تحميل قوات الدفاع الشعبي  -    دليل دراسة الكتاب المُقدَّس - الربع الثاني 2016 - إنجيل مَتَّى

  

مقدمة

 

١. ابن داود — ٢٦ آذار (مارس) - ١ نيسان (أبريل) ٦

 

٢. بداية الخدمة — ٢-٨ نيسان (أبريل) ١٤

 

٣. الموعظة على الجبل — ٩-١٥ نيسان (أبريل) ٢٢

 

٤. «قُمْ وَامْشِ!» الإيمان والشفاء — ١٦-٢٢ نيسان (أبريل) ٣٠

 

٥. الحرب المنظورة والحرب غير المنظورة — ٢٣-٢٩ نيسان (أبريل) ٣٨

 

٦. الراحة في المسيح — ٣٠ نيسان (أبريل) - ٦ أيار (مايو) ٤٦

 

٧. رب اليهود والأمم — ٧-١٣ أيار (مايو) ٥٤

 

٨. بطرسُ والصَّخرةُ — ١٤-٢٠ أيار (مايو) ٦٢

 

٩. أوثان النفس (ودروس أخرى من المسيح) — ٢١-٢٧ أيار (مايو) ٧٠

 

١٠. المسيح في أورشليم — ٢٨ أيار (مايو) - ٣ حزيران (يونيو) ٧٨

 

١١. أحداث زمن المنتهى — ٤-١٠ حزيران (يونيو) ٨٦

 

١٢. أيام المسيح الأخيرة، قبل الصليب — ١١-١٧ حزيران (يونيو) ٩٤

 

١٣. صُلِبَ وقَامَ — ١٨-٢٤ حزيران (يونيو) ١٠٢

 

Editorial Office: 12501 Old Columbia Pike, Silver Spring, MD 20904

 

Come visit us at our Web site: http://www.absg.adventist.org

 

Principal Contributor

Martin Pröbstle

 

Co-contributor

Steven Thompson

 

Editor

Clifford R. Goldstein

 

Associate Editor

Soraya Homayouni

 

Middle East and North Africa Union

 

Publishing Coordinator

Michael Eckert

 

Translation to Arabic

Ashraf Fawzy

 

Arabic Layout and Design

Marisa Ferreira and Olivia Adel

 

Publication Manager

Lea Alexander Greve

 

Editorial Assistant

Sharon Thomas-Crews

 

Pacific Press® Coordinator

Wendy Marcum

 

Art Director and Illustrator

Lars Justinen

 

Design

Justinen Creative Group

 

© ٢٠١٦ المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. جميع الحقوق محفوظة. لا يمكن تعديل أو تغيير أو تبديل أو تحويل أو ترجمة أو إعادة إصدار أو نشر أي جزء من دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المقدس للكبار دون الحصول على أذن خطي مسبق من المجمع العام للأدفنتست السبتيين ®. ومصرحٌ لمكاتب الأقسام الكنسية التابعة للمجمع العام للأدفنتست السبتيين ® العمل على الترتيب لترجمة دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المقدس للكبار بموجب مبادئ توجيهية محددة. وتبقى ترجمة ونشر هذا الدليل حقاً محفوظاً للمجمع العام. إن اصطلاح «الأدفنتست السبتيون» وشعار الشعلة هما علامتان تجاريتان للمجمع العالم للأدفنتست السبتيين ® ولا يجوز استخدامها دون الحصول على إذن مسبق من المجمع العام.

 

إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المقدس هو من إعداد مكتب دليل دراسة الكتاب المقدس للكبار التابع للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. والناشر والمشرف العام على إعداد هذا الدليل هو لجنة مدرسة السبت، وهي إحدى اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الإدارية للمجمع العام للأدفنتست السبتيين. إن دليل مدرسة السبت لدراسة الكتاب المقدس المطبوع هو انعكاس لمساهمات اللجنة العالمية للتقييم، وهو يحظى بموافقة لجنة مدرسة السبت للنشر، وبالتالي فهو لا يعكس بالضرورة وجهة النظر المنفردة للمؤلف(أو المؤلفين).



Sabbath School Personal Ministries



إنجيل مَتَّى

 

أثناء ولادته في مدينة وينشستر بماساشوستس، تعرّض ريك هُوُيِت للاختناق نتيجة التواء الحَبْلِ السُّرِّيّ حول عنقه مما تسبب في إصابته بالشلل الدماغي وجَعْلِه غير قادر على السيطرة على أطرافه وأوصاله. وبعد مرور بضعة أشهر على ولادته، أخبر الأطباء أسرة هُوُيِت بأن ريك سوف يعيش في حالة غيبوبة بقية حياته وأنه ينبغي أن يُوضع في مؤسسة ترعى مثل هذه الحالات.

 

وبخصوص هذا الأمر، كتب ريك رايلي في نُبْذَة عن عائلة هُوُيِت تم طباعتها في مجلة الرياضة المصورة (٢٠حزيران/يونيو ٢٠٠٥) يقول: «لكن أسرة هُوُيِت لم تقبل بهذا الاقتراح.» فقد لاحظوا أن عينا رِيك كانتا تتبعانهم في جميع أنحاء الغرفة. وعندما كان عمر ريك ١١ عاماً، قامت الأسرة بأخذه إلى قسم الهندسة في جامعة «تافتس» وهناك استفسرت الأسرة عمَّا إذا كان هناك أي شيء يمكن لقسم الهندسة بالجامعة عمله لمساعدة الصبي على التواصل مع المحيطين به.

 

قال المتخصصون لوالد رِيك، الذي يُدعى دِيك، «ليس هناك طريقة يمكن من خلالها التواصل مع ريك، فإن دماغه لا يستطيع إرسال الرسائل الصحيحة لأعضاء جسمه.»

 

فَرَدَّ دِيك قائلاً، «قولوا له نكتة.» «وقد فعل المتخصصون بقسم الهندسة ذلك. وعندها ضحك ريك. وهكذا تبيّن أن دماغه كان يعمل بشكل جيد.»

 

تم تصميم حاسوب خاص يُمَكِّن ريك من الكتابة عليه بمجرد تحريك رأسه وبالتالي يستطيع التعبير عن نفسه؛ كما أن هذا الجهاز كان قادراً على نطق الكلمات المكتوبة. وهكذا استطاع ريك أخيراً التواصل مع الآخرين. وقد مكَّنته هذه التكنولوجيا من بدء حياة جديدة. واشتملت حياته الجديدة، من بين أمور أخرى، على أن يقوم والده بدفعه بينما يجلس ريك على كرسي متحرك في ماراثون خيري. وبعد السباق، طبع ريك على الحاسوب ما يلي، «يا أبي، عندما كنا نركض معاً لم أشعر أنني معاق بعد الآن!»

 

وقد عزم الأب على جعل ابنه يشعر بهذا الشعور كلما كان ذلك ممكناً. وبعد مرور أربع سنوات، ركض الأب وابنه في ماراثون «بوسطن» معاً. ثم اقترح أحدهم أن يشترك الأب وابنه في «ترياثلون»، وهو سباق ثلاثي أشبه بالماراثون، يبدأ بالسباحة ثم ركوب الدراجات ثم ينتهي بالركض. ومنذ ذلك الحين، اشترك الاثنان في المئات من الأحداث الرياضية، حيث كان يقوم الأب إما بسحب ابنه أو دفعه إلى الأمام أثناء اشتراكهما في السباقات معاً. وقد طبع ريك على حاسوبه الكلمات التالية: «مما لا شك فيه أنَّ أبي هو الأب المثالي للقرن.» نحن لدينا الكثير من القواسم المشتركة مع ريك هُوُيِت، لأن لدينا أباً سماوياً يحبنا محبة تفوق حتى محبة دِيْك لابنه رِيْك. وهو يهتم بنا و قد ضحى بابنه الوحيد من أجلنا. ومثل رِيْك، فقد عملت آثار الخطية المأساوية والمدمرة على إصابتنا جميعاً بالشلل. ولا يمكننا بقوتنا الخاصة أن نحيا بأي شكل من الأشكال حياة قريبة من الحياة التي كان المقصود لنا أن نحياها. ومهما حاولنا جاهدين، فإننا لن نحسِّن أنفسنا بما فيه الكفاية لنُخَلِّصَ أنفسنا. «لقد صيرت الخطية حالتنا حالة غير طبيعية، فالقوة التي تُرجعنا يجب أن تكون فوق الطبيعة، وإلا فلا قيمة لها» (روح النبوة، آفاق عيش أفضل، صفحة ٤٥٢ و ٤٥٣). فلا بد وأن يأتي خلاصنا من خارج أنفسنا لأنه لا بد وأن يكون واضحاً لنا الآن أننا لا نستطيع أن نُخَلِّصَ أنفسنا.

 

ولهذا السبب ينظر الناس في بعض الأحيان إلى السماء ليلاً طالبين معونة «مُخلِّصٍ» ما. وكان بنو إسرائيل يطلقون على هذا المُخلِّصِ المنتظر اسم «ابن داود» وهو الذي نَعْرِفه باسم يسوع الناصري. وإنجيل متى، موضوع دراستنا لهذا الربع، هو سردٌ، بإلهام من الروح القدس، لقصة المسيح. كان متى واحداً من اليهود الذين آمنوا بالمسيح، وكان واحداً من تلاميذ المسيح الأوائل. ويروي متى قصة المسيح من منظوره الشخصي، ولكن بإلهام من الروح القدس. وعلى الرغم من القواسم المشتركة بين إنجيل متى وأناجيل كلاً من مرقس ولوقا ويوحنا، إلّا أن الموضوع الذي يركّز عليه متى بصورة خاصة هو تجسّد وحياة وموت وقيامة وصعود المسيح. ويركّز متى بقوة أيضاً على حقيقة أن المسيح هو المسيا المنتظر. لقد أراد متى لقرائه أن يعرفوا أن خلاص إسرائيل كان بواسطة المسيح الذي تحدث عنه الأنبياء والذي كانت جميع رموز العهد القديم تشير إليه.

 

وعلى الرغم من أن جمهور متى كان يهودياً في المقام الأول، إلا أن رسالته الخاصة بالرجاء والفداء تتحدث إلينا نحن أيضاً؛ فإننا أشخاص مثل رِيكي هُوُيِت بحاجة إلى شخص يفعل من أجلنا ما لا يمكننا أبداً القيام به لأنفسنا.

 

ونقرأ في إنجيل متى قصة المسيح وهو يقوم بذلك العمل من أجلنا.

 

آندي ناش، دكتوراه في الفلسفة، هو أستاذ جامعي وقس في جامعة «سوثرن» الأدفنتستية في كوليدجال، تينيسي. وقد قام بتأليف العديد من الكتب بما في ذلك «كنيسة أكوام القش» و كتاب بعنوان: «إنجيل متى: ‘خلِّصنا الآن، يا ابن داود.’ »

 

دليلك في الطريق إلى وطنك السماوي

 

تواصل مع الله بفعالية أكثر!

 

إن مبادرة "آمنوا بأنبيائه" هي برنامج مدته خمس سنوات يأخذك في رحلة عبر الكتاب المقدس وقراءات مختارة من مؤلفات الن ج. هوايت. قم بالحصول على قراءات يومية من الكتاب المقدس، وقراءات تفاعلية مع غيرك من القراء، وكذلك بعض المقاطع من مؤلفات روح النبوة.

 

متحدون في الصلاة: هي مبادرة نلتزم فيها بالصلاة معاً مع الآخرين باستخدام طرق تقليدية أو مبتكرة. احصل على طلبات أسبوعية وشهادات أو أفكار متعلقة بالصلاة من أعضاء كنيستك حول العالم.

 

قم بالاشتراك في هاتين المبادرتين من خلال التسجيل على الموقع التالي:

 

http://www.RevivalandReformation.org

 

وشارك أفكارك والشهادات الخاصة بك.

 

حلقة عالمية للصلاة

 

برنامج عالمي لدراسة الكلمة المقدسة

 

صلاة يومية مع إخوتنا وأخواتنا في المسيح حول العالم

 

دراسة يومية لكلمة الله ومؤلفات روح النبوة

 

قم بتحميل

 

نسختك الإلكترونية المجانية

 

من دليل دراسة الكتاب المقدس عبر الموقع التالي:

 

www.menapa.com

 

 

اشترك في

 

رسالتنا الإخبارية

 

المجانية

 

تزوّد بآخر المعلومات المتعلقة بكل

 

إصداراتنا الجديدة!

 

+961 1 690290 | www.menapa.com

 

شارع الفردوس، السبتية، جديدة المتن، بيروت، لبنان ١٢٠٢٢٠٤٠

 

جمعية اتحاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للنشر

 

الدرس الأول

 

٢٦ آذار (مارس) - ١ نيسان (أبريل)

 

ابن داود






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ١؛ مرقس ١٢ : ٣٥-٣٧؛ إشعياء ٩ : ٦ و ٧؛ رومية ٥ : ٨؛ يوحنا ٢ : ٢٥؛ إرميا ٢٩ : ١٣؛ متى ٢ : ١-٤.

 

آية الحفظ: «لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (متى ١ : ٢١).

 

بإلهام من الروح القدس، بدأ متى إنجليه بسرد سلسلة نَسَب؛ ولكنها ليست مجرد أي سلسلة نَسَب، وإنما هي سلسلة نَسَب المسيح. وعند سرد متى لسلسلة النَسَب هذه قام بالكشف عن بعض الأسلاف الذين قد لا يرغب معظم الناس في الإعلان عن ارتباطهم بهم.

 

ولأن متى كان هو نفسه منبوذاً، فربما أمكنه الشعور بما يعنيه الانتماء لمثل هذا الأصل والنَّسَب. فقد كان متى جابي ضرائب يهودي، وقد قَبِلَ التعامل مع العدو بل وقد دفع للرومان كي يعيّنوه في هذا المنصب ليُحَصِّل الضرائب من بني شعبه من اليهود. فالمؤكد هو أن متى لم يكن محبوباً مِن قِبَل بني أمته.

 

ومع ذلك، قد ينظر الناس إلى المظهر، لكن الله يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ. ولا شك في أن المسيح قد نظر إلى قلب متى واختاره ليكون من بين تلاميذه، على الرغم من أنه كان جابياً للضرائب. وقد قبل متى الدعوة التي قدمها له المسيح وتخلى عن حياته الماضية وعاش حياة جديدة في المسيح.

 

وهكذا تَبِعَ متى الربَ يسوع وقام بتوثيق ما جرى من أحداث ليعيد لبني شعبه وللعالم أجمع شيئاً هو ليس عبارة عن «إيْصال» خاص بالضرائب وإنما سردٌ فريدٌ لحياة المسيح.

 

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢ نيسان (أبريل).




سفر التكوين

 

«كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ...» (متى ١ : ١).

 

في البداية، يُطلق متى على ما يقوم بتدوينه اسم «كتاب» (وهي كلمة مأخوذة من اللغة اليونانية «بيبلوس»، والتي يمكن أن تعني «كِتَابَة مقدسة»، إنه «كتاب النَّسَب» المتعلق بأسلاف المسيح. في الواقع، إن الكلمة اليونانية المترجمة «النَّسَب» أو «الجيل» مُشتقة من كلمة يمكن أن تترجم «تكوين». وهكذا فإنه يمكن القول أن متى بدأ إنجيله بـ «كتاب تكوين.»

 

وكما بدأ العهد القديم نفسه بسفر تكوين يتحدث عن خلق العالم، فإن إنجيل متى (وبالتالي العهد الجديد نفسه) يبدأ بكتاب عن الخالق نفسه وعن عمل الفداء الذي لا يستطيع أحد سوى الخالق أن يقوم به.

 

ماذا تخبرنا هذه الفقرات الكتابية عن المسيح؟ يوحنا ١ : ١-٣؛ عبرانيين ١ : ١-٣؛ ميخا ٥ : ٢؛ مرقس ١٢ : ٣٥-٣٧.

 

«فمنذ أيام الأزل كان المسيح ‘واحداً مع الآب’. كان ‘صورة الله’، صورة عظمته وجلاله وبهاء مجده.» «إن المسيح إذ حل بيننا كان لا بد له أن يعلن الله للناس والملائكة. لقد كان هو كلمة الله وفكر الله مسموعاً» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ١٧).

 

مع ذلك، فإن ألوهية المسيح لم تكن هي ما يشغل بال متى، وذلك على نقيض يوحنا (انظر يوحنا ١ : ١-٤)، الذي بدأ إنجليه بالكتابة عن لاهوت المسيح مباشرة قبل الخوض في الحديث عن الجانب البشري للمسيح (انظر يوحنا ١ : ١٤). بدلاً من ذلك، يركّز متى كثيراً على ناسوت المسيح بوصفه «ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». ثم يقوم بعد ذلك بتتبع النَّسَب البشري للمسيح بدءاً من إبراهيم وصولاً إلى ولادة المسيح. وقد فعل متى ذلك رغبة منه في أن يُظهر لقرائه أن يسوع الناصري كان في الحقيقة هو المسيّا الذي تم التنبؤ عنه في نبوات العهد القديم.






نَسَبٌ ملكي

 

مهما كانت وجهات النظر المختلفة لليهود فيما يتعلق بمجيء المسيا، إلا أنَّ هناك شيئاً واحداً مؤكداً: كان المسيا سيأتي من نسل داود. (فإنَّ الكثيرين من اليهود اليوم الذين ينتظرون المسيا، يؤمنون أنه يجب أن يأتي من نسل داود.) وهذا هو السبب في أن متى قد بدأ إنجيله بالطريقة التي بدأه بها؛ فقد أراد أن يُرَسّخ هَوِيّة المسيح بوصفه المسيا. ولأنه كان من المقرر أن يأتي المسيا من نسل إبراهيم (تكوين ٢٢ : ١٨؛ غلاطية ٣ : ١٦)، الذي يُعتبر أبو الأمة اليهودية، وكذلك من نسل داود، لذا فإن متى كان يسعى بصورة مباشرة إلى إظهار نسب يسوع وإبراز كيف أن المسيح لا يرتبط بإبراهيم فحسب (مثلما يرتبط به معظم الإسرائيليين) لكنه يرتبط كذلك بالملك داود. ويعتقد العديد من المُفَسّرين أن متى كان يضع في الاعتبار جمهور اليهود في المقام الأول عند كتابة إنجيله؛ ومن هنا جاء تركيزه الشديد على ترسيخ أوراق اعتماد يسوع الناصري بوصفه المسيا.

 

اقرأ الفقرات التالية. كيف تساعدنا على فهم النقطة التي كان متى يحاول التأكيد عليها؟

 

٢صموئيل ٧ : ١٦ و ١٧

 

إشعياء ٩ : ٦ و ٧

 

إشعياء ١١ : ١ و ٢

 

أعمال الرسل ٢ : ٢٩ و ٣٠

 

يساعدنا كل هذا على فهم السبب الذي جعل متى يبدأ إنجيله بالطريقة التي بدأه بها: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ» (متى ١ : ١). أولاً وقبل كل شيء، يُوصَف المسيح على أنه «ابن داود.» وكما يبدأ العهد الجديد بهذا الوصف المقدّم عن المسيح، نجد المسيح في نهاية العهد الجديد يقول هذه الكلمات أيضاً: «أَنَا يَسُوعُ، أَرْسَلْتُ مَلاَكِي لأَشْهَدَ لَكُمْ بِهذِهِ الأُمُورِ عَنِ الْكَنَائِسِ. أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ. كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ» (رؤيا ٢٢ : ١٦). وبالإضافة إلى كل شيء آخر يتصف به المسيح، يبقى المسيحُ «أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ.»

 

يا لها من شهادة قوية لطبيعة المسيح البشرية ولناسوته الذي كان لازماً لإتمام خطة الخلاص؛ فقد ربط خالقنا نفسه بنا بطرق نحن بالكاد يمكننا أن نتصورها.




سِلْسِلَةُ النّسَب الأولى للمسيح

 

من الذي يأتي في سِلْسِلَةِ نَسَب المسيح قبل داود؟ متى ١ : ٢ و ٣.

 

عادة، لم تُدْرَجْ النساء تدرجن في سلسلة الأنساب؛ إذاً، ما الذي يجعل اسم امرأة تدعى ثَامَارْ يدرج هنا؟ ومَن هي في الأساس؟

 

كانت ثَامَارْ امرأة كنعانية تزوجت، بالتتابع، باثنين من ابناء يهوذا، حيث مات زوجها الأول فتزوجت بأخيه. وقد مات كلاً من هذين الابنين في الشر بينما كانت ثامار بدون أطفال. وقد وعدها حماها، يهوذا، بأنه سيزوجها بابنه الثالث عندما يكبر هذا الابن. لكن هذا لم يحدث أبداً.

 

إذاً، ما الذي فعلته ثامار؟ لقد قامت بتغطية وجهها وتنكرت في زي عاهرة وضاجعت يهوذا الذي لم تكن لديه أدنى فكرة بأن هذه المرأة هي كَنَّتُه ثامار. وبعد بضعة أشهر، وبعد أن اتضح أن ثامار حُبلى، اتخذ يهوذا قراراً بأن تموت حرقاً بسبب فعلتها اللاأخلاقية؛ ذلك بالطبع قبل أن تُعلن ثامار ليهوذا بأنه والد الطفل.

 

ومهما بدا ذلك وكأنه تمثيلية درامية مُتَدَنٍّيةٌ، إلا أنه لا يزال جزءاً من النَسَب البشري للمسيح.

 

اقرأ متى ١ : ٤ و ٥. مَن هي أيضاً الشخصية التي يتم إدراجها وتعتبر مستغربة ومُفَاجَأَة إلى حد ما؟

 

إنها راحاب، الزانية الكنعانية. هذا على الأقل ما كان يبدو فِي ظاهِرِ الأَمْر. فإنه بعد أن ساعدت راحاب في حماية الجاسوسين في كنعان، انضمت إلى شعب الله، ويبدو أنها تزوجت من شخصٍ جاء المسيح من نسله.

 

من هما أيضاً السيدتان اللتان جاء المسيح من نسلهما؟ متى ١ : ٥ و ٦.

 

كانت راعوث امرأة فاضلة ولكنها، ولخطأ ليس خطأها، جاءت من أمة موآب المكروهة - وهي الأمة التي جاءت إلى الوجود نتيجة علاقة محرّمة بين لوط الذي كان في حالة سكر وبين إحدى ابنتيه. وبالطبع كانت زوجة أوريا، بثشبع، هي المرأة التي استدعاها داود بأنانية بينما كان زوجها أوريا في المعركة. فقد كان داود، أيضاً، خاطئاً بحاجة إلى مخلّص. ورغم أن داود كان يتمتع بالعديد من الصفات الحميدة المتميزة، لكن من المؤكد هو أنه لم يكن نموذجاً لرَبّ الأسرة المثالي.






ونحن بعد خطاة

 

ما الذي تقوله الفقرات الكتابية التالية عن الطبيعة البشرية؟ ما هي الأدلة القوية التي لدينا حول صِحّة وصِدْق هذه الأمور المتعلقة بالطبيعة البشرية؟ رومية ٣ : ٩ و ١٠؛ ٥ : ٨؛ يوحنا ٢ : ٢٥؛ إرميا ١٧ : ٩.

 

إن ما نحتاج إلى أن نؤكد عليه، رغم أنه سبق وتم التأكيد عليه كثيراً ولكنه جديرٌ بالتكرار، هو أن الكتاب المقدس لا يرسم صورة وردية للإنسانية أو للطبيعة البشرية. فإن الحالة المحزنة للبشرية جلية وواضحة منذ السقوط في جنة عدن (تكوين ٣) وصولاً إلى سقوط بابل في الأيام الأخيرة (رؤيا ١٨). وعلى الرغم من أننا نميل، على سبيل المثال، إلى جعل الأيام الأولى للكنيسة قبل «الارتداد» مثالاً لنا (٢تسالونيكي ٢ : ٣)، إلا أن ذلك خطأ (انظر ١كورنثوس ٥ : ١)، فنحن جميعاً بشر ساقطون ومنسحقون، وهذا يشمل النَّسَب الذي جاء منه المسيح.

 

كتب الباحث مايكل ويلكينز الآتي: «لا بد وأن صِدْق وتَميُّز هذا النَّسَب قد أذهل قرّاء إنجيل متى. فقد كان أسلاف المسيح بشراً لهم نقائصهم البشرية وكذلك الامكانات التي للأشخاص العاديين. وقد عمل الله من خلالهم على تحقيق خلاصه. ليس هناك وَتِيرَةً متواصلة من البِرِّ في نسب المسيح. فإننا نجد في نسبه زناة وزانيات وأبطالاً وأمميين. فقد كان رحبعام الشرير هو والد الشرير أَبِيَّا الذي كان والد الملك الصالح آسَا. وكان آسَا والد الملك الصالح يهوشافاط...، الذي كان والد الملك الشرير يَهُورَامُ. لقد كان الله يعمل على مَرّ الأجيال، الصالحة والشريرة، لتحقيق مقاصده. ويُظهر لنا إنجيل متى كيف أنه يمكن لله استخدام أي شخص- مهما كان مهمشاً أو محتقَراً - لتحقيق مقاصده. أولئك هم الأشخاص الذين جاء المسيح لخلاصهم» [تفسير زوندرفان المصور لخلفيات الكتاب المقدس: متى (غراند رابيدز: زونديرفان، ٢٠٠٢)، صفحة ٩].

 

تلك هي النقطة التي علينا أن نتذكّرها، ليس فقط عندما ننظر إلى الآخرين ولكن عندما ننظر إلى أنفسنا كذلك. فهل مِن مسيحي لا يشعر بالإحباط في مرحلة ما من مراحل سيره مع الرب؟ وهل من مسيحي لا يتشكك في إيمانه ويتساءل ما إذا كان حقاً قد اهتدى؟ وفي كثير من الأحيان، تكون طبيعتنا الساقطة وخطايانا ونقائصنا هي في الواقع ما يعمل على شعورنا بالإحباط. وبالتالي فإنه يمكننا، بل وينبغي لنا في خضم هذا اليأس، أن نستمد الرجاء من حقيقة أن الله يعرف كل هذه الأمور وبأن المسيح قد جاء إلى هذا العالم من أجل خلاصنا.






ميلاد الابن الإلهي لداود

 

نقرأ في الأصحاحين الأول والثاني من إنجيل متى الأحداث المتعلقة بميلاد المسيح. من المحتمل أن المسيح لم يُولد في ٢٥كانون الأول (ديسمبر). فاستناداً إلى التوقيت الذي أجرى فيه زكريا الكاهن خدمات الهيكل، يرى علماء الكتاب المقدس أن المسيح ربما يكون قد وُلد في فصل الخريف عندما كانت الأغنام لا تزال في الحقول، وربما كان ذلك في أواخر أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر).

 

إن المفارقة الكبيرة هي أن بعضاً من أوائل الناس الذين سعوا إلى عبادة المسيا اليهودي كانوا من الأمم. وفي حين كان معظم الشعب الذي ينتمي إليه المسيح (وكذلك الملك هيرودس، الذي كان نصف يهودي، والذي كان مصاباً بجنون العظمة) كانوا يعتقدون أنهم يعرفون مَن هو المسيا الذي يترقبون مجيئه، إلا أن هؤلاء المسافرين من الشرق كانوا يتسمون بقلوب وأذهان مفتوحة. كان المجوس، أو الرجال الحكماء، فلاسفة موقرين من بلاد فارس، وكانوا مكرِّسين حياتهم للسعي في طلب الحق أياً كانت الجهة التي يأتي منها. فلا عجب إذن في أنهم وجدوا أنفسهم يسجدون لمَن كان هو نفسه «الحق» متجسداً. وعلى الرغم من أن السياق مختلف، إلا أنه يمكننا أن نرى هنا مثالاً على حقيقة الكلمات التي نُطِق بها قبل ذلك بقرون سابقة، «وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ» (إرميا ٢٩ : ١٣).

 

اقرأ متى ٢ : ١-١٤. ما هو التناقض الذي نجده بين موقف هؤلاء المجوس وبين موقف الملك هيرودس؟

 

لقد سجد هؤلاء الوثنيون وتعبدوا للمسيح، وذلك على نقيض ملك الأمة الذي سعى بدلاً من ذلك إلى قتل المسيح! وينبغي لهذه القصة أن تكون بمثابة تذكير قوي بأن الانتماء إلى كنيسة ليس ضماناً على أن علاقة المرء بالله على ما يرام. ويجب أن تكون بمثابة تذكير أيضاً بأن الفهم الصحيح للحق هو أمر ذات أهمية بالغة. فإنه لو كان لدى كلاً من هيرودس والكهنة فهماً أفضل للنبوات المتعلقة بالمسيا، لأدرك هيرودس أن المسيح لم يكن ليشكّل الخطر والتهديد اللذين كان هيرودس يخشاهما. ولكان هيرودس سيدرك عندها أن «ملك اليهود» هذا لم يكن شخصاً يدعو للقلق أو مصدراً للإزعاج، على الأقل فيما يتعلق بمسألة اهتمام هيرودس بالاحتفاظ بسلطته السياسية المباشرة.






لمزيد من الدرس

 

تمعن في هذا الاقتباس المأخوذ من كتابات روح النبوة، «بهذه الكيفية يمكن لكل خاطئ أن يأتي إلى المسيح ‘لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا’ (تيطس ٣ : ٥) . فعندما يأتيك الشيطان قائلا لك إنك خاطئ ولا رجاء لك في الحصول على بركة الله قل له أن المسيح قد أتى إلى العالم ليخلص الخطاة. إننا لا نملك شيئا به يمكننا أن ننال حظوة لدى الله ، ولكن الحجة التي يمكننا أن نقدمها الآن وفي كل وقت هي حالتنا ، حالة العجز التام التي تجعل قوته الفادية أمرا لازما لنا كل اللزوم» (مشتهى الأجيال، صفحة ٢٩٤). يا لها من فكرة قوية: إن «حالة العجز التام» هي التي تجعل من الضروري أن يكون المسيح فادياً لنا. لا يختلف هذا الحق سواء عندما نأتي إلى المسيح لأول مرة، أو إذا كنا نسير معه طوال حياتنا. فإننا مثل أولئك الأشخاص الواردة أسماؤهم في نَسَب المسيح من الجانب البشري، خطاةٌ بحاجة إلى النعمة. رغم أن إطاعتنا للناموس وتغلّبنا على الخطية وعلى التجربة وكذلك نمونا في المسيح، هي من مكونات الحياة المسيحية، إلا أنها نتائج الخلاص وليست سبباً له. فسواء كان اللص على الصليب أو «قديس» سينتقل إلى السماء عند المجيء الثاني للمسيح إلّا أن حالتنا جميعاً هي «حالة العجز التام التي تجعل قوته الفادية أمراً لازما لنا كل اللزوم.» إنه لمن الضروري للغاية عدم نسيان هذه الحقيقة الأساسية.




بداية الخدمة






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ٣ : ١-١٢؛ ٢بطرس ١ : ١٩؛ فيلبي ٢ : ٥-٨؛ متى ٤ : ١-١٢؛ إشعياء ٩ : ١ و ٢؛ متى ٤ : ١٧-٢٢.

 

آية الحفظ: « ‘هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ’ » (متى ٤ : ١٩).

 

يسعى البشر جاهدين إلى معرفة المعنى والهدف من حياتهم، وكذلك كيفية عيش هذه الحياة. فعلى كل حال، نحن لا نأتي إلى الحياة وبرفقتنا تعليمات مكتوبة وموضوعة تحت أذرعنا حول كيفية العيش، أليس كذلك؟ قال صبي في السابعة عشرة من العمر، يأتي من عائلة ثرية، «أنا لم أكن أفهم معنى الحياة، وما زلت لا أفهم معناها. ولكني كنت أعتقد أن الجميع كانوا يعرفون معنى الحياة وأنه كان هناك سرٌ كبيرٌ يعرفه الجميع ما عداي أنا. لقد ظننت أن الجميع كانوا يدركون سبب وجودهم هنا على الأرض وبأنهم كانوا في مكان ما يسعدون سراً من دوني.»

 

اعترف بول فايراباند، المؤلف وفيلسوف العلوم النمساوي، في سيرته الذاتية بالقول: «وهكذا يمر يوم تلو الآخر وليس من الواضح لماذا على المرء أن يعيش.» ولكننا نجد في الكتاب المقدس وبشارة الإنجيل وقصة المسيح وما قام به من أجلنا، إجابة على هذا السؤال. فإننا نجد في المسيح - في وجوده قبل كل الدهور وفي ميلاده وفي حياته وفي موته وفي خدمته في السماء وفي مجيئه الثاني - أجوبة على أكثر أسئلة الحياة إلحاحاً. سنلقي في هذا الأسبوع نظرة إلى بداية حياة المسيح الأرضية وعمله هنا على الأرض. وسنعرف كيف أن حياته وعمله هما الوحيدان اللذان يمكنهما إعطاء معنى تام لحياتنا وعملنا.

