ أفسس ٣: ١٠


آية الحفظ: "فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ" (يعقوب ٢: ٢٢).


من بين كل الأمور الأساسية التي تناولها سفر أيوب يجب عدم إغفال موضوع جوهري آخر ألا وهو أيوب نفسه. مَن كان هذا الرجل الذي وضع الله فيه ثقة كبيرة لدرجة تحديه الشيطان في أمانته وتقواه. مَن كان هذا الرجل الذي لم يعرف سبب كل ما كان يحدث له. ولكنه كان يعلم أن ما كان يجابهه ليس من العدل في شئ وقد عبر عن ضيقه وغضبه وامتعاضه عن كل ذلك.


بينما يتناول سفر أيوب في جوهره قصة أيوب بعد أن ضربته الكوارث فإنه يمكننا أن نستخلص بعض المعلومات عن حياة أيوب، وأي نوع مِن الرجال كان هو، ليعطينا فهماً أكبر عن سبب بقاء أيوب أميناً ومخلصاً للرب حتى وسط كل الآلام والمعاناة، وحتى وسط كل ما فعله الشيطان له ليجعله يحيد عن الله.


ما هي صفات أيوب وماذا يمكننا أن نتعلم كيف عاش، وكيف يساعدنا ذلك لأن نكون أتباعاَ مخلِصين للرب في حياتنا الخاصة؟


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٤كانون الأول (ديسمبر).




رجل من أرض عوص


اقرأ : أيوب ١:١ و أيوب ١: ٨. ماذا تخبرنا هاتان الآيتان عن أخلاق أيوب؟


على الرغم من أن كل الحوارات التي دارت مع أيوب كانت توحي له بأنه بالتأكيد أخطأ في شئ ما تسبب في كل هذا الشر الذي المَ به، يبدو أن العكس هو الصحيح. فإن تقواه وأمانته هما ما جعلتا منه الهدف الخاص للشيطان.


ما مدى أمانته وتقواه؟ أولا تخبرنا هاتان الآيتان أنه كان كاملاً. كلمة "كامل" لا تعني بالضرورة أنه بلا خطية، كما كان يسوع. ولكنها مرادفة لكلمات مثل "التمام"، "النزاهة" أو "الإخلاص". الانسان الكامل في نظر الله هو الشخص الذي وصل إلى درجة من النمو التي يطلبها الله منه في أي وقت. الكلمة العبرية لكلمة "كامل" هي (تام)، وهي تُعطي نفس المعنى باللغة العربية. وهي معادلة للكلمة اليونانية والتي تترجم كامل (في العهد الجديد) والتي يُفضل ترجمتها "ناضج" أو "راشد". (موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٣، صفحة ٤٩٩). اختبارات أيوب في مراحلها الأخيرة أظهرت أنه لم يبلغ بعد غاية الكمال في صفاته. فبرغم من أمانته واستقامته كان ما يزال في طريق النمو.


ثانياً: تقول الآية أنه كان "مُسْتَقِيمًا". وهذه الكلمة تعني أنه كان رجلاً قويماً وعادلاً وحقانياً ومنصفاً. نستطيع الحكم على أيوب أنه عاش حياة المواطن الصالح.


ثالثاً: تقول الآية أنه "يَتَّقِي اللهَ". يصور العهد القديم فكرة مخافة الله كجزء من كون الشخص أميناً لله. كما تستخدم هذه العبارة في العهد الجديد للإشارة إلى المؤمنين من الأمم الذي يعبدون الله بأمانة وإخلاص (أعمال ١٠، ٢- ٢٢).


أخيراً: كان أيوب "يَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". هذا الوصف لشخصية أيوب قد تم التأكيد عليه من قِبل الرب نفسه عندما قال للشيطان "هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأن ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر" (أيوب ١: ٨).


وفي النهاية، كان أيوب رجل الله. ظهر إيمانه في الطريقة التي عاش بها. وهكذا حمل شهادة للملائكة والناس على ما يمكن أن يكون عليه الشخص في المسيح.






إِذْ غَسَلْتُ خَطَوَاتِي بِاللَّبَنِ


بينما حاول أيوب فهم سبب الفواجع التي المت به فإنه تفكر في ماضي حياته، وفي كيف كانت حياة طيبة وكيف عاشها. قال أيوب واصفاً بدايات حياته "إِذْ غَسَلْتُ خَطَوَاتِي بِٱللَّبَنِ، وَٱلصَّخْرُ سَكَبَ لِي جَدَاوِلَ زَيْتٍ" (أيوب ٢٩: ٦).


