رَدُّ المسيح


كان هذا هو الجو الذي خدم المسيح فيه، حيث كانت هناك فروضٌ صارمة متطلبةً لحفظ السبت وهو ما أفسد القصد الأساسي من السبت. فكان ينبغي أن يكون يوماً للراحة من عملنا؛ يوماً نتبعد فيه لله ونستمتع بالشركة مع إخوتنا وأخواتنا من المؤمنين والمؤمنات بطرق لا يمكننا عملها خلال الأسبوع؛ يوماً يَعرف فيه الأطفال أن والديهم سيكونون متاحين للتواصل معهم أكثر من أي يوم آخر؛ يوماً فيه نفرح بشكل خاص من أجل ما قام به الله، خالقنا وفادينا، من أجلنا.


اقرأ متى ١٢ : ٣-٨ لترى كيف ردَّ المسيح على نِير الفريسيين الثقيل. اقرأ أيضاً ١صموئيل ٢١ : ١-٦. ما هو النهج الذي استخدمه المسيح هنا؟


لقد كان المسيح يقول لهم ما كان سيقوله بصِيْغَة أقوى في وقت لاحق (انظر متى ٢٣ : ٢٣ و ٢٤)، وذلك من أجل أن يركّزوا على ما هو مهم حقاً. وقد سرد المسيح القصة المألوفة عن داود الذي كان هارباً من ابنه، وكيف أن داود قد اكل خبز التقدمة الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط. وذلك لأن جوع داود ورفاقه في تلك الحالة كان أكثر أهمية من طقسٍ من طقوس الهيكل كان مخصصاً لغرض آخر. وبالطريقة نفسها، كان جوع أتباع المسيح أكثر أهمية من التعليمات الخاصة بالسبت (فيما يتعلق بالحصاد) والتي كانت مَوضوعة لمَقْصِدٍ آخر.


وقد أَشَارَ المسيح أيضاً إلى عمل الكهنة في الهيكل في يوم السبت. فقد كان مسموح بأعمال الخدمة في السبت. وبالطريقة نفسها، كان حفظ السبت يسمح بعمل أتباع المسيح، لأن المسيح وعمله كانا أعظم من الهيكل.


ليس هناك شيء قاله المسيح هنا أو في أي مكان آخر فيما يتعلق بحفظنا للسبت ومن شأنه أن يقلل بأي شكل من الأشكال من الأمر الإلهي الذي يقضي بوجوب حفظنا للسبت مقدساً. إن المسيح لم يحاول تحرير الناس من حفظ السبت وإنما من القواعد والقوانين عديمة المعنى التي حجبت ما كان يفترض للسبت أن يكون عليه، ألا وهو أن يكون السبت تعبيراً عن الراحة التي لنا في المسيح بوصفه خالقنا وفادينا.






الشفاء في السبت


إنه لمن المثير للاهتمام أن تقرأ الأناجيل وترى عدد المرات التي سجَّل فيها كَتَبة الأناجيل الأحداث المتعلقة بالسبت والتي دارت حولها نقاشات بين المسيح والقادة الدينيين. فلو أن السبت كان على وشك أن يلغى ويَبْطُل، فما الذي دفع كتبة الأناجيل الأربعة إلى إدراج قصصٍ كثيرة حول الجدال الذي كان للمسيح مع القادة الدينيين بشأن مسألة حفظ السبت؟ وتصبح هذه النقطة أكثر وضوحاً عندما نتذكر أن الأناجيل كانت قد كُتبت بعد سنوات عديدة من خدمة المسيح. وعلى الرغم من أن العلماء منقسمون حول التواريخ المحددة، إلا أن معظمهم يرى أن الأناجيل قد كُتبت بعد ما لا يقل عن ٢٠ إلى ٣٠ عاماً من موت المسيح. وهكذا، فإنه لو كان سبت اليوم السابع قد اُسْتبدل آنذاك بالأحد (وهي إحدى نقاط الجدال الشائعة) لكنا نجد إشارة إلى هذا التغيير في الأناجيل الأربعة الموحى بها والتي تسرد قصة حياة المسيح. لكن من المؤكد هو أنه ليس هناك أي إشارة إلى مثل هذا التغيير في الأناجيل الأربعة كافة أو أيّ من الأسفار التي تستعرض حياة المسيح وخدمته. وهكذا يكون لدينا دليلاً قوياً على أن سبت اليوم السابع لم يلغَ أو يتغير أو يُستبدل. ومن المؤكد أن المسيح، ووفقاً لما ورد في الأناجيل، لم يفعل ذلك طوال حياته هنا على الأرض، كما أنه لم يوصِ أو يأمر بعمل ذلك. بل على العكس من ذلك، فإنه إذا ركزنا على وصايا المسيح ومثاله فسنجد أن الأناجيل تبيّن لنا استمرارية سبت اليوم السابع.


اقرأ متى ١٢ : ٩-١٤. ما هي القضية هنا، ولماذا كانت سبباً آخر للخلاف والجِدَال؟


«وفي سبت آخر إذ دخل يسوع أحد المجامع رأى هناك إنسانا يده يابسة . وكان الفريسيون يراقبون يسوع وهم متلهفون لمعرفة ما سيفعله . ولقد عرف المخلص جيدا أنه لو شفى المريض في يوم السبت فسيعتبر متعديا ، ولكنه لم يتردد في نقض سياج المطاليب التقليدية التي أحاطت بيوم السبت.... كان عند اليهود مبدأ يقول بأن إهمال عمل الخير متى سنحت الفرصة لعمله معناه عمل الشر، وإن إهمال تخليص النفس هو قتل لها. وهكذا التقى يسوع بالمعملين في ميدانهم» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٦٢ و ٢٦٢).


مرة أخرى نجد هنا أيضاً، كما في الحادثة السابقة المتعلقة بالسبت، أنَّ المسيح كان يسعى إلى توجيه الناس إلى الغرض الأسمى للناموس وإلى الهدف الأسمى لما تعنيه حياة الإيمان.


لقد كان هؤلاء الرجال قانعين بِتَرْك هذا الرجل في آلامه ومعاناته بدلاً من أن ينتهكوا القوانين التي مِن صنع البشر، والتي وضعوها هم أنفسهم بخصوص السبت. وهي القوانين التي أصبحت مُشَوَّهةً للغاية - فعلى الرغم من أنهم كانوا على استعداد لإخراج ثور من الحفرة في يوم السبت - إلا أنّهم لم يكونوا مستعدين لأن يخففوا آلام ومعاناة أخٍ لهم في البشرية.


إننا بحاجة إلى أن نكون حريصين على التأكد من أن ممارستنا للإيمان لا تقف حائلاً دون عيش إيماننا بالطرق التي دعانا الله للعيش بها.




حفظ السبت


ينبغي أن يكون واضحاً من الأناجيل أن المسيح لم يُبْطِل السبت. في الواقع، إن المسيح استرد السبت وحرّره من الأعباء المرهِقة التي وضعها الناس عليه. فإنه بعد موت المسيح بمئات السنين كان المسيحيون لا يزالون يستريحون ويتعبدون في السبت. كتب مؤرخ القرن الخامس، سقراط سكولاستيكاس، ما يلي: «تحتفل جميع الكنائس في كل أنحاء العالم تقريباً بالأسرار المقدسة (العشاء الرباني) في يوم السبت من كل أسبوع. مع ذلك فإنَّ مسيحييّ الإسكندرية وروما، وفقاً لبعض التقاليد القديمة، كانوا يرفضون القيام بذلك» (التاريخ الكنسي، مجلد ٥، صفحة ٢٨٩). مهما كانت الأسباب وراء تدوين هذه الأحداث في الأناجيل، إلا أنّ مما لا شك فيه هو أنه لم يكن القصد من ذلك هو جعل أي شخص يحيد بعيداً عن السبت.


اقرأ مرة أخرى متى ١٢ : ١٢ وركّز على عبارة: «إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!» ما الذي يعنيه ذلك في السياق المباشر الذي نطق فيه المسيح بهذه العبارة، وماذا يخبرنا أيضاً عن ما ينبغي أن يتضمنه حفظ السبت؟


على الرغم من أن الشريعة اليهودية كانت تسمح بأن يحصل الإنسان المُعَرّضَةُ حياته للخطر على عناية طبية في يوم السبت، إلا أنّ المسيح قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد أكّد المسيح على أن الشفاء، بل وربما حتى الشفاء الذي يمكن تقديمه في يوم آخر، مسموح في يوم السبت. مع وضع كل هذا في الاعتبار، انظر إلى ما قاله المسيح في وقت لاحق في متى. « ‘مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ’ » (متى ١٣ : ٥٢). ولا شك في أن المسيح كان يُخْرِجُ كنوزاً جديدة كذلك.






لمزيد من الدرس


قال أحدهم، «الدِّينُ إهانةُ لكرامة البشر، معه وبدونه، هناك طيبون يفعلون الخير وسيئون يفعلون الشر، ولكن لتجعل الطيبون يفعلون الشر فأنك تحتاج للدِّين.» في القرن السابع عشر، نطق المُتصوّف الفرنسي بليز باسكال بتحذيره الشهير الذي قال فيه «لا يرتكب المرء الشر كاملاً وببساطة مثلما يرتكبه بناء على عقيدة دينية.» وعلى الرغم من أن هذه العبارات مُبالغ فيها إلى حد ما، إلا أن هناك للأسف شيء من الحقيقة في هذه المشاعر. ويمكن لهذه الحقيقة أن تُرى في سياق درس هذا الأسبوع، فيما يتعلق بالفريسيين والسبت. «إن يسوع حين واجه الفريسيين بهذا السؤال: هل يَحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر ، تخليص نفس أو قتل - واجههم بنواياهم الشريرة . كانوا يطلبون موته بكل ما في قلوبهم من حقد مرير ، في حين كان هو يخلص النفوس ويمنح السعادة للجموع ، فهل كان الأفضل في يوم السبت ارتكاب جريمة القتل كما كانوا يقصدون أن يفعلوا أكثر من شفاء المرضى المتألمين كما قد فعل هو؟ وهل كان من العدالة والصواب أن يبقوا في قلوبهم شهوة القتل في يوم الرب المقدس بدلا من أن يضمروا المحبة لكل الناس ، تلك المحبة التي تعبر عن نفسها في أعمال الرحمة؟» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٦٢ و ٢٦٣).




الدرس السابع


٧ـ١٣ أيار (مايو)


رب اليهود والأمم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ١٤ : ١-٢١؛ خروج ٣ : ١٤؛ متى ١٤ : ٢٢-٣٣؛ إشعياء ٢٩ : ١٣؛ متى ١٥ : ١-٢٠؛ متى ١٥ : ٢١-٢٨.


آية الحفظ: « ‘أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ’ » (إشعياء ٤٢ : ٦).


في متى ١٥ : ٢٤، يقول المسيح بشكل واضح، « ‘لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ’ » لا شك في أن خدمة المسيح الأرضية كانت موجّهة في معظمها إلى الأمة اليهودية. لكن الكتاب المقدس كله يُظهر أن بني إسرائيل لم يكونوا وحدهم الذين كانوا يَحْظَون برعاية الله واهتمامه. كان السبب وراء اختيار الله للأمة اليهودية هو أن يتمكّن الله من مباركة جميع الشعوب على وجه الأرض. «هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: ‘أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ’ » (إشعياء ٤٢ : ٥-٧).


كانت خطة الله إيصال بشارة الخلاص إلى العالم أجمع من خلال المسيا الذي جاء من الأمة اليهودية. وسنرى في هذا الأسبوع بَعْضَاً من طرق الله لتبشير مَن هم بحاجة إلى الخلاص.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٤ أيار (مايو).




إطعام الجياع


إن أكثر أعمال المسيح المعروفة هي إطعامه لنَحْوَ «خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ» (متى ١٤ : ٢١). مع ذلك، وكما هو الحال مع كل شيء آخر في العهد الجديد، فإن القصة لا تَحْدُث دون سياق من شأنه أن يساعدنا على أن نفهم بشكل أعمق معنى ما قام به المسيح هنا.


اقرأ متى ١٤ : ١-٢١. ما الذي حدث مباشرة قبل إطعام المسيح للجموع من خلال إجراء معجزة، وما هو الدور الذي قام به هذا الحدث في المناسبة التي أعقبته؟


ضع نفسك في موقف التلاميذ آنذاك. فها هو يوحنا المعمدان، رجل الله الصادق، قد قُطِعَ رأسه. كان التلاميذ يعْلَمون بموت يوحنا لأنهم هم الذين أخبروا المسيح بذلك. ولا بد وأن موت يوحنا قد أحبطهم للغاية، على الرغم من أن النصوص الكتابية لا تذكر ذلك. ومما لا شك فيه هو أن إيمانهم كان على المحك. ومع ذلك، فإنه لا بد وأن يكون ما فعله المسيح بعد ذلك قد عمل على تقوية إيمانهم إلى حد كبير، وخاصة بعد الإحباط الشديد الذي أصابهم نتيجة موت يوحنا المعمدان.


ومع ذلك، هناك معنى أكثر عمقاً لهذه القصة، بغض النظر كيف عملت هذه القصة على زيادة إيمان التلاميذ. فلقد عمل إطعام المسيح للشعب اليهودي على تذكير الجميع بالمَنّ الذي وفره الله لبني إسرائيل في البرية. «إن التقليد الذي ساد في اليهودية هو أن المسيّا كان سيأتي في عيد الفصح وبأنه مجيئه سيكون مصحوباً ببدء سقوط المَنّ مرة أخرى.... لذا فإنه عندما أطعم المسيح الخمسة آلاف قبل عيد الفصح، لم يكن من المفاجئ لأحد أن تبدأ الحشود بالتفكير في ما إذا كان المسيح هو المسيّا، وفي ما إذا كان على وشك القيام بمعجزة أعظم، ألا وهي إطعام الجميع بشكل دائم من خلال قيامه بإعادة إنزال المَنّ من السماء» [جون بوليان يون: ذا أبندانت لايف بايبل أمبليفاير (بويز: دار المحيط الهادئ للطبع والنشر، ١٩٩٥)، صفحة ١٣٩ و ١٤٠].


تحديدا هذا هو المسيّا الذي كان يريده الشعب: المسيّا الذي يُلبّي احتياجاتهم الخارجية والسطحية. وفي تلك اللحظة، كانت الجموع على استعداد لتنصيب المسيح ملكاً أرضياً، لكن المسيح لم يأتِ ليكون ملكاً، وكان رفضه لأن يكون كذلك سبباً في إصابتهم بخيبة أمل كبرى. لقد كانت لديهم توقعاتهم، وعندما لم تتحقق تلك التوقعات ابتعد كثيرون عن المسيح، على الرغم من أنه قد جاء للقيام بما هو أكثر بكثير مما لديهم من توقعات دنيوية ضئيلة ومحدودة.






ربُّ الخليقة كُلّها


بعد معجزة إشباع الجموع، أمر المسيح تلاميذه أَنْ يَدْخُلُوا سفينتهم (متى ١٤ : ٢٢). لقد أراد لهم أن يكونوا بعيدين عن الأذى والضرر والضغط والضيق. فإن المعلّم الجيد سيعمل على حماية تلاميذه مما هم ليسوا على استعاد للتعامل معه بعد. وفيما يتعلق بدعوة التلاميذ، تقول روح النبوة، «فدعا يسوع تلاميذه وأمرهم بالنزول في السفينة والإقلاع إلى كفرناحوم في الحال وأن يتركوه هو حتى يصرف الجموع.... فاحتجوا على هذا الإجراء، ولكن يسوع تكلم الآن بسلطان لم يسبق له أن خاطبهم به. وقد عرفوا أن أي اعتراض من جانبهم بعد ذلك سيكون بلا جدوى فاتجهوا إلى البحر وهم صامتون» (مشتهى الأجيال، صفحة ٣٧٨).


اقرأ متى ١٤ : ٢٣-٣٣. ما الذي تُعْلِنَه هذه الآيات عن هَوُيّة المسيح وطبيعة الخلاص؟


كانت اللحظة الكاشفة للإيمان هي عندما تساءل التلاميذ المُرْعَبُون عمَّن عساه يكون الكائن الذي كان يسير على الماء نحوهم. وقد قال المسيح لهم، « ‘أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا’ » (متى ١٤ : ٢٧). وعبارة «أنا هو» هي ترجمة أخرى للعبارة اليونانية التي تعني «أَهْيَهْ.» وهذا هو اسم الله نفسه (انظر أيضاً خروج ٣ : ١٤).


إن الكتاب المقدس يُظهر مِرَاراً وتَكْراراً أنَّ للرب سلطاناً على الطبيعة. على سبيل المثال، يُظهر مزمور ١٠٤ بوضوح أن الله ليس هو الخالق فحسب لكنه المُعِيل كذلك، وبأن قدرة الله هي التي تعمل على استمرار العالم في الوجود وتعمل كذلك على تسيير قوانين الطبيعة. ليس ثمة شيء هنا يلمّح إلى أن هناك إله «رُبُوبِيّ» خلق العالم ثم تركه وشأنه. وسواء كُنّا يهوداً أو أممين، فإننا مدينون في استمرار وجودنا للقدرة المُعِيلة التي لنَفْس الرب الذي هدَّأ البحر. (انظر عبرانيين ١ : ٣).


يجب لصرخة بطرس، « ‘يَارَبُّ، نَجِّنِي!’ » (متى ١٤ : ٣٠) أن تردد صدى صرختنا نحن، لأنه ما لم ينجّينا الرب يسوع، فَمَن سيفعل ذلك؟ فإنّ عجز بطرس في تلك الحالة يعكس عجزنا نحن في مواجهة ما يقذفنا به عالمنا الساقط.






قلبُ المُرائين


«فَقَالَ السَّيِّدُ: ‘لأَنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي، وَصَارَتْ مَخَافَتُهُمْ مِنِّي وَصِيَّةَ النَّاسِ مُعَلَّمَةً’ » (إشعياء ٢٩ : ١٣). على الرغم من أن الرب كان يتحدث هنا إلى بني إسرائيل قديماً، ما هي الرسالة الموجّهة إلى الكنيسة، اليوم؟


بعد مُضي عدة قرون على كتابة إشعياء لهذه الكلمات، قام المسيح باقتباسها حين كان في نقاش مع القادة الدينيين.