 

*نرجو التعمّق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٩ نيسان (أبريل).




يوحنا المعمدان و «الْحَقِّ الْحَاضِرِ»

 

يبدأ الأصحاح الثالث من إنجيل متى بالإشارة إلى يوحنا المعمدان، والذي تبدأ أول كلمات مدونة له بفعل الأمر «تُوبُوا!» (متى ٣ : ٢). وبطريقة ما، يُعَد ذلك ملخّصاً لِمَا كان الله يقوله للبشرية منذ السقوط: توبوا، اقبلوا غفراني، تخلصوا من خطاياكم، وستجدون فداء وراحة لنفوسكم.

 

ومع ذلك، وبغض النظر عن مدى عالمية وشمولية هذه الرسالة، يضع يوحنا تمييزاً واضحاً لها فيقول أنها رسالة «الحق الحاضر» (٢بطرس ١ : ١٢)، لتكون بذلك رسالة لأولئك الناس في ذلك الوقت أيضاً.

 

اقرأ متى ٣ : ٢ و ٣. ماذا كانت رسالة «الحق الحاضر» التي كان يُبشّر بها يوحنا، بالإضافة إلى دعوته للتوبة والمعمودية والاعتراف؟ (انظر كذلك متى ٣ : ٦).

 

يقوم يوحنا المعمدان هنا بعمل شيء تم القيام به في كل العهد الجديد. إنه يقتبس من العهد القديم. إننا نجد نبوات العهد القديم تنبعث فيها الحياة في العهد الجديد: فمراراً وتكراراً نجد كلاً من المسيح أو بولس أو بطرس أو يوحنا يقتبسون من العهد القديم للمساعدة في إثبات صحة أو تفسير أو حتى برهنة معنى الأمور التي كانت تحدث في العهد الجديد. لا عجب في أن بطرس، حتى في سياق المعجزات التي كان قد شهدها بصفة شخصية، يؤكد عند حديثه عن خدمة المسيح على أنه «عِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ» (٢بطرس ١ : ١٩).

 

اقرأ متى ٣ : ٧-١٢. ما هي الرسالة التي وجهها يوحنا المعمدان إلى القادة؟ ورغم كلماته القاسية، ما هو الرجاء الذي يقدمه لهم هنا، كذلك؟

 

لاحظ كيف كان المسيح محوراً لكل شيء كان يوحنا المعمدان يبشّر به. فإن كل شيء نطق به آنذاك كان يتعلق بالمسيح وبهَويته وبما كان سيقوم به. وعلى الرغم من أن ما نطق به يوحنا كان هو البشارة والأخبار السارة، إلا أنه أوضح أنَّ هناك دينونة أخيرة ستأتي، أي أنه سيكون هناك فصل نهائي بين الحنطة والزَوَانِ، وبأن مَن سيقوم بهذا الفصل هو مَن تم التنبؤ عنه [أي المسيح]. ونجد هنا المزيد من الأدلة على أن البشارة لا تنفصل عن الدينونة. ونجد هنا أيضاً مثالاً على كيف أن حَدَثَاَ المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح يُنظر إليهما في الكتاب المقدس على أنهما حدث واحد. فإننا نرى هنا أن يوحنا، في السياق المباشر للمجيء الأول للمسيح، يتحدث عن المجيء الثاني كذلك.




التباين في البرّية

 

«ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ» (متى ٤ : ١).

 

تخيل هذا المشهد من منظور الشيطان نفسه. فإن الإله المُمجّد الذي عَرَفَه الشيطان على أنه ابن الله قد وضع نفسه آخذاً صورة البشر كي يخلّص الجنس البشري. كان هذا هو نفس المسيح الذي حارب الشيطان ضده في السماء وهو نفسه الذي طرح الشيطانَ وملائكته إِلَى الأَرْضِ (انظر رؤيا ١٢ : ٧-٩). لكن، مَن كان المسيح الآن في نظر الشيطان؟ لقد كان كائناً بشرياً هزيلاً ووحيداً في البرّية دون دعم واضح؟ ومن المؤكد أن المسيح سيكون الآن هدفاً سهلاً لمكر الشيطان.

 

«إن الشيطان وابن الله عندما تقابلا ليتحاربا أولا كان المسيح رئيس جند السماء. والشيطان، قائد العصيان في السماء قد طُرِد آنئذٍ، أما الآن فقد انعكست الحالة كما كان يبدو، فالشيطان يفاخر بامتيازاته المزعومة وبحسن استخدامها» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ١٠٠). يا له من تباين: فعلى الرغم من أن الشيطان قد سعى ذات مرة إلى أن يصير «مِثْلَ الْعَلِيِّ» (إشعياء ١٤ : ١٤)، قام المسيح بإخلاء ذاته من مجد السماء. يمكننا هنا في هذا المشهد الواحد أن نرى الفرق الشاسع بين الأنانية ونكران الذات؛ الفرق الشاسع بين ما هي القداسة وبين ما تفعله الخطية.

 

قارن إشعياء ١٤ : ١٢-١٤ مع فيلبي ٢ : ٥-٨. ماذا تخبرنا هاتان الفقرتان عن الفرق بين صفات المسيح وصفات الشيطان؟

 

تخيّل كيف نظر الملائكة، الذين عَرفوا المسيح في مجده السماوي، إلى ما كان يحدث عندما كان هذان الخصمان يقفان الآن وجهاً لوجه في جو صراع من هذا النوع، صراع لم يختبره أياً منهما من قبل. وعلى الرغم من أننا قد حظينا بامتياز معرفة ما آلت إليه الأمور في ذلك الصراع، إلا أن الملائكة - بل وجميع مَن في السماء - لم يكونوا قد حَظَوا بذلك؛ وهكذا فإنه لا بد وأنهم قد تابعوا هذا الصراع باستغراب واهتمام بالغين.






التّجربة

 

اقرأ متى ٤ : ١-١٢. ما الذي حدث في هذه التجارب؟ لماذا كان يجب أن يَمُرّ المسيحُ بهذه التجارب؟ ما علاقة هذه القصة بالخلاص؟ كيف تَحَمّل المسيح وصمد في وجه هذه التجارب المهولة في مثل هذه الظروف الصعبة، وماذا ينبغي لهذا الأمر أن يخبرنا عن تَحَمُّل التجارب؟

 

تبدأ الآية في متى ٤ : ١ بما يبدو وكأنه فكرة غريبة: فقد كان الروح القدس هو الذي اقتاد المسيح إلى البرّية ليُجرّب من الشرير. هذا في حين أنه من المفترض أن نصلي بأن لا ندخل في تجربة. « ‘وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ’ » (متى ٦ : ١٣). لماذا، إذن، قاد الروح القدس المسيح بهذه الطريقة؟

 

إننا نجد إجابة على هذا السؤال في الأصحاح السابق، وذلك عندما جاء المسيح إلى يوحنا ليعتمد. فعندما رأى المسيحُ أن يوحنا لا يرغب في أن يعمِّده لشعور يوحنا بأنه غير مستحق لأن يقوم بذلك، قال له المسيح، « ‘اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ’ » (متى ٣ : ١٥). وكان معنى أن يُكَمِّلَ المسيح كل بِرِّ هو أن يقوم المسيحُ بكل ما يلزم من أجل أن يكون المسيحُ مِثَالَ البشرية الكامل، ومُمَثِّلها الكامل أيضاً. ولهذا كان عليه أن يعتمد على الرغم من أنه كان بلا خطية.

 

وفي تجربة البرّية، كان على المسيح أن يختبر ما اختبره آدم. وكان بحاجة إلى إحراز النصرة على التجربة، وهي النصرة التي فشلنا جميعاً، من آدم فصاعداً، في إحرازها. وهكذا، فإنه من خلال قيام المسيح بذلك «كان عليه أن يعوّض عن سقوط آدم ويفتديه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٩٨). لكن المسيح قد فعل ذلك في ظل ظروف تختلف تماماً عن الظروف التي كانت تحيط بآدم. وقد برهن المسيح بهذا الانتصار أنه لا عذر لدينا للخطية أبداً، وبأنه لا يوجد أي مبرر لارتكابها؛ وعندما نُجرّب فيجب علينا أن لا نسقط في الخطية بل يمكننا بالإيمان والخضوع لله أن نتغلب عليها ونحرز النصرة. وكما قيل لنا: «قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ» (يعقوب ٤ : ٧ و ٨).






أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ

 

تخبرنا الآية في متى ٤ : ١٢ عن سجن يوحنا المعمدان، وبالتالي نهاية خدمته. وعند هذه النقطة تبدأ خدمة المسيح «رَسْمِيًّا». لا تخبرنا الفقرة الكتابية عن السبب الذي جعل المسيح يذهب إلى الجليل عندما سمع أنه قد تم إلقاء القبض على يوحنا، لكنها تخبرنا فقط أنه ذهب إلى هناك. (انظر أيضاً مرقس ١ : ١٤-١٦ ولوقا ٤ : ١٤.) ربما أراد المسيح أن يبقى بعيداً عن الأنظار حين كان يوحنا لا يزال يبشّر، كي لا تكون هناك مزاحمة بينهما. إن الفعل اليوناني في متى ٤ : ١٢، والذي غالباً ما يترجم «انْصَرَفَ» يمكن أن يُوحي بفكرة «الانسحاب»، بمعنى تجنّب الخطر. وهكذا، ربما يكون المسيح، بحكمته المعتادة، كان يسعى إلى تجنّب المشاكل.

 

اقرأ متى ٤ : ١٣-١٦ (انظر كذلك إشعياء ٩ : ١ و ٢)، وهذا ما يتعلق بإقامة المسيح في منطقة زبولون ونفتالي. ما الذي تقوله هاتان الفقرتان الكتابيتان عن خدمة المسيح؟

 

كان زبولون ونفتالي ابنان من أبناء يعقوب (انظر تكوين ٣٥ : ٢٣-٢٦). وقد أصبح نسلاهما سبطين من الأسباط التي استقرت في المنطقة الشمالية الجميلة في نهاية المطاف.

 

وللأسف، كان هذان السّبطان من بين الأسباط العشرة الذين تخلوا عن إيمانهم بالله واتجهوا إلى أمور العالم. وقد قام العديد من أنبياء العهد القديم بالتنديد بشدة بالآثام والشرور والنزعات الدنيوية التي لهذه الأسباط الشمالية. وقد تم غزوهم مِن قِبل الآشوريين الذين قاموا بعد ذلك بتشتيتهم في العالم المعروف آنذاك. وفي المقابل، استقر الأمميون في إسرائيل وهكذا أصبحت الجليل خليطاً من السكان. لقد أصبحت مكاناً منحرفا ومظلماً. وكان يونان هو أشهر أنبياء الجليل، وهذا الأمر يخبرنا شيئاً عن مستوى تكريسهم لله.

 

وأياً كانت المشاكل في الجليل، كانت هناك تلك النبوة الجميلة في إشعياء- بأنه حتى أولئك الذين في أرض زبولون ونفتالي المظلمة «...الْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ...» قد «أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ» (متى ٤ : ١٦). وبعبارة أخرى، جاء المسيح وعاش وخدم في المكان الذي كانت الحاجة فيه إلى خدمة ماسّة ومُلِحّة، وحيث كان يُنظر إلى الناس هناك على أنهم قُساة القلوب ومتخلفين وغير مثقفين.

 

وعلى الرغم مما كان عليه المسيح من رِفعة وإجلال، إلا أننا نرى استعداده لأن يضع نفسه من أجل الآخرين. ونجد هنا أيضاً مثالاً آخر حول كم كان العهد القديم مركزياً فيما يتعلق بدلالته الدائمة وإشارته إلى خدمة المسيح العتيدة.






دعوة الصيادين لإتباع المسيح

 

«تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ» (متى ٤ : ١٧). بدأ المسيح خدمته بالدعوة إلى التوبة، تماماً كما فعل يوحنا المعمدان. لقد كان المسيح، كما كان يوحنا، مدركاً للحالة الساقطة للبشر ولحاجة جميع الناس إلى التوبة ومعرفة الله. وبالتالي، فإنه ليس من المستغرب أن يكون أول تَصْرِيح علني أدلى به المسيح، على الأقل ذلك التصريح المدوّن هنا في إنجيل متى، هو عبارة عن دعوة إلى التوبة.

 

اقرأ متى ٤ : ١٧-٢٢. ماذا تخبرنا هذه الفقرات الكتابية عن التأثير الشامل لدعوة المسيح، على حياتنا؟

 

هنا، في أرض الجليل المُهملَة، كانت هناك شراكة صغيرة بين أربعة شباب، كان كل اثنين منهما أخوين شقيقين. ويبدو أن هؤلاء الرجال كانوا يرغبون في التعرّف على الله، لأننا نجد أن واحداً منهم قد تبع يوحنا المعمدان لفترة من الوقت. لكن ما أدهشهم هو أن يوحنا المعمدان قد أرشدهم إلى شاب آخر من منطقتهم.

 

وكان هؤلاء الرجال قد جاءوا إلى المسيح الناصري وطلبوا قضاء بعض الوقت معه (انظر يوحنا ١). والثقافة التي كان سائدة آنذاك هي أن يأتي الرجال إلى أحد معلمي الشريعة ويطلبون أن يتبعوه. لكن القرار النهائي كان يعود لمعلم الشريعة بشأن مَن سيكونون تلاميذه. وكانت لحظة اختيار معلّم الشريعة لشخص ما، كي يكون تلميذاً له تُعَد لحظة رائعة للغاية بالنسبة لذلك الشخص.

 

يعتقد الكثيرون أن أول لقاء للتلاميذ بالمسيح كان عندما دعاهم عند البحر لإتّباعه. لكننا نعرف من خلال الأصحاحات الخمسة الأولى لإنجيل يوحنا أن هؤلاء الرجال كانوا قد أمضوا سنة مع المسيح، لكن على ما يبدو أنهم لم يكونوا متفرغين بالتمام لإتّباعه وإنما كانوا يتبعونه لبعض الوقت.

 

«لقد اختار يسوع أولئك الصيادين العديمي العلم لأنهم لم يكونوا قد تعلموا في مدرسة التقاليد والعادات الخاطئة التي كانت شائعة في زمانهم. كانوا ذوي مقدرة فكرية ومتواضعين وقابلين للتعلم - رجالا يمكنه أن يدربهم على عمله. وفي مسالك الحياة المادية كثيراً ما يحدث أن رجلاً يسير في عمله اليومي وهو صابر، دون أن يحس بأنه يملك مواهب لو دربت ونشطت فسترفعه لأن يكون صنوا لأكرم رجال العلم. إن الحال يحتاج إلى لمسة يد ماهرة لإيقاظ القوى الخامدة والملكات العظيمة الهاجعة. أمثال هؤلاء كان الرجال الذين دعاهم يسوع لمشاركته في عمله وأعطاهم امتياز معاشرته» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٢٢).




لمزيد من الدرس

 

جاء أحد المبشرين إلى إحدى المدن وأعلن عن الاجتماعات التي كان مزمعاً أن يعقدها قائلاً: «تعالوا وشاهدوا كيف يقوم القس بتمزيق صفحة من الكتاب المقدس!» وبلا شك، عمل هذا الإعلان على جلب حشد من الناس. ثم وقف المبشِّر أمامهم وفتح الكتاب المقدس. والأمر الذي أدهشهم حقاً هو أنه مَزَّقَ صفحة من الكتاب المقدس. وقال لهم، «إن هذه الصفحة لا تنتمي إلى هذا المكان، فهي الصفحة التي تفصل العهد القديم عن العهد الجديد.» ومهما ظنَّ المرء بشأن التمثيل المسرحي الذي قام به هذا المبشّر، إلا أنه كانت لديه وجهة نظر جيدة. فإن كلاً من العهد القديم والعهد الجديد هما في الواقع كتاب واحد. فإننا نجد العهد القديم مُقْتَبَسَاً في كافة أجزاء العهد الجديد. ونجد بصفة متكررة أن المسيح نفسه أو كَتَبَة العهد الجديد يقومون بتوضيح أو تبرير حدث في العهد الجديد من خلال الإشارة والرجوع إلى العهد القديم. فعلى سبيل المثال، كم مرة أشار المسيحُ بشكل أو بآخر إلى أنه ينبغي «أَنْ يَتِمَّ ...الْمَكْتُوبُ»؟ إنّ العهد الجديد يرتبط باستمرار بالعهد القديم، ويمكننا معرفة ذلك من خلال المسيح نفسه الذي أشار بشكل متكرر إلى كتاباتِ العهد القديم (انظر يوحنا ٥ : ٣٩؛ لوقا ٢٤ : ٢٧؛ متى ٢٢ : ٢٩؛ يوحنا ١٣ : ١٨)، وكذلك من خلال بولس الذي كان دائماً يقتبسُ من العهد القديم (رومية ٤ : ٣؛ ١١ : ٨؛ غلاطية ٤ : ٢٧)، وأيضاً من خلال النظر إلى سفر الرؤيا الذي يشتمل على ما يقدّر بخمسمائة وخمسين إشارة إلى العهد القديم. وعلى الرغم من أنه لا شك في أن بعض أجزاء من العهد القديم لم تعد مُلْزِمَة بالنسبة للمسيحيين، مثل نظام الذبائح، إلا أنه لا يجب علينا أبداً الوقوع بأي شكل من الأشكال، في فَخِّ وضع العهد القديم في مكانة أدنى من تلك التي للعهد الجديد. إنَّ الكتاب المقدس يتكون من العهدين معاً، ومنهما نتعلم الحقائق العظيمة المتعلقة بخطة الله للخلاص.




الدرس الثاني

 

٢-٨ نيسان (أبريل)

 

الدرس الثالث

 

٩-١٥ نيسان (أبريل)

 

الموعظة على الجبل






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ٥-٧؛ رومية ٧ : ٧؛ تكوين ١٥ : ٦؛ ميخا ٦ : ٦-٨؛ لوقا ٦ : ٣٦؛ متى ١٣ : ٤٤-٥٢؛ رومية ٨ : ٥-١٠.

 

آية الحفظ: «فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ» (متى ٧ : ٢٨ : ٢٩).

 

في سفر الخروج، نرى الله يقود بني إسرائيل ويُخْرجهم من مصر و «يعمّدهم» في البحر الأحمر ويأتي بهم إلى الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ويصنع عجائب ومعجزات ويلتقي معهم شخصياً على قمة جبل حيث يعطيهم شريعته.

 

وفي سفر متى، نرى المسيح يخرج من مصر ويعتمد في نهر الأردن ويذهب إلى البرّية لمدة أربعين يوماً، ويعمل عجائب ومعجزات ويلتقي شخصياً ببني إسرائيل على قمة جبل، حيث يقوم بالتأكيد والتشديد على تلك الشريعة نفسها. لقد سار المسيح في التاريخ اليهودي وأصبح يهودياً، وفيه تحققت كل وعود العهد.

 

إن الموعظة على الجبل هي أقوى موعظة تم وعظها على الإطلاق. فإن كلمات المسيح لم تؤثر بشكل عميق على سامعيها فحسب ولكنها تؤثر تأثيراً عميقاً في كل مَن يسمعون رسائلها المغيّرة للحياة عبر القرون المنصرمة بل وحتى إلى عصرنا الحالي.

 

ومع ذلك، فلا يجب علينا فقط الاستماع إلى هذه الموعظة؛ بل يجب علينا تطبيقها أيضاً. وفي هذا الأسبوع، وبالإضافة إلى دراستنا لما قاله المسيح في الموعظة على الجبل (متى ٥-٧)، سندرس أيضاً ما قاله المسيح في متى ١٣ فيما يتعلق بتطبيق أقواله على حياتنا.

 

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٦ نيسان (أبريل).




مبادئ وقِيَم

 

اقرأ «الموعظة على الجبل» في متى ٥-٧. لخّص في السطور أدناه ما علق بذهنك من «الموعظة على الجبل».

 

«ربما ليس هناك خطاب ديني آخر في تاريخ البشرية قد حظي بالاهتمام الذي حظيت به الموعظة على الجبل. فإنَّ الفلاسفة والدّارسين من العديد من غير المسيحيين قد أُعْجِبوا بأخلاقيات المسيح رغم رفضهم الإيمان به والتعبّد له. ففي القرن العشرين، كان المهاتما غاندي أشهر المعجبين غير المسيحيين بالموعظة على الجبل.» [كريغ ل. بلومبرغ، الموسوعة الأمريكية الجديدة (ناشفيل: مجموعة بي آند إتش للنشر، ١٩٩٢)، مجلد ٢٢، صفحة ٩٣ و ٩٤].

 

يُنظر إلى الموعظة على الجبل بعدة طرق. يرى البعض أنها معيار أخلاقي رفيع يستحيل علينا بلوغه، وهو ما يقودنا إلى أن نجثو على ركبنا تواضعاً، ويُجْبِرُنا على المطالبة بِبِرِّ المسيح بوصفه رجاؤنا الوحيد للخلاص، لأننا جميعاً مقصِّرون جداً في بلوغ المعيار الإلهي الذي يدعونا الرب إلى بلوغه في الموعظة على الجبل. وينظر إليها البعض على أنها خطاب في مجال الأخلاقيات المدنية ودعوة للمسالمة. واعتبرها البعض الآخر بشارة اجتماعية تدعو إلى جلب ملكوت الله إلى الأرض بواسطة الجهد البشري.

 

وبمعنى آخر، تلمس الموعظة على الجبل كل واحد منّا، لأنها تتعامل مع مجالات هامة من حياتنا، ولهذا نتفاعل معها جميعاً، كلٌ بطريقته الخاصة.

 

كتبت روح النبوة تقول: «في موعظته على الجبل حاول [المسيح] أن يهدم كل ما بناه التعليم الكاذب ، وأن يعطى سامعيه فكرة صحيحة عن ملكوته وصفاته هو... . لقد علمهم شيئا أفضل بما لا يقاس من كل ما قد عرفوه .... وإن حاجتنا لتعلم أساس مبادئ ملكوت الله ليست أقل من حاجة أولئك الناس» (مشتهى الأجيال، صفحة ٢٧٦ و ٢٧٧).

 

وهكذا فإنه بالإضافة إلى أي شيء آخر يمكننا استخلاصه من الموعظة على الجبل، تقدم لنا هذه الموعظة المبادئ الأساسية لملكوت الله. وهي تخبرنا عن الله وعن صفاته بوصفه الحاكم لملكوته، وهي تخبرنا بما يريد لنا أن نكون عليه بوصفنا رعايا ملكوته. إنها دعوة للتخلي عن المبادئ والمعايير التي للممالك الزائلة لهذا العالم والتمسّك بمبادئ ومعايير الملكوت الذي سيدوم وجوده إلى الأبد. (انظر دانيال ٧ : ٢٧).




الموعظة على الجبل مقابل الناموس

 

ينظر بعض المسيحيين إلى الموعظة على الجبل على أنها «الناموس الجديد» للمسيح، وبأنًّ هذا الناموس قد حل محل «ناموس الله». ويقولون أن نظام القوانين قد تم استبداله الآن بنظام النعمة، أو يقولون أن ناموس المسيح يختلف عن ناموس الله نفسه. إنَّ وجهات النظر هذه ما هي إلا مفاهيم خاطئة ومغلوطة بشأن الموعظة على الجبل.

 

ما الذي تقوله النصوص الكتابية التالية عن الناموس، وما الذي تقوله بصورة غير مباشرة عن فكرة أن الموعظة على الجبل قد حلّت، بطريقة أو بأخرى، محل الناموس ( أي الوصايا العشر)؟ (متى ٥ : ١٧-١٩ و ٢١ و ٢٢ و ٢٧ و ٢٨؛ انظر أيضاً يعقوب ٢ : ١٠ و ١١؛ رومية ٧ : ٧).

 

كتب كريغ س. كينر: «إن معظم الشعب اليهودي قد فهم الوصايا في سياق النعمة...؛ وفي ضوء متطلبات المسيح التي تقتضي التحلي بمزيد من النعمة العملية...، فإن مما لا شك فيه هو أنه كان يقصد متطلبات الملكوت في ضوء النعمة (قارن متى ٦ : ١٢؛ لوقا ١١ : ٤؛ مرقس ١١ : ٢٥؛ متى ٦ : ١٤ و ١٥؛ مرقس ١٠ : ١٥). في القصص الواردة بالأناجيل، نجد المسيح يقبل مَن يتضعون ويعترفون بحق الله في السيادة والسلطان، حتى وإن كانوا عملياً لا يرْقَون إلى الهدف المتمثل في الكمال الأخلاقي (متى ٥ : ٤٨). لكن نعمة الملكوت التي أعلنها المسيح لم تكن النعمة غير العاملة التي تسود جزءاً كبيراً من العالم المسيحي الغربي؛ فإن رسالة الملكوت وفقاً للأناجيل تعمل على تغيير أولئك الذين يتقبلونها بخشوع وتواضع، هذا في الوقت الذي تسحقُ فيه المستكبرين والذين بسبب غرورهم يشعرون بالاكتفاء الديني والاجتماعي» [إنجيل متى: التفسير الاجتماعي-البلاغي (غراند رابيدز: شركة وليام ب. إيرماندز للطبع والنشر، ٢٠٠٩)، صفحة ١٦١ و ١٦٢].

 

اقرأ تكوين ١٥ : ٦. كيف يساعدنا ما ورد في هذه الآية على إدراك أن الخلاص كان ولا يزال بالإيمان دائماً؟

 

إن «إيمان يسوع المسيح» لم يكن إيماناً جديداً؛ لقد كان هو نفس الإيمان منذ السقوط فصاعداً. إن الموعظة على الجبل لم تكن تنادي بالخلاص بالنعمة بدلاً من الخلاص بالأعمال. فإن الخلاص كان دائما بالنعمة. وفي البحر الأحمر، كان خلاص بني إسرائيل بالنعمة، وذلك قبل أن يُطْلب منهم أن يطيعوا في سيناء. (انظر خروج ٢٠ : ٢).






بِرُّ الكتبة والفريسيين

 

اقرأ متى ٥ : ٢٠. ما الذي يعنيه المسيح عندما يقول إنه «إِنْ لَمْ يَزِدْ» بِرُّنا «عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ» فإننا لن نستطيع دخول مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ؟

 

على الرغم من أن الخلاص كان دائماً بالإيمان، وعلى الرغم من أن الديانة اليهودية، كما كان يجب أن تُمارس، كانت دائماً ديانة نعمة، إلا أن التزمت قد زحف إلى داخل الديانة اليهودية، تماماً كما يمكنه الزحف إلى داخل أي ديانة تأخذ الطاعة على محمل الجد، كما هو الحال مع الإيمان السبتي الأدفنتستي. في زمن المسيح كان الكثيرون من القادة الدينيين (لكن ليس الكل) قد سقطوا في نوع من «صحة المعتقد الذي كان يتمسك به الفريسيون بعنف وصرامة والخالي من الانسحاق والرقة والمحبة» قد تركهم بلا «قوة لحفظ العالم من الفساد» (روح النبوة، خواطر من جبل البركة، صفحة ٤٨٥).

 

إن المظاهر الخارجية المجردة، وخاصة تلك التي من صنع البشر، ليس لديها القدرة على تغيير الحياة أو تبديل الصفات. إن الإيمان الحقيقي هو ذلك الإيمان الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ (غلاطية ٥ : ٦)؛ إن هذا الإيمان وحده هو الذي يجعل الأعمال الخارجية الظاهرة مقبولة في نظر الله.

 

اقرأ ميخا ٦ : ٦-٨. بأية طريقة تُعتبر هذه الفقرة مُلخّصَاً للموعظة على الجبل؟

 

إنه حتى في أزمنة الكتاب المقدس لم تكن الذبائح نهاية أو غاية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة لتحقيق هدف، وكان هذا الهدف هو حياة يعكس فيها أتباع الله محبة وصفات المسيح، وهو شيء لا يمكن عمله إلا من خلال الخضوع التام لله وإدراك اعتمادنا التام على نعمته المخلّصة. وعلى الرغم من مظاهر التقوى والإيمان الخارجيين اللذين كان الكثيرون من الكتبة والفريسيين يتحلون بها، إلا أن الكثيرين منهم لم يكونوا مثالا عن كيف ينبغي لتابع الرب أن يعيش.






مبادئ الملكوت

 

ربما أن أكثر تعاليم المسيح التي نجد صعوبة في فهمها واستيعابها هي تلك الموجودة في متى ٥ : ٤٨. اقرأ هذه الآية. كيف يفترض أن نقوم بذلك، خاصة ونحن خطاة؟

 

ربما يكون هذا التعليم، من بين كل تعاليم المسيح في الموعظة على الجبل، هو التعليم الأكثر مَدْعاة للدهشة وأكثرها «تطرفاً.» فما معنى أن تكونوا كاملين «كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ»؟

 

إن العنصر الأساسي لفهم هذه الآية هو النظر إلى الحرف «فَ» الوارد في بداية الآية ٤٨: «فكونوا»، فهو يعني استنتاج وإسْتِخْلاص للكلام الذي جاء قبله. وما الذي جاء قبله؟

 

اقرأ متى ٥ : ٤٣-٤٧. كيف تساعدنا هذه الآيات على أن نفهم بشكل أفضل ما الذي كان يعنيه المسيح بما ورد ذكره في متى ٥ : ٤٨؟ انظر أيضاً لوقا ٦ : ٣٦.

 

هذه ليست المرة الأولى التي تُعْلَن فيها فكرة من هذا القبيل في الكتاب المقدس. فإننا نجد الرب في سفر اللاويين (١٩ : ٢) يقول لشعبه، « ‘تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ.’ » وفي لوقا ٦ : ٣٦، قال المسيح، «فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ.»

 

إن السياق كله هنا، في متى ٥ : ٤٣-٤٨، لا يتعلق بخُضُوعٍ شكلي للقوانين والمعايير، رغم ما لهذا الأمر من أهمية. بدلاً من ذلك، التركيز كله في هذا المقطع الكتابي يتعلق بمحبتنا للناس، ليس فقط أولئك الذين يمكن للجميع أن يحبونهم وإنما أولئك الذين، وفقاً لمعايير العالم، لا يمكننا بشكل عام محبتهم (ومرة أخرى نقول أن الأمر يتعلق بمعايير ملكوت الله، وليس معايير البشر).

 

الشيء الهام الذي ينبغي تذكّره هنا هو أن الله لا يطلب منَّا أي شيء لا يمكنه هو أن يحققه فينا. فإننا إذا تُرِكَنا لأنفسنا، وإذا تم الهيمنةُ علينا مِن قِبل قلوبنا الآثمة الأنانية، فمن مِنّا سيستطيع محبة أعدائه؟ فهذه ليست هي الطريقة التي يعمل ويتعامل بها العالم. لكن، ألسنا مواطني مملكة أخرى؟ فنحن لدينا الوعد بأنه إذا اخضعنا أنفسنا لله فإن «الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١ : ٦)، وهل من عمل يقوم به الله فينا أعظم من أن يجعلنا، في محيطنا الخاص، نحب الآخرين، كما يحبنا هو؟






قبول كلام الملكوت

 

لم تكن قمة الجبل هي المكان الوحيد الذي وعظ فيه يسوع. فقد وعظ بنفس رسالة الملكوت في جميع أنحاء إسرائيل. نقرأ في متى ١٣ أن المسيح كان يعلِّم من داخل سفينة، «وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ» (متى ١٣ : ٢). ثم قام المسيح بعد ذلك بسرد الأمثال التي كان يُقصد بها التأكيد ليس فقط على أهمية سماع أقواله بل التأكيد كذلك على أهمية تطبيق هذه الأقوال.

 

اقرأ متى ١٣ : ٤٤-٥٢. ما الذي يُقال هنا في هذه الأمثال ويعد ذات أهمية كبرى بالنسبة لنا فيما يتعلق بفهم كيفية تطبيق الحقائق المعلنة في الموعظة على الجبل في حياتنا؟

 

هناك نقطتان تبرزان في أول قصتين من هذه القصص. فإننا نجد في كل من هاتين القصتين أن هناك فكرة الانفصال وتخلّص المرء مما لديه، من أجل الحصول على شيء جديد سواء كان ذلك كنزاً في الحقل أو لؤلؤة كثيرة الثمن. النقطة الحاسمة الأخرى هي القيمة الكبيرة التي وضعها كل شخص من هذين الشخصين على ما وجده. وفي كلتا الحالتين، مضى كل واحد منهما وباع كل ما يملك من أجل أن يحصل على هذا الشيء الجديد ذات القيمة الكبيرة. وعلى الرغم من أنه لا يمكننا شراء الخلاص (إشعياء ٥٥ : ١ و ٢)، إلا أن النقطة التي يركّز عليها المثل واضحة: لا شيء مما لدينا في هذه المملكة الأرضية، في هذا العالم، يستحق أن نخسر من أجله الملكوت القادم.