في أيوب ٢٩: ٢ مثلا، تكلم أيوب عن "الأَيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا". وكلمة "حفظ" باللغة العبرية تأتي من كلمة مشاع استعمالها. فقد استعملت عبر كل أسفار العهد القديم وهي تصف عناية الله لشعبه. (انظر مزمور ٩١: ١١؛ سفر العدد ٦: ٢٤). بدون شك كانت حياة أيوب حياة هانئة. والشئ المهم أن أيوب نفسه كان يدرك أنه يتمتع بحياة هانئة.


اقرأ أيوب ٢٩: ٨-١٧. ماذا تقول لنا هذه الآيات عن نظرة الآخرين لأيوب وكيف كان يعامل أولئك الذين كانوا يقاسون ويتألمون؟


نستطيع أن نرى هنا كم كان أيوب يحظى بالاحترام والتوقير. إن عبارة "أُهَيِّئُ فِي السَّاحَةِ مَجْلِسِي" (أيوب ٢٩: ٧) تحمل فكرة الحكم الذاتي أو الداخلي والتي كان أيوب بلا شك جزءاً منها. هذا المجلس كان يُمنح عادة لكبار القوم وأعضاء المجتمع الموقرين. ومن بين هؤلاء كان أيوب على قدر كبير من الاحترام والتبجيل.


لكننا نرى أيضاً أنه حتى أكثر أبناء المجتمع تواضعاً أحبوه. المسكين والهالك والأعمى والأرملة واليتيم والأعرج. أولئك الذين لم يحظوا بالبركات التي كانت لأيوب، هم بالذات الذين نالوا منه العون والعزاء.


"إن الله قد أورد في كلمته صورة أو وصفاً للرجل الناجح- الرجل الذي كانت حياته نجاحاً بأصدق معنى، الرجل الذي تسر السماء والأرض كلتاهما بأن تكرماه"(روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ١٦٥)."


آيات مثل هذه وآيات أخرى سوف نراها لاحقاً تظهر لنا كيف كان أيوب شخصاً ناجحاً في جميع النواحي، إن كان في نظر الناس أو في نظر الله.






القلب والعيون


من النظرة الأولى إلى الآيات التالية، يبدو وكأن أيوب يتباهى. يبدو وكأن أيوب يستعرض قدسيته وتقواه وأخلاقه الكريمة أمام الآخرين. هذا الموقف بالتحديد يدينه الكتاب المقدس (انظر متى ٢٣). ولكن أليس هذا هو ما يحدث هنا مع أيوب. مرة أخرى، من المهم جداً أن نتذكر السياق العام: فقد قيل له أن حياته الماضية كانت حياة شريرة وهي سبب ما يقاسيه. هذا في حين كان أيوب يدرك أن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً. فإنه لم يقترف أي شئ يجعله يستحق كل ما أتى عليه. ولذلك فهو يقضي الوقت في تذكر نوع الحياة التي عاشها وأي نوع من الناس كان هو.


اقرأ : أيوب ٣١: ١-٢٣. ماذا يضيف أيوب عن طريقة عيشه قبل المصائب التي أتت عليه؟


لاحظ أيضاُ أن أيوب لم يتحدث فقط عن أفعاله الظاهرية. تقول الآية " ‘ذهب قلبي وراء عيني’ " (أيوب ٣١: ٧). تُظهر هذه الآية أن أيوب عرف المعنى العميق للقداسة، المعنى العميق للصواب والخطأ ولناموس الله. علِم أيوب أن الله يهتم، بالقلب ويهتم بأفكارنا كما يهتم أيضاً بأفعالنا. (انظر صموئيل الأولى ١٦: ٧، خروج ٢٠: ١٧، متى ٥: ٢٨). علِم أيوب أنه من الخطأ أن يشتهي الرجل المرأة وليس فقط اقتراف الزنا معها. (هذا دليل قوي على أن معرفة الله الحقيقي كانت موجودة حتى قبل أن يدعو الله بني اسرائيل لأن يكونوا شعب العهد وشهوداً له).


اقرأ ما قاله أيوب في أيوب ٣١: ١٣- ١٥، لماذا تكتسب هذه الرسالة أهمية جوهرية بهذا الشكل؟


يبدي أيوب هنا تفهماً مذهلاً لحقيقة المساواة الأساسية لجميع البشر. لم يكن العالم القديم مكاناً معروف فيه مفهوم المساواة وتطبيقها. مجموعات بشرية كانت تشعر أنها أعظم وأنبل من غيرها ولم يأبهوا بحرمان غيرهم من حقوقهم وكرامتهم. ولكننا هنا نرى كم كان أيوب مدركاً لحقوق الناس، وأن هذه الحقوق مصدرها الله الذي خلقنا. لم يكن أيوب سابقاً لمَن عاصروه فقط ولكن لعصرنا نحن أيضاً.