اقرأ متى ١٥ : ١-٢٠. ما هي المسألة المحددة هنا، وكيف تعامل معها المسيح؟


بعد فترة من عودة المسيح من كفر ناحوم، دخل في جدل مع المعلمين اليهود حول مسألة ما يجعل الإنسان نَجِسَاً. وكان المعلمون الدينيون قد أضافوا إلى الشريعة كل أنواع القوانين والاجراءات المتعلقة بالنَّجاسة الخارجية. على سبيل المثال، كان عليك أن تغسل يديك بطريقة معينة. لكن تلاميذ المسيح لم يلتفتوا إلى هذه التعليمات، وعندما أشار الكتبة والفريسيون إلى وجوب التقيّد بها، ردّ عليهم المسيح بطريقته.


وباختصار، أدان المسيح الرياء بشدة. وهو الفخ الذي من السهل لأي شخص الوقوع فيه. فمن مِنَّا لم يكن في وقت ما مذنباً بالرياء، حيث ندين (سواء بكلامنا أو في قلوبنا) شخصاً ما على تصرّف ما، في حين نكون قد فعلنا نفس الشيء أو ما هو أسوأ؟ وما لم نَتَوخّى الحذر، فإننا جميعاً لدينا الميل لرؤية أخطاء الآخرين في حين نعمى عن رؤية أخطائنا. وبالتالي، يبدو أن النفاق يطالنا جميعاً بحكم طبيعتنا.






الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ من المائدة


بعد أن قام المسيح بإجراء معجزات إطعامٍ وشفاءٍ لبني شعبه من اليهود، وبعد أن كرز لهم، اتخذ المسيح قراراً حاسماً. فقد غادر منطقة اليهود ودخل منطقة الغُرباء والأمم.


اقرأ متى ١٥ : ٢١-٢٨. كيف لنا أن نفهم هذه القصة؟


من نواحٍ كثيرة، ليس من السهل فهم هذه القصة بمجرد قراءتها، فنحن لا نعرف كيف كانت نبرة صوت المسيح وتعبيرات وجهه عند حديثه إلى هذه المرأة. فقد بدا أن المسيح كان يتجاهل هذه المرأة في بادئ الأمر؛ ثم، وعند حديثه إليها، بدا كلامه قاسياً؛ « ‘لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب’ » (متى ١٥ : ٢٦).


ماذا لو حاولت اتباع هذا النهج؟ فإذا جاءك شخص ما وطلب منك أن تعطيه بعضاً من رقائق البطاطس التي تتناولها، فتجيبه قائلاً، «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ تؤْخَذَ رقائق البطاطس وَتُطْرَحَ لِلْكِلاَب.» لا تعد هذه وسيلة فعالة لكسب الأصدقاء، أليس كذلك؟


مع ذلك، فيما يلي بعض الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار. أولاً، المعروف هو أن اليهود كانوا في ذلك الوقت يعتبرون الأمم كلاباً، وهو ما يستحضر إلى الذهن صورة كلاب كثيرة تجري في الشوارع. لكن المسيح استخدم هنا أكثر المصطلحات اليونانية رِقّة وحناناً «الكلب الصغير» (أو «الجَرْو»)، مما يستحضر إلى الذهن الكلاب المنزلية التي تبقى في المنزل وتتناول الطعام من المائدة.


ثانياً، خاطبت هذه المرأة الكنعانية المسيح مستخدمة لقب «ابن داود». وهذا يدل على معرفتها بأن المسيح كان يهودياً. وكمعلم صالح، قام المسيح بالتحاور معها وربما حاول كذلك اختبار إيمانها. كتب كريج كينز الآتي: «ربما أنه [أي المسيح] كان يريد لها أن تدرك مرسليته الحقيقية وهَوُيته، خشية أن تعامله وكما لو كان واحداً من العديد من السحرة المتجولين الذين كان الأمميون في بعض الأحيان يلجأون إليهم ويلتمسون منهم طرد الأرواح الشريرة. ومع ذلك، فالمؤكد هو أن المسيح كان يدعوها إلى إدراك أولوية إسرائيل في الخّطة الإلهية، وهو إدراك من شأنه أن يشتمل على اعتراف من جانبها بحالة تبعيتها وخضوعها.... يمكن للمرء مقارنة ذلك بالشرط الذي اشترطه إليشع بأن يغتسل نعمان في نهر الأردن، على الرغم من أن أفضلية نعمان كانت أن يغطس في أحد الأنهار الآرامية مثل نَهْرَيّ أَبَانَة وَفَرْفَر....، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اعتراف نعمان بإله إسرائيل وأرضهم (٢ملوك ٥ : ١٧-١٨).» (تفسير إنجيل متى: شرح اجتماعي - بلاغي، صفحة ٤١٧).


وأخيراً، من المرجح أن هذه المرأة كانت من الطّبَقَة اليونانية الرّاقِيَة، وهي الطبقة التي كانت «تقوم عادة بالاستيلاء على الخبز الذي كان يعود للفقراء اليهود المقيمين في محيط مدينة صور.... والآن... قام المسيح بتغيير اتجاه روابط القوة، فإن الخبز الذي يقدمه المسيح يعود لبني إسرائيل أولاً.... ‘وهكذا كان ينبغي لهذه اليونانية أن تستجدي المساعدة من يهودي مُتجوِّل’ » (تفسير إنجيل متى: شرح اجتماعي - بلاغي، صفحة ٤١٧).


هذه فقرة لا يسهل فهمها، لكن علينا أن نثق بالمسيح. فمن خلال حواره مع هذه المرأة قام المسيح برفع شأنها وتبجيلها، كما فعل مع المرأة التي عند البئر. وعندما غادرت المرأة، كانت ابنتها قد شُفيت وكان إيمان هذه المرأة في ابن داود قد تأجَّج.




ربُّ الأمم


اقرأ متى ١٥ : ٢٩-٣٩ وقارن هذه الآيات بتلك التي في متى ١٤ : ١٣-٢١. ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين هاتين القصتين؟


كثير من الناس لا يدركون أنَّ هناك معجزتين لإطعام الجموع يرد ذكرهما في الأناجيل: الأولى كانت لإطعام اليهود والثانية كانت لإطعام الأمم. وفي كلتا الحالتين، «أشفق» المسيحُ عَلَى الْجَمْعِ.


مدهشة حقاً هي تلك الصورة التي نرى فيها الآلاف من الأممين يأتون إلى هذا المعلّم الشاب ويتلقّون منه العِلم والمحبة والطعام. واليوم، وإذ ننظر إلى الوراء، بعد إدراكنا لشُمُولِيّة وعالَمِيَّة بشارة الإنجيل (فإن معظم من يقرأون هذا الدرس، على كل حال، هم ليسوا يهوداً)، فإنه يمكن بسهولة أن يغيب عن بالنا مدى ما بدا عليه شيء من هذا القبيل غريب وغير متوقع بالنسبة للناس آنذاك، اليهود والأممين على حد سواء. لا شك، في أن المسيح كان بذلك يُخرج الجميع من «مناطق راحتهم» ويدفعهم إلى النظر إلى الأمور بشكل مختلف عن المعتاد.


مع ذلك، فهذه كانت هي خطة الله دائماً، أن يجذب جميع شعوب الأرض إليه. وهناك آية كتابية مذهلة تشهد على هذه الحقيقة: « ‘أَلَسْتُمْ لِي كَبَنِي الْكُوشِيِّينَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَلَمْ أُصْعِدْ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ كَفْتُورَ، وَالأَرَامِيِّينَ مِنْ قِيرٍ؟’ » (عاموس ٩ : ٧).


ما الذي يقوله الرب هنا؟ أليس ما يقوله هنا هو أنه يهتم بأمور كل الناس وليس بأمور بني إسرائيل وحدهم؟ أَلَمْ يكن مهتماً بالفلسطينيين؟ إن القراءة المتأنية للعهد القديم تكشف عن هذه الحقيقة مراراً وتكراراً، هذا على الرغم من أن هذه الحقيقة قد حُجبت عبر العصور، لدرجة أنه بحلول الوقت الذي تشكّلت فيه كنيسة العهد الجديد كان على العديد من المؤمنين الأوائل تعلّم هذه الحقيقة الكتابية الجوهرية.


اقرأ رومية ٤ : ١-١٢. بأية طرق يتم تصوير البشارة وشموليتها في هذه الآيات؟




لمزيد من الدرس


كان هناك شخص مسيحي يتحدث إلى الطلاب في حرم جامعي علماني حول وجود الله. وبعد استخدامه لكل الحجج الشائعة، اتبع القس نهجاً مختلفاً وقال: «أتعرفون، عندما كنت في سن معظمكم، ولم أكن أؤمن بالله حينها، كنت كلما حدث شيء من حين لآخر يمكنه أن يقنعني بأن الله موجود كنت دائماً أُبْعِدْ تلك الأفكار عن ذهني. لماذا؟ لأنه كان هناك شيء يخبرني بأنه لو أن الله موجود بالفعل فإنني سأكون في مأزق نظراً لطبيعة الحياة التي كنت أعيشها.» وعندها تغير جو القاعة على الفور. وأخذ التلاميذ يتحاورون ويتناقشون مع بعضهم البعض بحماسة بالغة. وبدا أن درجة حرارة القاعة قد ارتفعت فجأة بسبب ما حدث من تفاعلات في أدمغة أولئك التلاميذ الذين كانوا يشعرون قبلاً بعدم الارتياح والانزعاج. لقد تمكّن هذا المدرّس من لَمْس قلوب أولئك الطلاب. فعلى الرغم من أنهم لم يكونوا مسيحيين ولم يهتموا كثيراً بمسألة الوصايا العشر، إلا أنهم قد شعروا بأن الأمور لم تكن على ما يرام في حياتهم من الناحية الأخلاقية، وبأنه لو كان هناك إله فسيكون عليهم تقديم حساب عن كل ما فعلوه في حياتهم. ومع ذلك، فإنه لا ينبغي لنا كمسيحيين متوافقين جداً مع معايير الله الأخلاقية أن نشعر بعدم الارتياح عندما نواجَه بحقيقة أن الله يهتم بالأمور الأخلاقية. وينبغي أن تكون بشارة الإنجيل هي السبب وراء جعلنا لا نشعر بعدم الارتياح. وعندما نواجَه بإثمنا فإنه يمكننا ، سواء كُنَّا يهوداً أو أممين، أن نحتمي ببِرِّ المسيح المُقَدَّمِ لنا بالإيمان «بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ» (رومية ٣ : ٢٨). ومتى أصبحنا مدركين تماماً لإثمنا فإنه يمكننا المطالبة بالوعد بأن «إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» (رومية ٨ : ١). الأمر لا يهم سواء كنا يهوداً أم أممين. «وبدون تمييز من ناحية العمر أو المقام أو الجنسية أو الامتيازات الدينية الجميع مدعوون لأن يأتوا إليه ويحيون» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٣٨٠).




الدرس الثامن


١٤ـ٢٠ ايار (مايو)


بطرسُ والصَّخرةُ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: غلاطية ٤ : ٤؛ عبرانيين ٧ : ٢٦؛ متى ١٦ : ١٣-٢٠؛ أفسس ٢ : ٢٠؛ متى ١٦ : ٢١-٢٧ و ١٧ : ١-٩.


آية الحفظ: « قَالَ لَهُمْ: ‘وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟’ » (متى ١٦ : ١٥).


«مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ» (متى ١٦ : ٢١).


إن العهد الجديد واضح: كان على المسيح أن يموت. وعندما رأى المسيح ظلال الصليب تلوح في الأفق، صلى قائلاً: « ‘اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ’ » (يوحنا ١٢ : ٢٧). لقد كانت هذه هي الخطة الإلهية الموضوعة في ذهن الله حتى «قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ» (تيطس ١ : ٢، انظر أيضاً ٢تيموثاوس ١ : ٩). وهذا هو السبب في أن المسيح لم يقل ببساطة أنه كان على وشك أن يتألم كثيراً ويُقتل ومن ثم يقوم في اليوم الثالث، ولكنه قال أنه يجب عليه أن يُواجِه كل هذه الأمور. ونظراً لطبيعة الله، وقداسة الناموس، وحقيقة الإرادة الحرة، كان موت المسيح هو السبيل الوحيد الذي يمكن بواسطته إنقاذ البشرية من عقوبة التعدّي.


سنتعلم في درس هذا الأسبوع المزيد عن قصة المسيح، وإن كنّا سنركز على بطرس وكيف كانت ردة فعله عندما عَلِم أن المسيح كان يسير نحو الموت المقرر له «قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.»


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢١ أيار (مايو).




«أنت هو المسيح»


لك أن تتخيل ما كان عليه الأمر بالنسبة لبطرس فيما يتعلق بما كان لديه من أفكار عن المسيح وعن مرسليته. فقد كان بطرس مع المسيح منذ البداية تقريباً. فما الذي عساه يكون قد جال بعقله حين كان يشهد الأحداث المدهشة، حادثة تلو الأخرى؟ أحداث مثل: معجزات الشفاء وطرد الشياطين وإطعام الجموع والتعاليم المدهشة والسيطرة على الطبيعة وإقامة الموتى والمشي على الماء مع المسيح. وفي ضوء كل ما شهده من أحداث، وفي ضوء رؤيته لأمور لم يسبق لأحد في التاريخ أن رآها على الإطلاق، لا بد وأن تكون هناك أسئلة قد أثقلت ذهن بطرس، يوماً بعد يوماً. ومن بين تلك الأسئلة، لا بد وأن يكون هناك السؤال الذي يعيد نفسه: لماذا سمح المسيح بأن يواجِه يوحنا المعمدان مثل تلك النهاية الذليلة؟ فعلى كل حال، كان المسيح هو الله في الجسد، وقد عاش وخدم البشرية وهو في الجسد (غلاطية ٤ : ٤؛ عبرانيين ٧ : ٢٦؛ إشعياء ٩ : ٦؛ لوقا ٢ : ١٠ و ١١). ولهذا، كان أولئك المحيطون به، الذين عاشوا معه، والذين كانوا تلاميذه، سيمرّون بكثير من الاختبارات الفريدة.


اقرأ متى ١٦ : ١٣-١٧. ما هو السؤال الذي طرحه المسيح على تلاميذه، وما أهمية أن إجابة بطرس هي الإجابة الوحيدة التي تم تدوينها في الأناجيل؟ ولماذا تعد إجابته ذات أهمية بالغة؟


إن إعلان بطرس بأن يسوع « ‘هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!’ » هو من بين أعظم ما تم إعلانه في الكتاب المقدس كله. فقد استخدم بطرس لقب « ‘المسيح’ » أو « ‘المَمْسُوح’ »، وبهذا الاعتراف كان بطرس يقول أن المسيح كان هو «المسيّا»، أي ذاك الذي كان عتيداً أن يأتي لإتمام وعود العهد المُبرَمة مع إبراهيم، ثم لنسله من بعده (انظر غلاطية ٣ : ١٦). وفي نواحي قيصرية فيلبس أيضاً، أعلن بطرس أن يسوع المسيح هو المسيا. وقد كانت هذه بلدة يسكنها الأمميون. وقد فعل بطرس ذلك لأنه قد رأى أن المسيح لم يكن يهتم باليهود فحسب لكنه كان يهتم بالأمميين أيضاً. وبمعونة الروح القدس، أدرك بطرس أن المسيح كان أكثر بكثير من مجرد نبي يهودي، كما أشار إليه آخرون. فقد امتدت خدمة المسيح إلى ما هو أكثر بكثير من خدمة يوحنا المعمدان أو إيليا أو إرميا. في الواقع، لقد كانت خدمته لتشمل البشرية جمعاء؛ ومن هنا يشير المسيح إلى نفسه على أنه «ابن الإنسان» مُظهراً ارتباطه الشخصي بجميع بني البشر وشعوره معهم. وكما يُظهر الكتاب المقدس في فقرات لاحقة، فقد كان لدى بطرس الكثير ليتعلمه عن المسيح وعن شمولية ما جاء المسيح ليقوم به على ارضنا.






«عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ»


فور اعتراف الإيمان الجريء الذي نطق به بطرس بأن يسوع « ‘هو المسيح ابن الله الحي’ »، قال المسيح شيئاً ردَّ به على ما قاله بطرس.


اقرأ متى ١٦ : ١٧-٢٠. ماذا قال المسيح لبطرس، وكيف لنا أن نفهم ما يعنيه ذلك؟


لطالما كانت عبارة «عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ» مثيرة للجدل داخل الكنيسة المسيحية. يفسر الكاثوليك «الصَّخْرَة» على أنها تعني بطرس نفسه، بحجة أن بطرس كان أول «بابا». أما البروتستانت، ولسبب وجيه، يرفضون ذلك التفسير. أما ما يقدمه الكتاب المقدس من أدلة ففيه تأييد واضح لفكرة أن الصَّخْرَةَ هي المسيح نفسه، وليس بطرس.


أولاً، نجد بطرس في عدد من المرات يُشير إلى المسيح، وليس إلى نفسه، مستخدماً التعبير المجازي «الْحَجَر» أو «ٱلصَّخْرَة» (انظر أعمال الرسل ٤ : ٨-١٢ و ١بطرس ٢ : ٤-٨).


ثانياً، إننا نجد في كافة أجزاء الكتاب المقدس استخداماً لصورة الصخرة أو الحجر للإشارة إلى الله وإلى المسيح؛ في المقابل، يُنظر إلى البشر على أنهم ضعفاء وغير جديرين بالثقة. «لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ» (مزمور ١٠٣ : ١٤). «لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ» (مزمور ١٤٦ : ٣). وقد كتب يوحنا أيضاً عن المسيح يقول: «وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ» (يوحنا ٢ : ٢٥). وكان المسيح يعلَم مَا كَانَ فِي بطرس أيضاً (متى ٢٦ : ٣٤).