 

وهكذا، فلكي نتمكن من تطبيق ما يطلبه الله منا في حياتنا، نحتاج إلى اتخاذ قرار بفصل أنفسنا عن كل أمور العالم، الأمور الجسدية، والسماح بدلاً من ذلك لروح الله بأن يملأنا (انظر رومية ٨ : ٥-١٠). وقد لا يكون هذا سهلاً؛ فإنه سيتطلب موتاً عن الذات وحَمْل المرء لصليبه. لكن إذا كنا دائماً نضع نصب أعيننا القيمة والقَدْر اللذين وُعِدنا بهما فإنه ينبغي أن يكون لدينا كل ما نحتاج إليه من دوافع تجعلنا نُقْدم على اتخاذ القرارات التي يجب علينا اتخاذها.






لمزيد من الدرس

 

اقرأ الفصل الذي بعنوان «أسرار السعادة» في كتاب مشتهى الأجيال، صفحة ٢٧٥-٢٩١.

 

في الأمثال الواردة في متى ١٣ : ٤٤-٤٦، نجد في كل مَثَل منها إنساناً وجد شيئاً ذات قيمة كبيرة. وبالنظر إلى السياق، خصوصاً بعد أن سَرد المسيحُ المَثَلَ الثالث (متى ١٣ : ٤٧-٥٠)، نلاحظ أن ما وجده كل واحد منهم كان هو الحق الذي يقود إلى الحياة الأبدية، على نقيض الهلاك الأبدي «في أتون النار.» ويُعَد ذلك أمراً غاية الأهمية لأننا نعيش في عصر تُعتبر فيه فكرة «الحق» في حد ذاتها طرازاً قديماً في أحسن الأحوال؛ أما في أسوأ الأحوال، فتُعتبر فكرة «الحق» أمراً خطيراً. وللأسف، فإن كثيراً من المسيحيين قد اقتنعوا بهذا المفهوم الزائف. ومع ذلك، فإن الرسالة التي تتضمنها كل هذه الأمثال هي أن الحق ليس موجوداً فحسب لكنه (أي الحق) سوف يُحدِث فرقاً بالنسبة لأبدية حياة كل إنسان. لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً. فإن الكتاب المقدس مرتكزٌ على فكرة الحق المُطْلق. فقد قال المسيح، « ‘أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي’ » (يوحنا ١٤ : ٦). وما لم يكن هذا إعلاناً عن الحق المُطْلق، فماذا عساه يكون؟ وبطبيعة الحال، فإنه عندما يقول شخص ذات قدر كبير من المعرفة كبولس إننا «نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ» (١كورنثوس ١٣ : ٩)، فسيتضح لنا أن هناك الكثير الذي لا نعرفه أو نعلمه. لكن مجرد تصريح بولس بأننا «نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ» يتضمن أن هناك المزيد لنتعلمه. وهذا المزيد هو الحق الذي يُحْدث فرقاً حرفياً وفعلياً يقود إما للحياة الأبدية أو للموت الأبدي. وإذا كان الأمر متعلقاً بالحياة الأبدية أو الموت الأبدي، فهل يمكن أن يكون الأمر أكثر أهمية وخطورة من ذلك؟




الدرس الرابع

 

١٦ـ ٢٢ نيسان (أبريل)

 

«قم وامش!» الإيمان والشفاء






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ٨؛ لاويين ١٣ : ٤٤-٥٠؛ دانيال ٧ : ٧ و ٨؛ يوحنا ١٠-١٠؛ متى ٩ : ١-٨؛ ١يوحنا ١ : ٩.

 

آية الحفظ: «أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟» (متى ٩ : ٥).

 

إذا كنت ستقوم بإعداد قائمة بأكثر الأمور المرعبة في الحياة، فماذا عساها تكون تلك الأمور؟ بالنسبة للكثيرين منا، قد تشتمل تلك القائمة على موت أحد أفراد العائلة أو حتى موت المرء نفسه. وعلى الرغم مِن أنّ أمراً كهذا مبرر تماماً، إلا أنه يمكنك أن تلاحظ مدى التركيز والاهتمام بالأمور الدنيوية في هذه القائمة. فالأمر كله يتعلق بحياتنا الآن. فهل ينبغي أن يكون ذلك هو أكثر ما يشغلنا ويخيفنا؟ هل نخشى من أن نخسر حياتنا هنا على الأرض، وخصوصاً وأنها حياة لن تدوم طويلاً على أية حال؟

 

وإذا كان الله هو مَن سيقوم بإعداد هذه القائمة المتعلقة بأكثر ما يخشاه هو، فإن هذه القائمة ستتضمن بالتأكيد خوف الله من أن يخسر أفراد عائلاتنا أو نخسر نحن الحياة الأبدية. من المؤكد أن الله يكترث بشأن أمراضنا الجسدية وموتنا، لكن أكثر ما يحزنه ويؤلمه هو مرضنا الروحي وموتنا الأبدي. وعلى الرغم من أن المسيح قد شفى الكثيرين، وعلى الرغم من أنه أعاد الحياة إلى كثير من الموتى، إلا أن تلك الأمور كانت مؤقتة فقط. فبطريقة أو بأخرى، مات جميع مَن شفاهم المسيح ومات ثانية جميع مَن أقامهم مِن الموت، باستثناء القديسين الذين أقامهم المسيح عند قيامته. (انظر كتاب مشتهى الأجيال، لالن هوايت، صفحة ٧٤٣ و ٧٤٤.) وعلى الرغم من كل ما حققه المسيح نيابة عنا، إلا أن خطة الخلاص لا تُجَنِّبنا المرض والموت الأرضيين. ومع وضع هذا في الاعتبار، دعونا نلقي نظرة إلى عدد من قصص الشفاء، الجسدي والروحي، لنرى ما هي الدروس الهامة المتعلقة بالإيمان والتي يمكننا استخلاصها من قصص الشفاء هذه.

 

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٣ نيسان (أبريل).




لمس المنبوذين

 

بعد أن نطق المسيح بالموعظة على الجبل، حيث وصف مبادئ ملكوت الله، قام بعد ذلك بمواجهة «ملكوت الشيطان»، الذي هو عبارة عن مكان مظلم وبارد مملوء بأشخاص فاسدين يئنون ويتأوهون طلباً في الخلاص. إن مبادئ هذا المكان المظلم والبارد هي في الغالب مناقضة لكل شيء كان المسيح يُنادي به ويدافع عنه. وفي ذلك الوقت، كان مرض البَرَصِ من أحد أقوى الأمثلة التي تُظهر مدى ما أصبح عليه عالم الشيطان من بؤس وسقوط. وعلى الرغم من أن مرض البَرَصِ كان يُستخدم في بعض الأحيان كشكل من أشكال العقاب الإلهي، كما في حالة مريم أخت موسى وهارون (انظر سفر العدد ١٢ : ٩-١٢)، إلّا أن البَرَص يُعَد، في السياق الأوسع للكتاب المقدس، مثالاً قوياً ومرعباً لما يعنيه أن تعيش في عالم ساقط ومتصدع.

 

اقرأ متى ٨ : ١-٤. ما هي أهمية الحقيقة التي مفادها أن المسيح، عند شفائه للرجل الأبرص، قد قام بلمسه؟ (انظر على سبيل المثال، لاويين ١٣ : ٤٤-٥٠)

 

لقد ركع الأبرص أمام المسيح وقال، « ‘إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي’ ». والكلمة اليونانية التي تعني «تَقْدِرْ» هي كلمة قوية جداً في معناها ككلمة «الديناميت». وهي تعني مليئاً بالقوة. فكما لو أن الأبرص قد قال للمسيح، «إِنْ أَرَدْتَ فأنت مليء بالقوة ويمكنك تغيير حياتي». وقال المسيح أنه قادر على شفاء الأبرص وقام على الفور بعمل ذلك عينه.

 

ولا بد وأن حقيقة أن يسوع قد لمس الأبرص قد كان لها تأثير كبير على الجموع الذين رأوا ما حدث. فالمؤكد هو أن المسيح (وكما فعل في معجزة الشفاء التي تلي تلك المعجزة) كان قادراً على أن يقول كلمةً فيُشفى على أثرها الرجل من بَرَصه. فلماذا، إذاً، لمس المسيحُ الرجلَ؟

 

«إن عمل المسيح في تطهيره للأبرص من ذلك المرض المخيف هو مثال لعمله في تطهير النفس من الخطية. كان الرجل الذي أتى إلى يسوع (مملوءا برصا) . لقد نفذ سم ذلك الداء الوبيل إلى كل جسمه. فحاول التلاميذ الحيلولة بين معلمهم وملامسة الأبرص، لأن كل من يلمس أبرص يصير هو نفسه نجسا. ولكن يسوع لم يتنجس عندما لمس ذلك الأبرص. بل إن لمسته منحته قوة حياة فطهر من برصه. وهكذا الحال مع برص الخطية، فهي متأصلة في القلب ومميتة، ومن المستحيل أن يطهر أحد منها بقوة بشرية» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٤٠). ربما أن المسيح، ومن خلال لمسه للأبرص، قد أظهر أنه بغض النظر عن مدى سوء خطايانا، فإنه سوف يقترب من أولئك الذين هم على استعداد لأن ينالوا المغفرة والشفاء والتطهير من الخطية.






الرومان والمسيّا

 

هناك سبب وجيه يجعل سفر دانيال يصرف الكثير من الوقت في الحديث عن روما (انظر دانيال ٧ : ٧ و ٨ و ١٩-٢١؛ دانيال ٨ : ٩-١٢ و ٢٣-٢٥). والسبب في ذلك هو القوة الهائلة التي كانت تتمتع بها الإمبراطورية الرومانية، والتي كانت سائدة حتى في زمن المسيح. ومع ذلك، فقد جاء إلى المسيح ضابطاً رومانياً، لم يكن رمزاً لقوة روما فحسب ولكنه كان تعبيراً عن تلك القوة كذلك. وقد كان هذا الرجل عاجزاً في مواجهة التجارب والمآسي والشائعات التي تعصف بنا جميعاً. وإننا نجد في ذلك درساً حول مدى محدودية ما يمكن للقوى والسلطات الأرضية أن تفعله. فإن أعظم القادة وأكثرهم تأثيراً، أغنى الرجال والنساء، يقفون عاجزين في وجه العديد من صراعات الحياة الشائعة. في الواقع، إنه بدون العون الإلهي لن يكون هناك رجاء لأي واحد منا؟

 

اقرأ متى ٨ : ٥-١٣. ما هي الحقائق الهامة التي يتم إعلانها في هذه القصة فيما يتعلق بالإيمان وما يعنيه أن يكون لدينا إيمان؟ ما الذي ينبغي لهذا الأمر أن يقوله لنا، كأدفنتست سبتيين، في ضوء ما لدينا من امتيازات؟

 

كان قائد المئة ضابطاً عسكرياً رومانياً يقوم عادة بالإشراف على ما بين ٨٠ إلى ١٠٠ جندياً. ولكونه قد خدم في الجيش حوالي عشرين عاماً فإنه لم يكن مسموح له بأن تكون لديه عائلة تتكون من زوجة وأولاد. وهكذا، فربما كان خادم قائد المئة هو الفرد الوحيد في عائلة هذا القائد العسكري.

 

وفي تلك الثقافة، كان الشخصُ المصابُ بالبَرص هو الشخص الوحيد الذي يلقى احتقاراً مِن قِبل اليهود يفوق احتقارهم للأممين؛ لذلك، ربما يكون قائد المئة هذا قد تَصَوّرَ أن المسيح لم يُرِدْ دخول بيته لأنه أممي، على الرغم من أن المسيح قد قال أنه سيفعل. وقد أظهر قائد المئة إيماناً قوياً ينبغي الاقتداء به اليوم، وذلك عندما طلب من المسيح أن ينطق بكلمة بدلاً من حضوره الفعلي إلى بيته ليشفي غلامه. فإن في ما فعله قائد المئة إشارة إلى إيمانه بأن كلمة المسيح هي بنفس قوة لمسته. فبالنسبة لقائد المئة هذا، لم يكن شفاء المسيح لشخص ما أمراً صعباً. فقد كان شبيهاً بقيام ضابط عسكري بإعطاء الأوامر إلى جندي ما للقيام بعمل ما، وهو ما كان يحدث دائماً.

 

أيضاً، أنظر إلى ما يقوله المسيح في متى ٨ : ١١ و ١٢. إنه تحذير شديد لأولئك الذين اُعطوا امتيازات عظيمة. وكأدفنتست سبتيين، نحن قد حظينا بامتيازات عظيمة إلى حد كبير، ويجب علينا أن نكون حذرين.






الشياطين والخنازير

 

اقرأ متى ٨ : ٢٥-٣٤. ما الذي تعلِّمنا إياه هاتان القصتان عن قوة الله؟ كيف يمكنك استخلاص الراحة والعزاء مما نراه هنا حول قوة الله، خاصة ونحن نتصارع مع أشياء أقوى منا بكثير؟

 

في الفكر اليهودي، كانت السيادة والسيطرة على الطبيعة والشياطين من اختصاص الله وحده. وبعد أن هدَّأ المسيحُ عاصفة عنيفة بكلمة بسيطة خرجت من بين شفتيه (متى ٨ : ٢٣-٢٧)، انتقل إلى الشاطئ الشرقي لبحر الجليل. ولم تكن هذه منطقة أممية فحسب لكنها كانت مكاناً يعيش فيه بعض الاشخاص الذين تسكنهم الأرواح الشريرة.

 

تضيف الآيات في مرقس ٥ : ١-٢٠ ولوقا ٨ : ٢٦-٣٩ بعض التفاصيل لقصة الرجال الذين كَانَ فِيهِم شَيَاطِينُ. ويُعرّف الشياطين أنفسهم على أنهم «لَجِئُونُ.» وهي الكلمة التي تعني فيلق. ووفقاً للمصطلح العسكري كان الفيلق يتكون من ٦.٠٠٠ جندياً. وقد تم إرسال هذه الشياطين إلى داخل ٢.٠٠٠خنزيراً.

 

وقد تساءل كثيرون عن السبب الذي جعل الشياطين تطلب من المسيح أن يرسلها إلى داخل الخنازير. ومن بين ما يُقال هو أن الشياطين تكره التجوّل في فراغ؛ ولذلك فإنهم كانوا يفضّلون مَأوىً من أي نوع، حتى وإن كان ذلك المأوى هو الخنازير النجسة. وينادي تعليم آخر بأن الشياطين كانت خائفة من المياه، ويشير المسيحُ نفسهُ إلى أن الشياطين تمر عبر أماكن لَيْسَ فِيهَا ماء بحثاً عن الراحة (انظر متى ١٢ : ٤٣). وكانت هناك تعاليم يهودية أيضاً تقول بأن الشياطين يمكن هلاكها في الفترة السابقة ليَوْمِ الرَّبِّ المتنبَّأ عَنْهُ.

 

ومع ذلك، فإن النقطة الأكثر أهمية هي أن حالة الدمار التي كان يعاني منها الرجال في هذه القصة هي بالضبط حالة الدمار التي يرغب الشيطان في أن يعاني منها أبناء الله. لكن المسيح قد غيّر حياة أولئك الرجال تماماً. وكل ما يسعى الشيطان إلى عمله في حياتنا يمكن للمسيح أن يبطله بالنسبة لأولئك الذين يختارون تسليم حياتهم له. وما لم يكن الأمر كذلك فإننا سنكون عاجزين عن الوقوف في وجه الشيطان والتغلّب عليه.

 

وفيما يتعلق بالصراع العظيم بين المسيح والشيطان، فنحن إما على هذا الجانب أو الجانب الآخر. وقد عَبَّر المسيحُ عن هذه الحقيقة بوضوح شديد جداً عندما قال: « ‘مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ’ » (لوقا ١١ : ٢٣). ونحن مَن نختار الجانب الذي نقف عليه.






«قم وامشِ!»

 

لاحظنا في درس يوم الاثنين أن المسيح قال أنه لم يجد أحداً في إسرائيل لديه مثل هذا الإيمان العظيم. لكن وخلال تلك الساعات ذاتها في إسرائيل، كان هناك رجلٌ كانت رغبته في أن يشفي المسيح أعماق نفسه، تفوق بكثير رغبته في أن يشفي جسده.

 

اقرأ متى ٩: ١-٨. ما هو الرجاء العظيم الذي ينبغي أن نستخلصه من هذا لأنفسنا فيما يتعلق بوعد غفران خطايانا، بغض النظر عن طبيعة ما كانت عليه تلك الخطايا أو الضرر الذي سببته لنا؟ انظر أيضاً رومية ٤: ٧؛ ١يوحنا ١: ٩؛ ١يوحنا ٢: ١٢.

 

الرائع في الأمر هو أن أول شيء قام به المسيح عندما أُحْضِرَ الرجل المفلوج قدامه هو أنه تعامل مع حالة الرجل الروحية. فمن الواضح أن المسيح كان يعرف بالتحديد ما هي المشكلة الحقيقة بالنسبة لهذا الرجل. فعلى الرغم من حالته الجسدية البائسة، عرف المسيح أن المسألة الأخطر والأعمق كانت تتعلق بشعور الرجل بالذنب إثر عيشه لحياة يبدو أنها كانت آثمة جداً. وبالتالي، فإنه نظراً لمعرفة المسيح برغبة الرجل في الحصول على المغفرة، نطق المسيح بما ينبغي أن يكون أعظم الكلمات وأكثرها طمأنة وتعزية لأي شخص يدرك حقيقة وتَكْلِفَة الخطية: «مغفورة لك خطاياك.»

 

وتضيف روح النبوة قائلة: «فإن ما كان يصبو إليه هذا المريض لم يكن هو شفاء الجسد بقدر ما كان يتوق إلى الراحة من عبء الخطية. فلو أمكنه أن يرى يسوع وينال يقين غفران السماء وسلام الله فسيكون قانعاً بالموت أو بالحياة بحسب ما يريد الله» (مشتهى الأجيال، صفحة ٢٤٢).

 

كان هناك قس سبتي أدفنتستي يقوم في كثير من الأحيان بالوعظ عن موضوع أن يكون لدى المرء ما يكفي من إيمان أن لا يشفى. هذا هو أعظم أنواع الإيمان: عندما ننظر إلى ما هو أعمق من ظروفنا الجسدية ونركِّز بدلاً من ذلك على ظروفنا الأبدية. في كثير من الأحيان تدور طِلبات صلواتنا حول احتياجاتنا الجسدية، وبالفعل يهتم الله بكل هذه الأشياء. لكن المسيح قال في موعظته على الجبل انه علينا أن «نطلب أولاً ملكوت الله وبره.» وهكذا فإنه من المهم للغاية، وعلى الرغم من احتياجاتنا الجسدية المباشرة،

 

أن نُبقي نُصب أعيننا دائماً الأمور الأبدية في عالم تكثر فيه الأمور المؤقتة والزائلة.






تَرْك الموتى يدفنون موتاهم

 

اقرأ متى ٨: ١٨-٢٢. ما الذي يقوله المسيح لهؤلاء الرجال هنا حول ما يعنيه أن تتبعه؟

 

أولاً، في متى ٨: ١٨-٢٢، نرى رجلين يأتيان إلى المسيح ويبديان رغبتهما في أن يكونا تلميذين له. وقد كان كلاهما صادقين ومُخلِصَين؛ ومع ذلك، فقد بدا أن شيئاً ما كان يعوق رغبتهما هذه. وقد قام المسيح، الذي يعرف كل أفكارنا، بالدخول في صميم الموضوع. وتساءل المسيحُ ما إذا كان الرجل الأول على استعداد حقاً للتخلّي عن كل شيء - بما في ذلك فراشه - من أجل أن يتبع المسيح. وهذا لا يعني بالضرورة أن يخسر الشخص كل ممتلكاته الدنيوية إذا هو تبع المسيح وإنما المقصود هو أن يكون الشخص على استعداد للقيام بهذا.

 

ثم يسأل المسيح الشخص الثاني ما إذا كان حقاً على استعداد لأن يجعل المسيح الأول في حياته، حتى ولو تعلق الأمر بالأسرة والعائلة. وللوهلة الأولى، تبدو كلمات المسيح للرجل الثاني قاسية جداً. فكل ما أراد ذلك الرجل القيام به هو دفن والده. فلماذا لا يمكنه القيام بذلك أولاً ومن ثم يتبع يسوع، خاصة وأن الديانة اليهودية كانت تعتبر أن جزءاً من إطاعة الوصية الخامسة كان يتعلق بأن يضمن المرء أن كلاً من والديه قد دُفن دفناً لائقاً عند موته؟

 

ومع ذلك، يرى بعض المفسرين أن والد الرجل لم يكن قد مات بعد، بل ولم يكن حتى موته وشيكاً؛ بدلاً من ذلك، يبدو وكأن الرجل كان يطلب من المسيح أن يسمح له بأن يخطط لكل شيء ويحسب حساب كل شيء مع عائلته، ومن ثم يتبعه.

 

ومن هنا جاء رد المسيح، أعلاه. هناك دعوة أخرى للتلمذة نجدها في متى ٩: ٩-١٣، وهي الدعوة التي وُجِّهت إلى متى، جابي الضرائب المُحْتَقَر. وقد عرف المسيح قلب هذا الرجل، وهو القلب الذي كان من الواضح أنه مفتوح للحق وهو ما يتضح من ردة فعله على الدعوة. وبالتأكيد، كان المسيح يعرف ما سيترتب على دعوته لشخص مثل متى بأن يتبعه، وأن يكون تلميذاً له. وهذا ما يتجلى في الفقرات الكتابية المتعلقة بدعوة المسيح لمتى. ومن وجهة نظرنا اليوم، فإنه من الصعب أن ندرك مدى عدم الارتياح الذي سببه المسيح للناس آنذاك عندما دعا شخصاً مثل متى لأن يتبعه. إن ما نراه هنا هو حقاً مثال آخر حول مدى شمولية دعوة بشارة الإنجيل.






لمزيد من الدرس

 

اقرأ لروح النبوة الفصل الذي بعنوان «تقدر أن تطهرني»، صفحة ٢٣٦-٢٤٦، من كتاب مشتهى الأجيال. هناك حكمة ألمانية تقول ما معناه: «مرة واحدة لا تحتسب.» والمقصود من هذا التعبير الاصطلاحي هو أنه إذا حدث شيء ما لمرة واحدة فإنه لا يُحتسب، ولا يُعد ذات أهمية. فإذا كان قد حدث مرة واحدة، فربما ما كان ليحدث على الإطلاق. وسواء كنا نتفق مع هذه المقولة أَمْ لا، تمعّن في هذه الفكرة في ضوء درس يوم الخميس، وذلك عندما قال المسيح للرجل الذي أراد أن يدفن أباه أولاً ومن ثم يكون تلميذاً للمسيح: «اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» (متى ٨ : ٢٢). ما الذي كان يعنيه المسيحُ بقوله ضمناً أن أولئك الناس، الناس الأحياء، كانوا أمواتاً؟ حسناً، إذا كان «حدوث الشيء لمرة واحدة لا يحتسب» إذاً فربما كان العيش على هذه الأرض لمرة واحدة فقط، دون أن يلي ذلك حياة أبدية، يعني أنه من الأفضل أن لا تكون قد وُلِدت بالمرة، بل وربما تكون ميتاً الآن بالفعل (انظر يوحنا ٣ : ١٨). وقد اِشْتَكَى المفكرون العلمانيون، الذين لا يؤمنون بوجود الحياة الآخرة، من عدم جدوى ومعنى الحياة الموجودة هنا على هذه الأرض لمرة واحدة، وهو أيضاً تواجد لفترة قصيرة قبل أن نتلاشى ونتبدد إلى الأبد. وقد تساءل أولئك المفكرون العلمانيون قائلين: ما معنى هذه الحياة إذا كنا بعد فترة قصيرة سوف نَهْلك ونُنْسى إلى الأبد؟ لا عجب إذاً في أن المسيح قال ما قاله بهذا الخصوص. فقد كان يسعى إلى أن يوجِّه الإنسان إلى واقع أعظم مما يقدمه هذا العالم في حد ذاته.




الدرس الخامس

 

٢٣-٢٩ نيسان (أبريل)

 

الحرب المنظورة والحرب غير المنظورة






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ١١ : ١١ و ١٢؛ رؤيا ٥ : ٥؛ متى ١٢ : ٢٥-٢٩؛ إشعياء ٢٧ : ١؛ متى ١١ : ١-١٢؛ عبرانيين ٢ : ١٤.

 

آية الحفظ: «وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ» (متى ١١ : ١٢).

 

نُقْدِم يومياً على خيارات هامة تتعلق بنمط الحياة والعلاقات والوظائف والأولويات والتسلية والأصدقاء. ولكي نفهم حقاً أهمية هذه الخيارات، نحن بحاجة إلى إدراك ما يرتبط بهذه الخيارات. إننا نحتاج إلى رفع الستار ورؤية ما هو غير منظور، لأن الكتاب المقدس يعلّمنا أن هناك واقعاً غير منظور يؤثر تأثيراً كبيراً فيما نراه بالفعل.

 

ولأننا نعيش في عصر العلوم، فإنه ليس من الصعب بالنسبة لنا التيقّن من وجود واقع غير مرئي. فنحن الذين نعرف عن الأشعة السينية وموجات الراديو والاتصالات اللاسلكية، ينبغي أن نصدّق بسهولة في وجود ما لا نستطيع أن نراه. فمَع كل مكالمة نجريها عبر الهاتف الخليوي، أو أي شيء نشاهده عبر الأقمار الصناعية، نحن نُصَدّقُ في وجود واقع يعمل على جعل هذه الاختبارات المرئية (والمسموعة) اختبارات حقيقية.

 

في الواقع، إن الصراع العظيم بين المسيح والشيطان يشكّل خلفية العالم غير المنظور الذي نختبره كل يوم. سوف ندرس في هذا الأسبوع بعض الفقرات الكتابية من إنجيل متى (وغيره) والتي من شأنها أن تساعد في الكشف عن هذه القوى غير المنظورة، وتبين كيف تؤثر على حياتنا وخياراتنا هنا على الأرض.

 

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٣٠ نيسان (أبريل).




متى ١١ : ١١ و ١٢

 

إن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وفيه يتم توضيح خطة الخلاص. مع ذلك، يمكن أن تكون هناك صعوبة في فهم بعض فقرات الكتاب المقدس. لكن لا ينبغي أن يكون ذلك مستغرباً. فعلى كل حال، نحن نجد في كل جانب من جوانب الحياة الطبيعة أموراً يصعب فهمها. فما بالك ببعض من أجزاء الكتاب المقدس التي تعلن لنا حقائق ووقائع روحية وخارقة؟

 

وقد عبّرت روح النبوة عن هذا المفهوم بشكل واضح جداً: «فلم يستطع فطاحل العلماء والفلاسفة أن يفهموا كنه الحياة الظاهرة في أبسط مخلوقات الله، وإننا حيثما نلتفت نجد أسراراً لا ندركها، فهل نستغرب إذاً وجود أسرار في العالم الروحي يعسر علينا فهمها؟ والصعوبة ليست في الحقائق نفسها بل في ضعف العقل البشري وقصره، ومع ذلك فقد أعطانا الله في الكتب المقدسة بيانات كافية لإثبات الحقيقة بأنها من مصدر الهي، فلا نشك فيها اذا وجدنا فيها ما ليس في طاقتنا أن ندركه تماما» (طريق الحياة، صفحة ٩٠).

 

على سبيل المثال، أحد أصعب النصوص في الكتاب المقدس هو ما نجده في متى ١١ : ١١ و ١٢: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ.»

 

اقرأ هاتين الآيتين مرة أخرى. ما الذي تفهمه منهما؟ وما الذي لا تفهمه؟

 

هناك ترجمة للآية ١٢ تقول: «من أيام يوحنا المعمدان وحتى الوقت الحاضر، يتقدم مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ بقوة، وكان الغاصبون يهاجمونه» وهناك ترجمة أخرى تقول، «ومن الوقت الذي بدأ فيه يوحنا المعمدان التبشير إلى الآن، يتقدم مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ بقوة والغاصبون يهاجمونه.» ما الذي يقوله المسيح لنا هنا؟






حدود الظلمة

 

على مر العصور، اختلف دارسو الكتاب المقدس حول ما تعنيه الآية في متى ١١ : ١٢ لأن الكلمات التي تصف الملكوت والناس هنا يمكن أن تستخدم إما بالمعنى السلبي أو المعنى الإيجابي. فالفعل اليوناني «باسماتي» أو «يُغْصَبُ» باللغة العربية، يمكن أن يعني إما أن «تتقدم بقوة» أو أن «تُعاني من العنف.» والكلمة اليونانية «بياستس» أو «الْغَاصِبُونَ» باللغة العربية يمكن أن تعني «رجال أقوياء أو مُنْدَفِعين» أو «رجال بَطَّشٍ»

 

إذن، هل تعني هذه الآية أن مَلَكُوت السَّمَاوَاتِ الوديع اللطيف يُعاني من العنف، وأن الغاصبون يهاجمونه؟ أَمْ أن مَلَكُوت السَّمَاوَاتِ يتقدم بقوة بالمعنى الإيجابي وأن الرجال الأقوياء المُمْسِكين به هم في الواقع أتباع المسيح؟

 

هل من الممكن أن يكون أتباع المسيح بهذه العدوانية، بل ويكونوا غاصبين، في سعيهم للملكوت؟

 

اقرأ الآيات التالية. ما الذي تقوله هذه الآيات ويمكن أن يلقي بعض الضوء على السؤال الأخير أعلاه؟

 

متى ١٠ : ٣٤

 

رؤيا ٥ : ٥

 

ميخا ٢ : ١٣

 

يرى البعض أنه للوصول إلى التفسير الأكثر احتمالاً للآية التي في متى ١١ : ١٢، علينا تطبيق الاستعمالات الأكثر شيوعاً للمصطلحات الواردة في هذه الآية. فمَلَكُوت السَّمَاوَاتِ هو أمرٌ إيجابي، أما فيما يتعلق بقوى الشر التي تقاوم ملكوت السَّمَاوَاتِ فهي سلبية عادة. وقد فسّر أحدهم هذه الآية كالتالي: «إن الحديث هنا هو عن مَلَكُوت السَّمَاوَاتِ الذي يتقدم بقوة مقدسة وقُدْرَة عظيمة تعمل على قهر تخوم الظلمة»؛ وأثناء حدوث هذا، «يحاول الأشخاص العِدائيون أو الجَّشعون أن ينهبوا ويسلبوا مَلَكُوت السَّمَاوَاتِ» [د. أ. كارسون، موسوعة الكتاب المقدس التفسيرية مع النسخة الدولية الجديدة: تفسير إنجيل متى، (غراند رابيدز: زونديرفان، ١٩٩٥)، صفحة ٢٦٦ و ٢٦٧].

 

يبدو أن هذا التفسير يتماشى مع مجمل ما ورد في إنجيل متى من تعاليم. في الواقع، إن هذا التفسير يجسِّد الصورة الأكبر، وهي الصورة المتعلقة بالصراع بين النور والظلمة، بين المسيح والشيطان. وهو الموضوع السائد في الكتاب المقدس ولكنه يتضح جلياً في العهد الجديد. في الواقع، هناك حرب، منظورة وغير منظورة، ناشبة. وهي حرب نحن جميعاً منخرطون فيها، وعلينا جميعاً الوقوف في جانب واحد من إحدى جانبي الصراع فيها. وهي حرب نختبرها جميعاً بصفة يومية وبغض النظر عن مقدار ما نفهمه أو لا نفهمه مما يجري. فهذا هو ما يعنيه العيش في خضم الصراع العظيم.




«النظرة العالمية للحروب»

 

وأياً كان المعنى النهائي للآية التي في متى ١١ : ١٢، كما رأينا بدرس الأمس، فإن ما ورَد في هذه الآية يكشف بالفعل عن حقيقة الصراع العظيم. وهذا الصراع الذي تُصَوِّرَهُ ، كما عرفنا من نصوص كتابية أخرى، هو في جوهره معركة بين المسيح والشيطان.