بيت على الصخر


اقرأ أيوب ٣١: ٢٤-٣٤. ماذا يمكن أن نتعلمه أيضاُ عن أيوب؟


لا غرابة أن يقول الله ما قاله عن حياة أيوب وصفاته. كان أيوب رجلاً عاش إيمانه بشكل واضح. رجل كانت أعماله تكشف علاقته بالله. ولهذا كانت شكواه بالطبع أكثر مرارة. لماذا يحدث كل هذا؟ وبالطبع أيضاً أظهرت أمانة أيوب أن محاولات اصدقائه تافهة وجوفاء.


ولكن هناك رسالة أكثر عمقاً وأكثر أهمية يمكن أن نأخذها من أمانة أيوب وطاعته. لاحظ الارتباط الوثيق بين حياته التي عاشها في الماضي وبين استجابته للكوارث التي لحقت به فيما بعد. لم تكن مصادفة أو مجرد قوة إرادة أن يرفض أيوب أن يلعن الله ويموت (أيوب ٢: ٩). لا، إن كل هذه السنين التي عاشها أميناً ومطيعاً لله هي التي أعطته الإيمان والصفات التي مكنته من أن يثق في الله برغم من كل ما حدث له.


اقرأ متى ٧: ٢٢-٢٧. ما الذي تكشف عنه هذه الآيات حول سبب بقاء أيوب على أمانته؟


إن سر انتصار أيوب الأكبر كان موجوداً في انتصاراته "الأصغر" السابقة (أنظر لوقا ١٦: ١٠). كان التزامه الأمين لما هو صواب وعدم استعداده للمساومة هما ما جعلا من أيوب الشخص الذي كان عليه. ما نراه في أيوب هو مثال لما ورد في سفر يعقوب عن دور الأعمال في حياة الإيمان. "فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ" (يعقوب ٢: ٢٢). كم هو أساسي هذا المبدأ في الحياة المسيحية الذي تكشفه هذه الأية. في قصة أيوب نرى هذا المبدأ يطبق بشكل قوي. لقد خلق أيوب من نفس اللحم والعظم مثلنا جميعاً. مع ذلك فإنه بنعمة الله وجهد أيوب الدؤوب عاش حياة الإيمان والطاعة لله.






بركات الله المضاعفة


في بدايات سفر أيوب، في وسط الأخذ والرد بين اصدقاء أيوب، قال أليفاز التيماني لأيوب " ‘هل من مسرة للقدير إذا تبررت، أو من فائدة إذا قومت طرقك؟’ " (أيوب ٢٢:٣). إنه سؤال تهكمي للغاية، علماً بمعرفتنا بما كان يحدث وراء الستار في السماء. نعم إنه من دواعي سرور الله أن يكون أيوب باراً، ويسر أيضاً أن يكون أيوب مستقيماً. وهذا ليس فقط بالنسبة لأيوب ولكنه ينطبق على كل الذين يدعون بأنهم اتباع الله.


اقرأ متى ٥: ١٦. كيف تساعد هذه الكلمات في الرد على السؤال الذي طرحه أليفاز على أيوب؟


إن الأمر الاساسي في سفر أيوب هو: هل يثبت أيوب في إيمانه؟ قال الشيطان أنه لن يثبت. قال الله إنه سوف يثبت. إن أمانة أيوب إذاً كانت قطعاً في صالح الله، على الأقل في هذه المعركة بالذات مع الشيطان.


بالرغم من ذلك فإن هذه القصة هي نموذج مصغر لأمور أكبر. رسالة الملاك الأولى تقول لنا في جزء منها "اعطوه مجداً" (رؤيا ١٤: ٧). وأوضح يسوع في متى ٥: ١٦ أنه بأعمالنا الصالحة يمكننا أن نمجد الله. هذا ما فعله أيوب. وهذا ما نستطيع أن نفعله نحن أيضاً.


اقرأ أفسس ٣: ١٠. كيف أظهر سفر أيوب هذا المبدأ الوارد في هذه الآية ولكن على مستوى أقل؟


إنّ ما نراه في هذه الآية، وفي سفر أيوب، هو تعبير عن حقيقة أن الله يعمل في حياة أتباعه ليغير حياتهم لمجده وإلى صورته. "فنفس صورة الله ستخلق من جديد في قلوب بني الإنسان. إن مجد الله ومجد المسيح متضمنان في اكتمال خلق شعبه" (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٣٨). كانت حياة أيوب مثالاً للطريقة التي بها يمكن للإنسان أن يُظهر هذا المبدأ، ولو أن أيوب عاش منذ آلاف السنين. إن شعب الله في كل عهد لديهم الفرصة لأن يعيشوا الحياة التي عاشها أيوب بنفس الإسلوب.