في المقابل، ماذا تخبرنا هذه النصوص الكتابية عن مَن هو الصخرة حقاً وعن مَن هو الذي تم بناء الكنيسة عليه؟ (١كورنثوس ١٠ : ٤؛ متى ٧ : ٢٤ و ٢٥؛ أفسس ٢ : ٢٠).


«ولكن كم كانت الكنيسة تبدو ضعيفة وواهنة القوى عندما نطق المسيح بهذا الكلام. فلم يكن هناك غير حفنة من المؤمنين الذين اصطفت ضدهم كل قوة الشيطان والناس الأشرار. ولكن أتباع المسيح لم يكن لهم أن يخافوا. فإذ كانوا مبنيين على صخرة خلاصهم لم يمكن أن ينقلبوا» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٣٩١).






بطرس كشيطان


اقرأ متى ١٦ : ٢١-٢٣. لماذا كان المسيح قاسياً جداً على بطرس بشكل مفاجئ؟


لم تكن مشكلة بطرس أنه كان يحاول حماية المسيح. بل لقد كان يحاول أن يوجِّه المسيح. فهو بذلك لم يعد تابعاً للمسيح، بل لقد كان يطلب من المسيح أن يتبعه.


ولهذا قال له يسوع، « ‘اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!’ » (عد ٢٣) لأن بطرس في هذا الموقف كان مثل الشيطان نفسه في البرّية، لقد أصبح بطرس يشكّل خطرا على مرسلية المسيح.


وتشير الآية في مرقس ٨ : ٣٣ إلى أن المسيح، خلال هذه المحاورة، قد الْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ. فلقد جاء ليخلّصهم. ولذا فهو لم يرغب في أن يجرّب للقيام بغير ذلك، وبالتأكيد هو لم يرغب في أن يجرّب مِن قِبل واحد من تلاميذه، بغض النظر عن مدى حُسن النّية التي اعتقد ذلك التلميذ أنه يتحلى بها.


وبقدر ما نما سمعان بطرس في مسيره، بقدر ما كان لا يزال يحاول السيطرة على الأمور، بما في ذلك المسيح نفسه. وبهذا المعنى لم يكن بطرس يختلف كثيراً عن تلميذ آخر، أي يهوذا، الذي حاول أن يسيِّر ويوجِّه المسيح وأن يُنفِّذ خططه الخاصة بشأن ما كان يعتقد أن المسيّا ينبغي أن يكون عليه. لكن على عكس يهوذا، تاب بطرس توبة صادقة وكان على استعداد لأن يتَأدّبَ وأن يُغْفَرَ له.


اقرأ متى ١٦ : ٢٤-٢٧. ما الذي يعنيه المسيح عندما يقول، « ‘فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا’ » (عد ٢٥).


إننا نعيش في ثقافة تحثنا على بلوغ أحلامنا وعلى التضحية بكل شيء من أجل الحصول على ما نريد. لكن المسيح يطلب مِنَّا أن نفعل العكس؛ فهو يطلب منا أن نتخلى عن أحلامنا وأن نَعْهَد بها إليه. وكان بطرس والتلاميذ الآخرون يتعلمون بشكل تدريجي ما هو الإيمان الحقيقي. ليس من المفترض أن يكون الإيمان اختباراً مثيراً للسعي إلى الحصول على أقْصَى ما تريده. إن الإيمان الحقيقي هو الاختبار المؤلم المتمثِّل في التخلي عن أقْصَى ما تريده. فعندما تتخلى عن أحلامك فإنك «تخسر حياتك.» وفي الوقت نفسه، أنت تِجدُهَا.






التَشْجِيع من السماء


اقرأ متى ١٧ : ١-٩. ماذا حدث هنا، ولماذا كان ذلك مهماً جداً لكلٍ من المسيح نفسه وللتلاميذ كذلك؟


«لقد كان [يسوع] يعيش محاطاً بجو المحبة، أما في العالم الذي قد خلقه فكان في عزلة. وها هي السماء ترسل رسلها إلى يسوع، ولم يكن ذانك الرسولان من الملائكة بل كانا رجلين جازا في الآلام والأحزان حين كانا في العالم وكانا لذلك قادرين على أن يرثيا للمخلص في محنة حياته الأرضية . لقد كان موسى وإيليا عاملين مع المسيح وكانا مثله تائقين إلى خلاص الناس.... هذان الرجلان اللذان وقع عليهما الاختيار دون كل الملائكة الواقفين حول العرش أتيا ليتحدثا مع يسوع عن مناظر آلامه وعذابه وليعزياه بيقين عطف السماء عليه . وقد كان عماد هذا الحديث هو رجاء العالم وخلاص كل الناس» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٠١).


كم هو مدهش أن المسيح، ابن الله، كان في بشريته بحاجة إلى التعزية والتشجيع من هذين الرجلين، اللذين كانا قد عانيا هما أيضاً مِن الألم والإحباط. يقول لوقا أنهما «تَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ» (لوقا ٩ : ٣١). لاحظ كلمة «يُكَمِّل» والتي يمكن لها أيضاً أن تترجم «يتمّم»، وفيها المزيد من الأدلة على أن موت المسيح كان أمراً ضرورياً لخلاص البشرية. وفي ظل الكثير من الأمور التي كانت تشكّل تهديداً على خطة الخلاص، فلا عجب في أن السماء قد رأت حاجة المسيح إلى الدعم والتشجيع وأرسلتهما له.


أيضاً، وعلى الرغم من أن كلاً من بطرس ويعقوب ويوحنا قد سمعوه ورأوه بالفعل، إلا أنهم كانوا في طريقهم للحصول على المزيد من الأسباب للإيمان. فمن المؤكد أن الصوت الذي سمعوه قادماً من السحابة كان مصدر تشجيع لهم أيضاً، وذلك فور تخلّصهم من خوفهم المبدئي. والمدهش أيضاً هو أن متى يقول أن المسيح جاء «... وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: ‘قُومُوا، وَلاَ تَخَافُوا’ » (متى ١٧ : ٧). فإنه حتى في خضم كل ما كان على وشك مواجهته، عمل المسيح على تعزية وتشجيع تلاميذه.






المسيح وجِزْيَةُ الهيكل


اقرأ متى ١٧ : ٢٤-٢٧. ما الذي يحدث هنا، وماذا يخبرنا هذا عن المسيح؟


على الرغم من أن كل اليهود كانوا ملزَمين بدفع جِزْيَةِ الهيكل، إلا أن الكهنة واللاويين ومعلمي الشريعة كانوا معفيين من ذلك. لذا فإن هذا السؤال المتعلق فيما إذا كان على المسيح دفع جِزْيَة الهيكل يعَد أيضاً تحديّاً لخدمته.


كتبت ألن هوايت تقول أن بطرس قد ضيّع فرصة «كان يمكنه فيها أن يعلن الصفة الحقيقية لسيده. فإذ قال لجامع الجزية بأن يسوع سيدفع الضريبة كان في الواقع يقر الرأي الكاذب عن السيد الذي كان الكهنة والرؤساء قد أذاعوه عنه.... فإذا كان الكهنة واللاويون معفين بسبب ارتباطهم بالهيكل فكم بالأحرى ذاك الذي كان الهيكل هو بيت أبيه!» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤١٠).


يمكننا أن نتعلم الكثير من ردّ المسيح على بطرس. فبدلاً من أن يهين المسيحُ بطرسَ شرح له خطأه برفق ولطف. وفضلاً عن ذلك، قام المسيح بالتوافق مع المسار الذي اتخذه بطرس بأكثر الطرق إبداعاً. فإنه بدلاً من أن يدفع الجزية ببساطة، فيكون بالتالي قد اعترف بوجوب دفعه لها، جَلَب المسيح الجزية من مكان آخر: من فم سمكة.


يمكننا أن نتعلم الكثير من ردّ المسيح على بطرس. فبدلاً من أن يهين المسيحُ بطرسَ شرح له خطأه برفق ولطف. وفضلاً عن ذلك، قام المسيح بالتوافق مع المسار الذي اتخذه بطرس بأكثر الطرق إبداعاً. فإنه بدلاً من أن يدفع الجزية ببساطة، فيكون بالتالي قد اعترف بوجوب دفعه لها، جَلَب المسيح الجزية من مكان آخر: من فم سمكة.


إن هذه المعجزة خارقة وفريدة من نوعها، وهذه هي المرة الوحيدة التي بدا فيها أن المسيح قد أجرى معجزة لمنفعته الخاصة. لكن هذا لم يكن الغرض من المعجزة. بدلاً من ذلك، كانت المعجزة إعلاناً للجميع عن سلطان المسيح ليس على الهيكل فحسب وإنما على الخليقة برمتها. فمن المنظور البشري نحن لا يمكننا حتى البدء في فهم كيف أمكن المسيح إجراء هذه المعجزة؟ فمِن بين الأمور التي كان بطرس قد رآها، هل يمكنكم أن تتخيلوا ما لا بد وأنه قد مرَّ بذهنه عندما ألقى صنارته واصطاد أول سمكة ليجد فيها المبلغ المحدد المستحق لضريبة الهيكل؟ (انظر إشعياء ٤٠ : ١٣-١٧).






لمزيد من الدرس


إنَّ القصة المتعلقة بكيف جعل المسيحُ بطرسَ يستخرج النقود، المبلغ المطلوب بالتحديد، من أول سمكة يصطادها هي قصة عجيبة للغاية لدرجة أن بعض العلماء قد حاولوا التشكيك في صحتها ويقولون أنها مجرد «حكاية خرافية» وقصة طريفة لمجرد التأكيد على نقطة ما، وليس أكثر. وبالطبع، فإن ما يقولونه هو حلٌّ غير كافٍ (بل هو ليس حلاً على الإطلاق في واقع الأمر). من المؤكد أن هذه المعجزة هي ذات طبيعة مختلفة تماماً عن غيرها من المعجزات الأخرى، كشفاء المرضى ومنح البصر للعميان وإقامة الموتى وإطعام الجِّياع. وفي الكتاب المقدس، أيضاً، نقرأ عن رأس الفأس الحديدي الذي طفى فوق الماء (٢ملوك ٦ : ٢-٧) وعن جَزَّة الصُّوفِ المبتلة على الأرض الجافة، و جَزَّة الصُّوفِ الجافة على الأرض المبتلة (قضاة ٦ : ٣٦-٤٠)؛ لذا، فإن هذه المعجزة ليست ذات طبيعة غير معروفة تماماً في الكتاب المقدس. أما فيما يتعلق بالسبب الذي جعل المسيح لا يقوم ببساطة بإعطاء النقود إلى بطرس، ويطلب منه أن يدفع الجزية، بدلاً من إجراء هذه المعجزة المذهلة كي يحل مشكلة كانت تعد بسيطة نسبياً؛ حسناً، إنَّ النص الكتابي لا يجيب على هذا السؤال. ومع ذلك، وكما يقول الدرس، فإن هذه المعجزة تبيّن لنا قدرة الله المذهلة، وهي القدرة التي لا ينبغي أن تكون مستغربة بالنسبة لنا. فعلى كل حال، نحن نرى أدلة على قدرته المذهلة في كل حين. بل إن وجودنا في حد ذاته، ناهيك عن الكون المنظور، هو إعلان مدهش عن قدرة الله. فإذا كان بمقدور الله عمل كل ذلك فإن وضع عملة معينة في فم سمكة معينة لا يُعد صعباً بالمرة. وعلى الرغم من أن ما يقوله بولس في الآية التالية قد جاء في سياق مختلف، إلا أنَّ ما قاله يوضّح قدرة الله بشكل جيد: «يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!» (رومية ١١ : ٣٣). لذا، فإن هذه القصة الواردة في إنجيل متى ما هي إلا مظهر آخر من مظاهر إعلان هذه الحقيقة.




الدرس التاسع


٢١-٢٧ أيار (مايو)


أصنام النّفْس (ودروس أخرى من المسيح)






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: جامعة ٩ : ١٠؛ متى ١٨ : ١-٤؛ متى ١٨ : ٢١-٣٥؛ ١٩ : ١٦-٣٠؛ غلاطية ٣ : ٢١ و ٢٢؛ متى ١٩ : ٢٧.


آية الحفظ: « فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: ‘فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟’ » (متى ١٨ : ١).


ككائنات بشرية، نحن نِتاج بيئتنا وثقافتنا. فإن هذه الأمور تشكّل إلى حد كبير قِيَمِنا ومعتقداتنا ومواقفنا. فسواء كنت قد نشأت في منطقة حَضَرية أو في قرية بدون مياه نقية، فإن هذا لا يُحدِث فرقا: فإن الثقافة والبيئة التي نشأت وترعرعت فيها هي التي جعلتك ما أنت عليه. وحتى لو كنت قادراً على الذهاب إلى بيئة مختلفة، فإن البيئة التي ترعرعت فيها ستترك بصماتها وتأثيرها عليك إلى أن تموت. وللأسف، فإن معظم بيئاتنا وثقافاتنا تعمل، وإلى حد كبير، ضد مبادئ ملكوت الله. فعلى كل حال، نحن نعيش في عالم ساقط، لذا فإن قِيَمَه وآدابه العامة وعاداته غالباً ما تعكس تلك الحالة الساقطة. وهل من أمور أخرى يمكن عكسها؟ إنه من الصعب جداً بالنسبة لنا أن نرى شيئاً غير تلك الحالة الساقطة، لأننا منغمسون جداً في ثقافتنا وبيئتنا.


إن عمل الله في قلوبنا يهدف، من بين أمور أخرى، إلى توجيهنا إلى قِيم وأخلاقيات ومعايير ملكوت الله. وكما سنرى في درس هذا الأسبوع، فإن هذه القِيم والأخلاقيات والمعايير تختلف كثيراً في أغلب الأحيان عن تلك التي وُلدنا وترعرعنا فيها. وكان على التلاميذ تعلّم تلك الدروس، كما نحتاج نحن إلى تعلّمها أيضاً.


نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٨ أيار (مايو).




عَظَمَةُ التواضع


مَن لا يطمح إلى العَظَمَةِ؟ بمعنى، مَن منَّا لا يريد أن يكون عظيماً أو أن يقوم بأعمال عظيمة؟ إن هذه الرغبة لا تنشأ دائماً بدافع الأنانية أو حب الذات أو التَكَبّر. بل يمكن لهذا الطموح أن يتمثّل في رغبتك في القيام بما عليك القيام به من أمور على أفضل وجه، ربما على أمل أن يؤول ما تقوم به على جلب البركة للآخرين. (انظر أيضاً سفر الجامعة ٩ : ١٠).


مع ذلك، فإن المشكلة تكمن في تعريف «العَظَمَة.» فكم من السهل بالنسبة لعقولنا البشرية الساقطة إدراك هذا المفهوم بطريقة تختلف اختلافاً كبيراً عن نظرة الله إليه.


اقرأ متى ١٨ : ١-٤. وفقاً لما قاله يسوع، ما هي العَظَمَةُ الحقيقية، وكيف لنا أن نفهمها بطريقة تمكّننا من تطبيق تلك العَظَمَة على حياتنا؟


عند تعريف المسيح للعظمة، دعا طفلاً ليقف أمامه ومن ثم قال « ‘فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ’ » (متى ١٨ : ٤). لم يتحدث المسيح عن أن يكون المرء مبشراً عظيماً أو رجُلَ أعمال عظيم، أو حتى فاعل خير (متصدِّق) عظيم. العَظَمَةُ، في نظر الله، هي ما نحن عليه من الداخل وليس ما نقوم به في الظاهر، هذا على الرغم من أن ما لا شك فيه هو أن ما نحن عليه من الداخل سوف يؤثر على ما نقوم به في الظاهر.


لاحظ أن المسيح يعرّف العَظَمَة بطريقة معظم الناس لا يعرّفُونَها بها. فعلى كل حال، مَن مِنّا يستيقظ في يوم ما ويقرر أن العَظَمَة التي يريدها في الحياة هي أن يكون متواضعاً مثل طفل صغير؟ يبدو الأمر غريباً بالنسبة لنا أن نطمح إلى شيء من هذا القبيل، ولكن سبب استغرابنا من ذلك هو أننا ملوثون بمبادئ وأفكار ومفاهيم العالم الساقط الذي نعيش فيه.


ما معنى أن تكون متواضعاً مثل طفل صغير؟ إن أحد مؤشرات التواضع هو الطاعة، ووضع مشيئة الله قبل مشيئتنا. فإذا كنت على طريق الخطأ في حياتك فإن السبب في ذلك هو أنك تقف على مسارك الخاص بك. والحل بسيط: تواضع وارجع إلى مسار الله مرة أخرى، من خلال إطاعتك لكلمته. فإنه لو كان آدم وحواء قد بقيا متواضعين لما أخطئا. إنه لمِن المثير للاهتمام ملاحظة أن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر كانتا كلتيهما موجودتين في وسط الجنة. ففي كثير من الأحيان لا يكون كلاً من الحياة والدّمار بعيدين عن بعضهما البعض. والخط الفاصل بينهما هو التواضع.






عَظَمَة المغفرة


إنَّ أسوأ عواقب السقوط يمكن رؤيتها في العلاقات بين الأشخاص. فبدءاً من آدم الذي حاول إلقاء اللوم على حواء عند ارتكابه للخطية (تكوين ٣ : ١٢) وصولاً إلى هذه اللحظة من عالمنا، أُفْسِد وتدهور جنسنا البشري نتيجة الصراع بين الأفراد وبعضهم البعض. وللأسف، الصراعات ليست في العالم الدنيوي فحسب لكنها في داخل الكنيسة كذلك.


اقرأ متى ١٨ : ١٥-٣٥. ماذا يخبرنا المسيح هنا؟ لماذا نحن في كثير من الأحيان لا نتبع كلامه لنا؟


دعونا نواجه الأمر: إنه من الأسهل أن تذهب من وراء الشخص وتشكو منه بدلاً من الذهاب إليه مباشرة والعمل على تسوية الأمور العالقة بينكما. وهذا بالضبط هو السبب في أننا لا نريد أن نفعل ذلك، على الرغم من أنه قد طُلب مِنَّا القيام بذلك مِن قِبل الرب. ومع ذلك، يعلّمنا المسيح أن نذهب مباشرة إلى الشخص الذي ألحق بنا الأذى ونحاول استعادة علاقتنا معه. وإذا لم يكن الشخص متقبلاً لذلك الأمر، فهناك تعليمات إضافية.