 

ماذا تخبرنا الآيات الكتابية التالية حول حقيقة الصراع العظيم؟

 

متى ١٢ : ٢٥-٢٩

 

إشعياء ٢٧ : ١

 

١يوحنا ٥ : ١٩

 

رومية ١٦ : ٢٠

 

تكوين ٣ : ١٤-١٩

 

أفسس ٢ : ٢؛ ٦ : ١٠-١٣

 

هذا ليس سوى عدد قليل من العديد من النصوص الكتابية، في كل من العهد القديم والعهد الجديد، التي تشير إلى ما أطلق عليه أحد اللاهوتيين (غير الأدفنتست) اسم «النظرة العالمية للحروب»، وهي الفكرة التي مفادها أن هناك معركة دائرة بين قوى خارقة للطبيعة في الكون، حرب يقف فيها كل واحد مِنَّا إما على أحد الجانبين أو الآخر. وهذه الفكرة، بطبيعة الحال، ليست جديدة على الأدفنتست السبتيين. فطالما كانت جزءاً من تعاليمنا اللاهوتية منذ الأيام المبكرة لكنيستنا. في الواقع، لقد تمسك رواد كنيستنا بهذا المعتقد حتى قبل أن تتشكل كنيستنا نفسها بصورة رسمية.






عندما تصبح المعركة بغيضة

 

كما سبق ورأينا، فإن كلمات المسيح في متى ١١ : ١٢، ورغم عمق معناها، تكشف الحقيقة التي مفادها أن ملكوت الله لن يتأسس دون صراع أو دون معركة. ونحن نعرف أن هذه المعركة هي الصراع العظيم. وقد كان هذا الصراع ولا يزال مستعراً. وسيستمر مستعراً إلى أن يتم الدمار النهائي للخطية والشيطان والأشرار من البشر. وفي بعض الأحيان، يمكن لهذا الصراع أن يكون بغيضاً جداً. ويمكننا أن نرى حقيقة الصراع العظيم، ومدى ما يمكن أن يكون عليه هذا الصراع من مرارة وسوء، في سياق ما قاله المسيح نفسه في إنجيل متى ١١ : ١٢.

 

اقرأ متى ١١ : ١-١٢. كيف نرى حقيقة الصراع العظيم متجلية هنا على عدد من المستويات؟ بمعنى آخر، كيف تساعدنا حقيقة الصراع العظيم على فهم معنى ما يحدث هنا؟

 

بداية، وحسب اعتقادك، مَن الذي أَشارَ عَلَى القادة بأن يزجوا بيوحنا في السجن؟ يمكننا أن نرى هنا محاولة الشيطان، لا لأن يمنع يوحنا من التبشير فحسب بل وأن يثنيه عن الإيمان بالمسيح كذلك. فعلى كل حال، إذا كان يوحنا المعمدان، بَشِير المسيح، قد لاقى مثل هذا المصير فما الذي يمكن للمرء أن يرجو حدوثه للمسيح نفسه؟

 

ثم إنه ليس هناك شك أيضاً في أن الشيطان كان يمكنه أن يجعل أتباع المسيح ويوحنا يسألون أنفسهم السؤال التالي: إذا كان بمقدور هذا المسيح الناصري القيام بالكثير من الأمور الرائعة، وإذا كان لديه الكثير من القدرة والسلطان، فلماذا إذاً يسمح لإنسان صادق وصالح مثل يوحنا المعمدان، ابن خالته، أن يبقى في السجن طويلاً ويتم قتله؟

 

وعلينا أن نفكر أيضاً في مَن هو الذي كان يضع الشكوك في ذهن يوحنا المعمدان ويجعله يسأل أسئلة مثل: لماذا أنا هنا؟ لماذا لا يقوم المسيح بتحريري؟ ومِن هنا، فإنه لا عجب في أن يوحنا قد طرح السؤال: «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» (متى ١١ : ٣). تَذكّرْ أن يوحنا هذا هو نفسه الذي عمَّد المسيح، وهو الذي رأى « ‘رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ’ » (متى ٣ : ١٦)، وسمع صوتاً من السماء يعلن قائلاً: « ‘هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ’ » ( متى ٣ : ١٧). مع ذلك، فها هو الآن، ومع كل ما حدث، قد أصبح مملوءً بالشكوك؟ وبالطبع، ورغم ما كانت عليه حالة يوحنا المعمدان من سوء، إلا أنّها (على الأقل على المدى القصير) كانت ستزداد سوءاً، وهو الأمر الذي كان مِن شأنه خلق المزيد من الشكوك في ذهن أتباع المسيح فيما يتعلق بالسبب وراء عدم تدخله لإنقاذ يوحنا المعمدان من الموت (مرقس ٦ : ٢٥-٢٨).






قضية خاسرة

 

على مر التاريخ، انخرط البشرُ في الحروب. فهناك شيء في الطبيعة البشرية يتسبب في أن ترغب مجموعة ما من الناس في نهب وسلب وذبح أناساً ينتمون لمجموعة أخرى من الناس. قامت الفيلسوفة البريطانية كاثرين تيت برتراند راسل، بتأليف كتاب تتحدث فيه عن قلق والدها، قبيل اندلاع الحرب العالمية، إزاء الفرحة التي عمَّت شوارع إنجلترا إثر احتمال نشوب حرب مع ألمانيا. تقول كاثرين تيت متحدثة عن أبيها: «لقد نشأ وترعرع على الفكر» الڤكتوري «المتفائل الذي كان يؤمن بالارتقاء والتَقَدّم التلقائيين، مع الثقة بأن العالم كله سوف يقوم في الوقت المناسب بإتّباع النمط الإنجليزي الحكيم، فيتحول من الوحشية القديمة إلى الحكم الذاتي المتحضّر [الذي كانت تمتاز به إنجلترا]. ثم فجأة وجد أبي بني وطنه الأعزاء يرقصون في الشوارع إزاء احتمالية قتل أعداد غفيرة من إخوانهم من البشر الذين تصادف أنهم يتحدثون الألمانية.» [والدي برنارد راسل (إنجلترا: ثوميس بريس، ١٩٩٧)، صفحة ٤٥]. ونجد أن هذه الفكرة ذاتها تتكرر مراراً عبر التاريخ، بين جميع البشر تقريباً. وهكذا نرى حقيقة الطبيعة البشرية الساقطة متجلية في شكل من أكثر أشكالها مأساوية وإيذاءً.

 

وفي معظم هذه الحروب الإنسانية، لم يكن أحد يعرف النتائج مسبقاً. فقد خرج الناس إلى أرض المعارك وهم لا يعرفون ما إذا كانوا سيكونون على جانب الفوز أو الخسارة. وفيما يتعلق «بنظرتنا العالمية للحروب» الخاصة بكوكبنا، نحن لدينا ميزة عظيمة: فنحن نعرف الجانب الذي انتصر بالفعل. فقد انتصر المسيح انتصاراً حاسماً لأجلنا. فبعد الصليب لم يعد هناك سؤال حول مَن هو المنتصر وحول مَن يمكنه المشاركة في تلك النّصرة. فإنَّ قضية الشيطان هي في الواقع قضية خاسرة.

 

ماذا تخبرنا الآيات الكتابية التالية حول نتائج الصراع العظيم؟ عبرانيين ٢ : ١٤؛ ١كورنثوس ١٥ : ٢٠-٢٧؛ رؤيا ١٢ : ١٢ و ٢٠ : ١٠.

 

وكما خسر الشيطان الحرب في السماء، خسر الحرب على الأرض، كذلك. لكنه لا يزال، بكل كراهية وانتقام «يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (انظر ١بطرس ٥ : ٨). وعلى الرغم من كمال وتمام نُصرة المسيح، إلا أن المعركة لا تزال محتدمة. وحصانتنا الوحيدة هي في أن نضع أنفسنا، عقلاً وجسداً، على الجانب الفائز. ويمكننا عمل ذلك من خلال الخيارات التي نتخذها كل يوم. فهل نتخذ خيارات تضعنا على الجانب الفائز، حيث النصرة مؤكدة لنا، أَمْ نتخذ خيارات تضعنا على الجانب الخاسر حيث الهزيمة مؤكدة؟ إن مصيرنا الأبدي متوقف على الإجابة على هذا السؤال.




لمزيد من الدرس

 

مَن منا لا يعرف واقع وحقيقة الصراع العظيم؟ نحن نعرف عن هذه الحرب لأننا نشعر بها في داخلنا بصفة يومية. فنحن نعيش في عالم متصدع ومحطم، عالم ملعون بالاضطراب والألم. عالم لا تتقيد الحيّة فيه بشجرة واحدة في وسط الجنة، بل هو عالم أشجاره كلها تجتاحها الحيّات. عالم مليء بهمسات ووساوس التجربة التي تأتي بكل الأنواع والطرق، وهي تُوقِعُ في أشراكها أولئك الذين ليسوا مجتهدين في الإيمان وفي الصلاة. لا عجب في أن المسيح طلب مِنّا قائلاً: «اسهروا وصلوا» لئلا نقع في الأشراك العديدة التي تنتظرنا. ومن بين جميع الأشراك، ربما أن أكثرها خطورة بالنسبة للمسيحي هي الكذبة التي تقول: «عندما تستسلم للتجربة فستكون بذلك قد ابتعدت كثيراً جداً، وليس هناك إله نعمة يقبلك مجدداً ويضمك بين ذراعيه.» مَن منَّا لم يشعر في وقت أو في آخر بأن ذلك الصوت يهمس في أذنيه؟ ومن ناحية أخرى، يُعَدْ هذا الشعور صحيحاً: فعندما تسقط في التجربة، حتى ولو مرة واحدة، فإنك تبتعد كثيراً جداً بحيث لا تستطيع إعادة نفسك مرة أخرى. ولهذا السبب نفسه جاء المسيح وأحرز النصرة من أجلنا، في الوقت الذي أخفقنا فيه جميعاً. هذا هو كل ما تدور بشارة الإنجيل حوله. ففي الصراع العظيم، أحرز المسيح من أجلنا ما لم نكن لنحرزه لأنفسنا أبداً. مع ذلك، وفي الوقت نفسه، فإنّ ما علينا عمله هو أن نختار، كل يوم وكل ساعة وكل لحظة، أن نضع أنفسنا في جانب الرب. ويمكننا القيام بذلك من خلال إطاعة كلمته والمطالبة بوعود نصرته، وهي الوعود التي أكد المسيح لنا أنه يمكننا الحصول عليها. وأيضاً، يمكننا وضع أنفسنا في جانب الرب من خلال الاتكال الدائم على استحقاقاته من أجلنا، بوصفها ضمانة لخلاصنا.




الدرس السادس

 

٣٠ نيسان (أبريل) - ٦ أيار (مايو)

 

الرّاحة في المسيح






السبت بعد الظهر

 

المراجع الأسبوعية: متى ١١ : ٢٨-٣٠؛ ١٢ : ١ و ٢؛ لوقا ١٤ : ١-٦؛ يوحنا ٥ : ٩-١٦؛ متى ١٢ : ٩-١٤؛ إشعياء ٥٨ : ٧-١٣.

 

آية الحفظ: « ‘تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ’ » (متى ١١ : ٢٨).

 

«كان المسيح هو الممثل الحي للناموس. وطوال حياته المقدسة لم يوجد أي تعد لمطاليبه، فإذ نظر إلى أمة من الشهود كانوا يبحثون عن علة واحدة لإدانته أمكنه أن يقول لهم دون أن يراجعه أحد: ‘مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟’ » (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٦٣).

 

لقد عكست حياة المسيح بشكل تام المعنى والقصد من شريعة الله، الوصايا العشر. فقد كان المسيح هو ناموس الله متجسداً في هيئة بشرية. وهكذا فإنه من خلال دراستنا لحياته نتعلم ما يعنيه حفظ الوصايا وكيف نحفظها بطريقة صحيحة تخلو من الفتور، وتخلو كذلك من التزمت. وبطبيعة الحال، من بين تلك الوصايا هناك الوصية الرابعة، الوصية المتعلقة باليوم السابع من الأسبوع، يوم السبت.

 

في هذا الأسبوع، وإذ نواصل دراستنا لإنجيل متى، سوف نلقي نظرة على عدد قليل من المجادلات المتعلقة بالسبت. وسنرى في حياة المسيح إعلاناً واضحاً لما يعنيه أن تحفظ السبت. فإنه إذا كان الناموس انعكاسا لطبيعة الله، وإذا كان المسيح هو تجسيد لهذا الناموس، فإنه يمكننا من خلال معرفتنا عن كيف حفظ المسيح الوصية الرابعة، ومن خلال معرفتنا بما قاله بشأنها، أن نتعلم المزيد عن طبيعة الله وصفاته. والأهم من ذلك، هو أننا سنتعلم كيف يمكننا أن نعكس تلك الصفات في حياتنا.

 

*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٧ أيار (مايو).




نِيْر المسيح الهيّن (الخفيف)

 

في متى ١١ : ٢٠-٢٧، يبدأ المسيح بتوجيه توبيخ شديد لبعض المدن في الجليل والتي رفض سكانها بشارته. وما جعل التوبيخ الذي نطق به المسيح، وكذلك تحذيراته وإدانته، مفزعاً للغاية هو أن هذه المدن كانت قد اُعطيت فرصاً عظيمة لمعرفة الحق. فقد كان المسيح، الذي هو الحق (يوحنا ١٤ : ٦)، قد سار بينهم في الجسد. ولم يكتفِ المسيح بذلك، بل لقد صنع فيها «أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ» (متى ١١ : ٢٠). ومع ذلك، فقد رفضوا أن يتوبوا. في الواقع، لقد قال المسيح «لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ» في كَفْرَنَاحُومَ «لَبَقِيَتْ[سدوم] إِلَى الْيَوْمِ» (متى ١١ : ٢٣). وبعبارة أخرى، كان سكان هذه المدن أسوأ من أهل سدوم.

 

وبعد ذلك مباشرة، في متى ١١ : ٢٥-٢٧، بدأ المسيح يصلي إلى الآب ويتقدم إليه بالشكر، ومن ثم أخذ في الحديث عن العلاقة الوثيقة التي بينه وبين الآب. وقام كذلك بِذِكْرِ كل ما تسلّمه من الآب، وهو الأمر الذي أظهر بطريقة أكثر وضوحاً السبب الذي جعل رفض تلك المدن للمسيح شيئاً مأساوياً ومُحْزناً للغاية.

 

اقرأ متى ١١ : ٢٨-٣٠. ما الذي قاله المسيح هنا، ولماذا يُعَدْ ما قاله مناسباً لهذا الموقف، خاصة بعد ما كان قد نطق به للتو؟

 

بعد أن استنكر المسيح عدم إيمان مدن كفرناحوم، وبعد التأكيد على قُربه وعلاقته الوثيقة بالآب، قدّم المسيح لكل المتعبين راحة فيه. وبعبارة أخرى، كان المسيح يطلب من الناس أن لا يرتكبوا الخطأ الذي ارتكبه الآخرون برفضهم له. إن المسيح لديه السلطان والقدرة على عمل ما يقول أنه سيعمله، وهو يقول أنه بمجيئنا إليه سنجد راحة لنفوسنا. وفي سياق حديث المسيح هنا، كانت الراحة تشتمل على كلٍّ من السلام واليقين في الخلاص، إضافة إلى الرجاء الذي لن يحصل عليه أولئك الذين رفضوه، بل هم لا يستطيعون الحصول عليه.

 

ما الذي يعنيه المسيح أيضاً عندما يقول أنه سَيُرِيِحَنا؟ هل يعني ذلك الكسل؟ هل يعني ذلك التساهل؟ بالطبع لا. إن للمسيح معايير سامية جداً بالنسبة لنا؛ وقد رأينا ذلك في موعظته على الجبل. لكنه ليس المقصود لعلاقتنا مع المسيح أن تضنينا وتتعبنا. فإننا من خلال تعلّمنا منه، ومن خلال محاكاتنا لصفاته، يمكننا أن نجد الراحة من متاعب وهموم الحياة. وكما سنرى، فإن أحد مظاهر تلك الراحة نجده في حفظ السبت.






بلبلة بشأن يوم الراحة

 

إذا كان سبت اليوم السابع، وفقاً لزعم الكثيرين في العالم المسيحي، قد أُبطل واُستبدل وأُلغي وقُضِي (أو أياً كان)، فلماذا إذاً أمضى المسيح الكثير من الوقت في الحديث عن كيفية حفظ السبت؟

 

اقرأ الآيات الكتابية التالية. ما هي القضايا محور الخلاف في هذه المشاهد، وما هي القضايا التي ليست محور خلاف؟ متى ١٢ : ١ و ٢؛ لوقا ١٤ : ١-٦؛ مرقس ٢ : ٢٣-٢٨؛ يوحنا ٥ : ٩-١٦.

 

إن إدراك الفريسيين لحقيقة أنّ تدنيس الأمة للسبت كان من بين أحد الأسباب التي أدت إلى أن يؤخذ بنو إسرائيل إلى السبي البابلي قد جعلهم [أي الفريسيين] يريدون الحيلولة دون حدوث ذلك مرة أخرى. ومن هنا، قاموا بوضع سلسلة من القوانين والأنظمة المتعلقة بما هو مقبول ومُلاَئِم وما هو غير مقبول وغير مُلاَئِم عمله في السبت، وكان القصد من ذلك هو الحفاظ على قدسيته. ما هي بعض تلك القوانين؟

 

إذا وضعت الدجاجة بيضة في يوم السبت، فهل يحل أكل تلك البيضة؟ كان رأي غالبية الفريسيين هو أنه إذا كان يتم تربية الدجاجة من أجل أن تضع البيض فليس مسموح أكل البيضة التي وضعتها الدجاجة في يوم السبت، لأن الدجاجة تكون بذلك قد عملت عملاً في يوم السبت. ومع ذلك، إذا لم يكن الغرض من تربية الدجاجة هو وضع البيض- إذا كان يتم تسمينها من أجل أن تؤكل- إذاً فقد كان مسموح بأكل البيضة التي تضعها في يوم السبت، وذلك لأن وضع البيض لم يكن العمل الأساسي للدجاجة. (وكان هناك أيضاً اقتراح آخر يقول بأنه يمكن أكل البيضة التي تضعها الدجاجة في يوم السبت، هذا ما دمت ستقوم في وقت لاحق بقتل الدجاجة بسبب كسرها لوصية السبت.)

 

هل يجوز النظر إلى نفسك في المرآة في يوم السبت؟ الإجابة هي لا، لأنك إذا رأيت شعرة بيضاء في رأسك، نتيجة المشيب، فربما تغوى إلى نتفها، وهذا سيعد حصادا وقطفا، وهكذا يكون تَدْنِيساً للسبت.

 

وإذا اشتعلت النيران في بيتك في يوم السبت، فهل يجوز الدخول إلى البيت لانتشال ملابسك؟ الجواب: يجب انتشال مجموعة واحدة فقط من الملابس. ومع ذلك، إذا وضعت مجموعة من الملابس على جسمك فإنه يجوز حمل مجموعة أخرى من الملابس معك إلى خارج بيتك المشتعلة فيه النيران. ( وبِالمُنَاسَبَة، إذا اشتعلت النيران ببيتك، إنه لا يجوز أن تطلب من أُممي أن يخمد الحريق، لكن إذا كان الأممي يقوم بإخماد الحريق من تلقاء نفسه على أية حال، فهذا يجوز.)

 

هل يجوز أن تبصق في يوم السبت؟ الجواب: يمكن البصق على صخرة، ولكن لا يمكنك البصق على الأرض لأن ذلك من شأنه أن يصنع طينة أو مِلاَط [نوع من الطين].






رَدُّ المسيح


كان هذا هو الجو الذي خدم المسيح فيه، حيث كانت هناك فروضٌ صارمة متطلبةً لحفظ السبت وهو ما أفسد القصد الأساسي من السبت. فكان ينبغي أن يكون يوماً للراحة من عملنا؛ يوماً نتبعد فيه لله ونستمتع بالشركة مع إخوتنا وأخواتنا من المؤمنين والمؤمنات بطرق لا يمكننا عملها خلال الأسبوع؛ يوماً يَعرف فيه الأطفال أن والديهم سيكونون متاحين للتواصل معهم أكثر من أي يوم آخر؛ يوماً فيه نفرح بشكل خاص من أجل ما قام به الله، خالقنا وفادينا، من أجلنا.


اقرأ متى ١٢ : ٣-٨ لترى كيف ردَّ المسيح على نِير الفريسيين الثقيل. اقرأ أيضاً ١صموئيل ٢١ : ١-٦. ما هو النهج الذي استخدمه المسيح هنا؟


لقد كان المسيح يقول لهم ما كان سيقوله بصِيْغَة أقوى في وقت لاحق (انظر متى ٢٣ : ٢٣ و ٢٤)، وذلك من أجل أن يركّزوا على ما هو مهم حقاً. وقد سرد المسيح القصة المألوفة عن داود الذي كان هارباً من ابنه، وكيف أن داود قد اكل خبز التقدمة الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط. وذلك لأن جوع داود ورفاقه في تلك الحالة كان أكثر أهمية من طقسٍ من طقوس الهيكل كان مخصصاً لغرض آخر. وبالطريقة نفسها، كان جوع أتباع المسيح أكثر أهمية من التعليمات الخاصة بالسبت (فيما يتعلق بالحصاد) والتي كانت مَوضوعة لمَقْصِدٍ آخر.


وقد أَشَارَ المسيح أيضاً إلى عمل الكهنة في الهيكل في يوم السبت. فقد كان مسموح بأعمال الخدمة في السبت. وبالطريقة نفسها، كان حفظ السبت يسمح بعمل أتباع المسيح، لأن المسيح وعمله كانا أعظم من الهيكل.


ليس هناك شيء قاله المسيح هنا أو في أي مكان آخر فيما يتعلق بحفظنا للسبت ومن شأنه أن يقلل بأي شكل من الأشكال من الأمر الإلهي الذي يقضي بوجوب حفظنا للسبت مقدساً. إن المسيح لم يحاول تحرير الناس من حفظ السبت وإنما من القواعد والقوانين عديمة المعنى التي حجبت ما كان يفترض للسبت أن يكون عليه، ألا وهو أن يكون السبت تعبيراً عن الراحة التي لنا في المسيح بوصفه خالقنا وفادينا.






الشفاء في السبت


إنه لمن المثير للاهتمام أن تقرأ الأناجيل وترى عدد المرات التي سجَّل فيها كَتَبة الأناجيل الأحداث المتعلقة بالسبت والتي دارت حولها نقاشات بين المسيح والقادة الدينيين. فلو أن السبت كان على وشك أن يلغى ويَبْطُل، فما الذي دفع كتبة الأناجيل الأربعة إلى إدراج قصصٍ كثيرة حول الجدال الذي كان للمسيح مع القادة الدينيين بشأن مسألة حفظ السبت؟ وتصبح هذه النقطة أكثر وضوحاً عندما نتذكر أن الأناجيل كانت قد كُتبت بعد سنوات عديدة من خدمة المسيح. وعلى الرغم من أن العلماء منقسمون حول التواريخ المحددة، إلا أن معظمهم يرى أن الأناجيل قد كُتبت بعد ما لا يقل عن ٢٠ إلى ٣٠ عاماً من موت المسيح. وهكذا، فإنه لو كان سبت اليوم السابع قد اُسْتبدل آنذاك بالأحد (وهي إحدى نقاط الجدال الشائعة) لكنا نجد إشارة إلى هذا التغيير في الأناجيل الأربعة الموحى بها والتي تسرد قصة حياة المسيح. لكن من المؤكد هو أنه ليس هناك أي إشارة إلى مثل هذا التغيير في الأناجيل الأربعة كافة أو أيّ من الأسفار التي تستعرض حياة المسيح وخدمته. وهكذا يكون لدينا دليلاً قوياً على أن سبت اليوم السابع لم يلغَ أو يتغير أو يُستبدل. ومن المؤكد أن المسيح، ووفقاً لما ورد في الأناجيل، لم يفعل ذلك طوال حياته هنا على الأرض، كما أنه لم يوصِ أو يأمر بعمل ذلك. بل على العكس من ذلك، فإنه إذا ركزنا على وصايا المسيح ومثاله فسنجد أن الأناجيل تبيّن لنا استمرارية سبت اليوم السابع.


اقرأ متى ١٢ : ٩-١٤. ما هي القضية هنا، ولماذا كانت سبباً آخر للخلاف والجِدَال؟


«وفي سبت آخر إذ دخل يسوع أحد المجامع رأى هناك إنسانا يده يابسة . وكان الفريسيون يراقبون يسوع وهم متلهفون لمعرفة ما سيفعله . ولقد عرف المخلص جيدا أنه لو شفى المريض في يوم السبت فسيعتبر متعديا ، ولكنه لم يتردد في نقض سياج المطاليب التقليدية التي أحاطت بيوم السبت.... كان عند اليهود مبدأ يقول بأن إهمال عمل الخير متى سنحت الفرصة لعمله معناه عمل الشر، وإن إهمال تخليص النفس هو قتل لها. وهكذا التقى يسوع بالمعملين في ميدانهم» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٦٢ و ٢٦٢).


مرة أخرى نجد هنا أيضاً، كما في الحادثة السابقة المتعلقة بالسبت، أنَّ المسيح كان يسعى إلى توجيه الناس إلى الغرض الأسمى للناموس وإلى الهدف الأسمى لما تعنيه حياة الإيمان.


لقد كان هؤلاء الرجال قانعين بِتَرْك هذا الرجل في آلامه ومعاناته بدلاً من أن ينتهكوا القوانين التي مِن صنع البشر، والتي وضعوها هم أنفسهم بخصوص السبت. وهي القوانين التي أصبحت مُشَوَّهةً للغاية - فعلى الرغم من أنهم كانوا على استعداد لإخراج ثور من الحفرة في يوم السبت - إلا أنّهم لم يكونوا مستعدين لأن يخففوا آلام ومعاناة أخٍ لهم في البشرية.


إننا بحاجة إلى أن نكون حريصين على التأكد من أن ممارستنا للإيمان لا تقف حائلاً دون عيش إيماننا بالطرق التي دعانا الله للعيش بها.




حفظ السبت


ينبغي أن يكون واضحاً من الأناجيل أن المسيح لم يُبْطِل السبت. في الواقع، إن المسيح استرد السبت وحرّره من الأعباء المرهِقة التي وضعها الناس عليه. فإنه بعد موت المسيح بمئات السنين كان المسيحيون لا يزالون يستريحون ويتعبدون في السبت. كتب مؤرخ القرن الخامس، سقراط سكولاستيكاس، ما يلي: «تحتفل جميع الكنائس في كل أنحاء العالم تقريباً بالأسرار المقدسة (العشاء الرباني) في يوم السبت من كل أسبوع. مع ذلك فإنَّ مسيحييّ الإسكندرية وروما، وفقاً لبعض التقاليد القديمة، كانوا يرفضون القيام بذلك» (التاريخ الكنسي، مجلد ٥، صفحة ٢٨٩). مهما كانت الأسباب وراء تدوين هذه الأحداث في الأناجيل، إلا أنّ مما لا شك فيه هو أنه لم يكن القصد من ذلك هو جعل أي شخص يحيد بعيداً عن السبت.


اقرأ مرة أخرى متى ١٢ : ١٢ وركّز على عبارة: «إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ!» ما الذي يعنيه ذلك في السياق المباشر الذي نطق فيه المسيح بهذه العبارة، وماذا يخبرنا أيضاً عن ما ينبغي أن يتضمنه حفظ السبت؟


على الرغم من أن الشريعة اليهودية كانت تسمح بأن يحصل الإنسان المُعَرّضَةُ حياته للخطر على عناية طبية في يوم السبت، إلا أنّ المسيح قد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد أكّد المسيح على أن الشفاء، بل وربما حتى الشفاء الذي يمكن تقديمه في يوم آخر، مسموح في يوم السبت. مع وضع كل هذا في الاعتبار، انظر إلى ما قاله المسيح في وقت لاحق في متى. « ‘مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ’ » (متى ١٣ : ٥٢). ولا شك في أن المسيح كان يُخْرِجُ كنوزاً جديدة كذلك.






لمزيد من الدرس


قال أحدهم، «الدِّينُ إهانةُ لكرامة البشر، معه وبدونه، هناك طيبون يفعلون الخير وسيئون يفعلون الشر، ولكن لتجعل الطيبون يفعلون الشر فأنك تحتاج للدِّين.» في القرن السابع عشر، نطق المُتصوّف الفرنسي بليز باسكال بتحذيره الشهير الذي قال فيه «لا يرتكب المرء الشر كاملاً وببساطة مثلما يرتكبه بناء على عقيدة دينية.» وعلى الرغم من أن هذه العبارات مُبالغ فيها إلى حد ما، إلا أن هناك للأسف شيء من الحقيقة في هذه المشاعر. ويمكن لهذه الحقيقة أن تُرى في سياق درس هذا الأسبوع، فيما يتعلق بالفريسيين والسبت. «إن يسوع حين واجه الفريسيين بهذا السؤال: هل يَحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر ، تخليص نفس أو قتل - واجههم بنواياهم الشريرة . كانوا يطلبون موته بكل ما في قلوبهم من حقد مرير ، في حين كان هو يخلص النفوس ويمنح السعادة للجموع ، فهل كان الأفضل في يوم السبت ارتكاب جريمة القتل كما كانوا يقصدون أن يفعلوا أكثر من شفاء المرضى المتألمين كما قد فعل هو؟ وهل كان من العدالة والصواب أن يبقوا في قلوبهم شهوة القتل في يوم الرب المقدس بدلا من أن يضمروا المحبة لكل الناس ، تلك المحبة التي تعبر عن نفسها في أعمال الرحمة؟» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٢٦٢ و ٢٦٣).




الدرس السابع


٧ـ١٣ أيار (مايو)


رب اليهود والأمم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ١٤ : ١-٢١؛ خروج ٣ : ١٤؛ متى ١٤ : ٢٢-٣٣؛ إشعياء ٢٩ : ١٣؛ متى ١٥ : ١-٢٠؛ متى ١٥ : ٢١-٢٨.


آية الحفظ: « ‘أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ’ » (إشعياء ٤٢ : ٦).


في متى ١٥ : ٢٤، يقول المسيح بشكل واضح، « ‘لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ’ » لا شك في أن خدمة المسيح الأرضية كانت موجّهة في معظمها إلى الأمة اليهودية. لكن الكتاب المقدس كله يُظهر أن بني إسرائيل لم يكونوا وحدهم الذين كانوا يَحْظَون برعاية الله واهتمامه. كان السبب وراء اختيار الله للأمة اليهودية هو أن يتمكّن الله من مباركة جميع الشعوب على وجه الأرض. «هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا، مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحًا: ‘أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ’ » (إشعياء ٤٢ : ٥-٧).


كانت خطة الله إيصال بشارة الخلاص إلى العالم أجمع من خلال المسيا الذي جاء من الأمة اليهودية. وسنرى في هذا الأسبوع بَعْضَاً من طرق الله لتبشير مَن هم بحاجة إلى الخلاص.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٤ أيار (مايو).




إطعام الجياع


إن أكثر أعمال المسيح المعروفة هي إطعامه لنَحْوَ «خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ» (متى ١٤ : ٢١). مع ذلك، وكما هو الحال مع كل شيء آخر في العهد الجديد، فإن القصة لا تَحْدُث دون سياق من شأنه أن يساعدنا على أن نفهم بشكل أعمق معنى ما قام به المسيح هنا.


اقرأ متى ١٤ : ١-٢١. ما الذي حدث مباشرة قبل إطعام المسيح للجموع من خلال إجراء معجزة، وما هو الدور الذي قام به هذا الحدث في المناسبة التي أعقبته؟


ضع نفسك في موقف التلاميذ آنذاك. فها هو يوحنا المعمدان، رجل الله الصادق، قد قُطِعَ رأسه. كان التلاميذ يعْلَمون بموت يوحنا لأنهم هم الذين أخبروا المسيح بذلك. ولا بد وأن موت يوحنا قد أحبطهم للغاية، على الرغم من أن النصوص الكتابية لا تذكر ذلك. ومما لا شك فيه هو أن إيمانهم كان على المحك. ومع ذلك، فإنه لا بد وأن يكون ما فعله المسيح بعد ذلك قد عمل على تقوية إيمانهم إلى حد كبير، وخاصة بعد الإحباط الشديد الذي أصابهم نتيجة موت يوحنا المعمدان.


ومع ذلك، هناك معنى أكثر عمقاً لهذه القصة، بغض النظر كيف عملت هذه القصة على زيادة إيمان التلاميذ. فلقد عمل إطعام المسيح للشعب اليهودي على تذكير الجميع بالمَنّ الذي وفره الله لبني إسرائيل في البرية. «إن التقليد الذي ساد في اليهودية هو أن المسيّا كان سيأتي في عيد الفصح وبأنه مجيئه سيكون مصحوباً ببدء سقوط المَنّ مرة أخرى.... لذا فإنه عندما أطعم المسيح الخمسة آلاف قبل عيد الفصح، لم يكن من المفاجئ لأحد أن تبدأ الحشود بالتفكير في ما إذا كان المسيح هو المسيّا، وفي ما إذا كان على وشك القيام بمعجزة أعظم، ألا وهي إطعام الجميع بشكل دائم من خلال قيامه بإعادة إنزال المَنّ من السماء» [جون بوليان يون: ذا أبندانت لايف بايبل أمبليفاير (بويز: دار المحيط الهادئ للطبع والنشر، ١٩٩٥)، صفحة ١٣٩ و ١٤٠].