لمزيد من الدرس


استرد الاصلاح البروتستانتي الحق القائل بأن الخلاص هو بالإيمان وحده. هذا الحق أوعز به أولاً في جنة عدن (أنظر تكوين ٣: ١٥). بعد ذلك ظهر بوضوح أكثر في حياة إبراهيم (أنظر تكوين ١٥: ٦ و رومية ٤: ٣). قبل أن يظهر تباعاً إلى وقت بولس. ومع ذلك فإن حق الخلاص بالإيمان وحده كان دائماً ضمن عمل الروح القدس في حياة المؤمنين ليس كوسيلة للخلاص ولكنه تعبير عنه. نجد في حياة أيوب مثالاً عظيماً لما يمثله هذا العمل. اللاهوتيون يطلقون عليه احياناً التقديس ومعناه أساساً القداسة. إنه من المهم مراعاة أن الكتاب المقدس يأمرنا بأن نجاهد للقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب (عبرانيين ١٢: ١٤). المعنى الأساسي للتقديس هو أن "يُفرز المرء لعمل مقدَّس". إنها فكرة رأيناها مثلاً عندما قال الرب لشعبه " ‘تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ’ " (لاويين ١٩: ٢). مع أن الكلمة والمفهوم يظهران بأشكال مختلفة في كل من العهد القديم والعهد الجديد فإنهما يتعلقان بما يفعله الله فينا. يمكن رؤيته كنمو في الصلاح وباتجاه الصلاح. إنه "عمل تدريجي تصاعدي لتغيير روحي بواسطة الروح القدس بالتعاون مع الإرادة البشرية" (دليل اللاهوت الأدفنتستي، صفحة ٢٩٦). مع أن هذا العمل هو شئ يستطيع الله وحده أن يكمله فينا إلا أننا غير مجبرين لأن ندخل إلى القداسة. كما أننا غير مجبرين لندخل في عملية التبرير. نحن نهب أنفسنا للرب. والرب نفسه الذي يبررنا بالايمان سوف يقدسنا أيضاً، مشكّلاً إيانا كما فعل مع أيوب، لنصير في صورة الله، على الأقل إلى أي درجة مستطاعة في هذا الجانب من الأبدية. وهكذا كتب بولس يقول "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ." (غلاطية ٤: ١٩). "المسيح مثالنا، المثال الكامل والمقدس والذي أُعطي لنا لنتبعه. لا يمكننا أبداً أن نتساوى مع مثاله، ولكننا نستطيع أن نقتدي ونتشبه به على قدر استطاعتنا" (روح النبوة، كي ما أعرفه، صفحة ٢٦٥).




الدرس الرابع عشر


٢٤-٣٠ كانون أول (ديسمبر)


بعض الدروس من سِفْر أيوب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: ٢كورنثوس ٥: ٧؛ أيوب ١إلى أيوب ٢: ٨؛ متى ٤: ١٠؛ متى ١٣: ٣٩؛ يوحنا ٨: ١-١١؛ عبرانيين ١١: ١٠؛ عبرانيين ٤: ١٥.


آية الحفظ: "هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ" (يعقوب ٥: ١١).


لقد وصلنا إلى نهاية دروس هذا الربع عن أيوب، ومع أننا قد نكون غطينا الكثير من هذا السفر لكن علينا أن نُقر أنه ما زال هناك الكثير جدا لتغطيته كاملاً، والكثير جدا لنتعلمه. فإنه حتى في العالم العلماني كل شيء نتعلمه ونكتشفه يقودنا إلى المزيد مما يجب أن نتعلمه ونكتشفه. فإذا كان الأمر كذلك فى مجال الذرة والنجوم والأسماك والمعادلات الحسابية، فكم بالحري يكون ذلك صحيحاً بالنسبة لكلمة الله؟


"لا يوجد سبب يدعونا للشك فى كلمة الله لكوننا لا ندرك أسرار عنايته: اننا فى العالم الطبيعي محاطون على الدوام بعجائب دون إدراكنا. اذاً فهل نندهش عندما نجد فى العالم الروحي أيضا أسرارا لا نستطيع أن نسبر غورها؟ إن الصعوبة كلها تكمن في عقل الانسان وضيقه" (روح النبوة، التربية الحقيقية، صفحة ٢٠٠).


نعم تبقى هناك أسرار، خاصة في سفر مثل سفر أيوب، حيث تُثار أصعب أسئلة في الحياة، ومع ذلك فسوف نبحث عن بعض الدروس التي يمكننا أن نأخذها من هذه القصة ويمكنها أن تساعدنا، كما ساعدت أيوب، لنظل أمناء للرب فى وسط عالم مليء بالاضطرابات.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٣١كانون الأول (ديسمبر).




بالإيمان لا بالعيان


اقرأ ٢كورنثوس ٥: ٧؛ ٢كورنثوس ٤: .١٨ ما هي الحقائق الجوهرية التي تظهر فى هذه الآيات؟ وكيف يمكن لهذه الحقائق أن تساعدنا في سعينا لأن نكون أتباع أمناء للرب؟


السياق المباشر للآية التي في ٢كورنثوس ٤: ١٨ يتحدث عن آخر الأيام عندما نلبس عدم فساد، وهو وعد عظيم لم يُتمم بعد. هذا وعد علينا أن نقبله بالإيمان وليس بالعيان، لأنه لم يتحقق بعد.