« ‘لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ’ » (متى ١٨ : ٢٠). انظر إلى السياق هنا؛ فإن الأمر يتعلق بالتأديب واسترداد شخص آخر. (نحن نميل إلى تطبيق هذه الآية على نطاق أوسع، بدلاً من تطبيقها على أنفسنا بصفة شخصية.)


يقول المسيح أن الروح القدس يكون حاضراً عندما تكون هناك مجموعة صغيرة تحاول استرداد شخص مؤمن. هذا هو العمل الجميل الذي يقوم به الفداء. ويبدأ أمر استرداد الشخص من خلال القيام، بتواضع، بعمل الشيء الصواب والتحدّث بصورة مباشرة مع الشخص الذي أضرّ بك. وهذا، أيضاً، سيكون مثالاً آخر على عظمة أولئك الذين يقومون بشيء من هذ القبيل.


اقرأ متى ١٨ : ٢١-٣٥. ما هي النقطة الهامة التي يؤكد عليها المسيح في هذه الآيات؟


عندما يقول المسيح أنه علينا أن نغفر «إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» فإن ما يقوله في واقع الأمر هو أنه لا يجب علينا أن نتوقف عن المغفرة. إن المسيح جادٌ بشأن ضرورة أن نغفر ونسامح، ليس لمنفعة الآخرين فحسب وإنما لمنفعتنا نحن أيضاً. انظر إلى مدى قوة المثل الذي نطق به المسيح ليؤكد على أهمية المغفرة. فإنه يمكن أن تُغفر لنا أموراً كثيرة مِن قِبل الله والناس؛ وهذا هو كل ما تدور بشارة الإنجيل حوله، إنه الغفران (انظر خروج ٣٢ : ٣٢؛ أعمال الرسل ٥ : ٣١؛ كولوسي ١ : ١٤)، ولكن إذا كنا لا نغفر للآخرين، بالطريقة التي غُفر لنا بها مِن قِبل الله، فإنه يمكننا مواجهة عواقب وخيمة.






أصنام النَّفْس


اقرأ متى ١٩ : ١٦-٣٠. بوصفنا مسيحيو العهد الجديد، كيف يمكننا النظر إلى هذه القصة اليوم؟ ما هي الدروس التي يمكننا الاستفادة منها في هذه القصة؟


على الرغم من أننا لم نُخبر بالكثير من الأمور المحددة عن هذا الشخص، إلا أنه يمكننا ملاحظة بعض النقاط البارزة. كان هذا الرجل غنياً ورئيساً (انظر لوقا ١٨ : ١٨)، وكان على ما يبدو يتبع شريعة الله بالتزام شديد جداً. ويمكننا أن نرى أيضاً أنه كان يشعر أن حياته ينقصها شيء ما. وإلى حد ما، يذكّرنا ذلك الأمر بقصة مارتن لوثر؛ فعلى الرغم من أنه كان راهباً تقياً في الظاهر، إلا أنه كان في داخل نفسه غير راضٍ عن حياته الروحية، وكان يُصارع مع فكرة يقين الخلاص. وفي كلتا الحالتين، شَعَرَ الرجلان أن الهوّة بينهما وبين الله ما كانت لتُرْدَم بواسطة أعمالهما الخارجية.


«كان هذا الرئيس يقدر بره الذاتي تقديرا عظيما ولم يكن في الحقيقة يظن نفسه ناقصا في شيء، ومع ذلك فهو لم يكن راضيا عن نفسه كل الرضى فلقد أحس بحاجته إلى شيء لم يكن يملكه. أفلا يمكن أن يباركه يسوع كما بارك الأولاد ويشبع حاجة نفسه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٨٩).


قد يقول بعض الناس أن المسيح، في هذه القصة، كان يُعلّم بأننا نحصل على الحياة الأبدية اعتماداً واستناداً إلى أعمالنا الحسنة. فعلى كل حال، يقول المسيح في متى ١٩ : ١٧ «وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا.» لو كان هذا هو النص الوحيد في الكتاب المقدس بشأن هذا الموضوع لكان بمقدور المرء أن يجادل هنا مبرهناً صحة الإدعاء بأنه يمكننا الحصول على الحياة الأبدية بواسطة الأعمال الحسنة. لكن هناك نصوصاً كثيرة أخرى بشأن هذا الموضوع، خاصة في كتابات بولس، تُعلّم بأن الناموس لا يخلّص ولكنه بالأحرى يُشير إلى حاجتنا للخلاص (انظر رومية ٣ : ٢٨؛ غلاطية ٣ : ٢١ و ٢٢؛ رومية ٧ : ٧). بدلاً من ذلك، لا بد وأن المسيح كان يوجّه هذا الإنسان الحاكم إلى أن يرى حاجته الشديدة إلى ما هو أكثر مما كان يقوم به. فعلى كل حال، إذا كان بإمكان حفظ الناموس وحده أن يخلّصنا، لكان هذا الرجل قد حصل على الخلاص بالفعل، بما أنه كان مُدَقّقاً جداً في حفظه للناموس. إن بشارة الإنجيل بحاجة إلى اختراق القلب والنفاذ إلى أصنام النفس مباشرة، ويجب أن يتم التخلي عن أي شيء نتشبث به ويقف عائقاً أمام علاقتنا مع الله. وفي حالة هذا الشاب، كان المال هو العائق. وقد أشار المسيح إلى كيف أنه من الصعب على الإنسان الغني الحصول على الخلاص؛ ومع ذلك، فإنه بعد هذا الحوار بفترة قصيرة، يسرد لنا لوقا في إنجيله القصة الجميلة المتعلقة بحصول زَكَّا، الغَنِيُّ، على الخلاص (انظر لوقا ١٩ : ١-١٠).






«فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟»


ما الذي جرى بعد حادثة الشاب الغني مباشرة؟


«فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ وَقَالَ لَهُ: ‘هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟’ » (متى ١٩ : ٢٧).


لا يرد ذِكر أي شيء في النص الكتابي يخبرنا عن الدافع وراء هذا السؤال، ولكن يمكن أن يكون ذلك مجرد ردّ فعل مباشر لما فعله الشاب الغني حيث ترك المسيحَ ومضى حزيناً. فقد بدا أن بطرس كان يعني ضمناً أنه هو والتلاميذ الآخرين قد تركوا كل شيء من أجل المسيح، وبأنهم ليسوا مثل هذا الرجل وغيره مِمَّن رفضوا المسيح، أو مِمَّن بقوا معه فترة من الوقت ثم تركوه. فقد رأى بطرس أنه قد ظلّ هو والتلاميذ الآخرون أمناء للمسيح رغم التكلفة الشخصية الكبيرة. وهكذا، فإن السؤال هو: «فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟»


من منظورنا اليوم، قد ننظر إلى هذا السؤال على أنه مؤشر آخر إلى مدى ما كان عليه التلاميذ من قساوة قلبية وبلادة روحية (وهذا صحيح إلى حد ما). ومن ناحية أخرى، لماذا لا يسأل المرء سؤالاً مثل السؤال الذي طرحه بطرس؟ لماذا لا يحق لبطرس أن يسأل عن ما سيحصل عليه نتيجة إتباعه المسيح؟


فعلى كل حال، الحياة هنا صعبة، حتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم أفضل ما تقدمه هذه الحياة. نحن جميعاً عُرضة للصدمات والمحبطات والآلام الناجمة عن وجودنا في عالم ساقط. في القرن التاسع عشر، كتب مفكرٌ إيطاليٌ يُدعى جياكومو ليوباردي عن التعاسة الطاغية التي يُعاني منها البشر، وقال أنه «مادام الإنسان يشعر بالحياة فإنه سيشعر كذلك بالاستياء والمعاناة والألم.»


إن الحياة في كثير من الأحيان هي صراع، والخير في هذا العالم لا يتساوى دائماً، من حيث توافره وانتشاره، مع الشر. لذا فإن سؤال بطرس يبدو منطقياً جداً. ولأن الحياة صعبة، فما هي الاستفادة التي تأتينا مِن إتِّباع المسيح؟ ما الذي نتوقعه من إقدامنا على التكريس الذي يطلب المسيح مِنَّا أن نتحلّى به؟


كيف ردَّ المسيح على سؤال بطرس؟ (انظر متى ١٩ : ٢٨-٢٠ : ١٦.)


لاحظ أن المسيح لم يوبّخ بطرس على أنانيته، أو ما شابه، وإنما أعطاه جواباً واضحاً جداً من البداية، ومن ثم نطق بالمَثَلِ المتعلّق بالعمّال وأجورهم. وعلى الرغم من أن كثيراً من النقاش والجدال قد دار حول معنى هذا المَثَل، إلا أن النقطة الأساسية واضحة: إننا سوف نحصل من المسيح على ما وَعَدنا به.






«نَسْتَطِيعُ»


إنه لكي نحكم بشكل جيد على قصة اليوم الخاصة بيعقوب ويوحنا (وأمهما) في متى ٢٠ : ٢٠-٢٧، علينا أولاً أن نقوم بقراءة لوقا ٩ : ٥١-٥٦. فقد وقع هذا الحَدَث عندما كان المسيح وتلاميذه في طريقهم إلى أورشليم، وكان ذلك قبل أيام من سؤال يعقوب ويوحنا بشأن ما إذا كان يمكنهما الجلوس عن يسار ويمين يسوع في الملكوت.


اقرأ متى ٢٠ : ٢٠-٢٧. ماذا تخبرنا الآيات في لوقا ٩ : ٥١-٥٦ عن مدى استعداد يعقوب ويوحنا للجلوس على يسار ويمين المسيح في الملكوت؟


من الواضح أن يعقوب ويوحنا، ابنا الرعد، كان إنشغالهما بمستقبلهما أكثر بكثير من إنشغالهما بخلاص مَن حولهم، حتى بعد أن كانا قد أُرسلا للتبشير في المناطق المجاورة. إن هذه القصة، بطريقتها الخاصة، هي إلى حد ما شبيهة بما نظرنا إليه في درس الأمس حول سؤال بطرس المتعلق بما سيحصلون عليه مقابل إتباعهم للمسيح.


أمعن التفكير في إجابة المسيح هنا. « ‘فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا’ » (متى ٢٠ : ٢٢). وبعبارة أخرى، معنى أن تنتفع بالمجد المستقبلي للمسيح هو أن تشاركه أولاً في معاناته وموته، وهو الشيء الذي لم يتوقعانه ولم يكونا مُستعدَين له. وحقيقة أنهما أجابا على الفور، « ‘نَسْتَطِيعُ’ » (متى ٢٠ : ٢٢) تُظهر أنهما لم يعرفا ما كان يحذرهما المسيح بشأنه. لكنهما كانا سيعرفان ذلك في نهاية المطاف.


ويَرِد هنا تَنَاقُضاً مثيراً للاهتمام، وهو تناقض نحن بحاجة إلى التفكير فيه فيما يتعلق بأنفسنا. فكما رأينا في درس الأمس، نحن قد وُعدنا بأشياء رائعة، بل وُعدنا حتى «بالحياة الأبدية» (متى ١٩ : ٢٩) إذا نحن إتبعنا يسوع. في الوقت نفسه أيضاً، يوضّح الكتاب المقدس أن إتّباع المسيح في هذا العالم يَسْتَلزِم تكلفة، وأحياناً تكون تلك التكلفة كبيرة جداً. وكان المسيح نفسه قد قال لبطرس في وقت لاحق أنه سيموت شهيداً (انظر يوحنا ٢١ : ١٨ و ١٩). وقد دفع كثير من المؤمنين على مرّ التاريخ، بل وحتى اليوم، ثمناً باهظاً لإتّباعهم المسيح. في الحقيقة، قد يكون من الحكمة أن نسأل أنفسنا ما إذا كان هناك شيء خطأ في سيرنا مع الرب إذا كنا لم ندفع بعد ثمناً باهظاً لإتباعنا له. ومع ذلك، فإنه أياً كانت التكلفة، فهي لا تزال تكلفة رخيصة مقارنة بما قام به المسيح من أجلنا.






لمزيد من الدرس


على مرّ العصور دافع بعض الناس عن ما يُطلق عليه في بعض الأحيان اسم «القانون الطبيعي.» وعلى الرغم من أنَّ هذا القانون يأتي في العديد من الأشكال والصور، إلا أن الفكرة التي ينطوي عليها هي أنه يمكننا أن نستمد من العالم الطبيعي مبادئ أخلاقية يمكن أن تساعد في توجيه تصرفاتنا. وبمعنى آخر، فإنه بالنسبة لنا كمسيحيين يؤمنون أن الطبيعة هي «الكتاب الثاني» لله، نحن يمكننا أن نقبل بأن هناك شيئاً من الحقيقة في الفكرة أعلاه. على سبيل المثال، انظر إلى حديث بولس في رومية ١: ١٨-٣٢ بشأن ما لا بد وأن الناس قد عرفوه عن الله من خلال العالم الطبيعي. وفي الوقت ذاته، أيضاً، نحن لا يمكننا أن ننسى أن هذا عالم ساقط، وبأننا ننظر إليه ونتصوّره بعقول ساقطة ومفسدة بالخطية. لذلك فإنه ليس من المفاجئة أن نستخلص دروساً أخلاقية خاطئة من الطبيعة. على سبيل المثال، كان الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهو واحد من أعظم العقول البشرية في العصور القديمة، من مؤيدي العبودية واسترقاق البشر وذلك استناداً إلى فهمه للطبيعة. فبالنسبة له، تُعلن الطبيعة عن فئتين من الناس، إحداهما «أدنى مرتبة وأقل شأنا من الفئة الأخرى، تماماً كما أن الحيوان أدنى شأناً من الإنسان.» هذا هو مجرد مثال واحد من بين العديد من الأمثلة التي يمكننا إيجادها حول كيف أن المبادئ والقِيم والأفكار الدنيوية تتضارب مع تلك التي لملكوت الله. ولهذا نحن جمعياً، بغض النظر عن المكان الذي وُلدنا أو ترعرعنا فيه، بحاجة إلى دراسة كلمة الله لنستمد منها الأخلاقيات والقِيم والمبادئ التي ينبغي أن تحكم حياتنا. فإنه ما من شيء آخر يُعد جديراً بالثقة في حد ذاته.




الدرس العاشر


٢٨ أيار (مايو) - ٣ حزيران (يونيو)


المسيح في أورشليم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: زكريا ٩ : ٩؛ متى ٢١ : ١-٤٦؛ رومية ٤ : ١٣-١٦؛ رؤيا ١٤ : ٧-١٢؛ أعمال الرسل ٦ : ٧؛ متى ٢٢ : ١-١٥.


آية الحفظ: «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ‘أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!’ » (متى ٢١ : ٤٢).


قال المسيح في متى ٢٠ : ٢٧ و ٢٨ « ‘وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، ٢٨ كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.’ » نجد هنا أن المسيح، الإله السرمدي الذي خَلق كل الأشياء، والذي عاش حياة خادِم هنا على الأرض، يُلبّي احتياجات الضالين والمرضى والمعوزين، وهم الذين كان معظمهم لا يزالون يسخرون منه. إننا بالكاد نبدأ في فهم مثل هذا النوع من الْإِيثَار وَالتَّضْحِيَة ونكران الذات من جانب المسيح. ورغم أن حياة الخدمة التي عاشها المسيح مثيرة للإعجاب والدهشة إلا أنَّ ما هو أكثر إثارة للإعجاب والدهشة هو أن الله السرمدي، الله المتجسّد، قد عمل على تنفيذ القصد الأساسي من مجيئه إلى الأرض، ألا وهو « ‘لِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ’ ». وقد بلغَ الْإِيثَار وَالتَّضْحِيَة ونكران الذات من جانب المسيح ذروته في سِرِّ نجد أنه حتى الملائكة «تَشْتَهِي... أَنْ تَطَّلِعَ» عَلَيْهِ (١بطرس ١ : ١٢) - وهذا السِّر هو الصليب. سنلقي نظرة على درس هذا الأسبوع وعلى بعض الأحداث الرئيسية والتعاليم التي نادى بها المسيح عندما جاء إلى أورشليم، لا لأن يُتوَّجَ ملكاً دنيوياً، كما كان يرجو ويأمل الكثير من الناس، وإنما لكي يُصير «خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ» (٢كورنثوس ٥ : ٢١).


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٤ حزيران (يونيو).




المجيء المتنبأ عنه


بعد السبي الذي دام ٧٠ عاماً، بدأ اليهود في العودة إلى أورشليم. وقد كانوا متحمسين لإعادة بناء الهيكل، ولكن إذْ تم وضع أساسات الهيكل، أدرك أولئك الذين تذكروا الَّذِينَ رَأَوْا الْبَيْتَ [الهيكل] الأَوَّلَ الرائع الذي بناه سليمان في السابق، أن هذا الهيكل الثاني لن يكون بأي شكل من الأشكال قريباً من روعة وبهاء هيكل سليمان. ولهذا «بَكَوْا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ» (عزرا ٣ : ١٢).


وقد حصل الشعب على بعض التشجيع غير المتوقع من رجُلَين كان يقفان في وسطهم: نبي عجوز يُدعى حَجَّي ونبي شاب يدعى زكريا. وقد قام النبي حَجَّي بتذكير الشعب بأن المجد الحقيقي لهيكل سليمان لم يكن بفضل ما قام به سليمان أو أي شخص آخر. وقال لهم بأن ذلك الهيكل لم يكن هيكل سليمان، وإنما كان هيكل الله. قال حَجَّي: «لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ» (جحي ٢ : ٦-٩).


بل وقد صارت الأمور أكثر تفاؤلاً عندما تكلم النبي الشاب زكريا قائلاً: «اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ» (زكريا ٩ : ٩).