تحديدا هذا هو المسيّا الذي كان يريده الشعب: المسيّا الذي يُلبّي احتياجاتهم الخارجية والسطحية. وفي تلك اللحظة، كانت الجموع على استعداد لتنصيب المسيح ملكاً أرضياً، لكن المسيح لم يأتِ ليكون ملكاً، وكان رفضه لأن يكون كذلك سبباً في إصابتهم بخيبة أمل كبرى. لقد كانت لديهم توقعاتهم، وعندما لم تتحقق تلك التوقعات ابتعد كثيرون عن المسيح، على الرغم من أنه قد جاء للقيام بما هو أكثر بكثير مما لديهم من توقعات دنيوية ضئيلة ومحدودة.






ربُّ الخليقة كُلّها


بعد معجزة إشباع الجموع، أمر المسيح تلاميذه أَنْ يَدْخُلُوا سفينتهم (متى ١٤ : ٢٢). لقد أراد لهم أن يكونوا بعيدين عن الأذى والضرر والضغط والضيق. فإن المعلّم الجيد سيعمل على حماية تلاميذه مما هم ليسوا على استعاد للتعامل معه بعد. وفيما يتعلق بدعوة التلاميذ، تقول روح النبوة، «فدعا يسوع تلاميذه وأمرهم بالنزول في السفينة والإقلاع إلى كفرناحوم في الحال وأن يتركوه هو حتى يصرف الجموع.... فاحتجوا على هذا الإجراء، ولكن يسوع تكلم الآن بسلطان لم يسبق له أن خاطبهم به. وقد عرفوا أن أي اعتراض من جانبهم بعد ذلك سيكون بلا جدوى فاتجهوا إلى البحر وهم صامتون» (مشتهى الأجيال، صفحة ٣٧٨).


اقرأ متى ١٤ : ٢٣-٣٣. ما الذي تُعْلِنَه هذه الآيات عن هَوُيّة المسيح وطبيعة الخلاص؟


كانت اللحظة الكاشفة للإيمان هي عندما تساءل التلاميذ المُرْعَبُون عمَّن عساه يكون الكائن الذي كان يسير على الماء نحوهم. وقد قال المسيح لهم، « ‘أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا’ » (متى ١٤ : ٢٧). وعبارة «أنا هو» هي ترجمة أخرى للعبارة اليونانية التي تعني «أَهْيَهْ.» وهذا هو اسم الله نفسه (انظر أيضاً خروج ٣ : ١٤).


إن الكتاب المقدس يُظهر مِرَاراً وتَكْراراً أنَّ للرب سلطاناً على الطبيعة. على سبيل المثال، يُظهر مزمور ١٠٤ بوضوح أن الله ليس هو الخالق فحسب لكنه المُعِيل كذلك، وبأن قدرة الله هي التي تعمل على استمرار العالم في الوجود وتعمل كذلك على تسيير قوانين الطبيعة. ليس ثمة شيء هنا يلمّح إلى أن هناك إله «رُبُوبِيّ» خلق العالم ثم تركه وشأنه. وسواء كُنّا يهوداً أو أممين، فإننا مدينون في استمرار وجودنا للقدرة المُعِيلة التي لنَفْس الرب الذي هدَّأ البحر. (انظر عبرانيين ١ : ٣).


يجب لصرخة بطرس، « ‘يَارَبُّ، نَجِّنِي!’ » (متى ١٤ : ٣٠) أن تردد صدى صرختنا نحن، لأنه ما لم ينجّينا الرب يسوع، فَمَن سيفعل ذلك؟ فإنّ عجز بطرس في تلك الحالة يعكس عجزنا نحن في مواجهة ما يقذفنا به عالمنا الساقط.






قلبُ المُرائين


«فَقَالَ السَّيِّدُ: ‘لأَنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي، وَصَارَتْ مَخَافَتُهُمْ مِنِّي وَصِيَّةَ النَّاسِ مُعَلَّمَةً’ » (إشعياء ٢٩ : ١٣). على الرغم من أن الرب كان يتحدث هنا إلى بني إسرائيل قديماً، ما هي الرسالة الموجّهة إلى الكنيسة، اليوم؟


بعد مُضي عدة قرون على كتابة إشعياء لهذه الكلمات، قام المسيح باقتباسها حين كان في نقاش مع القادة الدينيين.


اقرأ متى ١٥ : ١-٢٠. ما هي المسألة المحددة هنا، وكيف تعامل معها المسيح؟


بعد فترة من عودة المسيح من كفر ناحوم، دخل في جدل مع المعلمين اليهود حول مسألة ما يجعل الإنسان نَجِسَاً. وكان المعلمون الدينيون قد أضافوا إلى الشريعة كل أنواع القوانين والاجراءات المتعلقة بالنَّجاسة الخارجية. على سبيل المثال، كان عليك أن تغسل يديك بطريقة معينة. لكن تلاميذ المسيح لم يلتفتوا إلى هذه التعليمات، وعندما أشار الكتبة والفريسيون إلى وجوب التقيّد بها، ردّ عليهم المسيح بطريقته.


وباختصار، أدان المسيح الرياء بشدة. وهو الفخ الذي من السهل لأي شخص الوقوع فيه. فمن مِنَّا لم يكن في وقت ما مذنباً بالرياء، حيث ندين (سواء بكلامنا أو في قلوبنا) شخصاً ما على تصرّف ما، في حين نكون قد فعلنا نفس الشيء أو ما هو أسوأ؟ وما لم نَتَوخّى الحذر، فإننا جميعاً لدينا الميل لرؤية أخطاء الآخرين في حين نعمى عن رؤية أخطائنا. وبالتالي، يبدو أن النفاق يطالنا جميعاً بحكم طبيعتنا.






الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ من المائدة


بعد أن قام المسيح بإجراء معجزات إطعامٍ وشفاءٍ لبني شعبه من اليهود، وبعد أن كرز لهم، اتخذ المسيح قراراً حاسماً. فقد غادر منطقة اليهود ودخل منطقة الغُرباء والأمم.


اقرأ متى ١٥ : ٢١-٢٨. كيف لنا أن نفهم هذه القصة؟


من نواحٍ كثيرة، ليس من السهل فهم هذه القصة بمجرد قراءتها، فنحن لا نعرف كيف كانت نبرة صوت المسيح وتعبيرات وجهه عند حديثه إلى هذه المرأة. فقد بدا أن المسيح كان يتجاهل هذه المرأة في بادئ الأمر؛ ثم، وعند حديثه إليها، بدا كلامه قاسياً؛ « ‘لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب’ » (متى ١٥ : ٢٦).


ماذا لو حاولت اتباع هذا النهج؟ فإذا جاءك شخص ما وطلب منك أن تعطيه بعضاً من رقائق البطاطس التي تتناولها، فتجيبه قائلاً، «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ تؤْخَذَ رقائق البطاطس وَتُطْرَحَ لِلْكِلاَب.» لا تعد هذه وسيلة فعالة لكسب الأصدقاء، أليس كذلك؟


مع ذلك، فيما يلي بعض الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار. أولاً، المعروف هو أن اليهود كانوا في ذلك الوقت يعتبرون الأمم كلاباً، وهو ما يستحضر إلى الذهن صورة كلاب كثيرة تجري في الشوارع. لكن المسيح استخدم هنا أكثر المصطلحات اليونانية رِقّة وحناناً «الكلب الصغير» (أو «الجَرْو»)، مما يستحضر إلى الذهن الكلاب المنزلية التي تبقى في المنزل وتتناول الطعام من المائدة.


ثانياً، خاطبت هذه المرأة الكنعانية المسيح مستخدمة لقب «ابن داود». وهذا يدل على معرفتها بأن المسيح كان يهودياً. وكمعلم صالح، قام المسيح بالتحاور معها وربما حاول كذلك اختبار إيمانها. كتب كريج كينز الآتي: «ربما أنه [أي المسيح] كان يريد لها أن تدرك مرسليته الحقيقية وهَوُيته، خشية أن تعامله وكما لو كان واحداً من العديد من السحرة المتجولين الذين كان الأمميون في بعض الأحيان يلجأون إليهم ويلتمسون منهم طرد الأرواح الشريرة. ومع ذلك، فالمؤكد هو أن المسيح كان يدعوها إلى إدراك أولوية إسرائيل في الخّطة الإلهية، وهو إدراك من شأنه أن يشتمل على اعتراف من جانبها بحالة تبعيتها وخضوعها.... يمكن للمرء مقارنة ذلك بالشرط الذي اشترطه إليشع بأن يغتسل نعمان في نهر الأردن، على الرغم من أن أفضلية نعمان كانت أن يغطس في أحد الأنهار الآرامية مثل نَهْرَيّ أَبَانَة وَفَرْفَر....، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اعتراف نعمان بإله إسرائيل وأرضهم (٢ملوك ٥ : ١٧-١٨).» (تفسير إنجيل متى: شرح اجتماعي - بلاغي، صفحة ٤١٧).


وأخيراً، من المرجح أن هذه المرأة كانت من الطّبَقَة اليونانية الرّاقِيَة، وهي الطبقة التي كانت «تقوم عادة بالاستيلاء على الخبز الذي كان يعود للفقراء اليهود المقيمين في محيط مدينة صور.... والآن... قام المسيح بتغيير اتجاه روابط القوة، فإن الخبز الذي يقدمه المسيح يعود لبني إسرائيل أولاً.... ‘وهكذا كان ينبغي لهذه اليونانية أن تستجدي المساعدة من يهودي مُتجوِّل’ » (تفسير إنجيل متى: شرح اجتماعي - بلاغي، صفحة ٤١٧).


هذه فقرة لا يسهل فهمها، لكن علينا أن نثق بالمسيح. فمن خلال حواره مع هذه المرأة قام المسيح برفع شأنها وتبجيلها، كما فعل مع المرأة التي عند البئر. وعندما غادرت المرأة، كانت ابنتها قد شُفيت وكان إيمان هذه المرأة في ابن داود قد تأجَّج.




ربُّ الأمم


اقرأ متى ١٥ : ٢٩-٣٩ وقارن هذه الآيات بتلك التي في متى ١٤ : ١٣-٢١. ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين هاتين القصتين؟


كثير من الناس لا يدركون أنَّ هناك معجزتين لإطعام الجموع يرد ذكرهما في الأناجيل: الأولى كانت لإطعام اليهود والثانية كانت لإطعام الأمم. وفي كلتا الحالتين، «أشفق» المسيحُ عَلَى الْجَمْعِ.


مدهشة حقاً هي تلك الصورة التي نرى فيها الآلاف من الأممين يأتون إلى هذا المعلّم الشاب ويتلقّون منه العِلم والمحبة والطعام. واليوم، وإذ ننظر إلى الوراء، بعد إدراكنا لشُمُولِيّة وعالَمِيَّة بشارة الإنجيل (فإن معظم من يقرأون هذا الدرس، على كل حال، هم ليسوا يهوداً)، فإنه يمكن بسهولة أن يغيب عن بالنا مدى ما بدا عليه شيء من هذا القبيل غريب وغير متوقع بالنسبة للناس آنذاك، اليهود والأممين على حد سواء. لا شك، في أن المسيح كان بذلك يُخرج الجميع من «مناطق راحتهم» ويدفعهم إلى النظر إلى الأمور بشكل مختلف عن المعتاد.


مع ذلك، فهذه كانت هي خطة الله دائماً، أن يجذب جميع شعوب الأرض إليه. وهناك آية كتابية مذهلة تشهد على هذه الحقيقة: « ‘أَلَسْتُمْ لِي كَبَنِي الْكُوشِيِّينَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَلَمْ أُصْعِدْ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ كَفْتُورَ، وَالأَرَامِيِّينَ مِنْ قِيرٍ؟’ » (عاموس ٩ : ٧).


ما الذي يقوله الرب هنا؟ أليس ما يقوله هنا هو أنه يهتم بأمور كل الناس وليس بأمور بني إسرائيل وحدهم؟ أَلَمْ يكن مهتماً بالفلسطينيين؟ إن القراءة المتأنية للعهد القديم تكشف عن هذه الحقيقة مراراً وتكراراً، هذا على الرغم من أن هذه الحقيقة قد حُجبت عبر العصور، لدرجة أنه بحلول الوقت الذي تشكّلت فيه كنيسة العهد الجديد كان على العديد من المؤمنين الأوائل تعلّم هذه الحقيقة الكتابية الجوهرية.


اقرأ رومية ٤ : ١-١٢. بأية طرق يتم تصوير البشارة وشموليتها في هذه الآيات؟




لمزيد من الدرس


كان هناك شخص مسيحي يتحدث إلى الطلاب في حرم جامعي علماني حول وجود الله. وبعد استخدامه لكل الحجج الشائعة، اتبع القس نهجاً مختلفاً وقال: «أتعرفون، عندما كنت في سن معظمكم، ولم أكن أؤمن بالله حينها، كنت كلما حدث شيء من حين لآخر يمكنه أن يقنعني بأن الله موجود كنت دائماً أُبْعِدْ تلك الأفكار عن ذهني. لماذا؟ لأنه كان هناك شيء يخبرني بأنه لو أن الله موجود بالفعل فإنني سأكون في مأزق نظراً لطبيعة الحياة التي كنت أعيشها.» وعندها تغير جو القاعة على الفور. وأخذ التلاميذ يتحاورون ويتناقشون مع بعضهم البعض بحماسة بالغة. وبدا أن درجة حرارة القاعة قد ارتفعت فجأة بسبب ما حدث من تفاعلات في أدمغة أولئك التلاميذ الذين كانوا يشعرون قبلاً بعدم الارتياح والانزعاج. لقد تمكّن هذا المدرّس من لَمْس قلوب أولئك الطلاب. فعلى الرغم من أنهم لم يكونوا مسيحيين ولم يهتموا كثيراً بمسألة الوصايا العشر، إلا أنهم قد شعروا بأن الأمور لم تكن على ما يرام في حياتهم من الناحية الأخلاقية، وبأنه لو كان هناك إله فسيكون عليهم تقديم حساب عن كل ما فعلوه في حياتهم. ومع ذلك، فإنه لا ينبغي لنا كمسيحيين متوافقين جداً مع معايير الله الأخلاقية أن نشعر بعدم الارتياح عندما نواجَه بحقيقة أن الله يهتم بالأمور الأخلاقية. وينبغي أن تكون بشارة الإنجيل هي السبب وراء جعلنا لا نشعر بعدم الارتياح. وعندما نواجَه بإثمنا فإنه يمكننا ، سواء كُنَّا يهوداً أو أممين، أن نحتمي ببِرِّ المسيح المُقَدَّمِ لنا بالإيمان «بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ» (رومية ٣ : ٢٨). ومتى أصبحنا مدركين تماماً لإثمنا فإنه يمكننا المطالبة بالوعد بأن «إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ» (رومية ٨ : ١). الأمر لا يهم سواء كنا يهوداً أم أممين. «وبدون تمييز من ناحية العمر أو المقام أو الجنسية أو الامتيازات الدينية الجميع مدعوون لأن يأتوا إليه ويحيون» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٣٨٠).




الدرس الثامن


١٤ـ٢٠ ايار (مايو)


بطرسُ والصَّخرةُ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: غلاطية ٤ : ٤؛ عبرانيين ٧ : ٢٦؛ متى ١٦ : ١٣-٢٠؛ أفسس ٢ : ٢٠؛ متى ١٦ : ٢١-٢٧ و ١٧ : ١-٩.


آية الحفظ: « قَالَ لَهُمْ: ‘وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟’ » (متى ١٦ : ١٥).


«مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ» (متى ١٦ : ٢١).


إن العهد الجديد واضح: كان على المسيح أن يموت. وعندما رأى المسيح ظلال الصليب تلوح في الأفق، صلى قائلاً: « ‘اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ’ » (يوحنا ١٢ : ٢٧). لقد كانت هذه هي الخطة الإلهية الموضوعة في ذهن الله حتى «قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ» (تيطس ١ : ٢، انظر أيضاً ٢تيموثاوس ١ : ٩). وهذا هو السبب في أن المسيح لم يقل ببساطة أنه كان على وشك أن يتألم كثيراً ويُقتل ومن ثم يقوم في اليوم الثالث، ولكنه قال أنه يجب عليه أن يُواجِه كل هذه الأمور. ونظراً لطبيعة الله، وقداسة الناموس، وحقيقة الإرادة الحرة، كان موت المسيح هو السبيل الوحيد الذي يمكن بواسطته إنقاذ البشرية من عقوبة التعدّي.


سنتعلم في درس هذا الأسبوع المزيد عن قصة المسيح، وإن كنّا سنركز على بطرس وكيف كانت ردة فعله عندما عَلِم أن المسيح كان يسير نحو الموت المقرر له «قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.»


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢١ أيار (مايو).




«أنت هو المسيح»


لك أن تتخيل ما كان عليه الأمر بالنسبة لبطرس فيما يتعلق بما كان لديه من أفكار عن المسيح وعن مرسليته. فقد كان بطرس مع المسيح منذ البداية تقريباً. فما الذي عساه يكون قد جال بعقله حين كان يشهد الأحداث المدهشة، حادثة تلو الأخرى؟ أحداث مثل: معجزات الشفاء وطرد الشياطين وإطعام الجموع والتعاليم المدهشة والسيطرة على الطبيعة وإقامة الموتى والمشي على الماء مع المسيح. وفي ضوء كل ما شهده من أحداث، وفي ضوء رؤيته لأمور لم يسبق لأحد في التاريخ أن رآها على الإطلاق، لا بد وأن تكون هناك أسئلة قد أثقلت ذهن بطرس، يوماً بعد يوماً. ومن بين تلك الأسئلة، لا بد وأن يكون هناك السؤال الذي يعيد نفسه: لماذا سمح المسيح بأن يواجِه يوحنا المعمدان مثل تلك النهاية الذليلة؟ فعلى كل حال، كان المسيح هو الله في الجسد، وقد عاش وخدم البشرية وهو في الجسد (غلاطية ٤ : ٤؛ عبرانيين ٧ : ٢٦؛ إشعياء ٩ : ٦؛ لوقا ٢ : ١٠ و ١١). ولهذا، كان أولئك المحيطون به، الذين عاشوا معه، والذين كانوا تلاميذه، سيمرّون بكثير من الاختبارات الفريدة.


اقرأ متى ١٦ : ١٣-١٧. ما هو السؤال الذي طرحه المسيح على تلاميذه، وما أهمية أن إجابة بطرس هي الإجابة الوحيدة التي تم تدوينها في الأناجيل؟ ولماذا تعد إجابته ذات أهمية بالغة؟


إن إعلان بطرس بأن يسوع « ‘هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!’ » هو من بين أعظم ما تم إعلانه في الكتاب المقدس كله. فقد استخدم بطرس لقب « ‘المسيح’ » أو « ‘المَمْسُوح’ »، وبهذا الاعتراف كان بطرس يقول أن المسيح كان هو «المسيّا»، أي ذاك الذي كان عتيداً أن يأتي لإتمام وعود العهد المُبرَمة مع إبراهيم، ثم لنسله من بعده (انظر غلاطية ٣ : ١٦). وفي نواحي قيصرية فيلبس أيضاً، أعلن بطرس أن يسوع المسيح هو المسيا. وقد كانت هذه بلدة يسكنها الأمميون. وقد فعل بطرس ذلك لأنه قد رأى أن المسيح لم يكن يهتم باليهود فحسب لكنه كان يهتم بالأمميين أيضاً. وبمعونة الروح القدس، أدرك بطرس أن المسيح كان أكثر بكثير من مجرد نبي يهودي، كما أشار إليه آخرون. فقد امتدت خدمة المسيح إلى ما هو أكثر بكثير من خدمة يوحنا المعمدان أو إيليا أو إرميا. في الواقع، لقد كانت خدمته لتشمل البشرية جمعاء؛ ومن هنا يشير المسيح إلى نفسه على أنه «ابن الإنسان» مُظهراً ارتباطه الشخصي بجميع بني البشر وشعوره معهم. وكما يُظهر الكتاب المقدس في فقرات لاحقة، فقد كان لدى بطرس الكثير ليتعلمه عن المسيح وعن شمولية ما جاء المسيح ليقوم به على ارضنا.






«عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ»


فور اعتراف الإيمان الجريء الذي نطق به بطرس بأن يسوع « ‘هو المسيح ابن الله الحي’ »، قال المسيح شيئاً ردَّ به على ما قاله بطرس.


اقرأ متى ١٦ : ١٧-٢٠. ماذا قال المسيح لبطرس، وكيف لنا أن نفهم ما يعنيه ذلك؟


لطالما كانت عبارة «عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ» مثيرة للجدل داخل الكنيسة المسيحية. يفسر الكاثوليك «الصَّخْرَة» على أنها تعني بطرس نفسه، بحجة أن بطرس كان أول «بابا». أما البروتستانت، ولسبب وجيه، يرفضون ذلك التفسير. أما ما يقدمه الكتاب المقدس من أدلة ففيه تأييد واضح لفكرة أن الصَّخْرَةَ هي المسيح نفسه، وليس بطرس.


أولاً، نجد بطرس في عدد من المرات يُشير إلى المسيح، وليس إلى نفسه، مستخدماً التعبير المجازي «الْحَجَر» أو «ٱلصَّخْرَة» (انظر أعمال الرسل ٤ : ٨-١٢ و ١بطرس ٢ : ٤-٨).


ثانياً، إننا نجد في كافة أجزاء الكتاب المقدس استخداماً لصورة الصخرة أو الحجر للإشارة إلى الله وإلى المسيح؛ في المقابل، يُنظر إلى البشر على أنهم ضعفاء وغير جديرين بالثقة. «لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ» (مزمور ١٠٣ : ١٤). «لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ» (مزمور ١٤٦ : ٣). وقد كتب يوحنا أيضاً عن المسيح يقول: «وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ» (يوحنا ٢ : ٢٥). وكان المسيح يعلَم مَا كَانَ فِي بطرس أيضاً (متى ٢٦ : ٣٤).


في المقابل، ماذا تخبرنا هذه النصوص الكتابية عن مَن هو الصخرة حقاً وعن مَن هو الذي تم بناء الكنيسة عليه؟ (١كورنثوس ١٠ : ٤؛ متى ٧ : ٢٤ و ٢٥؛ أفسس ٢ : ٢٠).


«ولكن كم كانت الكنيسة تبدو ضعيفة وواهنة القوى عندما نطق المسيح بهذا الكلام. فلم يكن هناك غير حفنة من المؤمنين الذين اصطفت ضدهم كل قوة الشيطان والناس الأشرار. ولكن أتباع المسيح لم يكن لهم أن يخافوا. فإذ كانوا مبنيين على صخرة خلاصهم لم يمكن أن ينقلبوا» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٣٩١).






بطرس كشيطان


اقرأ متى ١٦ : ٢١-٢٣. لماذا كان المسيح قاسياً جداً على بطرس بشكل مفاجئ؟


لم تكن مشكلة بطرس أنه كان يحاول حماية المسيح. بل لقد كان يحاول أن يوجِّه المسيح. فهو بذلك لم يعد تابعاً للمسيح، بل لقد كان يطلب من المسيح أن يتبعه.


ولهذا قال له يسوع، « ‘اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!’ » (عد ٢٣) لأن بطرس في هذا الموقف كان مثل الشيطان نفسه في البرّية، لقد أصبح بطرس يشكّل خطرا على مرسلية المسيح.


وتشير الآية في مرقس ٨ : ٣٣ إلى أن المسيح، خلال هذه المحاورة، قد الْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ. فلقد جاء ليخلّصهم. ولذا فهو لم يرغب في أن يجرّب للقيام بغير ذلك، وبالتأكيد هو لم يرغب في أن يجرّب مِن قِبل واحد من تلاميذه، بغض النظر عن مدى حُسن النّية التي اعتقد ذلك التلميذ أنه يتحلى بها.


وبقدر ما نما سمعان بطرس في مسيره، بقدر ما كان لا يزال يحاول السيطرة على الأمور، بما في ذلك المسيح نفسه. وبهذا المعنى لم يكن بطرس يختلف كثيراً عن تلميذ آخر، أي يهوذا، الذي حاول أن يسيِّر ويوجِّه المسيح وأن يُنفِّذ خططه الخاصة بشأن ما كان يعتقد أن المسيّا ينبغي أن يكون عليه. لكن على عكس يهوذا، تاب بطرس توبة صادقة وكان على استعداد لأن يتَأدّبَ وأن يُغْفَرَ له.


اقرأ متى ١٦ : ٢٤-٢٧. ما الذي يعنيه المسيح عندما يقول، « ‘فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا’ » (عد ٢٥).


إننا نعيش في ثقافة تحثنا على بلوغ أحلامنا وعلى التضحية بكل شيء من أجل الحصول على ما نريد. لكن المسيح يطلب مِنَّا أن نفعل العكس؛ فهو يطلب منا أن نتخلى عن أحلامنا وأن نَعْهَد بها إليه. وكان بطرس والتلاميذ الآخرون يتعلمون بشكل تدريجي ما هو الإيمان الحقيقي. ليس من المفترض أن يكون الإيمان اختباراً مثيراً للسعي إلى الحصول على أقْصَى ما تريده. إن الإيمان الحقيقي هو الاختبار المؤلم المتمثِّل في التخلي عن أقْصَى ما تريده. فعندما تتخلى عن أحلامك فإنك «تخسر حياتك.» وفي الوقت نفسه، أنت تِجدُهَا.






التَشْجِيع من السماء


اقرأ متى ١٧ : ١-٩. ماذا حدث هنا، ولماذا كان ذلك مهماً جداً لكلٍ من المسيح نفسه وللتلاميذ كذلك؟


«لقد كان [يسوع] يعيش محاطاً بجو المحبة، أما في العالم الذي قد خلقه فكان في عزلة. وها هي السماء ترسل رسلها إلى يسوع، ولم يكن ذانك الرسولان من الملائكة بل كانا رجلين جازا في الآلام والأحزان حين كانا في العالم وكانا لذلك قادرين على أن يرثيا للمخلص في محنة حياته الأرضية . لقد كان موسى وإيليا عاملين مع المسيح وكانا مثله تائقين إلى خلاص الناس.... هذان الرجلان اللذان وقع عليهما الاختيار دون كل الملائكة الواقفين حول العرش أتيا ليتحدثا مع يسوع عن مناظر آلامه وعذابه وليعزياه بيقين عطف السماء عليه . وقد كان عماد هذا الحديث هو رجاء العالم وخلاص كل الناس» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٠١).


كم هو مدهش أن المسيح، ابن الله، كان في بشريته بحاجة إلى التعزية والتشجيع من هذين الرجلين، اللذين كانا قد عانيا هما أيضاً مِن الألم والإحباط. يقول لوقا أنهما «تَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ» (لوقا ٩ : ٣١). لاحظ كلمة «يُكَمِّل» والتي يمكن لها أيضاً أن تترجم «يتمّم»، وفيها المزيد من الأدلة على أن موت المسيح كان أمراً ضرورياً لخلاص البشرية. وفي ظل الكثير من الأمور التي كانت تشكّل تهديداً على خطة الخلاص، فلا عجب في أن السماء قد رأت حاجة المسيح إلى الدعم والتشجيع وأرسلتهما له.


أيضاً، وعلى الرغم من أن كلاً من بطرس ويعقوب ويوحنا قد سمعوه ورأوه بالفعل، إلا أنهم كانوا في طريقهم للحصول على المزيد من الأسباب للإيمان. فمن المؤكد أن الصوت الذي سمعوه قادماً من السحابة كان مصدر تشجيع لهم أيضاً، وذلك فور تخلّصهم من خوفهم المبدئي. والمدهش أيضاً هو أن متى يقول أن المسيح جاء «... وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: ‘قُومُوا، وَلاَ تَخَافُوا’ » (متى ١٧ : ٧). فإنه حتى في خضم كل ما كان على وشك مواجهته، عمل المسيح على تعزية وتشجيع تلاميذه.






المسيح وجِزْيَةُ الهيكل


اقرأ متى ١٧ : ٢٤-٢٧. ما الذي يحدث هنا، وماذا يخبرنا هذا عن المسيح؟


على الرغم من أن كل اليهود كانوا ملزَمين بدفع جِزْيَةِ الهيكل، إلا أن الكهنة واللاويين ومعلمي الشريعة كانوا معفيين من ذلك. لذا فإن هذا السؤال المتعلق فيما إذا كان على المسيح دفع جِزْيَة الهيكل يعَد أيضاً تحديّاً لخدمته.


كتبت ألن هوايت تقول أن بطرس قد ضيّع فرصة «كان يمكنه فيها أن يعلن الصفة الحقيقية لسيده. فإذ قال لجامع الجزية بأن يسوع سيدفع الضريبة كان في الواقع يقر الرأي الكاذب عن السيد الذي كان الكهنة والرؤساء قد أذاعوه عنه.... فإذا كان الكهنة واللاويون معفين بسبب ارتباطهم بالهيكل فكم بالأحرى ذاك الذي كان الهيكل هو بيت أبيه!» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤١٠).


يمكننا أن نتعلم الكثير من ردّ المسيح على بطرس. فبدلاً من أن يهين المسيحُ بطرسَ شرح له خطأه برفق ولطف. وفضلاً عن ذلك، قام المسيح بالتوافق مع المسار الذي اتخذه بطرس بأكثر الطرق إبداعاً. فإنه بدلاً من أن يدفع الجزية ببساطة، فيكون بالتالي قد اعترف بوجوب دفعه لها، جَلَب المسيح الجزية من مكان آخر: من فم سمكة.


يمكننا أن نتعلم الكثير من ردّ المسيح على بطرس. فبدلاً من أن يهين المسيحُ بطرسَ شرح له خطأه برفق ولطف. وفضلاً عن ذلك، قام المسيح بالتوافق مع المسار الذي اتخذه بطرس بأكثر الطرق إبداعاً. فإنه بدلاً من أن يدفع الجزية ببساطة، فيكون بالتالي قد اعترف بوجوب دفعه لها، جَلَب المسيح الجزية من مكان آخر: من فم سمكة.


إن هذه المعجزة خارقة وفريدة من نوعها، وهذه هي المرة الوحيدة التي بدا فيها أن المسيح قد أجرى معجزة لمنفعته الخاصة. لكن هذا لم يكن الغرض من المعجزة. بدلاً من ذلك، كانت المعجزة إعلاناً للجميع عن سلطان المسيح ليس على الهيكل فحسب وإنما على الخليقة برمتها. فمن المنظور البشري نحن لا يمكننا حتى البدء في فهم كيف أمكن المسيح إجراء هذه المعجزة؟ فمِن بين الأمور التي كان بطرس قد رآها، هل يمكنكم أن تتخيلوا ما لا بد وأنه قد مرَّ بذهنه عندما ألقى صنارته واصطاد أول سمكة ليجد فيها المبلغ المحدد المستحق لضريبة الهيكل؟ (انظر إشعياء ٤٠ : ١٣-١٧).






لمزيد من الدرس


إنَّ القصة المتعلقة بكيف جعل المسيحُ بطرسَ يستخرج النقود، المبلغ المطلوب بالتحديد، من أول سمكة يصطادها هي قصة عجيبة للغاية لدرجة أن بعض العلماء قد حاولوا التشكيك في صحتها ويقولون أنها مجرد «حكاية خرافية» وقصة طريفة لمجرد التأكيد على نقطة ما، وليس أكثر. وبالطبع، فإن ما يقولونه هو حلٌّ غير كافٍ (بل هو ليس حلاً على الإطلاق في واقع الأمر). من المؤكد أن هذه المعجزة هي ذات طبيعة مختلفة تماماً عن غيرها من المعجزات الأخرى، كشفاء المرضى ومنح البصر للعميان وإقامة الموتى وإطعام الجِّياع. وفي الكتاب المقدس، أيضاً، نقرأ عن رأس الفأس الحديدي الذي طفى فوق الماء (٢ملوك ٦ : ٢-٧) وعن جَزَّة الصُّوفِ المبتلة على الأرض الجافة، و جَزَّة الصُّوفِ الجافة على الأرض المبتلة (قضاة ٦ : ٣٦-٤٠)؛ لذا، فإن هذه المعجزة ليست ذات طبيعة غير معروفة تماماً في الكتاب المقدس. أما فيما يتعلق بالسبب الذي جعل المسيح لا يقوم ببساطة بإعطاء النقود إلى بطرس، ويطلب منه أن يدفع الجزية، بدلاً من إجراء هذه المعجزة المذهلة كي يحل مشكلة كانت تعد بسيطة نسبياً؛ حسناً، إنَّ النص الكتابي لا يجيب على هذا السؤال. ومع ذلك، وكما يقول الدرس، فإن هذه المعجزة تبيّن لنا قدرة الله المذهلة، وهي القدرة التي لا ينبغي أن تكون مستغربة بالنسبة لنا. فعلى كل حال، نحن نرى أدلة على قدرته المذهلة في كل حين. بل إن وجودنا في حد ذاته، ناهيك عن الكون المنظور، هو إعلان مدهش عن قدرة الله. فإذا كان بمقدور الله عمل كل ذلك فإن وضع عملة معينة في فم سمكة معينة لا يُعد صعباً بالمرة. وعلى الرغم من أن ما يقوله بولس في الآية التالية قد جاء في سياق مختلف، إلا أنَّ ما قاله يوضّح قدرة الله بشكل جيد: «يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!» (رومية ١١ : ٣٣). لذا، فإن هذه القصة الواردة في إنجيل متى ما هي إلا مظهر آخر من مظاهر إعلان هذه الحقيقة.