يظهر لنا سفر أيوب أيضاً أن هناك الكثير جداً لحقيقة مما نراه الآن. مع ذلك لا يجب أن يصعب علينا قبول مثل هذا المفهوم نحن اللذين نعيش في هذا العصر: خاصة وأن العِلم قد كشف لنا عن وجود قوى غير مرئية تحيط بنا.


وقف أحد الكارزين أمام كنيسة في مدينة كبيرة وطلب من الأعضاء التزام الصمت. ساد الصمت لبضع لحظات. بعدها جاء القس بمذياع (راديو) وأداره ثم أدار المؤشر على قنوات الإرسال فخرجت من المذياع كل أنواع الأصوات.


قال الواعظ، "دعوني اسألكم، من أين أتت هذه الأصوات؟ هل نشأت من الراديو ذاته؟ كلا، هذه الاصوات كانت منتشرة فى الهواء من حولنا كموجات هوائية. أمواج حقيقية كحقيقة صوتي وأنا أتحدث إليكم الآن. ولكن حقيقة أننا لا نستطيع رؤية هذه الموجات أو الشعور بها لا تعنى أنها غير موجودة، أليس كذلك؟"


ما هي الاشياء الأخرى التي لا نستطيع رؤيتها (مثل الاشعة والجاذبية) ولكنها موجودة من حولنا؟ أية دروس روحية نستطع أن نستخلصها من حقيقة أن هذه القوى غير المرئية ليست فقط موجودة ولكنها أيضاً لها تأثير على حياتنا؟


اظهر سفر أيوب أن جميع الأشخاص المعنيين لم يستوعبوا حقيقة ما كان يجرى. لقد آمنوا بالله وكان لهم بعض الفهم عن الله وصفاته وقدرته على الخلق، ولكن لم يكن لديهم أي دراية بما كان يحدث وراء الستار خارج الحقائق المجردة التي كانوا يرونها بأعينهم، وهى مصائب أيوب ومعاناته. وبذات الطريقة، أليس من الجائز أن نكون نحن في عدم إدراك كامل للواقع غير المرئي حولنا؟ فسفر أيوب يعلمنا أننا بحاجة إلى أن نتعلم أن نحيا بالإيمان مدركين ضعفنا وقلة ما نراه من الحقيقة الآن؟




الكائن الشرير


أحد أهم وأكثر الأسئلة التى تواجه وتتحدى العقل البشري تتعلق بالشر. ومع أن بعض الفلاسفة وحتى علماء الدّين ينكرون وجود الشر أو يعتقدون أنه يجب علينا أن نتخلى، على الأقل، عن ذكر ذلك المصطلح، فإن أغلبية الناس لا يوافقون على ذلك. الشر حقيقة وهو جزء من هذا العالم. يمكننا أن نتناقش ونجادل فى ما هو شرٌ وما هو ليس شراً. ولكن معظم الناس يعرفون الشر عندما يواجهونه.


يصنف الشر أحيانا الى نوعين عامين: الشر الطبيعي والشر الأخلاقي. الشر الطبيعي هو نتيجة الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات والأوبئة التي تسبب المآسي والآلام، أما الشر الأخلاقي فهو الذي يحدث نتيجة الأفعال المتعمدة التى يقترفها الآخرون مثل القتل والسرقة.


كل النظريات قديماً وحديثاً حاولت أن تجد تفسيراً لوجود الشر. نحن كأدفنتست سبتين نعتقد أن الكتاب المقدس يعلّمنا أن الشر نشأ مع سقوط كائن مِن خليقة الله هو الشيطان. ولقد تضافرت جهود الثقافات والسير الشعبية مع التكهنات الفلسفية لإنكار فكرة وجود الشيطان. ولكن مَن يفعل ذلك هو الذي يرفض شهادة الكتاب المقدس الواضحة التي تصور الشيطان على أنه كائن حقيقي يجول ليوقع الضرر بالإنسان، على قدر ما أمكنه.


وهذه هي الحقيقة المعلنة بشكل خاص في سفر أيوب.


اقرأ أيوب ١:١ الى أيوب ٨:٢ كيف يساعد هذان الاصحاحان في فهم الدور الذي يقوم به الشيطان في الشر المنتشر في العالم؟


في حالة أيوب كان الشيطان مسؤولاً مسؤلية مباشرة، سواءً في الناحيتين المادية أو الأخلاقية، بما حل بهذا الرجل، ولكن ما نراه فى سفر أيوب لا يعني بالضرورة أن كل أسباب المعاناة أو الشر يكون مصدرها شيطانياً. ولكن الحقيقة هى أننا لا ندرى سبب كل الأحداث المأساوية التى تحدث، وكذلك كان الحال مع أصدقاء أيوب. والحقيقة أن اسم الشيطان لم يرد فى الحوارات التى دارت حول معاناة أيوب. فالمتحدثون أدانوا الله وأدانوا أيوب ولم يدينوا الشيطان نفسه أبداً. مع ذلك فإن سفر أيوب يجب أن يظهر لنا مَن هو المسؤول عن الشر الموجود فى العالم.