كيف تنطبق هذه النبوءات المذهلة على الآيات التي متى ٢١ : ١-١١، الخاصة بدخول المسيح إلى أورشليم؟


«اتبع المسيح العادة اليهودية التي كانت تراعى عند دخول الملوك، فقد ركب دابة كما قد اعتاد ملوك إسرائيل أن يفعلوا. وكانت النبوة قد سبقت فأنبأت بأن مسيا ينبغي أن يدخل مملكته بهذه الكيفية. وما أن ركب يسوع على الجحش حتى ارتفعت هتافات الانتصار إلى عنان السماء وشقت أجواز الفضاء. وقد حيته الجموع كمسيا ملكهم. قبل المسيح الآن الولاء الذي لم يسبق له أن سمح به، كما قبل التلاميذ هذا كبرهان على أن انتظاراتهم المفرحة ستتحقق إذ يرونه جالسا على العرش. وقد كانت الجموع تعتقد أن ساعة تحررهم قد أذنت، وحملهم الخيال على أجنحته فرأوا كأن جيوش الرومان قد طردت من أورشليم وكأن دولة إسرائيل قد عاد إليها استقلالها» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٣٥).






المسيح في الهيكل


منذ الأيام الأولى للبشرية الساقطة، كانت الذبائح الحيوانية هي الوسيلة التي اختارها الله لتعليم العالم خطة الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان في المسيا القادم (انظر رومية ٤ : ١٣-١٦). ويمكن إيجاد مثال قوي لهذه الحقيقة في الأصحاح الرابع من سفر التكوين حيث قصة قايين وهابيل والمأساة التي أعقبت ذلك، والتي كانت العبادة سبباً لها، من بين أمور أخرى (انظر أيضاً رؤيا ١٤ : ٧-١٢٣). وهكذا، فإنه عندما دعا الله بني إسرائيل ليكونوا شعبه المختار وليكونوا «مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً» (خروج ١٩ : ٦)، قام أيضاً بتأسيس خدمات الهيكل لتكون بمثابة شرح أكمل وأتم للخلاص. فإنه بدءاً من خيمة الاجتماع في البرّية، مروراً بهيكل سليمان، ووصولاً إلى الهيكل الذي تم بناؤه بعد العودة من بابل، كان يتم الإعلان عن البشارة بواسطة أمثلة ورموز خدمات الهيكل.


على الرغم من أن الله هو الموحي بفكرة بناء الهيكل، وعلى الرغم من أنه هو الذي أعطى التعليمات المتعلقة ببنائه وما يُمارس فيه من طقوس، إلا أن كائنات بشرية ساقطة هي التي كانت تقوم بإجراء تلك الطقوس. وكما هو الحال مع أي شيء ينخرط فيه البشر، فقد أصبحت خدمات الهيكل، شيئاً فشيئاً ومع مرور الوقت، أقل قداسة بسبب ممارسات البشر غير المقدسة. وقد كانت هذه هي نفس الخدمات التي وضعها الله من أجل الإعلان عن محبته ونعمته للعالم الساقط. وبحلول الوقت الذي كان يعيش فيه المسيح على الأرض، كانت الأمور قد انحرفت بشكل رهيب بسبب جشع وطمع الكهنة (نفس الأشخاص الذين عُهِد إليهم بإدارة خدمات الهيكل!) «وهكذا ضاعت قُدسية خدمة الذبائح وتلاشت من أذهان الشعب وقلوبهم إلى حد كبير» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٥٤).


اقرأ متى ٢١ : ١٢-١٧. ما هي الدروس التي لنا هنا، كمتعبدين لله؟


كما هو الحال في أماكن كثيرة من الكتاب المقدس، اقتبس المسيح من الأسفار المقدسة لتثبيت أفعاله، وهو دليل إضافي على أنه يجب علينا كأتباع للرب أن نجعل الكتاب المقدس مركزياً فيما يتعلق بمجمل نظرتنا للعالم والنظام الأخلاقي. وبالإضافة إلى اقتباسه من الكتاب المقدس، كان هناك الشفاء العجيب للعُمي والعُرج. وقد قدمت كل هذه الأمور أدلة أكثر قوة وإقناعاً للطبيعة الإلهية للمسيح وخدمته. والمؤسف والمأساوي في الأمر هو أن أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا الأكثر حساسية وتقبّلاً لكل هذه الأدلة كانوا هم الأكثر محاربة للمسيح. فقد كانوا يخشون على كنوزهم الأرضية ومراكزهم بوصفهم «الوكلاء» و «الأوصياء» على الهيكل. وهكذا أخفق الكثيرون في التعرّف على الشيء الذي كانت خدمات الهيكل تشير إليه: الخلاص بالمسيح.






بلا ثمر


كان تطهير المسيح للهيكل عملاً من أعمال الرحمة. لقد كانت الساحات التي يتم فيها البيع والشراء هي الساحات المخصصة للأمم في الهيكل، وقد قَصَد المسيح لبيته أن يكون بيت صلاة وعبادة لجميع الشعوب.


لكن التطهير كان عملاً من أعمال الدينونة كذلك. فإن الكهنة الذين كانوا يديرون شؤون الهيكل قد ضيّعوا فرصتهم لمباركة جميع الشعوب؛ وقد كان يوم دينونتهم وشيكاً. فإذا كان أولئك الناس، بعد كل ما قام به المسيح ليُعلن عن خدمته الإلهية، لا يزالون يرفضون قبوله، فما الذي يمكن أن يحدث سوى أن يحصدوا نتائج خياراتهم الكئيبة؟


اقرأ متى ٢١ : ١٨-٢٢. كيف يرتبط لعن المسيح لشجرة التين بتطهيره للهيكل؟


لقد لعن المسيح شجرة التين لتكون مَثَلاً عملياً حول ما كان سيحدث للعديد من قادة الأمة اليهودية الذين كانوا في النهاية سيحصدون حتماً ما قد زرعوه. مع ذلك، يجب علينا أن نتذكر أن هذا المَثَل لم يكن يشير إلى جميع القادة الدينيين. فإن الكثيرين منهم، في الواقع، قد آمنوا أن المسيح يسوع هو المسيّا المنتظر. «وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ» (أعمال الرسل ٦ : ٧). على أية حال، فإنه كما أن شجرة التين قد يبست لأنها لم تأتِ بثمر، كان الهيكل على وشك أن يَبْطْل لأن خدماته لم تأتِ بثمر كذلك.


لا بد وأن لعن المسيح لشجرة التين وكلماته القاسية لأولئك الذين اساءوا استخدام الهيكل كان بمثابة صدمة قوية للتلاميذ الذين كانوا لا يزالون يحاولون تعلّم دروس الرحمة التي أعلنها المسيح طوال خدمته. كان هذا هو نفس المسيح الذي أعلن أنه لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلّصه؛ نفس المسيح الذي أعلن قائلاً، «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ» (لوقا ٩ : ٥٦). لقد كان كل قول وكل عمل في خدمته مكرساً لاسترداد البشرية الساقطة ولتوجيه الناس نحو الرجاء والوعد بحياة جديدة فيه. لذا فإنّ تصرّف المسيح وحديثه بهذه القسوة، وبهذا الحزم، قد فاجأ التلاميذ، وهذا هو السبب في أن متى كتب يقول أنهم «غَضِبُوا» أو «دُهِشُوا» مما قام به.






الْحَجَرُ


إذا لم يكن لديك سوى بضعة أيام فقط لتعيشها، فما الذي ستقوم به خلالها؟ من بين الأمور التي قام بها المسيح في أيامه الأخيرة، هنا على الأرض بينما كان في الجسد، هو أنه سرد قصصاً كان من شأنها أن تترك أثراً عميقاً في نفوس سامعيه.


اقرأ متى ٢١ : ٣٣-٤٦. إلي مَن يشير كلَّ وصف من الأوصاف التالية؟


صَاحِبُ الْكَرْمِ:


الْكَرَّامُونَ:


العبيد:


الابن:


لاحظ اقتباس المسيح المأخوذ من مزمور ١١٨ : ٢٢ و ٢٣. «إن المسيح إذ اقتبس النبوة الخاصة بالحجر المرفوض كان يشير إلى حادث وقع بالفعل في تاريخ إسرائيل، وكان له علاقة ببناء الهيكل الأول....عندما أُقيم هيكل سليمان أُعدت الحجارة الضخمة التي كان سيُبنى بها الأساس والجدران ، في مقطع الأحجار ، إذ بعد الإتيان بها إلى مكان البناء لم يكن مسموحا بأن تُرفع عليها فأس أو معول أو إزميل ، ولم يكن على الفعلة إلاّ أن يضعوا كل حجر في المكان المخصص له . وقد أُتي بحجر كبير الحجم جداً وغريب الشكل ليوضع في الأساس . ولكن الفعلة لم يجدوا له مكاناً يناسبه فلم يقبلوه. وإذ كان ملقى هكذا في طريقهم دون أن يستعمل كان مصدر كدر ومضايقة لهم. وقد ظل مرفوضاً ومطروحاً أمداً طويلاً. ولكن عندما أراد البناؤون أن يضعوا حجر الزاوية بحثوا طويلاً لعلهم يجدون حجراً ضخماً ومتيناً يتناسب شكله مع شكل الزاوية ليشغل ذلك الفراغ الخاص ويتحمل ثقل البناء كله .... ولكن الأنظار اتجهت أخيراً إلى ذلك الحجر الذي ظل مرفوضاً أمداً طويلاً .... وقُبِلَ الحجرُ ووُضِع في المكان المخصص له ووُجِد أنه يناسبه تماما» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٦٢).






تكْلِفة النعمة


إن الأخبار الرائعة التي نجدها في الكتاب المقدس هي أننا خُلقنا مِن قِبل الله المُحِب الذي وفَّر لنا جميعاً وسيلة للخروج من فوضى الخطية والموت، وذلك من خلال ذبيحة المسيح على الصليب. هذا هو الموضوع الذي يظهر بطريقة أو بأخرى في كل الكتاب المقدس. ويمكننا أن نرى ذلك أيضاً في المَثَلِ التالي الذي سرده المسيح.


اقرأ متى ٢٢ : ١-١٥. ماذا يعلِّمنا هذا المَثَل عن الخلاص بالإيمان؟


رغم ما قد يبدو عليه هذا المَثَل من قسوة، فمِن المهم أن نتذكر أن هناك أموراً مصيرية على المحك: الحياة الأبدية أو الهلاك الأبدي لكل إنسان. في المقابل، هل مِن شيء آخر يهم حقاً؟


عندما ننظر إلى الصليب وإلى ما تكلّفه الله كي يوفّر الخلاص للبشرية، فعندها سنكون قادرين على إدراك مدى عمق وهول ما انطوى عليه هذا الأمر. فإننا نتحدث عن أقنوم من أقانيم الألوهية السرمديين الثلاثة، حَمَلَ غضبَ الله ضد الخطية، وذلك حين وَضَعَ الرب على المسيح إثم جميعنا. لا يمكن أن يكون الأمر أكثر خطورة وجِدّيّة من ذلك. فإذا كان هذا هو الموضوع الذي سوف ندرسه طوال الأبدية، فإنه ليس من المستغرب أنَّ عقولنا بالكاد تستطيع استيعابه في الوَقْتِ الحاضِر.


وبالتالي، نحن لدينا هذه الكلمات الواضحة جداً في المَثَل. لقد قام الله بتوفير وتدبير كل ما يلزم للناس ليكونوا جزءاً من وليمة العرس (انظر رؤيا ١٩ : ٧)؛ فقد كان الله سخياً في توفير كل احتياجاتهم. وقد كانت التكلفة باهظة للغاية لدرجة أنه لا يوجد مَثَلٌ يمكنه أن يصوّر تلك التكلفة بصورة عادلة. لقد كان الموقف الذي اتخذه الناس الذين تمت دعوتهم إلى العرس سيئاً للغاية لدرجة أنهم «تَهَاوَنُوا» وعادوا إلى أعمالهم. بل إنَّ البعض منهم قد قام بالاعتداء على أولئك الذين جاءوا ليقدموا إليهم الدعوة الكريمة. فلا عجب إذاً في أن ردة فعل صاحب العرس كانت صارمة.


ما معنى «رداء العرس»؟ انظر أيضاً رؤيا ١٩ : ٨.


إنَّ الرداء يمثِّل بِرَّ المسيح، وهو البِرُّ الذي يتجلى في حياة وأعمال القديسين. ويُمثِّل الإنسان الذي بلا رداء أولئك المسيحيين المُعْترِفين الذين يطالبون بامتيازات النعمة والخلاص لكنهم لا يسمحون لبشارة الإنجيل بأن تغيّر حياتهم وصفاتهم. وبتكلفة كبيرة، تم اتخاذ كل التدابير اللازمة للاهتمام بأولئك الذين يكترثون بالدعوة. وكما يُظهر هذا المَثَل بعد ذلك، فإنَّ الدخول إلى ملكوت الله يتطلب أكثر من مجرد الظهور عند الباب.


إنَّ الرداء يمثِّل بِرَّ المسيح، وهو البِرُّ الذي يتجلى في حياة وأعمال القديسين. ويُمثِّل الإنسان الذي بلا رداء أولئك المسيحيين المُعْترِفين الذين يطالبون بامتيازات النعمة والخلاص لكنهم لا يسمحون لبشارة الإنجيل بأن تغيّر حياتهم وصفاتهم. وبتكلفة كبيرة، تم اتخاذ كل التدابير اللازمة للاهتمام بأولئك الذين يكترثون بالدعوة. وكما يُظهر هذا المَثَل بعد ذلك، فإنَّ الدخول إلى ملكوت الله يتطلب أكثر من مجرد الظهور عند الباب.




لمزيد من الدرس


برز في صحيفة «لندن» العنوان الرئيسي التالي:


امرأة ميتة في شقة منذ ثلاث سنوات: «العثور على الهيكل العظمي لسيدة تدعى «جويس» على الأريكة وكان التلفاز لا يزال في وضع التشغيل.»


(www.theguardian.com/film/2011/Oct/09/joyce-vincent7


death-mystery-documentary).


هل يُعقل ذلك؟ هل يُعقل أن تكون هناك امرأة ميتة في شقة دون أن يسأل عنها أحد؟ أَلَم يتصل أحدٌ ليطمئن عليها؟ كيف أمكن حدوث هذا وخاصة في عصر الاتصالات التي لا حدود لها تقريباً؟ عندما أُذيع خبر تلك القصة لأول مرة أصبحت حديث العالم كله، بينما أُصيب الناس في لندن على وجه الخصوص بالصدمة والذهول. فكيف يمكن أن تكون هناك سيدة ميتة لفترة طويلة دون أن يعلم أحد عن هذا الموضوع؟ ومع ذلك، فإنه بدون الرجاء والوعد المقدَمين في الإنجيل، وبدون الخلاص الذي كان أمر توفيره لنا مكلّفاً جداً بالنسبة لله، سيكون محكومٌ علينا جميعاً بالنسيان والهجران ذاته الذي عانت منه تلك المرأة المسكينة في لندن. ولكن موقفنا سيكون أسوأ لأنه لن يكون هناك مَن يعثر علينا أو حتى يرثي وفاتنا بعد ثلاثة أعوام أو حتى بعد ٣ بليون سنة من حدث وفاتنا. تتوافق الآراء العلمية حالياً على أنه إن عاجلاً أو آجلاً سيتلاشى الكون كله ويموت في ما يُسمى «الموت الكوني الحراري» أو أي تسمية «سعيدة» من هذا القبيل. مع ذلك، فإن ما يقوله الصليب لنا هو أن هذا الرأي غير صحيح؛ فبدلاً من النسيان الأبدي نحن يمكننا الحصول على الوعد بالحياة الأبدية في سماء جديدة وأرض جديدة. وفي ضوء مثل هذه الآفاق الرائعة التي أمامنا، كيف يمكننا أن نتعلم عدم السماح لأي شخص أو أي شيء أن يقف في طريق حصولنا على ما صارَ متاحاً لنا في المسيح؟




الدرس الحادي عشر


٤-١٠ حزيران (يونيو)


الأحْداثُ الأخيرَة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: خروج ١٩ : ٥ و ٦؛ متى ٢٣؛ يوحنا ١٢ : ٢٠-٢٦؛ متى ٢٤؛ ١تسالونيكي ٤ : ١٦.


آية الحفظ: « ‘فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ’ » (متى ٢٣ : ١٢).


إن المجيء الثاني للمسيح هو ذروة الإيمان المسيحي. كما أن المجيء الأول للمسيح وموته على الصليب هما الإعلان الحاسم للمجيء الثاني. فإنَّ المجيء الثاني ما كان ليحدث دون المجيء الأول، والمجيء الأول عديم الجدوى من دون المجيء الثاني. والمجيئان كلاهما مرتبطان معاً بشكل لا ينفصم من حيث الهدف، حتى وإن كان هناك فاصل زمني يفصل بينهما. وهذا الهدف هو فداء البشرية ونهاية الصراع العظيم. وفيما يتعلق بالمجيء الأول، فهو قد حدث وتمَّ وانتهى؛ وها نحن الآن ننتظر المجيء الثاني بشوق وحماس ولهفة. سننظر في هذا الأسبوع إلى ما هو مدوّن في الأصحاح ٢٣ من إنجيل متى، حيث مُنَاشَدَة المسيح النهائية لبعض قادة اليهود ودعوتهم إلى التوبة وإلى قبولهم المسيح بوصفه أملهم الوحيد في الخلاص. وبعد ذلك، في متى ٢٤، يجيب المسيح على أسئلة متعلقة بالأحداث التي ستجري قبل مجيئه الثاني. وهنا يقدم المسيح صورة مهيبة حقاً، حيث يربط بين دمار أورشليم وبين ما سوف يسبق مجيئه ثانية.


ومع ذلك، وبغض النظر عما ستكون عليه الأمور من صعوبة، حيث ستكون هناك حروب ومجاعات وخيانة، إلا أنه لدينا الوعد المتعلق برؤية « ‘ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ’ » (متى ٢٤ : ٣٠). وبعبارة أخرى، فإنه على الرغم من الأتعاب والأحزان، فنحن لدينا كل الأسباب للفرح والابتهاج.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١١ حزيران (يونيو).