الدرس التاسع


٢١-٢٧ أيار (مايو)


أصنام النّفْس (ودروس أخرى من المسيح)






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: جامعة ٩ : ١٠؛ متى ١٨ : ١-٤؛ متى ١٨ : ٢١-٣٥؛ ١٩ : ١٦-٣٠؛ غلاطية ٣ : ٢١ و ٢٢؛ متى ١٩ : ٢٧.


آية الحفظ: « فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: ‘فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟’ » (متى ١٨ : ١).


ككائنات بشرية، نحن نِتاج بيئتنا وثقافتنا. فإن هذه الأمور تشكّل إلى حد كبير قِيَمِنا ومعتقداتنا ومواقفنا. فسواء كنت قد نشأت في منطقة حَضَرية أو في قرية بدون مياه نقية، فإن هذا لا يُحدِث فرقا: فإن الثقافة والبيئة التي نشأت وترعرعت فيها هي التي جعلتك ما أنت عليه. وحتى لو كنت قادراً على الذهاب إلى بيئة مختلفة، فإن البيئة التي ترعرعت فيها ستترك بصماتها وتأثيرها عليك إلى أن تموت. وللأسف، فإن معظم بيئاتنا وثقافاتنا تعمل، وإلى حد كبير، ضد مبادئ ملكوت الله. فعلى كل حال، نحن نعيش في عالم ساقط، لذا فإن قِيَمَه وآدابه العامة وعاداته غالباً ما تعكس تلك الحالة الساقطة. وهل من أمور أخرى يمكن عكسها؟ إنه من الصعب جداً بالنسبة لنا أن نرى شيئاً غير تلك الحالة الساقطة، لأننا منغمسون جداً في ثقافتنا وبيئتنا.


إن عمل الله في قلوبنا يهدف، من بين أمور أخرى، إلى توجيهنا إلى قِيم وأخلاقيات ومعايير ملكوت الله. وكما سنرى في درس هذا الأسبوع، فإن هذه القِيم والأخلاقيات والمعايير تختلف كثيراً في أغلب الأحيان عن تلك التي وُلدنا وترعرعنا فيها. وكان على التلاميذ تعلّم تلك الدروس، كما نحتاج نحن إلى تعلّمها أيضاً.


نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٨ أيار (مايو).




عَظَمَةُ التواضع


مَن لا يطمح إلى العَظَمَةِ؟ بمعنى، مَن منَّا لا يريد أن يكون عظيماً أو أن يقوم بأعمال عظيمة؟ إن هذه الرغبة لا تنشأ دائماً بدافع الأنانية أو حب الذات أو التَكَبّر. بل يمكن لهذا الطموح أن يتمثّل في رغبتك في القيام بما عليك القيام به من أمور على أفضل وجه، ربما على أمل أن يؤول ما تقوم به على جلب البركة للآخرين. (انظر أيضاً سفر الجامعة ٩ : ١٠).


مع ذلك، فإن المشكلة تكمن في تعريف «العَظَمَة.» فكم من السهل بالنسبة لعقولنا البشرية الساقطة إدراك هذا المفهوم بطريقة تختلف اختلافاً كبيراً عن نظرة الله إليه.


اقرأ متى ١٨ : ١-٤. وفقاً لما قاله يسوع، ما هي العَظَمَةُ الحقيقية، وكيف لنا أن نفهمها بطريقة تمكّننا من تطبيق تلك العَظَمَة على حياتنا؟


عند تعريف المسيح للعظمة، دعا طفلاً ليقف أمامه ومن ثم قال « ‘فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ’ » (متى ١٨ : ٤). لم يتحدث المسيح عن أن يكون المرء مبشراً عظيماً أو رجُلَ أعمال عظيم، أو حتى فاعل خير (متصدِّق) عظيم. العَظَمَةُ، في نظر الله، هي ما نحن عليه من الداخل وليس ما نقوم به في الظاهر، هذا على الرغم من أن ما لا شك فيه هو أن ما نحن عليه من الداخل سوف يؤثر على ما نقوم به في الظاهر.


لاحظ أن المسيح يعرّف العَظَمَة بطريقة معظم الناس لا يعرّفُونَها بها. فعلى كل حال، مَن مِنّا يستيقظ في يوم ما ويقرر أن العَظَمَة التي يريدها في الحياة هي أن يكون متواضعاً مثل طفل صغير؟ يبدو الأمر غريباً بالنسبة لنا أن نطمح إلى شيء من هذا القبيل، ولكن سبب استغرابنا من ذلك هو أننا ملوثون بمبادئ وأفكار ومفاهيم العالم الساقط الذي نعيش فيه.


ما معنى أن تكون متواضعاً مثل طفل صغير؟ إن أحد مؤشرات التواضع هو الطاعة، ووضع مشيئة الله قبل مشيئتنا. فإذا كنت على طريق الخطأ في حياتك فإن السبب في ذلك هو أنك تقف على مسارك الخاص بك. والحل بسيط: تواضع وارجع إلى مسار الله مرة أخرى، من خلال إطاعتك لكلمته. فإنه لو كان آدم وحواء قد بقيا متواضعين لما أخطئا. إنه لمِن المثير للاهتمام ملاحظة أن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر كانتا كلتيهما موجودتين في وسط الجنة. ففي كثير من الأحيان لا يكون كلاً من الحياة والدّمار بعيدين عن بعضهما البعض. والخط الفاصل بينهما هو التواضع.






عَظَمَة المغفرة


إنَّ أسوأ عواقب السقوط يمكن رؤيتها في العلاقات بين الأشخاص. فبدءاً من آدم الذي حاول إلقاء اللوم على حواء عند ارتكابه للخطية (تكوين ٣ : ١٢) وصولاً إلى هذه اللحظة من عالمنا، أُفْسِد وتدهور جنسنا البشري نتيجة الصراع بين الأفراد وبعضهم البعض. وللأسف، الصراعات ليست في العالم الدنيوي فحسب لكنها في داخل الكنيسة كذلك.


اقرأ متى ١٨ : ١٥-٣٥. ماذا يخبرنا المسيح هنا؟ لماذا نحن في كثير من الأحيان لا نتبع كلامه لنا؟


دعونا نواجه الأمر: إنه من الأسهل أن تذهب من وراء الشخص وتشكو منه بدلاً من الذهاب إليه مباشرة والعمل على تسوية الأمور العالقة بينكما. وهذا بالضبط هو السبب في أننا لا نريد أن نفعل ذلك، على الرغم من أنه قد طُلب مِنَّا القيام بذلك مِن قِبل الرب. ومع ذلك، يعلّمنا المسيح أن نذهب مباشرة إلى الشخص الذي ألحق بنا الأذى ونحاول استعادة علاقتنا معه. وإذا لم يكن الشخص متقبلاً لذلك الأمر، فهناك تعليمات إضافية.


« ‘لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ’ » (متى ١٨ : ٢٠). انظر إلى السياق هنا؛ فإن الأمر يتعلق بالتأديب واسترداد شخص آخر. (نحن نميل إلى تطبيق هذه الآية على نطاق أوسع، بدلاً من تطبيقها على أنفسنا بصفة شخصية.)


يقول المسيح أن الروح القدس يكون حاضراً عندما تكون هناك مجموعة صغيرة تحاول استرداد شخص مؤمن. هذا هو العمل الجميل الذي يقوم به الفداء. ويبدأ أمر استرداد الشخص من خلال القيام، بتواضع، بعمل الشيء الصواب والتحدّث بصورة مباشرة مع الشخص الذي أضرّ بك. وهذا، أيضاً، سيكون مثالاً آخر على عظمة أولئك الذين يقومون بشيء من هذ القبيل.


اقرأ متى ١٨ : ٢١-٣٥. ما هي النقطة الهامة التي يؤكد عليها المسيح في هذه الآيات؟


عندما يقول المسيح أنه علينا أن نغفر «إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» فإن ما يقوله في واقع الأمر هو أنه لا يجب علينا أن نتوقف عن المغفرة. إن المسيح جادٌ بشأن ضرورة أن نغفر ونسامح، ليس لمنفعة الآخرين فحسب وإنما لمنفعتنا نحن أيضاً. انظر إلى مدى قوة المثل الذي نطق به المسيح ليؤكد على أهمية المغفرة. فإنه يمكن أن تُغفر لنا أموراً كثيرة مِن قِبل الله والناس؛ وهذا هو كل ما تدور بشارة الإنجيل حوله، إنه الغفران (انظر خروج ٣٢ : ٣٢؛ أعمال الرسل ٥ : ٣١؛ كولوسي ١ : ١٤)، ولكن إذا كنا لا نغفر للآخرين، بالطريقة التي غُفر لنا بها مِن قِبل الله، فإنه يمكننا مواجهة عواقب وخيمة.






أصنام النَّفْس


اقرأ متى ١٩ : ١٦-٣٠. بوصفنا مسيحيو العهد الجديد، كيف يمكننا النظر إلى هذه القصة اليوم؟ ما هي الدروس التي يمكننا الاستفادة منها في هذه القصة؟


على الرغم من أننا لم نُخبر بالكثير من الأمور المحددة عن هذا الشخص، إلا أنه يمكننا ملاحظة بعض النقاط البارزة. كان هذا الرجل غنياً ورئيساً (انظر لوقا ١٨ : ١٨)، وكان على ما يبدو يتبع شريعة الله بالتزام شديد جداً. ويمكننا أن نرى أيضاً أنه كان يشعر أن حياته ينقصها شيء ما. وإلى حد ما، يذكّرنا ذلك الأمر بقصة مارتن لوثر؛ فعلى الرغم من أنه كان راهباً تقياً في الظاهر، إلا أنه كان في داخل نفسه غير راضٍ عن حياته الروحية، وكان يُصارع مع فكرة يقين الخلاص. وفي كلتا الحالتين، شَعَرَ الرجلان أن الهوّة بينهما وبين الله ما كانت لتُرْدَم بواسطة أعمالهما الخارجية.


«كان هذا الرئيس يقدر بره الذاتي تقديرا عظيما ولم يكن في الحقيقة يظن نفسه ناقصا في شيء، ومع ذلك فهو لم يكن راضيا عن نفسه كل الرضى فلقد أحس بحاجته إلى شيء لم يكن يملكه. أفلا يمكن أن يباركه يسوع كما بارك الأولاد ويشبع حاجة نفسه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٤٨٩).


قد يقول بعض الناس أن المسيح، في هذه القصة، كان يُعلّم بأننا نحصل على الحياة الأبدية اعتماداً واستناداً إلى أعمالنا الحسنة. فعلى كل حال، يقول المسيح في متى ١٩ : ١٧ «وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا.» لو كان هذا هو النص الوحيد في الكتاب المقدس بشأن هذا الموضوع لكان بمقدور المرء أن يجادل هنا مبرهناً صحة الإدعاء بأنه يمكننا الحصول على الحياة الأبدية بواسطة الأعمال الحسنة. لكن هناك نصوصاً كثيرة أخرى بشأن هذا الموضوع، خاصة في كتابات بولس، تُعلّم بأن الناموس لا يخلّص ولكنه بالأحرى يُشير إلى حاجتنا للخلاص (انظر رومية ٣ : ٢٨؛ غلاطية ٣ : ٢١ و ٢٢؛ رومية ٧ : ٧). بدلاً من ذلك، لا بد وأن المسيح كان يوجّه هذا الإنسان الحاكم إلى أن يرى حاجته الشديدة إلى ما هو أكثر مما كان يقوم به. فعلى كل حال، إذا كان بإمكان حفظ الناموس وحده أن يخلّصنا، لكان هذا الرجل قد حصل على الخلاص بالفعل، بما أنه كان مُدَقّقاً جداً في حفظه للناموس. إن بشارة الإنجيل بحاجة إلى اختراق القلب والنفاذ إلى أصنام النفس مباشرة، ويجب أن يتم التخلي عن أي شيء نتشبث به ويقف عائقاً أمام علاقتنا مع الله. وفي حالة هذا الشاب، كان المال هو العائق. وقد أشار المسيح إلى كيف أنه من الصعب على الإنسان الغني الحصول على الخلاص؛ ومع ذلك، فإنه بعد هذا الحوار بفترة قصيرة، يسرد لنا لوقا في إنجيله القصة الجميلة المتعلقة بحصول زَكَّا، الغَنِيُّ، على الخلاص (انظر لوقا ١٩ : ١-١٠).






«فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟»


ما الذي جرى بعد حادثة الشاب الغني مباشرة؟


«فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ وَقَالَ لَهُ: ‘هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟’ » (متى ١٩ : ٢٧).


لا يرد ذِكر أي شيء في النص الكتابي يخبرنا عن الدافع وراء هذا السؤال، ولكن يمكن أن يكون ذلك مجرد ردّ فعل مباشر لما فعله الشاب الغني حيث ترك المسيحَ ومضى حزيناً. فقد بدا أن بطرس كان يعني ضمناً أنه هو والتلاميذ الآخرين قد تركوا كل شيء من أجل المسيح، وبأنهم ليسوا مثل هذا الرجل وغيره مِمَّن رفضوا المسيح، أو مِمَّن بقوا معه فترة من الوقت ثم تركوه. فقد رأى بطرس أنه قد ظلّ هو والتلاميذ الآخرون أمناء للمسيح رغم التكلفة الشخصية الكبيرة. وهكذا، فإن السؤال هو: «فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟»


من منظورنا اليوم، قد ننظر إلى هذا السؤال على أنه مؤشر آخر إلى مدى ما كان عليه التلاميذ من قساوة قلبية وبلادة روحية (وهذا صحيح إلى حد ما). ومن ناحية أخرى، لماذا لا يسأل المرء سؤالاً مثل السؤال الذي طرحه بطرس؟ لماذا لا يحق لبطرس أن يسأل عن ما سيحصل عليه نتيجة إتباعه المسيح؟


فعلى كل حال، الحياة هنا صعبة، حتى بالنسبة لأولئك الذين لديهم أفضل ما تقدمه هذه الحياة. نحن جميعاً عُرضة للصدمات والمحبطات والآلام الناجمة عن وجودنا في عالم ساقط. في القرن التاسع عشر، كتب مفكرٌ إيطاليٌ يُدعى جياكومو ليوباردي عن التعاسة الطاغية التي يُعاني منها البشر، وقال أنه «مادام الإنسان يشعر بالحياة فإنه سيشعر كذلك بالاستياء والمعاناة والألم.»


إن الحياة في كثير من الأحيان هي صراع، والخير في هذا العالم لا يتساوى دائماً، من حيث توافره وانتشاره، مع الشر. لذا فإن سؤال بطرس يبدو منطقياً جداً. ولأن الحياة صعبة، فما هي الاستفادة التي تأتينا مِن إتِّباع المسيح؟ ما الذي نتوقعه من إقدامنا على التكريس الذي يطلب المسيح مِنَّا أن نتحلّى به؟


كيف ردَّ المسيح على سؤال بطرس؟ (انظر متى ١٩ : ٢٨-٢٠ : ١٦.)


لاحظ أن المسيح لم يوبّخ بطرس على أنانيته، أو ما شابه، وإنما أعطاه جواباً واضحاً جداً من البداية، ومن ثم نطق بالمَثَلِ المتعلّق بالعمّال وأجورهم. وعلى الرغم من أن كثيراً من النقاش والجدال قد دار حول معنى هذا المَثَل، إلا أن النقطة الأساسية واضحة: إننا سوف نحصل من المسيح على ما وَعَدنا به.






«نَسْتَطِيعُ»


إنه لكي نحكم بشكل جيد على قصة اليوم الخاصة بيعقوب ويوحنا (وأمهما) في متى ٢٠ : ٢٠-٢٧، علينا أولاً أن نقوم بقراءة لوقا ٩ : ٥١-٥٦. فقد وقع هذا الحَدَث عندما كان المسيح وتلاميذه في طريقهم إلى أورشليم، وكان ذلك قبل أيام من سؤال يعقوب ويوحنا بشأن ما إذا كان يمكنهما الجلوس عن يسار ويمين يسوع في الملكوت.


اقرأ متى ٢٠ : ٢٠-٢٧. ماذا تخبرنا الآيات في لوقا ٩ : ٥١-٥٦ عن مدى استعداد يعقوب ويوحنا للجلوس على يسار ويمين المسيح في الملكوت؟


من الواضح أن يعقوب ويوحنا، ابنا الرعد، كان إنشغالهما بمستقبلهما أكثر بكثير من إنشغالهما بخلاص مَن حولهم، حتى بعد أن كانا قد أُرسلا للتبشير في المناطق المجاورة. إن هذه القصة، بطريقتها الخاصة، هي إلى حد ما شبيهة بما نظرنا إليه في درس الأمس حول سؤال بطرس المتعلق بما سيحصلون عليه مقابل إتباعهم للمسيح.


أمعن التفكير في إجابة المسيح هنا. « ‘فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا’ » (متى ٢٠ : ٢٢). وبعبارة أخرى، معنى أن تنتفع بالمجد المستقبلي للمسيح هو أن تشاركه أولاً في معاناته وموته، وهو الشيء الذي لم يتوقعانه ولم يكونا مُستعدَين له. وحقيقة أنهما أجابا على الفور، « ‘نَسْتَطِيعُ’ » (متى ٢٠ : ٢٢) تُظهر أنهما لم يعرفا ما كان يحذرهما المسيح بشأنه. لكنهما كانا سيعرفان ذلك في نهاية المطاف.


ويَرِد هنا تَنَاقُضاً مثيراً للاهتمام، وهو تناقض نحن بحاجة إلى التفكير فيه فيما يتعلق بأنفسنا. فكما رأينا في درس الأمس، نحن قد وُعدنا بأشياء رائعة، بل وُعدنا حتى «بالحياة الأبدية» (متى ١٩ : ٢٩) إذا نحن إتبعنا يسوع. في الوقت نفسه أيضاً، يوضّح الكتاب المقدس أن إتّباع المسيح في هذا العالم يَسْتَلزِم تكلفة، وأحياناً تكون تلك التكلفة كبيرة جداً. وكان المسيح نفسه قد قال لبطرس في وقت لاحق أنه سيموت شهيداً (انظر يوحنا ٢١ : ١٨ و ١٩). وقد دفع كثير من المؤمنين على مرّ التاريخ، بل وحتى اليوم، ثمناً باهظاً لإتّباعهم المسيح. في الحقيقة، قد يكون من الحكمة أن نسأل أنفسنا ما إذا كان هناك شيء خطأ في سيرنا مع الرب إذا كنا لم ندفع بعد ثمناً باهظاً لإتباعنا له. ومع ذلك، فإنه أياً كانت التكلفة، فهي لا تزال تكلفة رخيصة مقارنة بما قام به المسيح من أجلنا.






لمزيد من الدرس


على مرّ العصور دافع بعض الناس عن ما يُطلق عليه في بعض الأحيان اسم «القانون الطبيعي.» وعلى الرغم من أنَّ هذا القانون يأتي في العديد من الأشكال والصور، إلا أن الفكرة التي ينطوي عليها هي أنه يمكننا أن نستمد من العالم الطبيعي مبادئ أخلاقية يمكن أن تساعد في توجيه تصرفاتنا. وبمعنى آخر، فإنه بالنسبة لنا كمسيحيين يؤمنون أن الطبيعة هي «الكتاب الثاني» لله، نحن يمكننا أن نقبل بأن هناك شيئاً من الحقيقة في الفكرة أعلاه. على سبيل المثال، انظر إلى حديث بولس في رومية ١: ١٨-٣٢ بشأن ما لا بد وأن الناس قد عرفوه عن الله من خلال العالم الطبيعي. وفي الوقت ذاته، أيضاً، نحن لا يمكننا أن ننسى أن هذا عالم ساقط، وبأننا ننظر إليه ونتصوّره بعقول ساقطة ومفسدة بالخطية. لذلك فإنه ليس من المفاجئة أن نستخلص دروساً أخلاقية خاطئة من الطبيعة. على سبيل المثال، كان الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهو واحد من أعظم العقول البشرية في العصور القديمة، من مؤيدي العبودية واسترقاق البشر وذلك استناداً إلى فهمه للطبيعة. فبالنسبة له، تُعلن الطبيعة عن فئتين من الناس، إحداهما «أدنى مرتبة وأقل شأنا من الفئة الأخرى، تماماً كما أن الحيوان أدنى شأناً من الإنسان.» هذا هو مجرد مثال واحد من بين العديد من الأمثلة التي يمكننا إيجادها حول كيف أن المبادئ والقِيم والأفكار الدنيوية تتضارب مع تلك التي لملكوت الله. ولهذا نحن جمعياً، بغض النظر عن المكان الذي وُلدنا أو ترعرعنا فيه، بحاجة إلى دراسة كلمة الله لنستمد منها الأخلاقيات والقِيم والمبادئ التي ينبغي أن تحكم حياتنا. فإنه ما من شيء آخر يُعد جديراً بالثقة في حد ذاته.




الدرس العاشر


٢٨ أيار (مايو) - ٣ حزيران (يونيو)


المسيح في أورشليم






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: زكريا ٩ : ٩؛ متى ٢١ : ١-٤٦؛ رومية ٤ : ١٣-١٦؛ رؤيا ١٤ : ٧-١٢؛ أعمال الرسل ٦ : ٧؛ متى ٢٢ : ١-١٥.


آية الحفظ: «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ‘أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!’ » (متى ٢١ : ٤٢).


قال المسيح في متى ٢٠ : ٢٧ و ٢٨ « ‘وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، ٢٨ كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.’ » نجد هنا أن المسيح، الإله السرمدي الذي خَلق كل الأشياء، والذي عاش حياة خادِم هنا على الأرض، يُلبّي احتياجات الضالين والمرضى والمعوزين، وهم الذين كان معظمهم لا يزالون يسخرون منه. إننا بالكاد نبدأ في فهم مثل هذا النوع من الْإِيثَار وَالتَّضْحِيَة ونكران الذات من جانب المسيح. ورغم أن حياة الخدمة التي عاشها المسيح مثيرة للإعجاب والدهشة إلا أنَّ ما هو أكثر إثارة للإعجاب والدهشة هو أن الله السرمدي، الله المتجسّد، قد عمل على تنفيذ القصد الأساسي من مجيئه إلى الأرض، ألا وهو « ‘لِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ’ ». وقد بلغَ الْإِيثَار وَالتَّضْحِيَة ونكران الذات من جانب المسيح ذروته في سِرِّ نجد أنه حتى الملائكة «تَشْتَهِي... أَنْ تَطَّلِعَ» عَلَيْهِ (١بطرس ١ : ١٢) - وهذا السِّر هو الصليب. سنلقي نظرة على درس هذا الأسبوع وعلى بعض الأحداث الرئيسية والتعاليم التي نادى بها المسيح عندما جاء إلى أورشليم، لا لأن يُتوَّجَ ملكاً دنيوياً، كما كان يرجو ويأمل الكثير من الناس، وإنما لكي يُصير «خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ» (٢كورنثوس ٥ : ٢١).


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٤ حزيران (يونيو).




المجيء المتنبأ عنه


بعد السبي الذي دام ٧٠ عاماً، بدأ اليهود في العودة إلى أورشليم. وقد كانوا متحمسين لإعادة بناء الهيكل، ولكن إذْ تم وضع أساسات الهيكل، أدرك أولئك الذين تذكروا الَّذِينَ رَأَوْا الْبَيْتَ [الهيكل] الأَوَّلَ الرائع الذي بناه سليمان في السابق، أن هذا الهيكل الثاني لن يكون بأي شكل من الأشكال قريباً من روعة وبهاء هيكل سليمان. ولهذا «بَكَوْا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ» (عزرا ٣ : ١٢).


وقد حصل الشعب على بعض التشجيع غير المتوقع من رجُلَين كان يقفان في وسطهم: نبي عجوز يُدعى حَجَّي ونبي شاب يدعى زكريا. وقد قام النبي حَجَّي بتذكير الشعب بأن المجد الحقيقي لهيكل سليمان لم يكن بفضل ما قام به سليمان أو أي شخص آخر. وقال لهم بأن ذلك الهيكل لم يكن هيكل سليمان، وإنما كان هيكل الله. قال حَجَّي: «لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ، وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُ هذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ» (جحي ٢ : ٦-٩).


بل وقد صارت الأمور أكثر تفاؤلاً عندما تكلم النبي الشاب زكريا قائلاً: «اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ» (زكريا ٩ : ٩).


كيف تنطبق هذه النبوءات المذهلة على الآيات التي متى ٢١ : ١-١١، الخاصة بدخول المسيح إلى أورشليم؟


«اتبع المسيح العادة اليهودية التي كانت تراعى عند دخول الملوك، فقد ركب دابة كما قد اعتاد ملوك إسرائيل أن يفعلوا. وكانت النبوة قد سبقت فأنبأت بأن مسيا ينبغي أن يدخل مملكته بهذه الكيفية. وما أن ركب يسوع على الجحش حتى ارتفعت هتافات الانتصار إلى عنان السماء وشقت أجواز الفضاء. وقد حيته الجموع كمسيا ملكهم. قبل المسيح الآن الولاء الذي لم يسبق له أن سمح به، كما قبل التلاميذ هذا كبرهان على أن انتظاراتهم المفرحة ستتحقق إذ يرونه جالسا على العرش. وقد كانت الجموع تعتقد أن ساعة تحررهم قد أذنت، وحملهم الخيال على أجنحته فرأوا كأن جيوش الرومان قد طردت من أورشليم وكأن دولة إسرائيل قد عاد إليها استقلالها» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٣٥).






المسيح في الهيكل


منذ الأيام الأولى للبشرية الساقطة، كانت الذبائح الحيوانية هي الوسيلة التي اختارها الله لتعليم العالم خطة الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان في المسيا القادم (انظر رومية ٤ : ١٣-١٦). ويمكن إيجاد مثال قوي لهذه الحقيقة في الأصحاح الرابع من سفر التكوين حيث قصة قايين وهابيل والمأساة التي أعقبت ذلك، والتي كانت العبادة سبباً لها، من بين أمور أخرى (انظر أيضاً رؤيا ١٤ : ٧-١٢٣). وهكذا، فإنه عندما دعا الله بني إسرائيل ليكونوا شعبه المختار وليكونوا «مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً» (خروج ١٩ : ٦)، قام أيضاً بتأسيس خدمات الهيكل لتكون بمثابة شرح أكمل وأتم للخلاص. فإنه بدءاً من خيمة الاجتماع في البرّية، مروراً بهيكل سليمان، ووصولاً إلى الهيكل الذي تم بناؤه بعد العودة من بابل، كان يتم الإعلان عن البشارة بواسطة أمثلة ورموز خدمات الهيكل.


على الرغم من أن الله هو الموحي بفكرة بناء الهيكل، وعلى الرغم من أنه هو الذي أعطى التعليمات المتعلقة ببنائه وما يُمارس فيه من طقوس، إلا أن كائنات بشرية ساقطة هي التي كانت تقوم بإجراء تلك الطقوس. وكما هو الحال مع أي شيء ينخرط فيه البشر، فقد أصبحت خدمات الهيكل، شيئاً فشيئاً ومع مرور الوقت، أقل قداسة بسبب ممارسات البشر غير المقدسة. وقد كانت هذه هي نفس الخدمات التي وضعها الله من أجل الإعلان عن محبته ونعمته للعالم الساقط. وبحلول الوقت الذي كان يعيش فيه المسيح على الأرض، كانت الأمور قد انحرفت بشكل رهيب بسبب جشع وطمع الكهنة (نفس الأشخاص الذين عُهِد إليهم بإدارة خدمات الهيكل!) «وهكذا ضاعت قُدسية خدمة الذبائح وتلاشت من أذهان الشعب وقلوبهم إلى حد كبير» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٥٤).


اقرأ متى ٢١ : ١٢-١٧. ما هي الدروس التي لنا هنا، كمتعبدين لله؟


كما هو الحال في أماكن كثيرة من الكتاب المقدس، اقتبس المسيح من الأسفار المقدسة لتثبيت أفعاله، وهو دليل إضافي على أنه يجب علينا كأتباع للرب أن نجعل الكتاب المقدس مركزياً فيما يتعلق بمجمل نظرتنا للعالم والنظام الأخلاقي. وبالإضافة إلى اقتباسه من الكتاب المقدس، كان هناك الشفاء العجيب للعُمي والعُرج. وقد قدمت كل هذه الأمور أدلة أكثر قوة وإقناعاً للطبيعة الإلهية للمسيح وخدمته. والمؤسف والمأساوي في الأمر هو أن أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا الأكثر حساسية وتقبّلاً لكل هذه الأدلة كانوا هم الأكثر محاربة للمسيح. فقد كانوا يخشون على كنوزهم الأرضية ومراكزهم بوصفهم «الوكلاء» و «الأوصياء» على الهيكل. وهكذا أخفق الكثيرون في التعرّف على الشيء الذي كانت خدمات الهيكل تشير إليه: الخلاص بالمسيح.






بلا ثمر


كان تطهير المسيح للهيكل عملاً من أعمال الرحمة. لقد كانت الساحات التي يتم فيها البيع والشراء هي الساحات المخصصة للأمم في الهيكل، وقد قَصَد المسيح لبيته أن يكون بيت صلاة وعبادة لجميع الشعوب.


لكن التطهير كان عملاً من أعمال الدينونة كذلك. فإن الكهنة الذين كانوا يديرون شؤون الهيكل قد ضيّعوا فرصتهم لمباركة جميع الشعوب؛ وقد كان يوم دينونتهم وشيكاً. فإذا كان أولئك الناس، بعد كل ما قام به المسيح ليُعلن عن خدمته الإلهية، لا يزالون يرفضون قبوله، فما الذي يمكن أن يحدث سوى أن يحصدوا نتائج خياراتهم الكئيبة؟


اقرأ متى ٢١ : ١٨-٢٢. كيف يرتبط لعن المسيح لشجرة التين بتطهيره للهيكل؟


لقد لعن المسيح شجرة التين لتكون مَثَلاً عملياً حول ما كان سيحدث للعديد من قادة الأمة اليهودية الذين كانوا في النهاية سيحصدون حتماً ما قد زرعوه. مع ذلك، يجب علينا أن نتذكر أن هذا المَثَل لم يكن يشير إلى جميع القادة الدينيين. فإن الكثيرين منهم، في الواقع، قد آمنوا أن المسيح يسوع هو المسيّا المنتظر. «وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ» (أعمال الرسل ٦ : ٧). على أية حال، فإنه كما أن شجرة التين قد يبست لأنها لم تأتِ بثمر، كان الهيكل على وشك أن يَبْطْل لأن خدماته لم تأتِ بثمر كذلك.


لا بد وأن لعن المسيح لشجرة التين وكلماته القاسية لأولئك الذين اساءوا استخدام الهيكل كان بمثابة صدمة قوية للتلاميذ الذين كانوا لا يزالون يحاولون تعلّم دروس الرحمة التي أعلنها المسيح طوال خدمته. كان هذا هو نفس المسيح الذي أعلن أنه لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلّصه؛ نفس المسيح الذي أعلن قائلاً، «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ» (لوقا ٩ : ٥٦). لقد كان كل قول وكل عمل في خدمته مكرساً لاسترداد البشرية الساقطة ولتوجيه الناس نحو الرجاء والوعد بحياة جديدة فيه. لذا فإنّ تصرّف المسيح وحديثه بهذه القسوة، وبهذا الحزم، قد فاجأ التلاميذ، وهذا هو السبب في أن متى كتب يقول أنهم «غَضِبُوا» أو «دُهِشُوا» مما قام به.