في ظل أصدقاء مثل هؤلاء...


خلال كل سفر أيوب، كان الرجال الثلاثة (بعد ذلك صاروا أربعة) الذين أتوا ليخاطبوا أيوب فعلوا ذلك بدوافع حسنة. لقد سمعوا عن الويلات التي حدثت له "جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ .... وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ" (أيوب ٢ :١١). ومع ذلك فما إن بدأ أيوب يتكلم وينوح على المآسي التي ألمت به، حتى شعروا أنه من الأهم بالنسبة لهم أن يعيدوه إلى رشده وأن يقوّموا مفاهيمه الروحية بشكل صحيح، قبل أن يشجعوا ويرفعوا روح صديقهم المعذَّب.


مرة تلو الأخرى، كانت مفاهيمهم خاطئة. ولكن ماذا لو كانت مفاهيمهم صائبة؟ ماذا لو كانت كل هذه المصائب أتت على أيوب لأنه كان يستحقها؟ فقد يكونوا لاهوتيا على صواب. ولكن ماذا فى ذلك؟ هل كان أيوب فى حاجة إلى تعاليم لاهوتية صحيحة؟ أَم أنه كان بحاجة إلى شيء آخر تماماً؟


اقرأ : يوحنا ٨: ١-١١. ما الذي كشف يسوع عنه هنا وكان أولئك الرجال يفتقرون إليه بشكل كبير؟


في هذه القصة، هناك فارق كبير بين المرأه التى أُمسكت فى زنا والمشتكون عليها من ناحية، وبين أيوب ومَنْ اتهموه مِنْ ناحية أخرى. المرأة كانت مذنبة مع أنها ربما كانت أقل ذنباً من المشتكين عليها. لم يكن هناك أدنى شك في أن المرأة كانت مخطئة أياً كانت الظروف التي دفعتها إلى ذلك. بالمقارنة، لم يكن أيوب مذبنا، على الأقل من حيث نوع الخطأ الذى كان يتهمه به أولئك الأشخاص. ولكن لو أنه كان مذنباً مثل هذه المرأة، فإن ما كان أيوب بحاجة إليه من هؤلاء الرجال هو ما كانت تحتاج اليه تلك المرأة. وهو ما يحتاج إليه كل شخص متألم: النعمة والغفران.


"إن يسوع إذ غفر لهذه المرأة وشجعها على أن تحيا حياة أفضل ظهرت صفاته تتألق في جمال بره الكامل . ففي حين أنه لا يلتمس عذرا للخطية ولا يقلل من الشعور بالذنب فإنه لا يقصد أن يدين بل أن يخلص . كان العالم يضمر لهذه المرأة المخطئة الاحتقار والازدراء أما يسوع فيكلمها بكلام العزاء والرجاء" (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٣٧).


الشيء الذى لا بد لسفر أيوب أن يعلمنا إياه هو أننا نحتاج لأن نعطي الآخرين ما نحبه لأنفسنا لو أننا وقفنا في موقفهم. هناك وقت ومكان للتوبيخ، وللمواجهة، هذا أكيد. ولكن قبل أن نتبنى هذا الدور، علينا أن نتذكر باتضاع أننا نحن أنفسنا خطاة.






أصعب من الشوك والحسك


جميعنا يعلم، وبعضنا يعلم أكثر من غيره، أن الحياة شاقة وقاسية. بدءاً من جنة عدن، بعد السقوط، أعطانا الله بعض التلميحات عن مدى مشقة الحياة، عندما أخبر الله أبوينا الأولين عن بعض نتائج تعديهما (تكوين ٣: ١٦-٢٤). كانت تلك مجرد تلميحات فلو كانت التحديات التى تواجهها تتوقف عند "الشوك والحسك" لكانت حياة الانسان مختلفة اختلافاً جذرياً عما هي عليه الآن.