القادةُ العُميان


لقد كان المسيح نفسه هو الذي قاد بني إسرائيل إلى أورشليم بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ. وقد حملهم على أجنحة النسور وأخرجهم من مصر. « ‘تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً’ » (خروج ١٩ : ٥ و ٦).


وبمعنى آخر، كان ما قام به المسيح هو أنّه تقدم لطَلبِ بني إسرائيل على جبل جميل يُدعى جبل سيناء. يقول الأصحاح ٢٤ من سفر الخروج أن القادة والشيوخ صعدوا «وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ.... فَرَأَوْا اللهَ وَأَكَلُوا وَشَرِبُوا» (خروج ٢٤ : ٩-١١). لقد قدّم المسيح كأس عهده إلى إسرائيل، كما يقدّم الرجل كأس محبته للمرأة التي يرغب في الزواج منها كي يمنحها مستقبلاً رائعاً. وقد تسلّم بنو إسرائيل الكأس وقالوا: نعم نريد العيش معك إلى الأبد في أرض الميعاد.


مع وضع هذه الخلفية في الاعتبار، اقرأ الأصحاح ٢٣ من إنجيل متى. ما الذي يقوله المسيح لقادة بني إسرائيل؟ وما هو التحذير الذي يُوجَّهُ إليهم؟ والأهم من ذلك، ما هي الدروس التي يمكننا استخلاصها لأنفسنا فيما يتعلق بالأمور التي انتقدهم الرب بشأنها على وجه التحديد؟ كيف يمكننا التأكّد من أننا لا نصبح مذنبين بارتكاب الأمور ذاتها؟


إن ما يَرِد في متى ٢٣ كان مناشدة أخيرة مُلحة مِن قِبل المسيح للمصالحة مع شعبه. لكن شعبه قد تركه، كما تترك المحبوبةُ محبوبَها. وقد قَبل المسيح بقرارهم. وللمرة الأخيرة، خرج من بيتهم- الهيكل، وقال لهم «هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا» (متى ٢٣ : ٣٨). وبعد أن ترك المسيح الهيكل، أصبح الهيكل مقفراً وفارغاً ومهجوراً مثل البرّية التي كان الرب قد أنقذهم منها في البداية.


كان هناك تحوّل كبير على وشك الحدوث في تاريخ الخلاص، وكان هؤلاء القادة وأولئك الذين كان مِن شأنهم أن يقودوا الشعب إلى الضلال، سيُضّيعون على أنفسهم فرصة الحصول على الخلاص. وفي الوقت نفسه، كان هناك كثيرون آخرون، من اليهود ومن الأمميين منفتحين ومتقبلين لتوجيه الروح القدس لهم، وكانوا سيواصلون العمل العظيم المتعلق بنشر البشارة ودعوة بني إسرائيل إلى التوبة وقبول الخلاص. وكان هؤلاء سيصبحون نسل إبراهيم الحقيقي «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلاطية ٣ : ٢٩). واليوم، نُعَد نحن أيضاً جزءاً من أولئك الأشخاص، وقد حصلنا على نفس الدعوة الإلهية التي حصلوا عليها.




علامات النهاية


بعد توبيخ المسيح لقادة معينين من اليهود بسبب رفضهم له، تسجّل الآيات في يوحنا ١٢ : ٢٠-٢٦ طَلبَاً رائعاً. فقد قيل للمسيح أن هناك أمميين يريدون «أن يروا يسوع». ومع ذلك، فقد طلب أولئك الأمميون من اليهود المُخلِصين للمسيح أن يساعدوهم في تحقيق رغبتهم المتمثلة في رؤية المسيح. وكان شيئاً من هذا القبيل سيحدث بعد ذلك بفترة وجيزة، ولكن على نطاق أوسع بكثير: ففي حين كان بعض اليهود سيرفضون المسيح، كان هناك آخرون منهم سيكونون الوسيلة الأساسية التي من خلالها سيتمكن كثير من الأممين مِن معرفة المسيح. والمدهش في الأمر هو أن هذا الطلب قد جاء مباشرة بعد أن أخبر المسيح القادة أن بيتهم سيُتْرك لهم خراباً. وبالحقيقة، كان القديم سيفسح مجالاً للجديد، وهكذا سيكون الخلاص للأُمَم وكما لليهود، وهو الأمر الذي كان يقصده الله دائماً.


في متى ٢٤ : ١-١٤، ما هي الصورة التي يقدّمها المسيح عن المؤمنين المُخْلِصِين، وعن العالم بشكل عام؟


أعطى المسيح هذه الإجابة رداً على السؤال المتعلق بعلامة مجيئه ونهاية العالم «ولكنه لم يجب تلاميذه بتفصيل عن حوادث خراب أورشليم ويوم مجيئه العظيم كلا على حدة ، ولكنه دمج بين ذينك الحادثين . فلو أنه كشف لتلاميذه عن تلك الحوادث المستقبلة كما قد رآها هو لما استطاعوا احتمال المنظر . فرحمة بهم دمج بين الأزمتين تاركا للتلاميذ المجال ليدرسوا المعنى لأنفسهم .... وقد قدم هذا الحديث كله ليس للتلاميذ وحدهم ولكن لمن سيعيشون في آخر مشاهد تاريخ هذه الأرض» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٩٥).


هناك شيء واحد واضح جداً في جواب المسيح: إن الأحداث التي تسبق مجيئه ليست مُحبَّبة. فإن المسيح لا يتنبأ بأي «مدينة فاضلة» أو مُلْكٍ ألفي من السلام على الأرض. بل إن المتوقع هو الحروب والخيانة والكوارث الطبيعية وكنيسة تواجه الاضطهاد ومُسحاء كذبة، بل وحتى إخوة وأخوات كذبة في الكنيسة. أما الشيء الأكثر إيجابية المصوّر هنا فهو الوعد بأنه سوف « ‘يُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ’ » (متى ٢٤ : ١٤).






خراب أورشليم


اقرأ متى ٢٤ : ١٥-٢٢. ما الذي يتحدث المسيح عنه هنا؟ مرة أخرى، ما هي الصورة التي يقدّمها رداً على الأسئلة التي طُرحت عليه؟


إن «رجسة الخراب» تُفهم بشكل عام على أنها نوع من أنواع التدنيس لما هو مُقدَّس؟ من الواضح أن المسيح كان يتحدث عن خراب أورشليم الذي كان سيحدث في عام ٧٠ ميلادية. وكما رأينا بدرس الأمس، فإن المسيح قد ربط تصويره لهذا الحدث بتلك الأحداث التي سيشهدها العالم قبل المجيء الثاني. «لقد رأى المسيح في اورشليم رمزًا للعالم الذي تقسى في عدم الايمان والتمرد والذي يسرع ليلقي بنفسه تحت طائلة دينونة الله وانتقامه» (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٢٦).


لكنه حتى في ظل الخراب نجد الرب يسعى إلى تخليص جميع الذين سيخصلون. وفي سفر لوقا، نجد أن المسيح في الواقع يطلب من تلاميذه أن يهربوا قبل وقوع الخراب: « ‘وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا، لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ’ » (لوقا ٢١ : ٢٠-٢٢).


وعندما رأى المسيحيون في أورشليم حدوث ما قاله المسيح، هربوا إلى خارج المدينة إطاعة لتعليماته، هذا في حين أن معظم اليهود الذين بقوا في المدينة هلكوا. ويُقدَّر أن أكثر من ربع مليون يهودي قد هلك أثناء حصار أورشليم، كما وقع ٩٧.٠٠٠ يهودياً آخرين في الأسر. «ومع ذلك، فإنه أثناء فترة الإمهال المؤقتة، عندما رفع الرومان الحصار عن المدينة أورشليم بشكل غير متوقع، هرب كل المسيحيين. ويُقَال أنه لم يفقد مسيحي واحد حياته. وقد هربوا إلى ‘بيلا’، وهي مدينة تقع في السفوح الجبلية الواقعة شرقي نهر الأردن، على بعد حوالي ١٧ميلا (حوالي ٢٧ كم) إلى الجنوب من بحيرة الجليل» (موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٥، صفحة ٤٩٩).






المجيء الثاني للمسيح


كان جواب المسيح هنا في متى ٢٤ يتعلق بـ «عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ» (عد ٣)؛ بمعنى مجيء المسيح ليَملُك.


ما هي التحذيرات الأخرى التي يعطيها المسيح في سياق الأحدث السابقة لمجيئه، وكيف شُوهدت هذه الأحداث عبر التاريخ؟ متى ٢٤ : ٢٣-٢٦.


إن المسيح، من منظور البشر، لم يكن سوى مُبشِّر جليلي متجول لديه مجموعة صغيرة من التابعين، ولكنه مع ذلك كان يتنبأ بأن كثيرين سيأتون باسمه، وكل واحد منهم سيزْعُم أنه المسيح. وبطبيعة الحال، هذا هو بالضبط ما حدث على مرّ العصور، بل ويحدث حتى في يومنا هذا. وهي حقيقة تقدم لنا المزيد من الأدلة على صدق كلمة الله.


اقرأ متى ٢٤ : ٢٧-٣١. كيف يتم وصف المجيء الثاني هنا؟ ما الذي سيحدث عندما يأتي المسيح؟


بعد أن حذر المسيح من أن كثيرين سيأتون مدّعين أنهم المسيح، قدم بعد ذلك وصفاً لما سيكون عليه مجيئه حقاً.


أولاً، المجيء الثاني للمسيح هو مجيء شخصي وفعلي. فالمسيح نفسه هو مَن سيعود إلى الأرض. إن الآية التي تقول «لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً» (١تسالونيكي ٤ : ١٦) هي رد قاطع على أولئك الذين يزعمون أن عودة المسيح هي أمر خيالي أو هي ببساطة عصر جديد في تاريخ الإنسانية. إن مجيء المسيح سيكون مرئياً مثل البرق في السماء. «وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ» (رؤيا ١ : ٧). وتكشف صورة البوق أن صوت المسيح سيكون جهوراً بما يكفي حتى لإيقاظ الموتى! والأهم من ذلك هو أن المسيح، الذي اتسم مجيئه الأول بالتواضع، سيأتي عند مجيئه الثاني كملك ظافر (رؤيا ١٩ : ١٦) منتصر على كل أعدائه (وأعدائنا) (١كورنثوس ١٥ : ٢٥).






السهر واليقظة


إن المجيء الثاني للمسيح هو تتويجٌ لكل الآمال المسيحية؛ إنه إتمام وتحقيق لكل ما وُعدنا به. ومن دونه- ما الذي سيحدث؟ إنه لولا المجيء الثاني للمسيح لكنا سَنَبْلى في الأرض بعد الموت كما يفعل الجميع. إنه من دون المجيء الثاني للمسيح وكل ما ينطوي عليه، سيصبح كل شيء آخر متعلق بإيماننا مجرد كذبة ومهزلة وسينطبق علينا كل شيء ادّعاه علينا معارضونا.


لا عجب، إذاً، في أن بعض المسيحيين، وبدافع انتظارهم المتلهف لعودة المسيح قد حددوا موعداً تلو الآخر لعودته. بالطبع، وكما نعلم، فقد ثَبُتَ خطأ كل تاريخ سابق تم تحديده لعودة المسيح.


كيف تشرح الآيتان اللتان في متى ٢٤ : ٣٦ و ٤٦ الأمر الذي يجعل التواريخ المحددة التي يضعها البعض لمجيء المسيح خاطئة دائماً؟


السبب على وجه التحديد هو أننا لا نعرف متى سوف يأتي المسيح، فقد قيل لنا أنه يجب أن نكون مستعدين وأن «نسهر.»


اقرأ متى ٢٤ : ٤٢-٥١. ما الذي يقوله المسيح هنا عن ما يعنيه أن تسهر وأن تكون مستعداً لمجيئه الثاني؟


المسيح واضح في كلامه: نحن لا نعرف متى سوف يعود ثانية. في الواقع، سيأتي عندما لا نتوقع ذلك. لذلك نحتاج إلى أن نكون مستعدين دائماً للقائه عندما يعود. نحن بحاجة إلى أن نعيش وكما لو كان سيأتي في أي وقت، حتى وإن كُنَّا لا نعرف متى على وجه التحديد. أما التفكير في أن المسيح لن يعود إلا بعد فترة طويلة، ولذا يمكنني القيام بما يحلو لي، فهو بالضبط الموقِف الذي يحذّرنا المسيح من اتخاذه. ينبغي أن نسعى إلى أن نكون مُخْلِصين لأننا نحب الرب ونريد عمل ما هو صواب في نظره، بغض النظر عن موعد عودته. إضافة إلى ذلك، أيضاً، وفي ضوء كل النصوص التي تحذّر بشأن الدينونة، خصوصاً ضد أولئك الذين يعاملون الآخرين بشكل سيئ، فإن توقيت المجيء الثاني لا يهم حقاً. فإن الدينونة ستأتي إن عاجلاً أم آجلاً.






لمزيد من الدرس


في سياق الأحداث المصوّرة في متى ٢٤، يقول المسيح أيضاً، «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ» (عد ٣٤). إن هذا النص طالما كان مصدراً للحيرة والإرْباك لأنه من الواضح أن كل هذه الأمور لم تحدث في جيل زماني واحد. كتب الدكتور ريتشارد ليمان في الدليل اللاهوتي للأدفنتست السبتيين يقول «إنَّ الكلمة اليونانية المترجمة ‘الْجِيلُ’ تطابق الكلمة العبرية ‘دُرْ’ التي كثيراً ما تستخدم للإشارة إلى مجموعة أو فئة معينة من الناس مثل ‘جِيلاً زَائِغًا وَمَارِدًا’ (مزمور ٧٨ : ٨). وهكذا فإن المسيح لم يكن يستخدم الكلمة لوصف زمن أو تواريخ وإنما لوصف فئة الأشخاص الشريرة التي كان يُشير إليها. وتوافقاً مع استخدام العهد القديم لمصطلح ‘هذا الجيل’، استخدم المسيح هذا المصطلح للإشارة إلى فئة من الناس دون الإشارة إلى جيل بعينه. وهكذا، فإنّ الجيل الشرير يشمل كل الذين يتشاركون في الصفات الشريرة على مرِّ العصور والأزمان (متى ١٢ : ٣٩؛ ١٦ : ٤؛ مرقس ٨ : ٣٨).» [الدليل اللاهوتي للأدفنتست السبتيين (هاغرستوون: دار ريفيو آند هيرالد للنشر، ٢٠٠٠)، صفحة ٩٠٤]. وبعبارة أخرى، سيبقى الشر حتى نهاية الزمان، إلى أن يأتي المسيح ثانية.




الدرس الثاني عشر


١١-١٧ حزيران (يونيو)


أيام المسيح الأخيرة، قبل الصَليب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ٢٦ : ١-١٦؛ لوقا ١٢ : ٤٨؛ متى ٢٦ : ١٧-١٩؛ ١كورنثوس ٥ : ٧؛ متى ٢٦ : ٣٦-٤٦؛ متى ٢٦ : ٥١-٧٥.


آية الحفظ: « ‘كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ’ » (متى ٢٦ : ٣١).


سننظر في درس هذا الأسبوع إلى الفترة الزمنية السابقة لصلب المسيح مباشرة، حيث بدأ العالم، بل وحتى الكون، في مواجهة أهم لحظة في تاريخ الخَلْق.


هناك العديد من الدروس التي يمكن استخلاصها من الأحداث التي نحن بصدد النظر إليها في درس هذا الأسبوع، لكن وبينما نحن نقرأ دعونا نركّز على حدث واحد منها وهو المتعلق بالحرية والإرادة الحرة. انظر إلى كيفية استخدام الشخصيات المختلفة لعطية الحرية والإرادة الحرة، وهي العطية العظيمة والمُكْلِّفة. انظر إلى العواقب الشديدة بل والعواقب الأبدية التي نجمت عن استخدام هذه العطية، بطريقة أو بأخرى.


كان على كلاً من بطرس ويهوذا والمرأة التي جاءت بالطِّيبِ لتسكبه على رأس المسيح أن يتخذوا خيارات معينة. ولكن الأهم من ذلك كله هو أن المسيح أيضاً كان عليه أن يختار، وكان أعظم اختيار أَقْدَم عليه هو المُضي إلى الصليب، على الرغم من أن طبيعته البشرية قد صرخت ضد هذا الاختيار: « ‘يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ’ » (متى ٢٦ : ٣٩).


إن المفارقة مذهلةٌ: فإن الإرادة الحرة التي أسأنا استخدامها قد أوصلت المسيح إلى هذه اللحظة بالذات، حيث كان على المسيح أن يختار - بمحض إرادته - ما إذا كان سيخلّصنا أَمْ لَا من الدمار الذي جلبه علينا سوء استخدامنا للإرادة الحرة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٨ حزيران (يونيو).




عملٌ حَسَنٌ


سننظر في درس هذا الأسبوع إلى الأيام الأخيرة من حياة المسيح عندما كان هنا على الأرض بالجسد، حيث كان سيذهب إلى الصليب ويقوم من الأموات ويُعلن عن نفسه بوصفه مخلّص العالم، المُخلِّص المصلوب والمُقام. وبقدر ما كان أتباعُ المسيح يحبونه ويقدّرونه، إلا أنه كان لا يزال أمامهم الكثير ليتعلموه فيما يتعلق بهَوُيته وبكل ما كان سيقوم به من أجلهم. إن معرفتنا بما كان المسيح سيقوم به من أجلنا تفوق بكثير معرفة أتباعه آنذاك، وذلك لأنَّ لدينا الآن الكتاب المقدس بعهديه، وخاصة تفسيرات بولس الفعّالة بذبيحة يسوع المسيح الكفارية نيابة عنّا.


مع أخذ هذه الخلفية بعين الاعتبار، اقرأ متى ٢٦ : ١-٢٦. ما هو المغزى من هذه الهدية كَثِيرة الثَّمَنِ، وماذا يجب أن تعلّمنا حول الكيفية التي ينبغي أن نتعامل بها مع المسيح؟


لاحظ كيف يضع متى قصة مَسح رأس المسيح بالطِّيب (والتي يُحتمل أنها حدثت قبل دخول المسيح الانتصاري إلى أورشليم) في إطار ما كان يتم من تآمر متزايد على قتله. ففي حين كان بعض من أبناء شعبه يخططون لأذيته، سكبت هذه المرأة عليه محبة وإخْلاصاً غير محدودَين، حين تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ ومَعَهَا «قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَن» (عد ٧).