الْحَجَرُ


إذا لم يكن لديك سوى بضعة أيام فقط لتعيشها، فما الذي ستقوم به خلالها؟ من بين الأمور التي قام بها المسيح في أيامه الأخيرة، هنا على الأرض بينما كان في الجسد، هو أنه سرد قصصاً كان من شأنها أن تترك أثراً عميقاً في نفوس سامعيه.


اقرأ متى ٢١ : ٣٣-٤٦. إلي مَن يشير كلَّ وصف من الأوصاف التالية؟


صَاحِبُ الْكَرْمِ:


الْكَرَّامُونَ:


العبيد:


الابن:


لاحظ اقتباس المسيح المأخوذ من مزمور ١١٨ : ٢٢ و ٢٣. «إن المسيح إذ اقتبس النبوة الخاصة بالحجر المرفوض كان يشير إلى حادث وقع بالفعل في تاريخ إسرائيل، وكان له علاقة ببناء الهيكل الأول....عندما أُقيم هيكل سليمان أُعدت الحجارة الضخمة التي كان سيُبنى بها الأساس والجدران ، في مقطع الأحجار ، إذ بعد الإتيان بها إلى مكان البناء لم يكن مسموحا بأن تُرفع عليها فأس أو معول أو إزميل ، ولم يكن على الفعلة إلاّ أن يضعوا كل حجر في المكان المخصص له . وقد أُتي بحجر كبير الحجم جداً وغريب الشكل ليوضع في الأساس . ولكن الفعلة لم يجدوا له مكاناً يناسبه فلم يقبلوه. وإذ كان ملقى هكذا في طريقهم دون أن يستعمل كان مصدر كدر ومضايقة لهم. وقد ظل مرفوضاً ومطروحاً أمداً طويلاً. ولكن عندما أراد البناؤون أن يضعوا حجر الزاوية بحثوا طويلاً لعلهم يجدون حجراً ضخماً ومتيناً يتناسب شكله مع شكل الزاوية ليشغل ذلك الفراغ الخاص ويتحمل ثقل البناء كله .... ولكن الأنظار اتجهت أخيراً إلى ذلك الحجر الذي ظل مرفوضاً أمداً طويلاً .... وقُبِلَ الحجرُ ووُضِع في المكان المخصص له ووُجِد أنه يناسبه تماما» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٦٢).






تكْلِفة النعمة


إن الأخبار الرائعة التي نجدها في الكتاب المقدس هي أننا خُلقنا مِن قِبل الله المُحِب الذي وفَّر لنا جميعاً وسيلة للخروج من فوضى الخطية والموت، وذلك من خلال ذبيحة المسيح على الصليب. هذا هو الموضوع الذي يظهر بطريقة أو بأخرى في كل الكتاب المقدس. ويمكننا أن نرى ذلك أيضاً في المَثَلِ التالي الذي سرده المسيح.


اقرأ متى ٢٢ : ١-١٥. ماذا يعلِّمنا هذا المَثَل عن الخلاص بالإيمان؟


رغم ما قد يبدو عليه هذا المَثَل من قسوة، فمِن المهم أن نتذكر أن هناك أموراً مصيرية على المحك: الحياة الأبدية أو الهلاك الأبدي لكل إنسان. في المقابل، هل مِن شيء آخر يهم حقاً؟


عندما ننظر إلى الصليب وإلى ما تكلّفه الله كي يوفّر الخلاص للبشرية، فعندها سنكون قادرين على إدراك مدى عمق وهول ما انطوى عليه هذا الأمر. فإننا نتحدث عن أقنوم من أقانيم الألوهية السرمديين الثلاثة، حَمَلَ غضبَ الله ضد الخطية، وذلك حين وَضَعَ الرب على المسيح إثم جميعنا. لا يمكن أن يكون الأمر أكثر خطورة وجِدّيّة من ذلك. فإذا كان هذا هو الموضوع الذي سوف ندرسه طوال الأبدية، فإنه ليس من المستغرب أنَّ عقولنا بالكاد تستطيع استيعابه في الوَقْتِ الحاضِر.


وبالتالي، نحن لدينا هذه الكلمات الواضحة جداً في المَثَل. لقد قام الله بتوفير وتدبير كل ما يلزم للناس ليكونوا جزءاً من وليمة العرس (انظر رؤيا ١٩ : ٧)؛ فقد كان الله سخياً في توفير كل احتياجاتهم. وقد كانت التكلفة باهظة للغاية لدرجة أنه لا يوجد مَثَلٌ يمكنه أن يصوّر تلك التكلفة بصورة عادلة. لقد كان الموقف الذي اتخذه الناس الذين تمت دعوتهم إلى العرس سيئاً للغاية لدرجة أنهم «تَهَاوَنُوا» وعادوا إلى أعمالهم. بل إنَّ البعض منهم قد قام بالاعتداء على أولئك الذين جاءوا ليقدموا إليهم الدعوة الكريمة. فلا عجب إذاً في أن ردة فعل صاحب العرس كانت صارمة.


ما معنى «رداء العرس»؟ انظر أيضاً رؤيا ١٩ : ٨.


إنَّ الرداء يمثِّل بِرَّ المسيح، وهو البِرُّ الذي يتجلى في حياة وأعمال القديسين. ويُمثِّل الإنسان الذي بلا رداء أولئك المسيحيين المُعْترِفين الذين يطالبون بامتيازات النعمة والخلاص لكنهم لا يسمحون لبشارة الإنجيل بأن تغيّر حياتهم وصفاتهم. وبتكلفة كبيرة، تم اتخاذ كل التدابير اللازمة للاهتمام بأولئك الذين يكترثون بالدعوة. وكما يُظهر هذا المَثَل بعد ذلك، فإنَّ الدخول إلى ملكوت الله يتطلب أكثر من مجرد الظهور عند الباب.


إنَّ الرداء يمثِّل بِرَّ المسيح، وهو البِرُّ الذي يتجلى في حياة وأعمال القديسين. ويُمثِّل الإنسان الذي بلا رداء أولئك المسيحيين المُعْترِفين الذين يطالبون بامتيازات النعمة والخلاص لكنهم لا يسمحون لبشارة الإنجيل بأن تغيّر حياتهم وصفاتهم. وبتكلفة كبيرة، تم اتخاذ كل التدابير اللازمة للاهتمام بأولئك الذين يكترثون بالدعوة. وكما يُظهر هذا المَثَل بعد ذلك، فإنَّ الدخول إلى ملكوت الله يتطلب أكثر من مجرد الظهور عند الباب.




لمزيد من الدرس


برز في صحيفة «لندن» العنوان الرئيسي التالي:


امرأة ميتة في شقة منذ ثلاث سنوات: «العثور على الهيكل العظمي لسيدة تدعى «جويس» على الأريكة وكان التلفاز لا يزال في وضع التشغيل.»


(www.theguardian.com/film/2011/Oct/09/joyce-vincent7


death-mystery-documentary).


هل يُعقل ذلك؟ هل يُعقل أن تكون هناك امرأة ميتة في شقة دون أن يسأل عنها أحد؟ أَلَم يتصل أحدٌ ليطمئن عليها؟ كيف أمكن حدوث هذا وخاصة في عصر الاتصالات التي لا حدود لها تقريباً؟ عندما أُذيع خبر تلك القصة لأول مرة أصبحت حديث العالم كله، بينما أُصيب الناس في لندن على وجه الخصوص بالصدمة والذهول. فكيف يمكن أن تكون هناك سيدة ميتة لفترة طويلة دون أن يعلم أحد عن هذا الموضوع؟ ومع ذلك، فإنه بدون الرجاء والوعد المقدَمين في الإنجيل، وبدون الخلاص الذي كان أمر توفيره لنا مكلّفاً جداً بالنسبة لله، سيكون محكومٌ علينا جميعاً بالنسيان والهجران ذاته الذي عانت منه تلك المرأة المسكينة في لندن. ولكن موقفنا سيكون أسوأ لأنه لن يكون هناك مَن يعثر علينا أو حتى يرثي وفاتنا بعد ثلاثة أعوام أو حتى بعد ٣ بليون سنة من حدث وفاتنا. تتوافق الآراء العلمية حالياً على أنه إن عاجلاً أو آجلاً سيتلاشى الكون كله ويموت في ما يُسمى «الموت الكوني الحراري» أو أي تسمية «سعيدة» من هذا القبيل. مع ذلك، فإن ما يقوله الصليب لنا هو أن هذا الرأي غير صحيح؛ فبدلاً من النسيان الأبدي نحن يمكننا الحصول على الوعد بالحياة الأبدية في سماء جديدة وأرض جديدة. وفي ضوء مثل هذه الآفاق الرائعة التي أمامنا، كيف يمكننا أن نتعلم عدم السماح لأي شخص أو أي شيء أن يقف في طريق حصولنا على ما صارَ متاحاً لنا في المسيح؟




الدرس الحادي عشر


٤-١٠ حزيران (يونيو)


الأحْداثُ الأخيرَة






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: خروج ١٩ : ٥ و ٦؛ متى ٢٣؛ يوحنا ١٢ : ٢٠-٢٦؛ متى ٢٤؛ ١تسالونيكي ٤ : ١٦.


آية الحفظ: « ‘فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ’ » (متى ٢٣ : ١٢).


إن المجيء الثاني للمسيح هو ذروة الإيمان المسيحي. كما أن المجيء الأول للمسيح وموته على الصليب هما الإعلان الحاسم للمجيء الثاني. فإنَّ المجيء الثاني ما كان ليحدث دون المجيء الأول، والمجيء الأول عديم الجدوى من دون المجيء الثاني. والمجيئان كلاهما مرتبطان معاً بشكل لا ينفصم من حيث الهدف، حتى وإن كان هناك فاصل زمني يفصل بينهما. وهذا الهدف هو فداء البشرية ونهاية الصراع العظيم. وفيما يتعلق بالمجيء الأول، فهو قد حدث وتمَّ وانتهى؛ وها نحن الآن ننتظر المجيء الثاني بشوق وحماس ولهفة. سننظر في هذا الأسبوع إلى ما هو مدوّن في الأصحاح ٢٣ من إنجيل متى، حيث مُنَاشَدَة المسيح النهائية لبعض قادة اليهود ودعوتهم إلى التوبة وإلى قبولهم المسيح بوصفه أملهم الوحيد في الخلاص. وبعد ذلك، في متى ٢٤، يجيب المسيح على أسئلة متعلقة بالأحداث التي ستجري قبل مجيئه الثاني. وهنا يقدم المسيح صورة مهيبة حقاً، حيث يربط بين دمار أورشليم وبين ما سوف يسبق مجيئه ثانية.


ومع ذلك، وبغض النظر عما ستكون عليه الأمور من صعوبة، حيث ستكون هناك حروب ومجاعات وخيانة، إلا أنه لدينا الوعد المتعلق برؤية « ‘ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ’ » (متى ٢٤ : ٣٠). وبعبارة أخرى، فإنه على الرغم من الأتعاب والأحزان، فنحن لدينا كل الأسباب للفرح والابتهاج.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١١ حزيران (يونيو).




القادةُ العُميان


لقد كان المسيح نفسه هو الذي قاد بني إسرائيل إلى أورشليم بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ. وقد حملهم على أجنحة النسور وأخرجهم من مصر. « ‘تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً’ » (خروج ١٩ : ٥ و ٦).


وبمعنى آخر، كان ما قام به المسيح هو أنّه تقدم لطَلبِ بني إسرائيل على جبل جميل يُدعى جبل سيناء. يقول الأصحاح ٢٤ من سفر الخروج أن القادة والشيوخ صعدوا «وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ.... فَرَأَوْا اللهَ وَأَكَلُوا وَشَرِبُوا» (خروج ٢٤ : ٩-١١). لقد قدّم المسيح كأس عهده إلى إسرائيل، كما يقدّم الرجل كأس محبته للمرأة التي يرغب في الزواج منها كي يمنحها مستقبلاً رائعاً. وقد تسلّم بنو إسرائيل الكأس وقالوا: نعم نريد العيش معك إلى الأبد في أرض الميعاد.


مع وضع هذه الخلفية في الاعتبار، اقرأ الأصحاح ٢٣ من إنجيل متى. ما الذي يقوله المسيح لقادة بني إسرائيل؟ وما هو التحذير الذي يُوجَّهُ إليهم؟ والأهم من ذلك، ما هي الدروس التي يمكننا استخلاصها لأنفسنا فيما يتعلق بالأمور التي انتقدهم الرب بشأنها على وجه التحديد؟ كيف يمكننا التأكّد من أننا لا نصبح مذنبين بارتكاب الأمور ذاتها؟


إن ما يَرِد في متى ٢٣ كان مناشدة أخيرة مُلحة مِن قِبل المسيح للمصالحة مع شعبه. لكن شعبه قد تركه، كما تترك المحبوبةُ محبوبَها. وقد قَبل المسيح بقرارهم. وللمرة الأخيرة، خرج من بيتهم- الهيكل، وقال لهم «هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا» (متى ٢٣ : ٣٨). وبعد أن ترك المسيح الهيكل، أصبح الهيكل مقفراً وفارغاً ومهجوراً مثل البرّية التي كان الرب قد أنقذهم منها في البداية.


كان هناك تحوّل كبير على وشك الحدوث في تاريخ الخلاص، وكان هؤلاء القادة وأولئك الذين كان مِن شأنهم أن يقودوا الشعب إلى الضلال، سيُضّيعون على أنفسهم فرصة الحصول على الخلاص. وفي الوقت نفسه، كان هناك كثيرون آخرون، من اليهود ومن الأمميين منفتحين ومتقبلين لتوجيه الروح القدس لهم، وكانوا سيواصلون العمل العظيم المتعلق بنشر البشارة ودعوة بني إسرائيل إلى التوبة وقبول الخلاص. وكان هؤلاء سيصبحون نسل إبراهيم الحقيقي «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلاطية ٣ : ٢٩). واليوم، نُعَد نحن أيضاً جزءاً من أولئك الأشخاص، وقد حصلنا على نفس الدعوة الإلهية التي حصلوا عليها.




علامات النهاية


بعد توبيخ المسيح لقادة معينين من اليهود بسبب رفضهم له، تسجّل الآيات في يوحنا ١٢ : ٢٠-٢٦ طَلبَاً رائعاً. فقد قيل للمسيح أن هناك أمميين يريدون «أن يروا يسوع». ومع ذلك، فقد طلب أولئك الأمميون من اليهود المُخلِصين للمسيح أن يساعدوهم في تحقيق رغبتهم المتمثلة في رؤية المسيح. وكان شيئاً من هذا القبيل سيحدث بعد ذلك بفترة وجيزة، ولكن على نطاق أوسع بكثير: ففي حين كان بعض اليهود سيرفضون المسيح، كان هناك آخرون منهم سيكونون الوسيلة الأساسية التي من خلالها سيتمكن كثير من الأممين مِن معرفة المسيح. والمدهش في الأمر هو أن هذا الطلب قد جاء مباشرة بعد أن أخبر المسيح القادة أن بيتهم سيُتْرك لهم خراباً. وبالحقيقة، كان القديم سيفسح مجالاً للجديد، وهكذا سيكون الخلاص للأُمَم وكما لليهود، وهو الأمر الذي كان يقصده الله دائماً.


في متى ٢٤ : ١-١٤، ما هي الصورة التي يقدّمها المسيح عن المؤمنين المُخْلِصِين، وعن العالم بشكل عام؟


أعطى المسيح هذه الإجابة رداً على السؤال المتعلق بعلامة مجيئه ونهاية العالم «ولكنه لم يجب تلاميذه بتفصيل عن حوادث خراب أورشليم ويوم مجيئه العظيم كلا على حدة ، ولكنه دمج بين ذينك الحادثين . فلو أنه كشف لتلاميذه عن تلك الحوادث المستقبلة كما قد رآها هو لما استطاعوا احتمال المنظر . فرحمة بهم دمج بين الأزمتين تاركا للتلاميذ المجال ليدرسوا المعنى لأنفسهم .... وقد قدم هذا الحديث كله ليس للتلاميذ وحدهم ولكن لمن سيعيشون في آخر مشاهد تاريخ هذه الأرض» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٥٩٥).


هناك شيء واحد واضح جداً في جواب المسيح: إن الأحداث التي تسبق مجيئه ليست مُحبَّبة. فإن المسيح لا يتنبأ بأي «مدينة فاضلة» أو مُلْكٍ ألفي من السلام على الأرض. بل إن المتوقع هو الحروب والخيانة والكوارث الطبيعية وكنيسة تواجه الاضطهاد ومُسحاء كذبة، بل وحتى إخوة وأخوات كذبة في الكنيسة. أما الشيء الأكثر إيجابية المصوّر هنا فهو الوعد بأنه سوف « ‘يُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ’ » (متى ٢٤ : ١٤).






خراب أورشليم


اقرأ متى ٢٤ : ١٥-٢٢. ما الذي يتحدث المسيح عنه هنا؟ مرة أخرى، ما هي الصورة التي يقدّمها رداً على الأسئلة التي طُرحت عليه؟


إن «رجسة الخراب» تُفهم بشكل عام على أنها نوع من أنواع التدنيس لما هو مُقدَّس؟ من الواضح أن المسيح كان يتحدث عن خراب أورشليم الذي كان سيحدث في عام ٧٠ ميلادية. وكما رأينا بدرس الأمس، فإن المسيح قد ربط تصويره لهذا الحدث بتلك الأحداث التي سيشهدها العالم قبل المجيء الثاني. «لقد رأى المسيح في اورشليم رمزًا للعالم الذي تقسى في عدم الايمان والتمرد والذي يسرع ليلقي بنفسه تحت طائلة دينونة الله وانتقامه» (روح النبوة، الصراع العظيم، صفحة ٢٦).


لكنه حتى في ظل الخراب نجد الرب يسعى إلى تخليص جميع الذين سيخصلون. وفي سفر لوقا، نجد أن المسيح في الواقع يطلب من تلاميذه أن يهربوا قبل وقوع الخراب: « ‘وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا، لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ’ » (لوقا ٢١ : ٢٠-٢٢).


وعندما رأى المسيحيون في أورشليم حدوث ما قاله المسيح، هربوا إلى خارج المدينة إطاعة لتعليماته، هذا في حين أن معظم اليهود الذين بقوا في المدينة هلكوا. ويُقدَّر أن أكثر من ربع مليون يهودي قد هلك أثناء حصار أورشليم، كما وقع ٩٧.٠٠٠ يهودياً آخرين في الأسر. «ومع ذلك، فإنه أثناء فترة الإمهال المؤقتة، عندما رفع الرومان الحصار عن المدينة أورشليم بشكل غير متوقع، هرب كل المسيحيين. ويُقَال أنه لم يفقد مسيحي واحد حياته. وقد هربوا إلى ‘بيلا’، وهي مدينة تقع في السفوح الجبلية الواقعة شرقي نهر الأردن، على بعد حوالي ١٧ميلا (حوالي ٢٧ كم) إلى الجنوب من بحيرة الجليل» (موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٥، صفحة ٤٩٩).






المجيء الثاني للمسيح


كان جواب المسيح هنا في متى ٢٤ يتعلق بـ «عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ» (عد ٣)؛ بمعنى مجيء المسيح ليَملُك.


ما هي التحذيرات الأخرى التي يعطيها المسيح في سياق الأحدث السابقة لمجيئه، وكيف شُوهدت هذه الأحداث عبر التاريخ؟ متى ٢٤ : ٢٣-٢٦.


إن المسيح، من منظور البشر، لم يكن سوى مُبشِّر جليلي متجول لديه مجموعة صغيرة من التابعين، ولكنه مع ذلك كان يتنبأ بأن كثيرين سيأتون باسمه، وكل واحد منهم سيزْعُم أنه المسيح. وبطبيعة الحال، هذا هو بالضبط ما حدث على مرّ العصور، بل ويحدث حتى في يومنا هذا. وهي حقيقة تقدم لنا المزيد من الأدلة على صدق كلمة الله.


اقرأ متى ٢٤ : ٢٧-٣١. كيف يتم وصف المجيء الثاني هنا؟ ما الذي سيحدث عندما يأتي المسيح؟


بعد أن حذر المسيح من أن كثيرين سيأتون مدّعين أنهم المسيح، قدم بعد ذلك وصفاً لما سيكون عليه مجيئه حقاً.


أولاً، المجيء الثاني للمسيح هو مجيء شخصي وفعلي. فالمسيح نفسه هو مَن سيعود إلى الأرض. إن الآية التي تقول «لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً» (١تسالونيكي ٤ : ١٦) هي رد قاطع على أولئك الذين يزعمون أن عودة المسيح هي أمر خيالي أو هي ببساطة عصر جديد في تاريخ الإنسانية. إن مجيء المسيح سيكون مرئياً مثل البرق في السماء. «وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ» (رؤيا ١ : ٧). وتكشف صورة البوق أن صوت المسيح سيكون جهوراً بما يكفي حتى لإيقاظ الموتى! والأهم من ذلك هو أن المسيح، الذي اتسم مجيئه الأول بالتواضع، سيأتي عند مجيئه الثاني كملك ظافر (رؤيا ١٩ : ١٦) منتصر على كل أعدائه (وأعدائنا) (١كورنثوس ١٥ : ٢٥).






السهر واليقظة


إن المجيء الثاني للمسيح هو تتويجٌ لكل الآمال المسيحية؛ إنه إتمام وتحقيق لكل ما وُعدنا به. ومن دونه- ما الذي سيحدث؟ إنه لولا المجيء الثاني للمسيح لكنا سَنَبْلى في الأرض بعد الموت كما يفعل الجميع. إنه من دون المجيء الثاني للمسيح وكل ما ينطوي عليه، سيصبح كل شيء آخر متعلق بإيماننا مجرد كذبة ومهزلة وسينطبق علينا كل شيء ادّعاه علينا معارضونا.


لا عجب، إذاً، في أن بعض المسيحيين، وبدافع انتظارهم المتلهف لعودة المسيح قد حددوا موعداً تلو الآخر لعودته. بالطبع، وكما نعلم، فقد ثَبُتَ خطأ كل تاريخ سابق تم تحديده لعودة المسيح.


كيف تشرح الآيتان اللتان في متى ٢٤ : ٣٦ و ٤٦ الأمر الذي يجعل التواريخ المحددة التي يضعها البعض لمجيء المسيح خاطئة دائماً؟


السبب على وجه التحديد هو أننا لا نعرف متى سوف يأتي المسيح، فقد قيل لنا أنه يجب أن نكون مستعدين وأن «نسهر.»


اقرأ متى ٢٤ : ٤٢-٥١. ما الذي يقوله المسيح هنا عن ما يعنيه أن تسهر وأن تكون مستعداً لمجيئه الثاني؟


المسيح واضح في كلامه: نحن لا نعرف متى سوف يعود ثانية. في الواقع، سيأتي عندما لا نتوقع ذلك. لذلك نحتاج إلى أن نكون مستعدين دائماً للقائه عندما يعود. نحن بحاجة إلى أن نعيش وكما لو كان سيأتي في أي وقت، حتى وإن كُنَّا لا نعرف متى على وجه التحديد. أما التفكير في أن المسيح لن يعود إلا بعد فترة طويلة، ولذا يمكنني القيام بما يحلو لي، فهو بالضبط الموقِف الذي يحذّرنا المسيح من اتخاذه. ينبغي أن نسعى إلى أن نكون مُخْلِصين لأننا نحب الرب ونريد عمل ما هو صواب في نظره، بغض النظر عن موعد عودته. إضافة إلى ذلك، أيضاً، وفي ضوء كل النصوص التي تحذّر بشأن الدينونة، خصوصاً ضد أولئك الذين يعاملون الآخرين بشكل سيئ، فإن توقيت المجيء الثاني لا يهم حقاً. فإن الدينونة ستأتي إن عاجلاً أم آجلاً.






لمزيد من الدرس


في سياق الأحداث المصوّرة في متى ٢٤، يقول المسيح أيضاً، «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ» (عد ٣٤). إن هذا النص طالما كان مصدراً للحيرة والإرْباك لأنه من الواضح أن كل هذه الأمور لم تحدث في جيل زماني واحد. كتب الدكتور ريتشارد ليمان في الدليل اللاهوتي للأدفنتست السبتيين يقول «إنَّ الكلمة اليونانية المترجمة ‘الْجِيلُ’ تطابق الكلمة العبرية ‘دُرْ’ التي كثيراً ما تستخدم للإشارة إلى مجموعة أو فئة معينة من الناس مثل ‘جِيلاً زَائِغًا وَمَارِدًا’ (مزمور ٧٨ : ٨). وهكذا فإن المسيح لم يكن يستخدم الكلمة لوصف زمن أو تواريخ وإنما لوصف فئة الأشخاص الشريرة التي كان يُشير إليها. وتوافقاً مع استخدام العهد القديم لمصطلح ‘هذا الجيل’، استخدم المسيح هذا المصطلح للإشارة إلى فئة من الناس دون الإشارة إلى جيل بعينه. وهكذا، فإنّ الجيل الشرير يشمل كل الذين يتشاركون في الصفات الشريرة على مرِّ العصور والأزمان (متى ١٢ : ٣٩؛ ١٦ : ٤؛ مرقس ٨ : ٣٨).» [الدليل اللاهوتي للأدفنتست السبتيين (هاغرستوون: دار ريفيو آند هيرالد للنشر، ٢٠٠٠)، صفحة ٩٠٤]. وبعبارة أخرى، سيبقى الشر حتى نهاية الزمان، إلى أن يأتي المسيح ثانية.




الدرس الثاني عشر


١١-١٧ حزيران (يونيو)


أيام المسيح الأخيرة، قبل الصَليب






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ٢٦ : ١-١٦؛ لوقا ١٢ : ٤٨؛ متى ٢٦ : ١٧-١٩؛ ١كورنثوس ٥ : ٧؛ متى ٢٦ : ٣٦-٤٦؛ متى ٢٦ : ٥١-٧٥.


آية الحفظ: « ‘كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ’ » (متى ٢٦ : ٣١).


سننظر في درس هذا الأسبوع إلى الفترة الزمنية السابقة لصلب المسيح مباشرة، حيث بدأ العالم، بل وحتى الكون، في مواجهة أهم لحظة في تاريخ الخَلْق.


هناك العديد من الدروس التي يمكن استخلاصها من الأحداث التي نحن بصدد النظر إليها في درس هذا الأسبوع، لكن وبينما نحن نقرأ دعونا نركّز على حدث واحد منها وهو المتعلق بالحرية والإرادة الحرة. انظر إلى كيفية استخدام الشخصيات المختلفة لعطية الحرية والإرادة الحرة، وهي العطية العظيمة والمُكْلِّفة. انظر إلى العواقب الشديدة بل والعواقب الأبدية التي نجمت عن استخدام هذه العطية، بطريقة أو بأخرى.


كان على كلاً من بطرس ويهوذا والمرأة التي جاءت بالطِّيبِ لتسكبه على رأس المسيح أن يتخذوا خيارات معينة. ولكن الأهم من ذلك كله هو أن المسيح أيضاً كان عليه أن يختار، وكان أعظم اختيار أَقْدَم عليه هو المُضي إلى الصليب، على الرغم من أن طبيعته البشرية قد صرخت ضد هذا الاختيار: « ‘يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ’ » (متى ٢٦ : ٣٩).


إن المفارقة مذهلةٌ: فإن الإرادة الحرة التي أسأنا استخدامها قد أوصلت المسيح إلى هذه اللحظة بالذات، حيث كان على المسيح أن يختار - بمحض إرادته - ما إذا كان سيخلّصنا أَمْ لَا من الدمار الذي جلبه علينا سوء استخدامنا للإرادة الحرة.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ١٨ حزيران (يونيو).




عملٌ حَسَنٌ


سننظر في درس هذا الأسبوع إلى الأيام الأخيرة من حياة المسيح عندما كان هنا على الأرض بالجسد، حيث كان سيذهب إلى الصليب ويقوم من الأموات ويُعلن عن نفسه بوصفه مخلّص العالم، المُخلِّص المصلوب والمُقام. وبقدر ما كان أتباعُ المسيح يحبونه ويقدّرونه، إلا أنه كان لا يزال أمامهم الكثير ليتعلموه فيما يتعلق بهَوُيته وبكل ما كان سيقوم به من أجلهم. إن معرفتنا بما كان المسيح سيقوم به من أجلنا تفوق بكثير معرفة أتباعه آنذاك، وذلك لأنَّ لدينا الآن الكتاب المقدس بعهديه، وخاصة تفسيرات بولس الفعّالة بذبيحة يسوع المسيح الكفارية نيابة عنّا.


مع أخذ هذه الخلفية بعين الاعتبار، اقرأ متى ٢٦ : ١-٢٦. ما هو المغزى من هذه الهدية كَثِيرة الثَّمَنِ، وماذا يجب أن تعلّمنا حول الكيفية التي ينبغي أن نتعامل بها مع المسيح؟


لاحظ كيف يضع متى قصة مَسح رأس المسيح بالطِّيب (والتي يُحتمل أنها حدثت قبل دخول المسيح الانتصاري إلى أورشليم) في إطار ما كان يتم من تآمر متزايد على قتله. ففي حين كان بعض من أبناء شعبه يخططون لأذيته، سكبت هذه المرأة عليه محبة وإخْلاصاً غير محدودَين، حين تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ ومَعَهَا «قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَن» (عد ٧).


وفي حين كان التلاميذ يتأسفون على هذه الخسارة، وصف المسيح ما قامت به هذه المرأة بأنه عملٌ «حَسَنٌ». فإنه مِن خلال هذا التصرّف، المتسم بالإسراف ظاهرياً، كانت المرأة تكشف عن العمق الحقيقي للمشاعر التي في قلبها نحو المسيح. وعلى الرغم من أنها حتماً لم تكن تعرف كل ما كان سيأتي أو ما كان سيعنيه سكب الطِّيب على المسيح، إلا أنها فهمت بما فيه الكفاية لتعرف أنها كانت مدينة للمسيح بالكثير جداً؛ ولهذا أرادت أن تُعيد الكثير جداً، كذلك. وربما تكون هذه المرأة قد سمعت كلماته القائلة، « ‘فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ’ » (لوقا ١٢ : ٤٨). هذا في حين غابت هذه النقطة تماماً عن التلاميذ، رغم أن ما شهدوه من أعمال أجراها المسيح كان حتماً يفوق ما شهدته هي.


«كان هذا الطِّيبُ رمزاً للقلب المُعطي الفيَّاض. لقد كان إعلاناً ظاهراً عن المحبة التي تمَّ تغذيتها مِن قِبل الينابيع السماوية إلى أن فاضت. وذلك الطِّيبُ الذي سكبته مريم على قدمي المسيح، والذي اعتبره التلاميذ إتلافاً، يعيد نفسه ألف مرة في قلوب الآخرين الحَسَّاسة والمُسْتَعِدّة» (روح النبوة، موسوعة الأدفنتست لتفسير الكتاب المقدس، مجلد ٥، صفحة ١١٠١).






العهدُ الجديد


اقرأ متى ٢٦ : ١٧-١٩. ما دلالة وأهمية أن ذلك الوقت كان وقت الْفِصْحِ؟ انظر أيضاً خروج ١٢ : ١-١٧؛ ١كورنثوس ٥ : ٧.


إن قصة «الخروج» هي بالطبع قِصةَ فِداءٍ وإنقاذٍ، وهو العمل الذي قام به الله من أجل أولئك الذين لم يستطيعوا القيام به لأنفسهم. ويا له من رمز مناسب لما كان المسيح على وشك أن يقوم به من أجلنا جميعاً!


اقرأ متى ٢٦ : ٢٦-٢٩. ما الذي يقوله المسيح لتلاميذه؟ ما الذي تعنيه كلماته بالنسبة لنا اليوم؟


لقد كان المسيح يلفت انتباههم إلى المعنى الأعمق للفصح. لقد كان الإنقاذ من مِصْر مظهراً رائعاً من مظاهر سيادة وقدرة الله، لكن ذلك العمل لم يكن كافياً في حد ذاته. فهو لم يكن الفداء الذي كان الشعب العبراني، أو أي واحد مِنّا، يحتاجه حقاً. إننا نحتاج إلى الفداء الذي في المسيح: الحياة الأبدية. «وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ ­ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ ­ يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ» (عبرانيين ٩ : ١٥). لقد لفت المسيح أنظارهم إلى المعنى الحقيقي لنِتَاجِ الْكَرْمَةِ والمعنى الحقيقي للخبز فجميع هذه الرموز كانت تشير إلى موته على الصليب.