نتلفت حولنا فماذا نرى سوى المعاناة والأمراض والفقر والحروب والجريمة والإحباط والتلوث والظلم. كتب هيرودوت، مؤرخ العصور القديمة، عن ثقافة فيها يبكى الناس عندما يولد طفل، لأنهم يعلمون عن القادم من الأحزان والآلام التى لا مفر منها التي سيواجها ذلك الطفل لو قُدر له أن يبلغ سن الرشد. يبدو هذا أمراً مرعباً ولكن مَن يستطيع أن يتحدى هذا المنطق؟


مع ذلك فهناك رسالة لنا بخصوص حالة الإنسان. كما رأينا، يمكن أن يكون أيوب رمزاً لكل البشرية لأننا جميعاً نقاسي ونتألم، وغالباً لا تبدو أن المعاناة من العدل في شئ، ولا تبدو متلائمة مع أى نوع من الخطايا التي قد نكون اقترفناها حتماً. لم يكن إنصافاً لأيوب ولا هو انصاف لنا. مع ذلك، فما يمكن أن يقوله سفر أيوب لنا هو أن الله موجود، الله يعلَم، والله يَعِد بأنه لا يجب أن يكون كل ذلك بدون فائدة.


الكُتّاب الزمنيون والكتّاب الملحدون يجاهدون لفهم اللامعنى الذي للحياة التي تنتهي بالموت الأبدي. يجاهدون ويجاهدون للوصول إلى إجابات ليصلوا هذا الفهم، ومع ذلك هم لا يتوصلون إلى شيء لأن هذه الحياة منها وفيها لا تقدم شيئاً.


توجد فلسفة إلحادية تدعى "العدمية" وأصلها يوناني "NIHIL" بمعنى (اِنْعِدَام الشَّيْء) أو "اللا شيئية" أو "NIHILISM"، وهي تقول أن عالمنا وحياتنا في العالم لا معنى لهما.


ولكن سفر أيوب يشير إلى حقيقة سامية فيما وراء العدمية التي تهدد حياتنا. توجهنا هذه الحقيقة إلى الله إلى عالم الوجود والبقاء الذي نستمد منه الرجاء. تخبرنا أن كل ما يحدث لنا لا يحدث فى فراغ ولكن هناك إله يعلّم بكل ما يحدث. إله يَعِد بأن كل شئ سيكون على ما يرام في يوم ما. أياً كانت الأسئلة الكبرى التى لا يجيب عنها سفر أيوب، فهو لا يتركنا وأيدينا فارغة سوى من رماد حياتنا (أنظر تكوين ٣: ١٩؛ أيوب ٢: ٨). وبدلاً من ذلك، يترك سفر أيوب معنا رجاء كل رجاء. إنه الرجاء في شيء يفوق ما يمكن لحواسنا الحالية إدراكه.






المسيح وأيوب


على مر العصور، سعى دارسو الكتاب المقدس لإيجاد توازيات بين قصة المسيح وقصته أيوب. ومع أن أيوب ليس رمزاً ليسوع (كما كانت الحيوانات فى نظام التقدمات قديماً فى العهد القديم)، فإنه يوجد بالفعل بعض التوازيات. في هذه التوازيات يمكننا أن نستخلص درساً آخر من سفر أيوب. ذلك الدرس هو كم كانت تكلفة خلاصنا على الرب يسوع؟


قارن أيوب ١:١ مع يوحنا ٢: ١؛ يعقوب ٥: ٦ مع أعمال ٣: ١٤. ما هى التوازيات الموجودة فى هذه الآيات؟


اقرأ متى ٤: ١-١١. ما هى التوازيات الموجودة بين يسوع وأيوب؟


اقرأ : متى ٢٦: ٦١؛ لوقا ١١: ١٥و١٦؛ يوحنا ١٨: ٣٠. كيف توازي هذه الآيات اختبار أيوب؟


قارن أيوب ١: ٢٢ مع عبرانيين ٤: ١٥ ما هى المقارنة الموجودة هنا؟


تكشف هذه الآيات عن توازيات موجودة فعلاً بين اختبار كل من أيوب والمسيح. بالطبع لم يكن أيوب بلا خطية كما كان المسيح بلا خطية. مع ذلك فقد كان أميناً وتقياً وكانت حياته تمجّد الله. فقد قام الشيطان بامتحان أيوب بقسوة كما امتحن المسيح، اُتهم أيوب باطلا في كل سفر أيوب، كما اُتهم أيضا يسوع باطلا.


أخيراً، ولعله أكثر أهمية، بالرغم من كل ما حدث، ظل أيوب أمينا للرب وهكذا ظل يسوع أميناً من أجلنا وبدلاً عنا. وبالرغم من كل ما حدث له عاش المسيح بلا خطية، عاش حياة جسّدت صفات الله كاملا. كان يسوع "رَسْمُ جَوْهَرِهِ [أي رسم جوهر الله]" (عبرانيين ١: ٣). وكان لديه هو وحده البرّ المطلوب لخلاصنا. "بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ" ( روميه ٣: ٢٣)


وعلى قدر هول ما اختبره أيوب: عذابه ومعاناته وأمانته وسط الآلام، كان كل ذلك إنما انعكاس خافت إلى ما سوف كان سيواجهه مخلّص أيوب من أجله ومن أجلنا عندما يأتي، إنه مَن قال عنه أيوب "الآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ" (أيوب ١٩: ٢٥).