وفي حين كان التلاميذ يتأسفون على هذه الخسارة، وصف المسيح ما قامت به هذه المرأة بأنه عملٌ «حَسَنٌ». فإنه مِن خلال هذا التصرّف، المتسم بالإسراف ظاهرياً، كانت المرأة تكشف عن العمق الحقيقي للمشاعر التي في قلبها نحو المسيح. وعلى الرغم من أنها حتماً لم تكن تعرف كل ما كان سيأتي أو ما كان سيعنيه سكب الطِّيب على المسيح، إلا أنها فهمت بما فيه الكفاية لتعرف أنها كانت مدينة للمسيح بالكثير جداً؛ ولهذا أرادت أن تُعيد الكثير جداً، كذلك. وربما تكون هذه المرأة قد سمعت كلماته القائلة، « ‘فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ’ » (لوقا ١٢ : ٤٨). هذا في حين غابت هذه النقطة تماماً عن التلاميذ، رغم أن ما شهدوه من أعمال أجراها المسيح كان حتماً يفوق ما شهدته هي.


«كان هذا الطِّيبُ رمزاً للقلب المُعطي الفيَّاض. لقد كان إعلاناً ظاهراً عن المحبة التي تمَّ تغذيتها مِن قِبل الينابيع السماوية إلى أن فاضت. وذلك الطِّيبُ الذي سكبته مريم على قدمي المسيح، والذي اعتبره التلاميذ إتلافاً، يعيد نفسه ألف مرة في قلوب الآخرين الحَسَّاسة والمُسْتَعِدّة» (روح النبوة، موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٥، صفحة ١١٠١).






العهدُ الجديد


اقرأ متى ٢٦ : ١٧-١٩. ما دلالة وأهمية أن ذلك الوقت كان وقت الْفِصْحِ؟ انظر أيضاً خروج ١٢ : ١-١٧؛ ١كورنثوس ٥ : ٧.


إن قصة «الخروج» هي بالطبع قِصةَ فِداءٍ وإنقاذٍ، وهو العمل الذي قام به الله من أجل أولئك الذين لم يستطيعوا القيام به لأنفسهم. ويا له من رمز مناسب لما كان المسيح على وشك أن يقوم به من أجلنا جميعاً!


اقرأ متى ٢٦ : ٢٦-٢٩. ما الذي يقوله المسيح لتلاميذه؟ ما الذي تعنيه كلماته بالنسبة لنا اليوم؟


لقد كان المسيح يلفت انتباههم إلى المعنى الأعمق للفصح. لقد كان الإنقاذ من مِصْر مظهراً رائعاً من مظاهر سيادة وقدرة الله، لكن ذلك العمل لم يكن كافياً في حد ذاته. فهو لم يكن الفداء الذي كان الشعب العبراني، أو أي واحد مِنّا، يحتاجه حقاً. إننا نحتاج إلى الفداء الذي في المسيح: الحياة الأبدية. «وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ ­ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ ­ يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ» (عبرانيين ٩ : ١٥). لقد لفت المسيح أنظارهم إلى المعنى الحقيقي لنِتَاجِ الْكَرْمَةِ والمعنى الحقيقي للخبز فجميع هذه الرموز كانت تشير إلى موته على الصليب.


وهكذا فإنه وعلى عكس الذبائح الحيوانية التي كانت تُشير قُدُماً إلى موت المسيح، تعود بنا فريضة العشاء الرباني إلى الوراء وتُذكِّرنا بموت المسيح من أجلنا. وفي كلتا الحالتين، فإنّ كل الرموز توجّهنا إلى المسيح على الصليب.


ومع ذلك، فإن الصليب لا ينهي القصة. فإن المسيح عندما قال لتلاميذه أنه لن يشرب من نِتَاجِ الْكَرْمَةِ « ‘إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي’ » (متى ٢٦ : ٢٩)، إنما كان يلفت انتباه تلاميذه إلى المستقبل، إلى المجيء الثاني، وإلى ما بعد هذا المجيء.






بستان جَثْسَيْمَانِي


أثناء أسبوع الفصح، كان الكهنة يقدمون الآلاف والآلاف من الحِملان كذبائح في الهيكل الواقع أعلى التَّل المُطلِّ على وادي قطرون. وكان دم الحملان يُسفك على المذبح ومن ثم يتدفق عبر قناةٍ إلى يَنْبُوعٍ (جَدْوَل أَوْ نُهَيْر) كان يجري عبر وادي قطرون. وكان يمكن لماء الينبوع أن يتحول إلى اللون الأحمر بالفعل بسبب دماء الحملان المتدفّقة فيه. ولا بد وأن المسيح وتلاميذه كانوا قد عبَروا فوق المياه الضاربة للحمرة وهم في طريقهم إلى بستان جثسيماني.


اقرأ متى ٢٦ : ٣٦-٤٦. لماذا كان اختبار جثسيماني صعباً جداً بالنسبة للمسيح؟ ما الذي كان يحدث هناك حقاً؟


لم يكن المسيح خائفاً من الموت الجسدي عندما صلى أن يعبر عنه هذا الكأس. لقد كان الكأس الذي يخاف منه المسيح هو الانفصال عن الله. فقد عرف المسيح أنه لكي يصير خطية من أجلنا، ولكي يموت عِوضاً عنا ويحمل على عاتقه غضب الله ضد الخطية، كان معناه الانفصال عن أبيه السماوي. لقد كان انتهاك ناموس الله المقدس جَسِيماً وفاحِشاً للغاية بحيث تَطَلَّبَ موت مرتكب جريمة هذا الانتهاك. وقد جاء المسيح خصيصاً من أجل أن يأخذ على عاتقه دينونة الخطية، ويموت لكي يجنّبنا نحن هذا الموت.


«وإذ كانت نتيجة المعركة ماثلة أمام المسيح كانت نفسه ممتلئة بالرعب والذهول بسبب انفصاله عن الله. وقد قال له الشيطان إنه إن صار ضامنا للعالم الشرير فقد يصبح انفصاله عن الله أبديا وسيكون هو ضمن رعايا مملكة الشيطان ولن يكون واحدا مع الله فيما بعد.... إذ أتت اللحظة المخيفة التي كانت ستقرر مصير العالم. كان مصير العالم يتأرجح في كفة الميزان. كان يمكن المسيح حتى الآن أن يرفض شرب الكأس التي كان يجب أن يشربها الإنسان الأثيم. لم يكن قد مضى الوقت بعد، فيمكنه أن يمسح عن جبينه ذلك العرق الدموي تاركا الإنسان يهلك في إثمه. كان يمكنه أن يقول: ليقع على الإنسان العاصي قصاص خطيته وعصيانه، أما أنا فسأعود إلى أبي. فهل سيشرب ابن الله كأس الهوان والعذاب المريرة؟ وهل سيتحمل البار عواقب لعنة الخطية ويخلص المذنب؟» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٥١ و ٦٥٤).






يهوذا يبيع نفسه


إن قصة يهوذا محزنة حقاً! فلو أنه مات قبل رحلته الأخيرة إلى أورشليم، فلربما كان من بين أبطال التاريخ المقدس الأكثر تبجيلاً. وكان يمكن لمباني الكنائس أن تحمل اسمه. لكن بدلاً من ذلك، ارتبط اسمه إلى الأبد بالخيانة والغدر.


اقرأ يوحنا ٦ : ٧٠ ولوقا ٢٢ : ٣. كيف تساعد هاتان الآيتان في شرح وتفسير تصرفات يهوذا؟


وبطبيعة الحال، يعد إلقاء اللوم على الشيطان، على ما فعله يهوذا، أمراً لا بأس به، لكن ذلك يطرح السؤال التالي: ما الذي كان يتسم به يهوذا ومكّن الشيطان من أن يقوده إلى أن يغدر بالمسيح بهذه الطريقة؟ فعلى كل حال، نحن نقرأ أن الشيطان أراد أن يستقطب بطرس أيضاً (انظر لوقا ٢٢ : ٣١). مع ذلك، فلا بد وأن يكون ما أحدث الفرق بينهما هو أن يهوذا رفض أن يخضع نفسه لله بشكل تام؛ ولا بد وأنه قد تشبّث بخطية ما، ولا بد وأنه كان هناك بعض الخلل في صفاته، الأمر الذي مكَّن الشيطان من أن يدخل في نفس يهوذا وأن يدفعه إلى القيام بما قام به. وهنا نرى مجدداً عاقبة أخرى من عواقب حرية الاختيار.


اقرأ متى ٢٦ : ٤٧-٥٠ و ٢٧ : ١-١٠. ما هي الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من قصة يهوذا المحزنة؟


في متى ٢٦ : ٤٧-٥٠ نرى يهوذا يقود كتيبة من الجنود (حوالي ٦٠٠جنديا) وكذلك بعضاً من رؤساء الكهنة والشيوخ إلى المكان الذي كان المسيح موجوداً فيه. يا لها من لحظة قوة هائلة بالنسبة ليهوذا! فإنه عندما يكون لديك شيئاً يريده الناس حقاً، فستكون عندها ممتلكاً لقوة هائلة، كما فعل يهوذا هنا. ولا بأس في ذلك، طالما أنه لديك ما يريدونه. لكن إذا كان الناس يهتمون بك بسبب ما لديك فقط، فإنهم لن يعودوا بحاجة إليك في نهاية المطاف، بعد أن يحصلوا منك على ما يريدونه. ففي غضون ساعات، كان يهوذا وحيداً وبدون أي شيء.


وثَمّة درس هام آخر نتعلمه مِن موقِف يهوذا ألا وهو الشيء الذي من أجله باع يهوذا نفسه وأضاعها: ثلاثون قطعة من الفضة؟ وبحسابات اليوم، يُقال أن هذا المبلغ يساوي المبلغ الذي يتقاضاه المرء في عصرنا الحالي عن عمله لمدة تتراوح ما بين شهر واحد إلى أربعة أشهر، اعتمادا على العملة الفضية المقصودة. وحتى لو كان المبلغ الذي تقاضاه يساوي عشرة أضعاف أو مائة ضعف هذا المبلغ، انظر إلى ما خسره يهوذا في المقابل! وكما تُظهر القصة، فإنه قد خسر ذلك المبلغ أيضاً. إن يهوذا لم يتمتع بأي شيء مما حصل عليه. بدلاً من ذلك، قام بإلقاء كل المبلغ تحت أقدام أولئك الذين أعطوه له في البداية. إن عدم جدوى المال الذي حصل عليه يهوذا هو مثال قوي يُظهر لنا عدم جدوى أي شيء يتسبب في جعلِنا نبتعد عن المسيح ونخسر أنفسنا. كان يهوذا قريباً جداً من الحياة الأبدية لكنه اختار أن يتخلى عنها مقابل لا شيء.




إنكار بطرس للمسيح


لقد عَرَف المسيح مسبقاً عن قرار يهوذا بتسليمه، وهو القرار الذي كان نابعاً عن إرادة يهوذا الحُرة. وكانت هذه حالة من حالات كثيرة في الكتاب المقدس تُظهر أن معرفة الله المسبقة لخياراتنا الحُرة لا تنتهك بأي شكل من الأشكال حرية أولئك الذين يُقْدِمون على تلك الخيارات. ولم يكن المسيح يعرف مسبقاً خيانة يهوذا له فحسب، بل كان يعرف مسبقاً أيضاً أن بطرس، رغم تظاهره بالشجاعة، كان في اللحظة الحاسمة سيهرب وينكره.


اقرأ متى ٢٦ : ٥١-٧٥. لماذا أنكر بطرسُ المسيحَ (في اعتقادك)؟


في كثير من الأحيان نفكر في أن الخوف كان هو السبب وراء إنكار بطرس للمسيح. ومع ذلك، فقد كان بطرس (وفقاً لما ورد في إنجيل يوحنا) هو الذي امتلك الشجاعة لاستلال سيفه ضد الجنود الرومان! لقد كان بطرس على استعداد لبلوغ ذروة المجد وقمة العظمة إلى أن أوقفه المسيح.


إذاً، ما الذي تغيّر في بطرس وجعله يُنكر أنه كان يعرف المسيح بعد أن كان قبل ذلك بفترة وجيزة قد مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ محاولاً الدفاع عن سيده؟ لماذا قال أنه لم يكن تلميذاً للمسيح؟ لماذا قال بطرس، « ‘إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!’ » (متى ٢٦ : ٧٢)؟


ربما لأن بطرس أدرك أنه حقاً لم يكن يعرف الرَّجُلَ [أي المسيح]، لم يكن يعرف الهدف من مجيئه إلى الأرض ولم يكن يعرف ما يعنيه إلقاء القبض عليه. لذلك، فإنه في لحظة من الذعر والهلع أنكر أنه يعرف المسيح بالمرة. ربما أنكر بطرسُ المسيحَ عندما أدرك أنه لم يكن يفهم ما كان المسيحُ يقوم به. لقد إسْتَسْلَمَ بطرس عندما رأى ما ظَنَّ هو أنه استسلامٌ مِن جانب المسيح. لقد كان بطرس لا يزال يضع ثقة كبيرة في فهمه بدلاً من وضع ثقته التامة في المسيح، وذلك على الرغم من كل العلامات المدهشة التي كان قد رآها، وعلى الرغم من اعترافه الجريء، النابع عن الإيمان، بأن يسوع هو المسيا (متى ١٦ : ١٦). إن إنكار بطرس للمسيح يجب أن يخبرنا أن كل المعجزات والآيات في العالم لا يمكنها أن تبقينا مخلصين لله ما لم تكن قلوبنا خاضعة بالكامل له.






لمزيد من الدرس


في عام ١٩٥٩، دخل سفَّاحان منزلاً في ولاية كنساس الأمريكية وقتلا الأب والأم في ذلك المنزل، وقتلا كذلك طفلين في سن المراهقة. وقبل أن يتم العثور على السَّفَّاحين، بعث أخو الأم القتيلة بهذه الرسالة إلى الصحيفة المحلية. «هناك الكثير من مشاعر الاستياء والنَقْمَة في هذا المجتمع. فلقد سمعت في أكثر من مناسبة مَن يقول أنه متى تم العثور على الجاني فلا بد وأن يُعدم شنقاً عند أقرب شجرة. دعونا لا نشعر هكذا. إن الواقعة قد حدثت ولا يمكن لإزهاق نفس أخرى أن يغيّر ما قد حدث. بدلاً من ذلك، دعونا نغفر بالطريقة التي يريدنا الله أن نغفر بها. ليس من الصواب أن نحتفظ بالضغينة في قلوبنا. في الواقع، إنَّ مرتكب هذا الفعل سوف يجد أنه من الصعب جداً قبول ذاته والعيش في سلام معها. ولن يحظى بالاطمئنان والسَكِينَة إلا عندما يطلب المغفرة من الله. دعونا أن لا نقف في طريق حدوث هذا الأمر، ودعونا بدلاً من ذلك نصلي من أجل أن يجد ذلك الشخص السلام وسَكِينَة النفس» [ترومان كابوت، بدم بارد (نيويورك: المكتبة الحديثة، ٢٠١٣)، صفحة ١٢٤].


مع وضع الأسئلة المتعلقة بعقوبة الإعدام جانباً، يمكننا أن نرى هنا تعبيراً قوياً عن نوع النعمة التي يقدمها المسيح لنا جميعاً. فإنه بعد قيام بطرس بإنكار المسيح إنكاراً ليس له ما يبرره، نجد المسيح يغفر له ويعْهَد إليه بالعمل المتعلق بربح النفوس. «وها هو بطرس يعلن الآن أنه لا يعرف يسوع. وقد تأكد له الآن وإن يكن بحزن عميق أن سيده كان يعرفه جيداً ويعرف قلبه معرفة دقيقة، ذلك القلب الخادع الذي كان يجهله بطرس نفسه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٧٢). لقد كان المسيح يعرف أعماق بطرس حتى قبل أن يعرف بطرس نفسه ذلك؛ لقد كان يعرف أن بطرس سينكره، حتى قبل أن يعرف بطرس أنه سيفعل هكذا. ومع ذلك، فإن محبة المسيح ونعمته ظلتا ثابتتين، على الرغم من أن بطرس لم يلوم إلا نفسه على تصرفاته. وإذ نتعامل مع الأشخاص الذين يرتكبون أخطاء مماثلة، فإنه من المهم جداً أن نتعلم أن نمنح النعمة لهم، تماماً كما نود أن نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً.




الدرس الثالث عشر


١٨-٢٤ حزيران (يونيو)


مَصلوبٌ ومُقامٌ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ٢٧ : ١١-٢٦؛ يوحنا ٣ : ١٩؛ إشعياء ٥٩ : ٢؛ متى ٢٧ : ٤٥ و ٤٦ و ٤٩-٥٤؛ عبرانيين ٨ : ١-٦؛ متى ٢٨ : ١-٢٠.


آية الحفظ: « ‘فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ’ » (متى ٢٨ : ١٨).


كان هناك إعلان في مجلة بريطانية يسأل ما إذا كان هناك شخص مستعد للتبرع بجسده لخدمة العلوم والأبحاث. ويقول الإعلان أن العلماء كانوا يدرسون عمليات التحنيط التي كان يقوم بها المصريون القدماء، وبأنهم يبحثون عن متطوعين يعانون من مرض عضال ومستعدين للتبرع بأجسادهم بعد الموت. ويزعم هذا الإعلان أن هؤلاء العلماء قد اعتقدوا أنهم قد اكتشفوا سر كيفية قيام المصريين القدماء بالتحنيط وبأنه يمكن للجسد «أن يُحفظ - رُبّمَا لمئات بل حتى لآلاف السنين» (www.independent.co.uk/news/science/now-you-can-be-mummified-just-like-the-egyptians-1863896.html).