وهكذا فإنه وعلى عكس الذبائح الحيوانية التي كانت تُشير قُدُماً إلى موت المسيح، تعود بنا فريضة العشاء الرباني إلى الوراء وتُذكِّرنا بموت المسيح من أجلنا. وفي كلتا الحالتين، فإنّ كل الرموز توجّهنا إلى المسيح على الصليب.


ومع ذلك، فإن الصليب لا ينهي القصة. فإن المسيح عندما قال لتلاميذه أنه لن يشرب من نِتَاجِ الْكَرْمَةِ « ‘إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي’ » (متى ٢٦ : ٢٩)، إنما كان يلفت انتباه تلاميذه إلى المستقبل، إلى المجيء الثاني، وإلى ما بعد هذا المجيء.






بستان جَثْسَيْمَانِي


أثناء أسبوع الفصح، كان الكهنة يقدمون الآلاف والآلاف من الحِملان كذبائح في الهيكل الواقع أعلى التَّل المُطلِّ على وادي قطرون. وكان دم الحملان يُسفك على المذبح ومن ثم يتدفق عبر قناةٍ إلى يَنْبُوعٍ (جَدْوَل أَوْ نُهَيْر) كان يجري عبر وادي قطرون. وكان يمكن لماء الينبوع أن يتحول إلى اللون الأحمر بالفعل بسبب دماء الحملان المتدفّقة فيه. ولا بد وأن المسيح وتلاميذه كانوا قد عبَروا فوق المياه الضاربة للحمرة وهم في طريقهم إلى بستان جثسيماني.


اقرأ متى ٢٦ : ٣٦-٤٦. لماذا كان اختبار جثسيماني صعباً جداً بالنسبة للمسيح؟ ما الذي كان يحدث هناك حقاً؟


لم يكن المسيح خائفاً من الموت الجسدي عندما صلى أن يعبر عنه هذا الكأس. لقد كان الكأس الذي يخاف منه المسيح هو الانفصال عن الله. فقد عرف المسيح أنه لكي يصير خطية من أجلنا، ولكي يموت عِوضاً عنا ويحمل على عاتقه غضب الله ضد الخطية، كان معناه الانفصال عن أبيه السماوي. لقد كان انتهاك ناموس الله المقدس جَسِيماً وفاحِشاً للغاية بحيث تَطَلَّبَ موت مرتكب جريمة هذا الانتهاك. وقد جاء المسيح خصيصاً من أجل أن يأخذ على عاتقه دينونة الخطية، ويموت لكي يجنّبنا نحن هذا الموت.


«وإذ كانت نتيجة المعركة ماثلة أمام المسيح كانت نفسه ممتلئة بالرعب والذهول بسبب انفصاله عن الله. وقد قال له الشيطان إنه إن صار ضامنا للعالم الشرير فقد يصبح انفصاله عن الله أبديا وسيكون هو ضمن رعايا مملكة الشيطان ولن يكون واحدا مع الله فيما بعد.... إذ أتت اللحظة المخيفة التي كانت ستقرر مصير العالم. كان مصير العالم يتأرجح في كفة الميزان. كان يمكن المسيح حتى الآن أن يرفض شرب الكأس التي كان يجب أن يشربها الإنسان الأثيم. لم يكن قد مضى الوقت بعد، فيمكنه أن يمسح عن جبينه ذلك العرق الدموي تاركا الإنسان يهلك في إثمه. كان يمكنه أن يقول: ليقع على الإنسان العاصي قصاص خطيته وعصيانه، أما أنا فسأعود إلى أبي. فهل سيشرب ابن الله كأس الهوان والعذاب المريرة؟ وهل سيتحمل البار عواقب لعنة الخطية ويخلص المذنب؟» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٥١ و ٦٥٤).






يهوذا يبيع نفسه


إن قصة يهوذا محزنة حقاً! فلو أنه مات قبل رحلته الأخيرة إلى أورشليم، فلربما كان من بين أبطال التاريخ المقدس الأكثر تبجيلاً. وكان يمكن لمباني الكنائس أن تحمل اسمه. لكن بدلاً من ذلك، ارتبط اسمه إلى الأبد بالخيانة والغدر.


اقرأ يوحنا ٦ : ٧٠ ولوقا ٢٢ : ٣. كيف تساعد هاتان الآيتان في شرح وتفسير تصرفات يهوذا؟


وبطبيعة الحال، يعد إلقاء اللوم على الشيطان، على ما فعله يهوذا، أمراً لا بأس به، لكن ذلك يطرح السؤال التالي: ما الذي كان يتسم به يهوذا ومكّن الشيطان من أن يقوده إلى أن يغدر بالمسيح بهذه الطريقة؟ فعلى كل حال، نحن نقرأ أن الشيطان أراد أن يستقطب بطرس أيضاً (انظر لوقا ٢٢ : ٣١). مع ذلك، فلا بد وأن يكون ما أحدث الفرق بينهما هو أن يهوذا رفض أن يخضع نفسه لله بشكل تام؛ ولا بد وأنه قد تشبّث بخطية ما، ولا بد وأنه كان هناك بعض الخلل في صفاته، الأمر الذي مكَّن الشيطان من أن يدخل في نفس يهوذا وأن يدفعه إلى القيام بما قام به. وهنا نرى مجدداً عاقبة أخرى من عواقب حرية الاختيار.


اقرأ متى ٢٦ : ٤٧-٥٠ و ٢٧ : ١-١٠. ما هي الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من قصة يهوذا المحزنة؟


في متى ٢٦ : ٤٧-٥٠ نرى يهوذا يقود كتيبة من الجنود (حوالي ٦٠٠جنديا) وكذلك بعضاً من رؤساء الكهنة والشيوخ إلى المكان الذي كان المسيح موجوداً فيه. يا لها من لحظة قوة هائلة بالنسبة ليهوذا! فإنه عندما يكون لديك شيئاً يريده الناس حقاً، فستكون عندها ممتلكاً لقوة هائلة، كما فعل يهوذا هنا. ولا بأس في ذلك، طالما أنه لديك ما يريدونه. لكن إذا كان الناس يهتمون بك بسبب ما لديك فقط، فإنهم لن يعودوا بحاجة إليك في نهاية المطاف، بعد أن يحصلوا منك على ما يريدونه. ففي غضون ساعات، كان يهوذا وحيداً وبدون أي شيء.


وثَمّة درس هام آخر نتعلمه مِن موقِف يهوذا ألا وهو الشيء الذي من أجله باع يهوذا نفسه وأضاعها: ثلاثون قطعة من الفضة؟ وبحسابات اليوم، يُقال أن هذا المبلغ يساوي المبلغ الذي يتقاضاه المرء في عصرنا الحالي عن عمله لمدة تتراوح ما بين شهر واحد إلى أربعة أشهر، اعتمادا على العملة الفضية المقصودة. وحتى لو كان المبلغ الذي تقاضاه يساوي عشرة أضعاف أو مائة ضعف هذا المبلغ، انظر إلى ما خسره يهوذا في المقابل! وكما تُظهر القصة، فإنه قد خسر ذلك المبلغ أيضاً. إن يهوذا لم يتمتع بأي شيء مما حصل عليه. بدلاً من ذلك، قام بإلقاء كل المبلغ تحت أقدام أولئك الذين أعطوه له في البداية. إن عدم جدوى المال الذي حصل عليه يهوذا هو مثال قوي يُظهر لنا عدم جدوى أي شيء يتسبب في جعلِنا نبتعد عن المسيح ونخسر أنفسنا. كان يهوذا قريباً جداً من الحياة الأبدية لكنه اختار أن يتخلى عنها مقابل لا شيء.




إنكار بطرس للمسيح


لقد عَرَف المسيح مسبقاً عن قرار يهوذا بتسليمه، وهو القرار الذي كان نابعاً عن إرادة يهوذا الحُرة. وكانت هذه حالة من حالات كثيرة في الكتاب المقدس تُظهر أن معرفة الله المسبقة لخياراتنا الحُرة لا تنتهك بأي شكل من الأشكال حرية أولئك الذين يُقْدِمون على تلك الخيارات. ولم يكن المسيح يعرف مسبقاً خيانة يهوذا له فحسب، بل كان يعرف مسبقاً أيضاً أن بطرس، رغم تظاهره بالشجاعة، كان في اللحظة الحاسمة سيهرب وينكره.


اقرأ متى ٢٦ : ٥١-٧٥. لماذا أنكر بطرسُ المسيحَ (في اعتقادك)؟


في كثير من الأحيان نفكر في أن الخوف كان هو السبب وراء إنكار بطرس للمسيح. ومع ذلك، فقد كان بطرس (وفقاً لما ورد في إنجيل يوحنا) هو الذي امتلك الشجاعة لاستلال سيفه ضد الجنود الرومان! لقد كان بطرس على استعداد لبلوغ ذروة المجد وقمة العظمة إلى أن أوقفه المسيح.


إذاً، ما الذي تغيّر في بطرس وجعله يُنكر أنه كان يعرف المسيح بعد أن كان قبل ذلك بفترة وجيزة قد مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ محاولاً الدفاع عن سيده؟ لماذا قال أنه لم يكن تلميذاً للمسيح؟ لماذا قال بطرس، « ‘إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!’ » (متى ٢٦ : ٧٢)؟


ربما لأن بطرس أدرك أنه حقاً لم يكن يعرف الرَّجُلَ [أي المسيح]، لم يكن يعرف الهدف من مجيئه إلى الأرض ولم يكن يعرف ما يعنيه إلقاء القبض عليه. لذلك، فإنه في لحظة من الذعر والهلع أنكر أنه يعرف المسيح بالمرة. ربما أنكر بطرسُ المسيحَ عندما أدرك أنه لم يكن يفهم ما كان المسيحُ يقوم به. لقد إسْتَسْلَمَ بطرس عندما رأى ما ظَنَّ هو أنه استسلامٌ مِن جانب المسيح. لقد كان بطرس لا يزال يضع ثقة كبيرة في فهمه بدلاً من وضع ثقته التامة في المسيح، وذلك على الرغم من كل العلامات المدهشة التي كان قد رآها، وعلى الرغم من اعترافه الجريء، النابع عن الإيمان، بأن يسوع هو المسيا (متى ١٦ : ١٦). إن إنكار بطرس للمسيح يجب أن يخبرنا أن كل المعجزات والآيات في العالم لا يمكنها أن تبقينا مخلصين لله ما لم تكن قلوبنا خاضعة بالكامل له.






لمزيد من الدرس


في عام ١٩٥٩، دخل سفَّاحان منزلاً في ولاية كنساس الأمريكية وقتلا الأب والأم في ذلك المنزل، وقتلا كذلك طفلين في سن المراهقة. وقبل أن يتم العثور على السَّفَّاحين، بعث أخو الأم القتيلة بهذه الرسالة إلى الصحيفة المحلية. «هناك الكثير من مشاعر الاستياء والنَقْمَة في هذا المجتمع. فلقد سمعت في أكثر من مناسبة مَن يقول أنه متى تم العثور على الجاني فلا بد وأن يُعدم شنقاً عند أقرب شجرة. دعونا لا نشعر هكذا. إن الواقعة قد حدثت ولا يمكن لإزهاق نفس أخرى أن يغيّر ما قد حدث. بدلاً من ذلك، دعونا نغفر بالطريقة التي يريدنا الله أن نغفر بها. ليس من الصواب أن نحتفظ بالضغينة في قلوبنا. في الواقع، إنَّ مرتكب هذا الفعل سوف يجد أنه من الصعب جداً قبول ذاته والعيش في سلام معها. ولن يحظى بالاطمئنان والسَكِينَة إلا عندما يطلب المغفرة من الله. دعونا أن لا نقف في طريق حدوث هذا الأمر، ودعونا بدلاً من ذلك نصلي من أجل أن يجد ذلك الشخص السلام وسَكِينَة النفس» [ترومان كابوت، بدم بارد (نيويورك: المكتبة الحديثة، ٢٠١٣)، صفحة ١٢٤].


مع وضع الأسئلة المتعلقة بعقوبة الإعدام جانباً، يمكننا أن نرى هنا تعبيراً قوياً عن نوع النعمة التي يقدمها المسيح لنا جميعاً. فإنه بعد قيام بطرس بإنكار المسيح إنكاراً ليس له ما يبرره، نجد المسيح يغفر له ويعْهَد إليه بالعمل المتعلق بربح النفوس. «وها هو بطرس يعلن الآن أنه لا يعرف يسوع. وقد تأكد له الآن وإن يكن بحزن عميق أن سيده كان يعرفه جيداً ويعرف قلبه معرفة دقيقة، ذلك القلب الخادع الذي كان يجهله بطرس نفسه» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٧٢). لقد كان المسيح يعرف أعماق بطرس حتى قبل أن يعرف بطرس نفسه ذلك؛ لقد كان يعرف أن بطرس سينكره، حتى قبل أن يعرف بطرس أنه سيفعل هكذا. ومع ذلك، فإن محبة المسيح ونعمته ظلتا ثابتتين، على الرغم من أن بطرس لم يلوم إلا نفسه على تصرفاته. وإذ نتعامل مع الأشخاص الذين يرتكبون أخطاء مماثلة، فإنه من المهم جداً أن نتعلم أن نمنح النعمة لهم، تماماً كما نود أن نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً.




الدرس الثالث عشر


١٨-٢٤ حزيران (يونيو)


مَصلوبٌ ومُقامٌ






السبت بعد الظهر


المراجع الأسبوعية: متى ٢٧ : ١١-٢٦؛ يوحنا ٣ : ١٩؛ إشعياء ٥٩ : ٢؛ متى ٢٧ : ٤٥ و ٤٦ و ٤٩-٥٤؛ عبرانيين ٨ : ١-٦؛ متى ٢٨ : ١-٢٠.


آية الحفظ: « ‘فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ’ » (متى ٢٨ : ١٨).


كان هناك إعلان في مجلة بريطانية يسأل ما إذا كان هناك شخص مستعد للتبرع بجسده لخدمة العلوم والأبحاث. ويقول الإعلان أن العلماء كانوا يدرسون عمليات التحنيط التي كان يقوم بها المصريون القدماء، وبأنهم يبحثون عن متطوعين يعانون من مرض عضال ومستعدين للتبرع بأجسادهم بعد الموت. ويزعم هذا الإعلان أن هؤلاء العلماء قد اعتقدوا أنهم قد اكتشفوا سر كيفية قيام المصريين القدماء بالتحنيط وبأنه يمكن للجسد «أن يُحفظ - رُبّمَا لمئات بل حتى لآلاف السنين» (www.independent.co.uk/news/science/now-you-can-be-mummified-just-like-the-egyptians-1863896.html).


وكمسيحيين، نحن لسنا بحاجة إلى أن نقلق بشأن الحفاظ على جثثنا. فلقد وَعدنا الله بشيء أفضل من ذلك بكثير. فإن المسيح الذي بذل نفسه من أجل خطايانا، والذي قام فأصبح «باكورة الراقدين الذين سقطوا» (١كورنثوس ١٥ : ٢٠)، قد مهد الطريق لجثثنا لا لأن تُحفظ مثل مومياءات بعض الفراعنة القدماء فحسب (ومع ذلك، فإنه إذا حدث ونظرت إلى بعض تلك الجثث فستجد أنها ليست جميلة على الإطلاق، على أية حال) ولكن لكي يغيّرنا إلى أجساد غير قابلة للفساد تعيش إلى الأبد.


في هذا الأسبوع، وفي الأصحاحات الأخيرة من إنجيل متى، سندرس الحقائق الخالدة المتعلقة بموت وقيامة الرب يسوع، والرجاء الذي يقدمه لنا هذان الحدثان.


*نرجو التعمق في موضوع هذا الدرس استعداداً لمناقشته يوم السبت القادم الموافق ٢٥ حزيران (يونيو).




المسيح أو باراباس


اقرأ متى ٢٧ : ١١-٢٦. ما هي بعض المضامين الأعمق للخَيَار الذي قُدم للناس والخَيَار الذي أقدموا عليه؟


لقد كان باراباس القاتل هو الذي يُفترض أن يُصلب على الصليب الذي وضع في الوسط. فالمحتمل أن المجرمَين اللذين كانا سيكونان على جانبيه قد كانا شريكيه في القتل والإجرام. باراباس هو ليس الاسم الأول ولكن الأخير. فجزئية «بار» من الاسم تعني «ابن» تماماً كما نقول سمعان «ابن يونا» أو «بارثولوميو» التي تعني «ابن ثولوميو». كانت كلمة بارباس تعني «ابن الآب.» وتدوِّن معظم المخطوطات الأولى الاسم الأول لباراباس على أنه يشوع (يسوع). كان الاسم «يشوع» اسماً شائعاً في ذلك الوقت، ومعناه «يَهْوه يخلِّص.» وهكذا، فإن اسم «بارباس» كان يعني «يهوه يخلِّص» أو «ابن الآب».


يا لها من مهزلة!


«ادعى هذا الرجل أنه هو مسيا، كما ادعى أن له السلطان على أن يغير الأنظمة وأن يصلح الأوضاع المقلوبة في العالم. وإذ خدعه الشيطان ادعى أن كل ما يمكنه الاستيلاء عليه بالسرقة أو بالسلب هو من حقه. وقد عمل أعمالا عجيبة بقوة الشيطان وتبعه بعض الشعب، مما أثار فتنة ضد الحكومة الرومانية. وتحت ستار الحماية الدينية صار وغدا قاسيا متهورا مصرا على التمرد والقسوة. فإذ أعطى بيلاطس الشعب حق الاختيار بين هذا الرجل وبين المخلِّص البريء ظن أنه سيحمِّسهم لأن يلزموا جانب العدل. وكان يرجو أنه سيظفر بعطفهم على يسوع ضد الكهنة والرؤساء» (روح النبوة، مشتهى الأجيال، صفحة ٦٩٤ و ٦٩٥).


وقد كان بيلاطس مخطئاً. فإنه ما لم يكن الناس تحت تأثير الروح القدس فإنهم حتماً سوف يقدِمون على الاختيار الروحي الخاطئ، كما فعلت الحشود هنا. وفي النهاية، يجب علينا جميعاً أن نختار بين المسيح أو باراباس، بين المسيح أو العالم الساقط الفاسد، بين الحياة أو الموت. « ‘وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً’ » (يوحنا ٣ : ١٩).






بديلنا المصلوب


«وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: ‘إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟’ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» (متى ٢٧ : ٤٥ و ٤٦). ما معنى هذه الصرخة؟ كيف يمكننا فهم الآثار المترتبة عليها، فيما يتعلق بخطة الخلاص؟


يسجّل متى ما تم تسميته مِن قِبل اللاهوتيين «صرخة التَرْكِ». وكلمة التَرْكِ تعطي فكرة هجر شيء ما، بأن تترك هذا الشيء وحيداً ومحتاجاً. وفي هذه الحالة يمكننا أن نرى شعور المسيح بالهجران مِن قِبل الآب. إن الظلمة التي أحاطت بالأرض في ذلك الوقت كانت ترمز إلى الدينونة الإلهية (إشعياء ١٣ : ٩-١٦؛ عاموس ٥ : ١٨-٢٠؛ إرميا ١٣ : ١٦)؛ لقد كان المسيح يعاني في أعماقه من العواقب المروعة التي للخطية، كان يعاني من الانفصال التام عن الآب. وبالنيابة عنَّا، أخذ المسيح على عاتقه الدينونة الإلهية ضد الخطية، وهي الدينونة التي كان ينبغي أن تكون مِن نصيبنا. «هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ» (عبرانيين ٩ : ٢٨، انظر كذلك ٢كورنثوس ٥ : ٢١). على الصليب، انطبقت على المسيح الكلمات الواردة في مزمور ٢٢ : ١ لأنه وبطريقة فريدة من نوعها كان يعاني مما يعانيه البشر، ألا وهو انفصالهم عن الآب بسبب الخطية، وذلك لأن المسيح قد حمل على الصليب كل خطايا البشر «بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ» (إشعياء ٥٩ : ٢).


ولم تكن معاناته مَزْعُومة أو زائِفة. بل لقد حمل المسيح حقاً غضب الله ضد الخطية؛ وقد حلَّت عقوبة معاصينا عليه وامتلأت نفسه بالذعر والرهبة بينما هو يحمل وطأة الذنب، ذنبنا نحن، على عاتقه. لابد وأن الخطية بغيضة ومقيتة جداً في عيني الله إذ قد تَطَلَّبَ أمر مغفرة خطايانا أن يعاني أحد أقانيم الألوهية الثلاثة من الذنب والعقاب اللذان تستحقانهما الخطية!


ومع ذلك، وحتى في خضم هذا الرعب، صرخ يسوع قائلاً، «إلهي، إلهي!» فعلى الرغم مِن كل مَا كان يَحدثُ له، ظلّ إيمانه كاملاً وغير منقوصٍ! وقد بقي أميناً للنهاية بغض النظر عن المعاناة وبغض النظر عن شعوره بأنه قد تُرِكَ مِن قِبَلِ الآب.






حجاب ممزق وصخور متَصَدّعة


سرد كل كاتب من كتبة الأناجيل قصة يسوع من وجهات نظر مختلفة، لكن كلهم ركزوا على موت المسيح. ومع ذلك، فإن متى وحده هو الذي سجّل في إنجيله تفتّح القبور بعد تمزّق حجاب الهيكل.


اقرأ متى ٢٧ : ٤٩-٥٤. ما معنى هذه الأحداث؟ ما هو الرجاء الذي تُشير إليه هذه الأحداث وتُوجهنا نحوه؟


ماتَ المسيحُ بعدَ أن سخرتْ منهُ الجموعُ، نتيجةَ جهلهم لحقيقةِ كلماته فيما يتعلق بمجيء إيليا ليخلّصه. وكانت سخريتهم مثالاً قوياً آخر، وإن كان محزناً، حول كيف أُسيء فهمه مِن قِبل العديد من بني شعبه.


ثم يسجّل متى بعدها أن الحجاب في الهيكل قد انْشَقَّ من أعلى إلى أسفل. إنًّ ما يرمز إليه ذلك واضح لا لبس فيه: إنَّ عهداً جديداً في تاريخ الخلاص قد بدأ. كما أن خدمات الذبائح التي كانت لفترة طويلة تُشير إلى المسيح لم تعد لازمة. وقد اُستبدل الرمز الأرضي القديم بما هو أفضل من ذلك بكثير.


اقرأ عبرانيين ٨ : ١-٦. ما الذي تقوله هذه الآيات ويساعدنا على فهم ما حدث لنظام الهيكل الأرضي وما تم استبداله به؟


لا يسجّل متى انشقاق حجاب الهيكل فحسب وإنما يشير إلى أن الصخور قد تَشَقَّقَتْ وَالْقُبُور تَفَتَّحَتْ وأن بعض الأموات قد قاموا، وهي أحداث كان حدوثها ممكناً فقط بسبب ما حققه المسيح بموته كبديل عن خطايانا. ويمكننا في إنجيل متى أن نرى حدوث أمور ما كان يمكن لنظام العهد القديم نفسه أن يتسبب في حدوثها أبداً. «لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا» (عبرانيين ١٠ : ٤). وبطبيعة الحال، وحده المسيح هو الذي يمكنه أن يرفع الخطايا. وبالنسبة لنا، فإن النتيجة الهائلة والوعد العظيم المتعلق برفع المسيح لخطايانا، يتمثل في قيامتنا من الأموات. وبدون هذا الوعد، نحن ليس لدينا شيء (انظر ١كورنثوس ١٣ و ١٤ و ١٩). وفي قيامة بعض القديسين (الذين لا نعرف كم كان عددهم) وخروجهم من القبور بعد قيامة المسيح مباشرة، يمكننا أن نرى الرجاء والوعد المتعلقين بقيامتنا في نهاية هذا الدهر.




المسيح المُقام


إن الإيمان المسيحي لا يُرَكَّز على الصليب فحسب ولكن على القبر الفارغ كذلك. والحقيقة هي أن غالبية الناس في العالم، بما في ذلك غير المسيحيين، يؤمنون أن إنساناً اسمه يسوع المسيح الناصري مات على الصليب. وبعد فترة قصيرة من عيش المسيح هنا على الأرض، كانت هناك مراجع تاريخية تُشير إلى المسيح، ومن بينها هذا الاقتباس المأخوذ من كتابات تاسيتوس، المؤرخ الروماني، وفيه نقرأ ما يلي: «نيرون... ألحق أقسى أنواع التعذيب بفئة من الناس يُطْلَق عليهم اسم ‘مسيحيين’...وكانوا مكروهين من قبل عامة الشعب بسبب أعمالهم البغيضة. وقد تعرض «كريستوس»، الذي منه أخذ المسيحيون اسمهم، لعقوبة قاسية في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا، بيلاطس البنطي» [تاسيتوس، ٥٧-١١٧ ميلادية: (www.causeofjesusdeath.com/jesus-in-secular-history).


بَيْنَ حِيْنٍ وآخَر، يكون هناك قليل من الجدل حول ما إذا كان هناك شخصٌ في التاريخ اسمه يسوع المسيح قد أُدينَ وصُلبَ. أما النقطة الأصعب والأكثر إثارة للجدل فهي القيامة: الفكرة التي مفادها أن المسيح الناصري، الذي مات بعد ظهيرة يوم جمعة، أصبح حياً مرة أخرى في صباح يوم الأحد التالي. هذا هو ما يتجادل كثير من الناس بشأنه. وعلى كل حال، كانت مسألة أن يتم صلب يهودي على يد الرومان في اليهودية أمراً شائعاً إلى حد ما. ولكن قيامة يهودي من بين الأموات بعد صلبه تعد مسألة مختلفة تماماً.


ومع ذلك، فإنه بدون هذا الإيمان بالمسيح المُقام، لن يكون لدينا مُعْتَقد مسيحي. كتب بولس: «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ،» (١كورنثوس ١٥ : ١٤ و ١٩). كان ينبغي لموت المسيح أن يُتبع بقيامته، لأن في قيامته ضمان لقيامتنا.


فيما يتعلق بقصة قيامة المسيح، لدينا خيارين: الخيار الأول هو النظر إلى هذه القصة على أنها دعاية عاطفية كُتبت مِن قِبل عدد قليل من أتباع مُنْعَزِلين للمسيح، وذلك من أجل الإبقاء على ذكراه حية، وهو بنفس الطريقة التي نحاول بها الإبقاء على ذكرى وفاة شخصية معروفة في عصرنا الحالي. أما الخيار الثاني المتعلق بقصة القيامة فهو النظر إليها بشكل حرفي، واعتبارها سردا مباشرا لحدث خارق كانت له تأثيراته على كل إنسان عاش أو يعيش أو سيعيش على وجه الأرض.






المأمورية العظيمة


بالنسبة لكثير من الناس، أحد أكثر الأمور التي قام بها المسيح صعوبة للفهم هو الأمر المتعلق بعودته إلى السماء وتكليف البشر بالقيام بعمل البشارة بالإنجيل. فإننا في كثير من الأحيان نُخيب آماله وآمالنا، وكما تُظهر الأناجيل، فإن أتباعه الأوائل لم يُسْتثنَوا من هذا الأمر. ومع ذلك، فإن المسيح يُظهر محبته لنا واحتياجنا إليه من خلال ائتماننا على القيام بعمل الخدمة والتبشير.


اقرأ متى ٢٨ : ١٦-١٨. قارن كلمات المسيح، «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ» (عد ١٨) مع دانيال ٧ : ١٣ و ١٤. كيف ترتبط هذه الآيات ببعضها البعض؟


اقرأ متى ٢٨ : ١٩ و ٢٠ - آخر آيتين في هذا الإنجيل. ماذا يقول المسيح هنا، وما أهمية كلماته بالنسبة لنا؟


تُشير روح النبوة إلى أن ما يقرب من ٥٠٠ مؤمن كانوا قد تجمعوا على جبل في الجليل بعد قيامة المسيح من الأموات. (انظر ١كورنثوس ١٥: ٦.) إن مأمورية التبشير ببشارة الإنجيل لم تكن مقتصرة على التلاميذ فقط ولكنها مأمورية مكلف بها جميع المؤمنين. «إن الظن بأن عمل ربح النفوس وتخليصها مقتصر على الخدام المرتسمين وحدهم هو خطأ قاتل. إن كل من قد أتى إليهم الوحي الإلهي قد استؤمنوا على الإنجيل. وكل من يقبلون حياة المسيح هم معينون لأن يعملوا على خلاص بني جنسهم. لقد أقيمت الكنيسة لأجل هذا العمل، وكل من يأخذون على أنفسهم عهودها المقدسة قد ارتبطوا بموجب تلك العهود أن يكونوا عاملين مع المسيح» (مشتهى الأجيال، صفحة ٧٧٦).






لمزيد من الدرس


كما فعل كتبة الأناجيل الآخرين، كتب متى عن قيامة يسوع. أيضاً، وكما فعل رفاقه الآخرون من كتبة الأناجيل، فإن متى لم يكتب أي شيء تقريباً حول ما هو معنى القيامة في حد ذاتها. رغم أن كلاً من متى ومرقس ولوقا ويوحنا قد قاموا بوُصِفَ وتصوير قصة القيامة في حد ذاتها، إلا أنهم لم يقدّموا لنا شرحاً لاهوتياً حقيقياً لها، على الرغم من أنها جوهرية جداً بالنسبة للإيمان المسيحي. لكننا نجد في كتابات بولس التفسير الأكثر تفصيلاً حول معنى الصليب. «وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ» (١كورنثوس ١٥ : ٢٠-٢٢). وقد كتب بولس أيضاً أننا «مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ» (كولوسي ٢ : ١٢). كما أن بطرس أيضاً كان لديه ما يقوله حول هذا الموضوع بالغ الأهمية: «الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١بطرس ٣ : ٢١). وعلى الرغم من أننا لا نعرف لماذا لم يُعطِ كتبة الأناجيل أية تفاصيل حول موضوع القيامة، إلا أن بعض الدارسين يرون أن ذلك يُقدّم دليلاً إضافياً على صدق وصحة ما سجلوه من كتابات. فعلى كل حال، إذا كانوا قد كتبوا أناجيلهم بعد عدة سنوات من الأحداث، فلماذا لم يستغلوا هذه الفرصة ويقدموا شرحاً مفصلاً للأمور التي أرادوا أن يصدقها الناس فيما يتعلق بالقيامة؟ فإذا كانت قصة القيامة خُدْعَة واحتيالاً فلماذا لم يغتنموا الفرصة لجعلها تعني ما أرادوا أن تعنيه؟


لكنهم، بدلاً من ذلك، قاموا بكل بساطة بسرد القصة، دون أي محاولة لتزيينها بأية تفسيرات لاهوتية تتعلق بما يفترض أن تعنيه قصة القيامة.




دليل دراسة الكتاب المقدس للربع الثالث ٢٠١٦


إن مرسلية المسيح وخدمته المقدمتين في لوقا ٤: ١٦ـ ٢١ تصوران البشارة كلها على أنها أكثر من مجرد التبشير بالحق المتعلق بالخلاص بالإيمان، هذا على الرغم من أهمية هذا الحق بالنسبة لكل ما نقوم به. يُظهر المسيح أن الكرازة ببشارة الإنجيل تعني أيضاً أن نعبّر تعبيراً ملموسا عن محبتنا وعطفنا وشفقتنا على الفقراء والجياع والمرضى والمنكسري القلوب والمظلومين والمنبوذين والمأسورين.


إن دليل مدرسة السبت للربع الثالث ٢٠١٦، الذي عنوان «دور الكنيسة في المجتمع» من تأليف غاسبار وماي إلين كولن، سيبحث في مسألة الصّفة الشمولية «للبشارة الأبدية» وسيستعرض دور الكنيسة في التأثير على مجتمعاتها بهذه البشارة. نحن نُعرِّف «الكنيسة» على أنها مجموعة من الناس أفرادها مدعوون إلى عيش البشارة الأبدية والكرازة بها بالطريقة المُعرب عنها في خدمة المسيح. وهذا يعني أنه ليس علينا الكرازة بالبشارة فحسب وإنما علينا عيشها في حياتنا من خلال العمل على تلبية احتياجات الآخرين في مجتمعاتنا المحلية.




دور الكنيسة في خدمة المجتمع


المحتويات


١. رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ


٢. استرداد السلطة والسيادة


٣. العدل والرحمة في العهد القديم (الجزء ١)


٤. العدل والرحمة في العهد القديم (الجزء ٢)


٥. المسيح وخدمة المجتمع


٦. اختلط المسيح بالناس


٧. المسيح أحب الخير لهم


٨. المسيح برهن على عطفه


٩. المسيح خدم حاجاتهم


١٠. المسيح ظفر بثقتهم


١١. المسيح أمرهم قائلاً لكلّ منهم: «اتْبَعْنِي»


١٢. الخدمة في المناطق الحضرية في زمن المنتهى


١٣. كيف ينبغي أن ننتظر؟