لمزيد من الدرس


على مر العصور، عمل سفر أيوب على افتتان واستنارة وتحدي القراء في اليهودية والمسيحية بل وحتى في الإسلام (الذي لديه سرده الخاص لقصة أيوب الواردة في الكتاب المقدس). ونقول تحدياً لأنه وكما رأينا فإن السفر ذاته وما فيه يترك أسئلة بلا جواب. ولا عجب في ذلك. فعلى أية حال، هل هناك سفر من أسفار الكتاب المقدس، بدءاً من سفر التكوين وحتى سفر الرؤيا، لا يوجد فيه أسئلة غير مجاب عنها؟ بل إن الكتاب المقدس في مجمله لا يجيب على كل مسألة يثيرها. فإذا كانت الموضوعات التي يغطيها الكتاب المقدس، سقوط البشرية وخطة الخلاص، هي الموضوعات التي سوف ندرسها على مدى الأبدية (انظر كتاب الصراع العظيم صفحة ٧٣١و ٧٣٢) فكيف يمكن لكتاب واحد محدود، حتى وإن كان موحى به من الله (٢تيموثاوس ٣: ١٦) أن يجيب لنا عن كل شئ الآن؟


مع ذلك، فسفر أيوب لا يقف منفرداً، إنما هو جزء من صورة أعظم بكثير مُعلنة في كلمه الله. وهى جزء من عمل روحي ولاهوتي متداخل ببعضه البعض يُقدم لنا رسالة قوية، عالمية النطاق، على الأقل بالنسبة لكل أتباع الله. وهذه الرسالة هي: الأمانة وسط الشدائد. كان أيوب مثالأ حياً لكلمات يسوع نفسه: "الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (متى ٢٤: ١٣). أي مؤمن بالمسيح، فى سعيه لأن يعمل الصلاح، لم يجابه ضرراً لا يمكن تعليله؟ أى مؤمن بيسوع يسعى إلى العزاء والراحة ولم يواجه باتهامات باطلة. ومع ذلك فإن سفر أيوب يقدم لنا مثالآ لشخص واجه كل ذلك وأكثر وحافظ على إيمانه واستقامته. وكما أنه بالإيمان وبالنعمة نحن نثق فى ذلك الذي مات على الصليب من أجل أيوب ولأجلنا جميعاً، فإن الرسالة لنا هي: "اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا" (لوقا ١٠: ٣٧)




دليل دراسة الكتاب المقدس للربع الأول ٢٠١٧


الروح القدس ذو أهمية بالغة بالنسبة لاختبارنا المسيحي. فالروح القدس، الذي هو بمثابة الله ذاته، يكشف أعماق الله أكثر من أي شخص آخر، وبذلك يستطيع أن يعلن اللهَ لنا بطريقة واثقة يمكن الاعتماد عليها. فإنّ الروح القدس بادئ ذي بدءٍ ألهم كتبة الأسفار المقدسة وهو اليوم يقودنا في دراسة ما قد أوحى به إلى أولئك الكتبة ليوصّلوه بدورهم إلينا.


والروح القدس يعطينا تأكيد الخلاص عن طريق يسوع المسيح (رومية ٨: ١٦). وهو يشهد لعمل الله فينا (١يوحنا ٣: ٢٤). وأيضاً الروح القدس يطهرنا من الخطية ويقدسنا. "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا" (١كورنثوس ٦: ١١). يغرس الروح القدس فينا على مدى الحياة نموّاً في القداسة نتاجه ثمر الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلاطية ٥: ٢٢و ٢٣).


لضرورة دوره الريادي الهام في حياة المؤمنين، فلسوف تساعدنا دروس هذا الربع على استيعاب أفضل لهبة الروح القدس العظمى.


الروح القدس والروحانية


المحتويات


١. الروح والكلمة


٢. الرُّوح القُدُس: يعمل من خلف الستار


٣. ألوهية الرُّوح القُدُس


٤. أقنوم (شخصية) الرُّوح القُدُس


٥. معمودية وامتلاء الرُّوح القُدُس


٦. الرُّوح القُدُس والحياة المقدسة


٧. الرُّوح القُدُس وثمر الروح


٨. الرُّوح القُدُس ومواهب الروح


٩. الرُّوح القُدُس والكنيسة


١٠. الرُّوح القُدُس والكلمة، والصلاة


١١. إحزان ومقاومة الرُّوح القُدُس


١٢. عمل الرُّوح القُدُس



سعر هذا الكتاب ٥٠ سِنْتَاً أمريكياً أو ما يُعادل هذا المبلغ بالعُملة المحلّية.


لمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني التالي: www.menapa.com


كما يمكنكم مراسلتنا على البريد الإلكتروني التالي: info@menapa.com