وكمسيحيين، نحن لسنا بحاجة إلى أن نقلق بشأن الحفاظ على جثثنا. فلقد وَعدنا الله بشيء أفضل من ذلك بكثير. فإن المسيح الذي بذل نفسه من أجل خطايانا، والذي قام فأصبح «باكورة الراقدين الذين سقطوا» (١كورنثوس ١٥ : ٢٠)، قد مهد الطريق لجثثنا لا لأن تُحفظ مثل مومياءات بعض الفراعنة القدماء فحسب (ومع ذلك، فإنه إذا حدث ونظرت إلى بعض تلك الجثث فستجد أنها ليست جميلة على الإطلاق، على أية حال) ولكن لكي يغيّرنا إلى أجساد غير قابلة للفساد تعيش إلى الأبد.


في هذا الأسبوع، وفي الأصحاحات الأخيرة من إنجيل متى، سندرس الحقائق الخالدة المتعلقة بموت وقيامة الرب يسوع، والرجاء الذي يقدمه لنا هذان الحدثان.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٥ حزيران (يونيو).




المسيح أو باراباس


اقرأ متى ٢٧ : ١١-٢٦. ما هي بعض المضامين الأعمق للخَيَار الذي قُدم للناس والخَيَار الذي أقدموا عليه؟


لقد كان باراباس القاتل هو الذي يُفترض أن يُصلب على الصليب الذي وضع في الوسط. فالمحتمل أن المجرمَين اللذين كانا سيكونان على جانبيه قد كانا شريكيه في القتل والإجرام. باراباس هو ليس الاسم الأول ولكن الأخير. فجزئية «بار» من الاسم تعني «ابن» تماماً كما نقول سمعان «ابن يونا» أو «بارثولوميو» التي تعني «ابن ثولوميو». كانت كلمة بارباس تعني «ابن الآب.» وتدوِّن معظم المخطوطات الأولى الاسم الأول لباراباس على أنه يشوع (يسوع). كان الاسم «يشوع» اسماً شائعاً في ذلك الوقت، ومعناه «يَهْوه يخلِّص.» وهكذا، فإن اسم «بارباس» كان يعني «يهوه يخلِّص» أو «ابن الآب».


يا لها من مهزلة!


«ادعى هذا الرجل أنه هو مسيا، كما ادعى أن له السلطان على أن يغير الأنظمة وأن يصلح الأوضاع المقلوبة في العالم. وإذ خدعه الشيطان ادعى أن كل ما يمكنه الاستيلاء عليه بالسرقة أو بالسلب هو من حقه. وقد عمل أعمالا عجيبة بقوة الشيطان وتبعه بعض الشعب، مما أثار فتنة ضد الحكومة الرومانية. وتحت ستار الحماية الدينية صار وغدا قاسيا متهورا مصرا على التمرد والقسوة. فإذ أعطى بيلاطس الشعب حق الاختيار بين هذا الرجل وبين المخلِّص البريء ظن أنه سيحمِّسهم لأن يلزموا جانب العدل. وكان يرجو أنه سيظفر بعطفهم على يسوع ضد الكهنة والرؤساء» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٩٤ و ٦٩٥).


وقد كان بيلاطس مخطئاً. فإنه ما لم يكن الناس تحت تأثير الروح القدس فإنهم حتماً سوف يقدِمون على الاختيار الروحي الخاطئ، كما فعلت الحشود هنا. وفي النهاية، يجب علينا جميعاً أن نختار بين المسيح أو باراباس، بين المسيح أو العالم الساقط الفاسد، بين الحياة أو الموت. « ‘وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً’ » (يوحنا ٣ : ١٩).






بديلنا المصلوب


«وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: ‘إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟’ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» (متى ٢٧ : ٤٥ و ٤٦). ما معنى هذه الصرخة؟ كيف يمكننا فهم الآثار المترتبة عليها، فيما يتعلق بخطة الخلاص؟


يسجّل متى ما تم تسميته مِن قِبل اللاهوتيين «صرخة التَرْكِ». وكلمة التَرْكِ تعطي فكرة هجر شيء ما، بأن تترك هذا الشيء وحيداً ومحتاجاً. وفي هذه الحالة يمكننا أن نرى شعور المسيح بالهجران مِن قِبل الآب. إن الظلمة التي أحاطت بالأرض في ذلك الوقت كانت ترمز إلى الدينونة الإلهية (إشعياء ١٣ : ٩-١٦؛ عاموس ٥ : ١٨-٢٠؛ إرميا ١٣ : ١٦)؛ لقد كان المسيح يعاني في أعماقه من العواقب المروعة التي للخطية، كان يعاني من الانفصال التام عن الآب. وبالنيابة عنَّا، أخذ المسيح على عاتقه الدينونة الإلهية ضد الخطية، وهي الدينونة التي كان ينبغي أن تكون مِن نصيبنا. «هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ» (عبرانيين ٩ : ٢٨، انظر كذلك ٢كورنثوس ٥ : ٢١). على الصليب، انطبقت على المسيح الكلمات الواردة في مزمور ٢٢ : ١ لأنه وبطريقة فريدة من نوعها كان يعاني مما يعانيه البشر، ألا وهو انفصالهم عن الآب بسبب الخطية، وذلك لأن المسيح قد حمل على الصليب كل خطايا البشر «بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ» (إشعياء ٥٩ : ٢).


ولم تكن معاناته مَزْعُومة أو زائِفة. بل لقد حمل المسيح حقاً غضب الله ضد الخطية؛ وقد حلَّت عقوبة معاصينا عليه وامتلأت نفسه بالذعر والرهبة بينما هو يحمل وطأة الذنب، ذنبنا نحن، على عاتقه. لابد وأن الخطية بغيضة ومقيتة جداً في عيني الله إذ قد تَطَلَّبَ أمر مغفرة خطايانا أن يعاني أحد أقانيم الألوهية الثلاثة من الذنب والعقاب اللذان تستحقانهما الخطية!


ومع ذلك، وحتى في خضم هذا الرعب، صرخ يسوع قائلاً، «إلهي، إلهي!» فعلى الرغم مِن كل مَا كان يَحدثُ له، ظلّ إيمانه كاملاً وغير منقوصٍ! وقد بقي أميناً للنهاية بغض النظر عن المعاناة وبغض النظر عن شعوره بأنه قد تُرِكَ مِن قِبَلِ الآب.






حجاب ممزق وصخور متَصَدّعة


سرد كل كاتب من كتبة الأناجيل قصة يسوع من وجهات نظر مختلفة، لكن كلهم ركزوا على موت المسيح. ومع ذلك، فإن متى وحده هو الذي سجّل في إنجيله تفتّح القبور بعد تمزّق حجاب الهيكل.


اقرأ متى ٢٧ : ٤٩-٥٤. ما معنى هذه الأحداث؟ ما هو الرجاء الذي تُشير إليه هذه الأحداث وتُوجهنا نحوه؟


ماتَ المسيحُ بعدَ أن سخرتْ منهُ الجموعُ، نتيجةَ جهلهم لحقيقةِ كلماته فيما يتعلق بمجيء إيليا ليخلّصه. وكانت سخريتهم مثالاً قوياً آخر، وإن كان محزناً، حول كيف أُسيء فهمه مِن قِبل العديد من بني شعبه.


ثم يسجّل متى بعدها أن الحجاب في الهيكل قد انْشَقَّ من أعلى إلى أسفل. إنًّ ما يرمز إليه ذلك واضح لا لبس فيه: إنَّ عهداً جديداً في تاريخ الخلاص قد بدأ. كما أن خدمات الذبائح التي كانت لفترة طويلة تُشير إلى المسيح لم تعد لازمة. وقد اُستبدل الرمز الأرضي القديم بما هو أفضل من ذلك بكثير.


اقرأ عبرانيين ٨ : ١-٦. ما الذي تقوله هذه الآيات ويساعدنا على فهم ما حدث لنظام الهيكل الأرضي وما تم استبداله به؟


لا يسجّل متى انشقاق حجاب الهيكل فحسب وإنما يشير إلى أن الصخور قد تَشَقَّقَتْ وَالْقُبُور تَفَتَّحَتْ وأن بعض الأموات قد قاموا، وهي أحداث كان حدوثها ممكناً فقط بسبب ما حققه المسيح بموته كبديل عن خطايانا. ويمكننا في إنجيل متى أن نرى حدوث أمور ما كان يمكن لنظام العهد القديم نفسه أن يتسبب في حدوثها أبداً. «لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا» (عبرانيين ١٠ : ٤). وبطبيعة الحال، وحده المسيح هو الذي يمكنه أن يرفع الخطايا. وبالنسبة لنا، فإن النتيجة الهائلة والوعد العظيم المتعلق برفع المسيح لخطايانا، يتمثل في قيامتنا من الأموات. وبدون هذا الوعد، نحن ليس لدينا شيء (انظر ١كورنثوس ١٣ و ١٤ و ١٩). وفي قيامة بعض القديسين (الذين لا نعرف كم كان عددهم) وخروجهم من القبور بعد قيامة المسيح مباشرة، يمكننا أن نرى الرجاء والوعد المتعلقين بقيامتنا في نهاية هذا الدهر.




المسيح المُقام


إن الإيمان المسيحي لا يُرَكَّز على الصليب فحسب ولكن على القبر الفارغ كذلك. والحقيقة هي أن غالبية الناس في العالم، بما في ذلك غير المسيحيين، يؤمنون أن إنساناً اسمه يسوع المسيح الناصري مات على الصليب. وبعد فترة قصيرة من عيش المسيح هنا على الأرض، كانت هناك مراجع تاريخية تُشير إلى المسيح، ومن بينها هذا الاقتباس المأخوذ من كتابات تاسيتوس، المؤرخ الروماني، وفيه نقرأ ما يلي: «نيرون... ألحق أقسى أنواع التعذيب بفئة من الناس يُطْلَق عليهم اسم ‘مسيحيين’...وكانوا مكروهين من قبل عامة الشعب بسبب أعمالهم البغيضة. وقد تعرض «كريستوس»، الذي منه أخذ المسيحيون اسمهم، لعقوبة قاسية في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا، بيلاطس البنطي» [تاسيتوس، ٥٧-١١٧ ميلادية: (www.causeofjesusdeath.com/jesus-in-secular-history).


بَيْنَ حِيْنٍ وآخَر، يكون هناك قليل من الجدل حول ما إذا كان هناك شخصٌ في التاريخ اسمه يسوع المسيح قد أُدينَ وصُلبَ. أما النقطة الأصعب والأكثر إثارة للجدل فهي القيامة: الفكرة التي مفادها أن المسيح الناصري، الذي مات بعد ظهيرة يوم جمعة، أصبح حياً مرة أخرى في صباح يوم الأحد التالي. هذا هو ما يتجادل كثير من الناس بشأنه. وعلى كل حال، كانت مسألة أن يتم صلب يهودي على يد الرومان في اليهودية أمراً شائعاً إلى حد ما. ولكن قيامة يهودي من بين الأموات بعد صلبه تعد مسألة مختلفة تماماً.


ومع ذلك، فإنه بدون هذا الإيمان بالمسيح المُقام، لن يكون لدينا مُعْتَقد مسيحي. كتب بولس: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،» (١كورنثوس ١٥ : ١٤ و ١٩). كان ينبغي لموت المسيح أن يُتبع بقيامته، لأن في قيامته ضمان لقيامتنا.


فيما يتعلق بقصة قيامة المسيح، لدينا خيارين: الخيار الأول هو النظر إلى هذه القصة على أنها دعاية عاطفية كُتبت مِن قِبل عدد قليل من أتباع مُنْعَزِلين للمسيح، وذلك من أجل الإبقاء على ذكراه حية، وهو بنفس الطريقة التي نحاول بها الإبقاء على ذكرى وفاة شخصية معروفة في عصرنا الحالي. أما الخيار الثاني المتعلق بقصة القيامة فهو النظر إليها بشكل حرفي، واعتبارها سردا مباشرا لحدث خارق كانت له تأثيراته على كل إنسان عاش أو يعيش أو سيعيش على وجه الأرض.






المأمورية العظيمة


بالنسبة لكثير من الناس، أحد أكثر الأمور التي قام بها المسيح صعوبة للفهم هو الأمر المتعلق بعودته إلى السماء وتكليف البشر بالقيام بعمل البشارة بالإنجيل. فإننا في كثير من الأحيان نُخيب آماله وآمالنا، وكما تُظهر الأناجيل، فإن أتباعه الأوائل لم يُسْتثنَوا من هذا الأمر. ومع ذلك، فإن المسيح يُظهر محبته لنا واحتياجنا إليه من خلال ائتماننا على القيام بعمل الخدمة والتبشير.


اقرأ متى ٢٨ : ١٦-١٨. قارن كلمات المسيح، «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ» (عد ١٨) مع دانيال ٧ : ١٣ و ١٤. كيف ترتبط هذه الآيات ببعضها البعض؟


اقرأ متى ٢٨ : ١٩ و ٢٠ - آخر آيتين في هذا الإنجيل. ماذا يقول المسيح هنا، وما أهمية كلماته بالنسبة لنا؟


تُشير روح النبوة إلى أن ما يقرب من ٥٠٠ مؤمن كانوا قد تجمعوا على جبل في الجليل بعد قيامة المسيح من الأموات. (انظر ١كورنثوس ١٥: ٦.) إن مأمورية التبشير ببشارة الإنجيل لم تكن مقتصرة على التلاميذ فقط ولكنها مأمورية مكلف بها جميع المؤمنين. «إن الظن بأن عمل ربح النفوس وتخليصها مقتصر على الخدام المرتسمين وحدهم هو خطأ قاتل. إن كل من قد أتى إليهم الوحي الإلهي قد استؤمنوا على الإنجيل. وكل من يقبلون حياة المسيح هم معينون لأن يعملوا على خلاص بني جنسهم. لقد أقيمت الكنيسة لأجل هذا العمل، وكل من يأخذون على أنفسهم عهودها المقدسة قد ارتبطوا بموجب تلك العهود أن يكونوا عاملين مع المسيح» (مشتهى الأجيال، صفحة ٧٧٦).






لمزيد من الدرس


كما فعل كتبة الأناجيل الآخرين، كتب متى عن قيامة يسوع. أيضاً، وكما فعل رفاقه الآخرون من كتبة الأناجيل، فإن متى لم يكتب أي شيء تقريباً حول ما هو معنى القيامة في حد ذاتها. رغم أن كلاً من متى ومرقس ولوقا ويوحنا قد قاموا بوُصِفَ وتصوير قصة القيامة في حد ذاتها، إلا أنهم لم يقدّموا لنا شرحاً لاهوتياً حقيقياً لها، على الرغم من أنها جوهرية جداً بالنسبة للإيمان المسيحي. لكننا نجد في كتابات بولس التفسير الأكثر تفصيلاً حول معنى الصليب. «وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ» (١كورنثوس ١٥ : ٢٠-٢٢). وقد كتب بولس أيضاً أننا «مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ» (كولوسي ٢ : ١٢). كما أن بطرس أيضاً كان لديه ما يقوله حول هذا الموضوع بالغ الأهمية: «الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١بطرس ٣ : ٢١). وعلى الرغم من أننا لا نعرف لماذا لم يُعطِ كتبة الأناجيل أية تفاصيل حول موضوع القيامة، إلا أن بعض الدارسين يرون أن ذلك يُقدّم دليلاً إضافياً على صدق وصحة ما سجلوه من كتابات. فعلى كل حال، إذا كانوا قد كتبوا أناجيلهم بعد عدة سنوات من الأحداث، فلماذا لم يستغلوا هذه الفرصة ويقدموا شرحاً مفصلاً للأمور التي أرادوا أن يصدقها الناس فيما يتعلق بالقيامة؟ فإذا كانت قصة القيامة خُدْعَة واحتيالاً فلماذا لم يغتنموا الفرصة لجعلها تعني ما أرادوا أن تعنيه؟


لكنهم، بدلاً من ذلك، قاموا بكل بساطة بسرد القصة، دون أي محاولة لتزيينها بأية تفسيرات لاهوتية تتعلق بما يفترض أن تعنيه قصة القيامة.




دليل دراسة الكتاب المقدس للربع الثالث ٢٠١٦


إن مرسلية المسيح وخدمته المقدمتين في لوقا ٤: ١٦ـ ٢١ تصوران البشارة كلها على أنها أكثر من مجرد التبشير بالحق المتعلق بالخلاص بالإيمان، هذا على الرغم من أهمية هذا الحق بالنسبة لكل ما نقوم به. يُظهر المسيح أن الكرازة ببشارة الإنجيل تعني أيضاً أن نعبّر تعبيراً ملموسا عن محبتنا وعطفنا وشفقتنا على الفقراء والجياع والمرضى والمنكسري القلوب والمظلومين والمنبوذين والمأسورين.


إن دليل مدرسة السبت للربع الثالث ٢٠١٦، الذي عنوان «دور الكنيسة في المجتمع» من تأليف غاسبار وماي إلين كولن، سيبحث في مسألة الصّفة الشمولية «للبشارة الأبدية» وسيستعرض دور الكنيسة في التأثير على مجتمعاتها بهذه البشارة. نحن نُعرِّف «الكنيسة» على أنها مجموعة من الناس أفرادها مدعوون إلى عيش البشارة الأبدية والكرازة بها بالطريقة المُعرب عنها في خدمة المسيح. وهذا يعني أنه ليس علينا الكرازة بالبشارة فحسب وإنما علينا عيشها في حياتنا من خلال العمل على تلبية احتياجات الآخرين في مجتمعاتنا المحلية.




دور الكنيسة في خدمة المجتمع


المحتويات


١. رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ


٢. استرداد السلطة والسيادة


٣. العدل والرحمة في العهد القديم (الجزء ١)


٤. العدل والرحمة في العهد القديم (الجزء ٢)


٥. المسيح وخدمة المجتمع


٦. اختلط المسيح بالناس


٧. المسيح أحب الخير لهم


٨. المسيح برهن على عطفه


٩. المسيح خدم حاجاتهم


١٠. المسيح ظفر بثقتهم


١١. المسيح أمرهم قائلاً لكلّ منهم: «اتْبَعْنِي»


١٢. الخدمة في المناطق الحضرية في زمن المنتهى


١٣. كيف ينبغي أن ننتظر؟